المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨١]، قال ابن عباس ﵄: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
الشرح
جميع الرسل قد جاءهم الأمر من الله تعالى أن يؤمنوا بمحمد -ﷺ-، وأخذ عليهم الميثاق بذلك.
"فمن الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ
[ ٢ / ١٠٨١ ]
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران الآية: (٨١)].
وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قولهما: "ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه". (^١)
فهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس (^٢).
ولهذا فقد كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ وبمبعثه ومكان بعثته ومهاجره، كما ورد وصفه في كتبهم حتى إنهم ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٤٦ [
وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ [الأعراف الآية (١٥٧)].
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ حينما سئل عن وصف النبي ﷺ قال: "أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، فأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر،
_________________
(١) أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٣٢) وأوردهما ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٨).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).
[ ٢ / ١٠٨٢ ]
ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا " … (^١). (^٢).
قال السعدي ﵀: "يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولًا مصدًقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد" (^٣).
- وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة الآية: ٤٨].
فقد بين الله- جل وعلا- في هذه الآية أنه جعل نبينا محمد -ﷺ- مصدقًا لجميع الرسل الذين بعثوا من قبله.
فَإِنَّ أَصْلَ الْأُصُولِ تَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ وَعَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ مُلُوكِهِمْ وَسُوقَتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ ﷿ لِأَحَدِ مِنْ الْخَلْقِ إلَّا بِمُتَابَعَتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، حَتَّى لَوْ أَدْرَكَهُ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) ح ٢١٢٥"
(٢) انظر: حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٣) تيسير الكريم الرحمن (ص: ١٣٦).
[ ٢ / ١٠٨٣ ]
تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران الآيات ٨١ - ٨٢].
ولأن نبينا محمدًا -ﷺ- خاتم الأنبياء، فقد جعل الله شريعته خاتمة الشرائع وناسخة لها؛ فلا يحل لأحد بعد بعثة نبينا محمد -ﷺ- أن يترك الإيمان به زاعمًا أنه يؤمن بنبي سابق، بل يجب الإيمان بهم جميعًا، من تمام الإيمان برسولنا محمد -ﷺ- أن يؤمن بأنه ناسخ لكل من سبقه من الرسل.
وهذا ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة والإجماع.
أولًا: الأدلة من القرآن:
- قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥].
قال القاضي عياض: "كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه" (^١).
- قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].
قال ابن كثير عند تفسيرها: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … " (^٢).
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢).
[ ٢ / ١٠٨٤ ]
وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح الآية: (١٣). [
ثانيًا: الأدلة من السنة:
وردت في السنة أحاديث كثيرة جدا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.
وسأورد ههنا بعضا من تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال": أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (^١).
ب- وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (^٢).
ج- وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يَسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، انظر: فتح الباري (١/ ٧٥) ح ٢٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، انظر (١/ ٣٩) ..
[ ٢ / ١٠٨٥ ]
أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (^١).
د- وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم": أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس " الحديث ٣ (^٢).
ثالثًا: دليل الإجماع.
إن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم-أهل الكتاب وغير أهل الكتاب- (^٣)
فإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا ﷺ بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.
وهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.
والأدلة والنصوص تثبت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام (١/ ١٣٤ رقم ١٥٣).
(٢) أخرجه البخارى في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٤).
[ ٢ / ١٠٨٦ ]
رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.
فنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها.
ولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها (^١) كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.
وإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.
كما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وجعل الإيمان بهم متلازمًا، وكفَّر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا • أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء الآيات: ١٥١ - ١٥٢]، وقال تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
_________________
(١) لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع: انظر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٨) وما بعدها.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة الآية: ٨٥]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ • فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة الآيات: ١٣٦ - ١٣٧]، فأمرنا أن نقول آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد -ﷺ- فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا، وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن.
الشرح
أكد الإسلام وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة الآية: ٢٨٥. [
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.
ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
ظاهرين" (^١).
وفي مقابل ذلك فقد عد تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء الآيتان: (١٥٠، ١٥١)].
