المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلو فيه، فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب".
الشرح
المعتزلة وهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي شرط في الانتساب إليهم فيقولون: إن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:
١. العدل.
٢. والتوحيد.
٣. والمنزلة بين المنزلتين.
٤. والوعد والوعيد.
٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالتوحيد عندهم: نفي الصفات.
والعدل: هو القول بالقدر.
والوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.
[ ٢ / ١١٧٣ ]
والمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.
فلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.
والاعتزال في حقيقته يحمل خليطًا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة بين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج، والرافضة.
فقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات، فزعموا أن ذات الله لا تقوم بها صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.
كما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.
كما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وأنه إذا ذهب بعضه زال كلّه.
وبناءً على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.
وأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم.
وأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية، والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.
فالمعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية
[ ٢ / ١١٧٤ ]
والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات (^١) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق (^٢)
والمعتزلة تعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد"
الشرح
يعقد المصنف مقارنة بين حال المرجئة وحال القدرية، ومعلوم أن القدرية عظموا الأمر والنهي وهذا ظاهر من خلال قولهم في الإيمان وقولهم في حكم مرتكب الكبيرة فهم يدخلون العمل في مسمى الإيمان ويقولون إن الإيمان قول واعتقاد وعمل وكذلك يقولون بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين في الدنيا وهو في الآخرة مخلد في النار، وهذه الأقوال يظهر فيها تعظيم الأمر والنهي وإن كانت أقوالًا خاطئة من جهة أخرى. "وقول القدرية والْخَوَارِجِ فِي عُمُومِ الْأُمَّةِ يقوم على أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ ذَنْبٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ كَانَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ. وَهَذَا
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣١.
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.
[ ٢ / ١١٧٥ ]
بَاطِلٌ خِلَافَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَخِلَافَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ. " (^١)
أما المرجئة فإنهم لم يعظموا الأمر والنهي بإخراجهم العمل عن مسمى الإيمان، وقد بين شيخ الإسلام أن المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم أحسنوا، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر. (^٢)
فالمرجئة مع قولهم بأن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش (^٣)، إلا أن قولهم بالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم. (^٤)
ومن المرجئة من تسترسل نفسه في المحرمات وترك الواجبات، حتى يكون من شر الخلق. (^٥)
فخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف. (^٦)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم
_________________
(١) - منهاج السنة النبوية ٦/ ٣٦٧.
(٢) انظر: «الفتاوى» (٢٠/ ١١١).
(٣) انظر: «الفتاوى» (١٧/ ١٠٥).
(٤) انظر: «الفتاوى» (٨/ ١٠٥)؛ و«التدمرية»، (ص ١٨٩ - ١٩٠) «الفتاوى» (٣/ ١٠٢)؛ و«درء التعارض» (٨/ ٢٣)؛ و«جامع المسائل» (٥/ ٣٧).
(٥) انظر: «منهاج السنة» (٥/ ٣٢٧).
(٦) انظر: «الفتاوى» (٢٠/ ١١١).
[ ٢ / ١١٧٦ ]
الخوارج الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة".
الشرح
يشير المصنف إلى ترتيب ظهور المقالات من حيث التسلسل الزمني فمقالة الخوارج ومقالة التشيع وكذلك مقالة مرتكب الكبيرة وكذلك مقالة القَدَر، فهذه المقالات أسبق ظهورًا من مقالةِ الإرجاء
مقالة الخوارج
فقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. (^١) إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥ هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧ هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين.
إلى مكان يقال له: "حروراء" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: "تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". (^٢)
وكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ٣٠٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١١٣ ط ١، دار المعرفة
[ ٢ / ١١٧٧ ]
فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:
"الأولى": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.
"الثانية": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك. (^١)
وبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم. (^٢) وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.
مقالة الشيعة
وحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.
الطائفة الأولى:
"الغلاة" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:
لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا
والطائفة الثانية:
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١، ٣٢.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
[ ٢ / ١١٧٨ ]
"السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).
والطائفة الثالثة:
"المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:
"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.
وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)
قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.
قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو "كانوا طيرًا لكانوا رخمًا". (^٢)
فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧
(٢) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.
[ ٢ / ١١٧٩ ]
السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.
ولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم. (^١)
ومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٢) والمجوس (^٣) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.
ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و"الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^٤)
ومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.
وقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.
ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٥)
_________________
(١) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤، ٣٠٥ «بتصرف»
(٢) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.
(٣) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.
(٥) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.
