المنهج الصحيح الذي بعث الله به رسله صلوات الله عليهم هو إثبات صفات الكمال على سبيل التفصيل، أما النفي لصفات النقص فجاء على ألسنتهم مجملًا؛ وهذا المنهج الرباني قد جانبه الفلاسفة الجهمية والباطنية ومن نحا نحوهم تمام المجانبة، فوقعوا في الضلال.
[ ٢ / ١ ]
بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [والله سبحانه بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قال أهل اللغة: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال: مساميًا يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] مثيلًا أو شبيهًا].
الإثبات المفصل يتمثل بما جاء تعداده من الأسماء الحسنى لله ﷿، ومن صفات الكمال والأفعال لله ﷿، وهذا قد ورد تفصيله في الكتاب والسنة، وهذا يسمى إثباتًا مفصلًا، ولذلك لابد من الإشارة إلى أمر مهم في مثل هذا المقام، وهو: أن الكتاب والسنة -أي: ما صح عن رسول الله ﷺ- قد اشتملا على صفات الكمال المطلق لله ﷿، بما لا يحتاج البشر معه إلى تقرير أسماء وصفات لله من عند أنفسهم، نعم أسماء الله وصفاته لا تحصى ولا تعد، وليست محصورة فيما ذكره لنا، لكن ما ذكره الله ﷿ من أسماء وصفاته، وما ذكره له رسوله ﷺ من أسمائه وصفاته تشمل كل كمال يمكن أن يرد على ذهن بشر، بل يمكن أن يخطر على بال مخلوق، وكل كمال يمكن أيضًا أن ينطق به البشر على أي لغة؛ لأن كل ما جاء في الكتاب والسنة يشمل هذا الكمال وزيادة، بمعنى: أن أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة تتضمن كل كمال يمكن أن يرد في أذهان المخلوقات، وعلى ألسنة البشر بأي لغة، وعلى هذا فهم ليسوا بحاجة إلى تقرير اسم أو وصف جديد لله ﷿، ويتفرع عن هذا الأصل أصل آخر، وهو: أنه لو افترضنا أن أحدًا قال: أنا أعرف من الكمالات ما لم يرد في الكتاب والسنة، فنقول له: هات ما عندك، فلو جاء من عنده بوصف كمال فلابد أن يرجع هذا الوصف إلى ما ورد في الكتاب والسنة، بمعنى: أن الألفاظ الجوامع في أسماء الله وصفاته لابد أن تتضمن كل ما يرد على أذهان البشر وزيادة، يعني: أنها تفي بما يرد على أذهان البشر وزيادة، بل لله من الأسماء ما يمكن أن يجمع جميع الكمالات، مثل: اسم الجلالة: (الله)، و(الحي القيوم) و(ذو الجلال والإكرام)، و(العلي العظيم)، ونحو ذلك من الأسماء التي تشمل كل كمال.
[ ٢ / ٢ ]
منتهى الكمال في أسماء الله تعالى وصفاته
ومنتهى الكمال يرجع إلى ثلاثة أمور: الأول: كمال العلم، فالله ﷿ بكل شيء عليم، وقد ورد من أسمائه وصفاته الدالة على كمال العلم ما لا يمكن أن يأتي البشر بأفضل منه.
الثاني: كمال القدرة، فالله ﷿ على كل شيء قدير، وكل ما يمكن أن يرد في أذهان الناس من وصف كمال القدرة فقد تضمنته أسماء الله وصفاته في الكتاب والسنة.
الثالث: كمال الغنى، فالله ﷿ هو الغني، وكل العباد مفتقرون إليه، ولا يمكن للبشر أن يأتوا بوصف يدل على كمال الغنى أفضل مما ورد في الكتاب والسنة، وعلى هذا فإن ألفاظ الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته كافية لتتضمن كل كمال ممكن أن يرد على أذهان البشر وفي لغاتهم، ومن هنا لا يحتج محتج أو يدعي مدع أنه بحاجة إلى أن يقرر لله من الأسماء والصفات ما لم يرد في الكتاب والسنة، وكما قلت: بأن الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة ليست حاصرة لكمال الله، فلله من الكمال ما لا تحيط به العقول، وقد ورد ذلك في كثير من الأحاديث، مثل دعاء النبي ﷺ: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، أي: أن الله قد استأثر في علم الغيب من الكمال له، والأسماء والصفات ما لم يرد في الكتاب والسنة؛ لأنها فوق مدارك البشر.
وكذلك ما ورد في حديث الشفاعة: أن النبي ﷺ سيدعو الله في ذلك الموقف العظيم بمحامد يلهمه إياها لم يكن يعرفها في الدنيا، ولاشك أن كمال الله لا يحاط به.
إذًا: بعث الله رسله بإثبات مفصل، فقد فصل الله من أسمائه وصفاته ما فيه الكمال المطلق مما تدركه مدارك البشر، وما لا تدركه مما حجب عنها أعظم وأكثر مما ورد، والله أعلم.