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبى بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية" (^٢).
فلا يقبل الله الإيمان من أحد إلا بأن يؤمن بجميع الرسل، وبين أنه لن يقبل من أحد أن يفرق بين الرسل، فيؤمن ببعضهم ويكفر ببعضهم.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]. قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]، فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٩٧].
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٤٢).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي -ﷺ-: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، ولهذا لما وقف النبي -ﷺ- بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].
الشرح
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا أَنْزَلَ الله هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ حَجَّ الْبَيْتِ وَاجِبًا عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.
وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا يَرَوْنَهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ» (^١). اهـ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً» (^٢). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فالمقصود من الحج: عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: «حنفاء لله، أي حجاجا». فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت» (^٣). اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقال الأصمعي من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عند العرب.
قلت: ولهذا يوجد في كتب بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم وفي كلامهم معاداة الحنيف وهم هؤلاء العرب الذين كانوا يحجون ويختتنون وهم مشركون، فإن النصارى لا يحجون ولا يختتنون ولا يتعبدون بالختان بل أكثرهم ينهى عنه وفيهم من يختتن» (^٤). اهـ
وقال الحافظ ابن كثير ﵀: «﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآيات: ٩٦ - ٩٧].
يُخْبر تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضع لِلنَّاسِ، أَيْ: لِعُمُومِ النَّاسِ، لِعِبَادَتِهِمْ ونُسُكهم، يَطُوفون بِهِ ويُصلُّون إِلَيْهِ ويَعتكِفُون عِنْدَهُ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يَعْنِي: الْكَعْبَةَ الَّتِي بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ [﵇] الَّذِي يَزْعم كُلٌّ مِنْ طَائِفَتَيِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِهِ
_________________
(١) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٢/ ١٢٥)
(٢) «شرح العمدة» (١/ ٢١٤)
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣٧٠).
(٤) «جامع المسائل» (ص: ١٨٤)
[ ٢ / ١٠٩١ ]
ومنهجِه، وَلَا يَحجُّون إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ عَنْ أَمْرِ الله لَهُ فِي ذَلِكَ وَنَادَى النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُبَارَكًا﴾ أَيْ وُضع مُبَارَكًا ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾» (^١). اهـ
وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دُونَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَنْصَارُ رَسُولَ الله ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الله ﷿، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَالله يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ» (^٢) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ﵀: " وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ يَحُجُّونَ إلَى آلِهَتِهِمْ كَمَا يَحُجُّونَ إلَى سمناة وَغَيْرِهِ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى يَحُجُّونَ إلَى قُمَامَةَ وَبَيْتِ لَحْمٍ وَيَحُجُّونَ إلَى الْقَوْنَة الَّتِي بصيدنايا وَالْقَوْنَة الصُّورَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الَّتِي بِهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا وَيَدْعُونَهَا وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهَا. " (^٣)
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَافِرٌ، وَالله غَنِيٌّ عَنْهُ.
وَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴿أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَالله غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ مِنْ أَنَّهُمَا قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٧٧).
(٢) «زاد المعاد» (٣/ ٤٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٣٥٥).
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]، قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الله فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا». قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٩٧].
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ».
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً، وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ الله فَلَا يَضُرُّهُ، مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا; وَذَلِكَ بِأَنَّ الله قَالَ: وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران الآية: ٩٧].