[ ٢ / ١١٨٠ ]
فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة، (^١) بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة. (^٢)
مقالة القدرية
ثم حدثت بعد ذلك بدعة "القدرية" في آخر عصر الصحابة (^٣) وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤ - ٧٣ هـ) بعد موت معاوية. (^٤)
ولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع. (^٥) ﵃.
وابن عباس مات (٦٨ هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤ هـ).
وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. (^٦)
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٣
(٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.
(٤) الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٥) منهاج السنة ص ١٠٣.
(٦) الحسنة السيئة ص ١٠٣.
[ ٢ / ١١٨١ ]
وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^١)
قال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له "معبد بن خالد، ويقال معبد ابن عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب. (^٢) مات قبل التسعين (^٣) قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين. (^٤)
وأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني (^٥)
قال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة (^٦) زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦ هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله (^٧) فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر. (^٨)
(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري،
_________________
(١) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.
(٢) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٤) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.
(٦) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٧) الشريعة للآجري ص ٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨.
(٨) ذم الكلام ص ٣٠٣.
[ ٢ / ١١٨٢ ]
مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) (^١).
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^٢)
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:
١ - "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
_________________
(١) ذم الكلام ص ٣٠٣.
(٢) ذم الكلام ص ٣٠٥.
[ ٢ / ١١٨٣ ]
٢ - "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^١)
مقالة المعتزلة
ثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^٢)
وكانت "الخوارج" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: "إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^٣) وخاض في ذلك المعتزلة بعد موت الحسن البصري (١١٠ هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^٤)
فقال عمرو عبيد (١٤٣ هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٥) والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.
(٢) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.
(٤) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.
(٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.
[ ٢ / ١١٨٤ ]
من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. (^١)
مقالة المرجئة
وحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان. (^٢)
وأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣ هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة).
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف "ذر" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)
وقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء. (^٣)
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) هو أول من قال بالإرجاء) (^٤)
وكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، (^٥) إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر
_________________
(١) شرح الأصفهانية ص ٦٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.
(٣) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٢٩ رقم ٦٧٧).
(٤) تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٨.
(٥) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧، ٣١١، ٥/ ٥٠٧.
[ ٢ / ١١٨٥ ]
بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي. (^١)
وصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.
وقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:
١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.
٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.
القسم الثاني: الذين قالوا: "هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به".
وهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.
القسم الثالث: الذين يقولون: "الإيمان هو القول فقط".
فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.
وهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨.
[ ٢ / ١١٨٦ ]
تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، والمشركون شر من المجوس".
الشرح
يشير المصنفُ بهذا إلى بعض كبار شيوخ المتصوفة المُدَّعين للتحقيق والتوحيد والعرفان؛ إذ وقع هؤلاء في هذا المزلق الخطير، وهو إقصاؤهم للأمور الشرعية، وتركيزهم على الحقائق الكونية القدرية، وإن كان نظرهم كذلك هو نظر الجبرية.
فالصوفية والجبرية يتكلمون بلسان واحد في باب القَدَر، فإذا ذكر الصوفية في هذه المسائل فاعلم أنَّهم جبرية؛ فهم والجهمية في خندق واحد، مع تعطيلهم لباب الحقائق الدينية، ومع تعطيلهم للأوامر والنواهي، فما أراده الجَهْمُ- وهو أول مَنْ برز بعد الجعد في مسائل الكلام- أراد هؤلاء أن يحققوه، فالهدف عندهم واحد، والطريق واحد، والمؤدَّى واحد، فانظر كيف يلتقي أهل الباطل مع بعضهم في هذه المسائل.
وقول المصنف: وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين".
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨ - ٥٥، ٥٦.
[ ٢ / ١١٨٧ ]
أي أنهم قد يشهدون ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقَدَّر على الناس من ذلك؛ بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حُكم رُبوبيته ومقتضى مَشيئته؛ فيَظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرِّضا به ونَحْو ذَلِك دينًا وطريقًا وعبادَة؛ ويقولون بأن هذا هو شهود الحقيقة الكونية.
وهذا وجه الغلط عندهم.
أنهم يقررون أن الكُفَّار لا يُلامون على كفرهم، وأنَّ العُصاة لا يلامون على معصيتهم؛ لأنهم- كما يزعمون- قد حَقَّقوا قدرَ الله تعالى!
فأصبح حالهم كحال القدرية من المشركين الذين قال الله ﷾ فيهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وكذلك في قولهم: ﴿أنطعم مَنْ لو يشاء الله أطعمه﴾ [يس: ٤٧]، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]؛ فمقولة هؤلاء وحالهم هي نفس مقولة أولئك وحالهم.
ومعلوم عن طائفة من أهل التصوف أنهم عطلوا العبودية عن معناها الحق؛ فجعلوا أمر التوحيد مقصورًا على الإيمان بالحقائق الكونية القدرية؛ فلهم انحراف في باب القَدَر، وخلاصته أنهم جبرية.
وكذلك في مقام التوكل أسقطوا الأسباب، ولم يُفَرِّقوا بين مشيئة الله ﷿ الكونية القدرية وبين مشيئته الدينية الشرعية؛ فلم يفرقوا بين ما شاءه الله كونًا وقدرًا، وبين ما أحبَّه دينًا وشرعًا، وجعلوا الأمرين على حدٍّ سواء؛ فتخبطوا وضَلُّوا في هذا الباب.
ونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^١)
_________________
(١) ذم الكلام ص ٣٠٥.
[ ٢ / ١١٨٨ ]
وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.
فلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:
١ - "النفاة": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.
٢ - "المجبرة" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^١)
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله".
الشرح
فلا يدخل الإنسان الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.
[ ٢ / ١١٨٩ ]
الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله -ﷺ-؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
فمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره -ﷺ-، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه -ﷺ-؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر الأية: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. " (^٢)
وقال أيضًا" " (فأما الشهادتان) إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها" (^٣)
وقال أيضًا: "إن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان" (^٤)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤) وأبو داود (٣١١٦) بلفظ: «دخل الجَنَّة» من حديث معاذ؟، وحسنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦٨٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٠٢).
(٣) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦٠٩ (.
(٤) «الصارم المسلول» (ص ٥٢٥) والمقصود بالقول هنا: شهادة ألا إله إلا الله. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤٦): (فأما القول المراد به النطق بالشهادتين). اهـ. وهذا ليس حصرًا لقول اللسان بالشهادتين وإنما الكلام عن القول الذي هو شرط في الإيمان ..
[ ٢ / ١١٩٠ ]
قال الإمام النووي تعليقًا على حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (^١) "وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به النبي ﷺ" (^٢)
وقال أيضًا: "واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا" (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجماع الدَّين أصلان:
أَلَّا نَعْبد إِلَّا اللهَ، ولَا نَعبدُه إِلَّا بِمَا شرع، لَا نَعبده بالبدع، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].
وذَلِكَ تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ: شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، وشَهَادَة أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.
فَفِي الأولى: أَلَّا نَعْبد إِلَّا إِيَّاه.
وفِي الثَّانِيَة: أَنَّ مُحَمَّدًا هُو رَسُوله المبلِّغ عَنهُ، فعلينا أَنْ نصدق خَبره ونُطيع أمره.
وقد بَيَّن لنا مَا نَعْبد الله بِهِ، ونهانا عَنْ محدثات الأُمُور، وأخْبر أَنَّهَا ضَلَالَة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وجهه لله وهُو محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه ولَا خوف عَلَيْهِم ولَا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَة الآية: ١١٢].
وكما أنَّنا مأمورون أَلَّا نَخَاف إِلَّا الله، ولَا نتوكل إِلَّا على الله، ولَا نَرغب إِلَّا إِلَى الله، ولَا نستعين إِلَّا بالله، وألَّا تكون عبادتنا إِلَّا لله، فَكَذَلِك نَحن مأمورون أَنْ نَتَّبع الرَّسُول ونُطيعه ونتأسى بِهِ؛ فالحلال مَا حَلَّله، والَحرَام مَا حَرَّمه، والدِّين مَا شَرعه؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله ورَسُولهوقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٢١٢).
(٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٤٩).
[ ٢ / ١١٩١ ]
إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التَّوْبَة الآية: ٥٩]، فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، كَمَا قَالَ: ﴿ومَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ ومَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ [الحَشْر الآية: ٧]، وجعل التَّوكُّل على الله وحده بقوله: ﴿وقَالُوا حَسبنَا الله﴾ [التوبة الآية: ٥٩]، ولم يقل: ورَسُوله- كَمَا قَالَ فِي وصف الصَّحَابَة ﵃ فِي الآيَة الأُخْرَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنْ النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وقَالُوا حَسبنَا الله ونعم الوكِيل﴾ [آل عمرَان الآية: ١٧٣]، ومثله قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله ومن اتبعك من المُؤمنِينَ﴾ [الأَنْفَال الآية: ٦٤]، أَي: حَسبك وحسب المُؤمنِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ [الزمر الآية: ٣٦]- ثمَّ قَالَ: ﴿سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله﴾ [التوبة الآية: ٥٩]، فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، وقدم ذكر الفضل لله؛ لِأَن ﴿الفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾ [الحديد الآية: ٢٩]، وله الفضل على رَسُوله وعَلى المُؤمنِينَ، وقَالَ: ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التوبة الآية: ٥٩]؛ فَجعل الرَّغْبَة إِلَى الله وحده، كَمَا فِي قَوْله: ﴿فَإِذا فرغت فانصب * وإِلَى رَبك فارغب﴾ [الشَّرْح الآية: ٧، ٨].