ثم ذكر ﵀ تضعيف الحديث فقال: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (^١) وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ
_________________
(١) جاء حديث مرفوع «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا»، وقد استدلال بعض أهل العلم بهذا الحديث على ذلك، وهذا الحديث قد جاء عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الله يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]» رواه الترمذي في «جامعه» (٣/ ١٦٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٤٣) وغيرهما. وقال الترمذي ««هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ»
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والحديث ضعيف جدا إن لم يكن موضوعا: فيه هلال بن عبد الله مولى ربيعة، قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وليس بالمحفوظ. وقال العُقَيْلي: «لا يتابع عليه»، وقال البيهقي «شعب الإيمان (٥/ ٤٤٣) «تَفَرَّدَ بِهِ هِلَالٌ أَبُو هَاشِمٍ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاق» اهـ، وقال الحافظ ابن حجر «متروك»، وأيضا فيه الحارث الأعور كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ الْمَدِيَنِيِّ، وقد ضعف الحديث الإمام الألباني ﵀. وجاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» رواه الدارمي في «سننه» (٢/ ١١٢٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ١٩٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٤٣). وهذا حديث ضعيف: فيه لَيْثٌ ابن أبي سليم ضعِيف، وشريك سيءُ الحفظ، وعبد الرحمن لم يسمع من أبي أمامة وهو كثير الإرسال. قال الحافظ الذهبي ﵀ في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٦٩): «هذا منكر عن شريك». اهـ وقال ابن عدي ﵀ في «الكامل» (٦/ ١٣٨): «وهذان الحديثان عَنْ أبي هلال وشَرِيك، غير محفوظين». اهـ وقال العراقي ﵀ في «تحفة التحصيل» (ص: ١٩٧): «عبد الرَّحْمَن بن سابط عَنْ أبي بكر الصّديق قَالَ أَبُو زرْعَة مُرْسل وَعَنْ سعد بن أبي وَقاص وَأبي أمامة وَجَابِر، قَالَ ابْن معِين هُوَ مُرْسل لم يسمع مِنْهُم، قَالَ العلائي أرسل عَنْ النَّبِي ﷺ وَعَنْ أبي بكر ومعاذ وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة كثيرا قَالَه فِي التَّهْذِيب وَأثبت لَهُ ابْن أبي حَاتِم السماع من جَابر» اهـ وهو هنا عن أبي أمامة ﵁. وقد جاء مرسلا: رواه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه «(٣/ ٣٠٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مرسلا: فقال: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عن رسوله الله ﷺ. وكذلك أخرجه الإمام الخلال ﵀ في «السنة» (٥/ ٤٦): فقال: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ عن رسوله الله صلى الله وسلم. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٨٦): «لَيْثٌ ضَعِيفٌ، وَشَرِيكٌ سيء الْحِفْظِ، وَقَدْ خَالَفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَأَرْسَلَهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ …» فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ لَيْثٍ مُرْسَلًا» اهـ. فالحديث ضعيف مرفوعًا فيه عدة علل لا يصلح بعضها شواهد ومتابعات لبعض.
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد جاء موقوفًا عن عمر بن الخطاب ﵁ رواه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه»: (٣/ ٣٠٦): قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وقَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ، عَنْ عُمَرَ، مِثْلَهُ». ورواه الإمام الخلال ﵀ في «السنة» (٥/ ٤٥) فقال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَرْزَمٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵀: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا». وهذا أثر صحيح إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد صحح الموقوف عدد من الأئمة: قال الإمام البيهقي ﵀ في «السنن الكبرى» (٤/ ٥٤٦) «وَهَذَا وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ- أبي المرفوع- فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁» اهـ والذي يظهر أن تلك الطرق ليست محفوظة، ولا تنفع في الشواهد والمتابعات، فهي ضعيفة فيها عدة علل كما تقدم. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٢٦): «وَلَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ؛ إلَّا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ، فَيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ لَهُ جَدَّةٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ». لَفْظُ سَعِيدِ، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيّ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا». يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَوَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً وَخَلَّيْت سَبِيلَهُ» اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما سبق: «وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁» اهـ وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (٢/ ٧٣): «وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ يَهُودِيًّا مَاتَ أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى عُمَرَ ﵁». اهـ وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٢). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (١/ ٢٠٥): «وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى». اهـ وقال الشيخ الألباني ﵀: «الضعيفة» (١٠/ ١٦٦): «وإنما ثبت ذلك من قول عمر بن الخطاب موقوفًا عليه». اهـ المصدر: بحث هل كان اليهود والنصارى يحجون البيت الحرام - من موقع: أبو حمزة محمد بن حسن السوري.
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى» (^١) اهـ.
_________________
(١) «أضواء البيان» (١/ ٢٠٣).
[ ٢ / ١٠٩٦ ]