وقَالَ النَّبِي -ﷺ- لِابْنِ عَبَّاس: «إِذا سَأَلت فاسأل الله، وإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ باللهِ» (^١)، والقُرْآنُ يدلُّ على مِثل هَذَا فِي غير مَوضِع.
فَجعل العِبَادَة والخشية والتَّقوى لله، وجعل الطَّاعَة والمحبة لله ورَسُوله، كَمَا فِي قَول نوح ﵇: ﴿أَنْ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح الآية: ٣]، وقَوله: ﴿ومن يطع الله ورَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ [النُّور الآية: ٥٢]، وأمثال ذَلِك.
فالرسل أمروا بِعِبَادَتِهِ وحده، والرَّغْبَة إِلَيْهِ، والتوكل عَلَيْهِ وطاعته، والطَّاعَة لَهُم، فأضَلَّ الشَّيْطَانُ النَّصَارَى وأشباهَهم؛ فأشركوا باللهِ وعصوا الرَّسُول، فـ ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم﴾ [التوبة الآية: ٣١]، فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم ويتوكلون عَلَيْهِم، ويَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسُنَّتهم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٦٦٩) والترمذي (٢٥١٦)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).
[ ٢ / ١١٩٢ ]
وهدى الله المُؤمنِينَ المخلصين لله؛ أهلَ الصِّرَاط المُسْتَقيم الَّذين عَرفُوا الحقَّ واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المَغضوب عَلَيْهِم ولَا الضَّالِّين؛ فأخلصوا دينهم لله، وأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبِّهم، وأحبوه ورَجوه، وخافوه وسألوه، ورَغبُوا إِلَيْهِ، وفَوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رسله وعَزَّروهم ووقَّروهم، وأحبُّوهم ووالوهم، واتَّبَعوهم واقتفوا آثَارهم واهتدَوا بمنارهم.
وذَلِكَ هُو دينُ الإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ الأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وهُو الدِّين الَّذِي لَا يَقبل اللهُ من أحد دينًا إِلَّا إِيَّاه، وهُو حَقِيقَة العِبَادَة لربِّ العَالمين" (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين".
الشرح
تقدم ذكر هذه المسألة وشرحها وبيان أن نظار أهل الكلام لما عرَّفوا التوحيد وقَسَّموه قالوا: إنَّ الله واحد في ذاته لا قَسِيم له، وواحدٌ في صِفاته لا نَظِير له، وواحدٌ في أفعاله لا شريكَ له.
وهم بهذا التعريف أسقطوا ذِكر وعَدَّ توحيد العبادة، ولم يجعلوه قِسْمًا من أقسام التوحيد؛ بل إنهم زيادة على ذلك فسَّرُوا معنى: لا إله إلا الله بقولهم: لا لا ربَّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٦/ ١٣٧ - ١٢٨.
[ ٢ / ١١٩٣ ]
ولا مالك ولا خالق، ولا قادر على الاختراع إلا الله ﷾، ولمَّا عرفوا الإله حصروا معنى الألوهية في الربوبية، وقالوا: إن الإله هو: القادر على الاختراع والخَلْقِ (^١).
وقد تقدم بيان أن هذا القدر من التوحيد لم ينفع كفار قريشـ وأنه لابد من يجتمع مع هذا الإقرار بتوحيد الألوهية، وبهذا يتضح إخلال نظار أهل الكلام بالأصل الأول الذي هو "شهادة أن لا إله إلا الله".
وأما عن الإخلال بالأصل الثاني الذي هو "شهادة أن محمدًا رسول الله" فهذا هو ما وقع فيه طوائف من المتصوفة بابتداعهم أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان؛ فحالهم يدور بين البِدعة وإحداث شرع لم يَأذن به الله؛ حيث لا دليل عليه ولا مُستمسك، وإنما هم على باطل.
_________________
(١) انظر: «أصول الدين» للبغدادي (ص ١٢٣)، و«المِلل والنِّحل» للشهرستاني (١/ ١٠٠)، و«مجرد مقالات الأشعري» لابن فورك (ص ٤٧).
[ ٢ / ١١٩٤ ]