وأما النفي المجمل، فيعني: نفي النقائص عن الله ﷿، مثل قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فيدخل فيه نفي كل ما يمكن أن يتصور ويرد من النقائص، ومثل قوله ﷿: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، نفي مجمل لجميع النقائص، ولا نحتاج إلى أن نفصل كما تفعل الفلاسفة وأهل الكلام، فتكثر من كلمة: (لا) في أوصاف الله ﷿، فيقولون: لا كذا ولا كذا، ولا يفعل كذا ولا كذا، وهذه كلها إساءة أدب مع الله ﷿، فالله ﷿ يكفي في تنزيهه بالنفي المجمل الذي ورد في الكتاب والسنة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، لكن قد يقول قائل: ألم يرد نفي نقائص في القرآن والسنة غير هذه؟
و
الجواب
نعم، قد ورد نفي النقائص التي وردت في عقائد أهل الباطل، ولذلك لا أعرف أن هناك نفيًا لم يرد ضد اعتقاد باطل على ألسنة البشر من المشركين والمنافقين والضالين، وكل ما ورد نفيه مما اعتقده أهل الباطل في الله ﷿ هو من النقائص، ولذلك تكفي هذه المجملات، وأما الأسماء والصفات فقد جاءت مفصلة كما هو معلوم.
[ ٢ / ٣ ]
التفصيل في نفي المشابهة عن الله ﷿ دون المماثلة
كما قد يقول قائل أيضًا: إن الله ﷿ قد نفى المماثلة ولم ينف التشبيه، وعليه فيجوز أن يشبه الخالق بالمخلوق، فما رأيكم؟
و
الجواب
نعم، لم يرد نفي المشابهة في القرآن، وإنما ورد نفي المماثلة فقال الله ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، فنفى المماثلة ونفى الكفؤ، وبقيت مسألة التشبيه، فلم يرد نفي التشبيه في الكتاب ولا في السنة، ولذلك قال السلف: مسألة التشبيه من الألفاظ المجملة التي ضلت بها كثير من الفرق، فالمشبهة وقعوا في التشبيه بدعوى أن الله ﷿ لم ينف التشبيه، لكنه نفى المماثلة، فقالوا: يجوز أن نشبه صفات الخالق بصفات المخلوق تشبيهًا مطلقًا، وهؤلاء كفروا، وصنف آخر: بالغوا في نفي التشبيه، وأدخلوا فيه ما ليس منه، وجعلوا إثبات الصفات من التشبيه، زعمًا منهم أنه لا يمكن أن نثبت الأسماء والصفات إلا ونقع في المشابهة، ومن هنا نفوا الأسماء والصفات، وهؤلاء ضلوا عن الحق.
إذًا: من نفى التشبيه بقصد نفي المماثلة مطلقًا فهذا هو الحق، ومن نفى المشابهة بقصد المشابهة اللفظية فنقول: لا؛ لأن هذه لابد أن نأخذها على قواعد الشرع، فمثلًا: لو قال: أنا أنفي أن يكون الله سميعًا بصيرًا؛ لأن السمع والبصر من صفات المخلوقين، وهذه مشابهة، فأنا أنفي السمع والبصر؛ لأنها توقع في المشابهة، فنقول: لا؛ لأن المشابهة الحقيقية غير واردة، فالله ﷿ له من الصفات ما يليق بجلاله، مثل: السمع والبصر، بينما سمع وبصر المخلوقات يليق بضعفها ونقصها، ووجود التشابه اللفظي بين صفات الله وصفات المخلوقين ليس تمثيلًا وليس تشبيهًا من جميع الوجوه، وإنما هو تشابه لفظي، وعلى هذا لابد من التفصيل: فالتشابه اللفظي واقع، لكن لا يدل على تشابه في الكيفية؛ لأن التشابه في الكيفية ممنوع.
والخلاصة: إن قصد بنفي التشبيه نفي المماثلة فنعم؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وإن قصد نفي المشابهة فهذا فيه تفصيل، فالمشابهة اللفظية واردة، ولا دخل لها في حقائق الأمور ولا في الكيفيات، أما المشابهة الكيفية فهي غير واردة.
[ ٢ / ٤ ]
شواهد من القرآن لطريقة الرسل في الإثبات والنفي
قال المصنف ﵀: [وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان:١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٦٠] إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]، فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلم على المرسلين، لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات.
وأما الإثبات المفصل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] الآية بكمالها].
[ ٢ / ٥ ]
اشتمال اسم الجلالة على كل كمال
اسم الجلالة: (الله) يشمل كل كمال؛ لأن الألوهية تشمل معاني من الكمال لا تكاد تحصى، فالله بمعنى: المألوه، أي: المعبود الذي تنجذب إليه جميع المخلوقات، بخلاف الربوبية فهو انجذاب قسري، أما بالعبادة فهو انجذاب اختياري لمن وفقهم الله ﷿ وهداهم، كما أن من معنى الألوهية: المحبة، والكمال؛ لأنه لا يستحق الألوهية إلا الكامل، ومن معاني الألوهية كذلك: الحياة، فإنه لا تكون ألوهية إلا للحي وهكذا.
وعليه فاسم الجلالة: (الله) قد تضمن الكمالات كلها، ولذلك نجد أنه إذا تأمل الإنسان هذا اللفظ عند النطق به، تجد أنه يخرج من أقصى كيان الإنسان، فإذا استشعر المسلم وهو يعبر بهذه الكلمة ما في قلبه من المعاني، وما على لسانه من اللفظ بها، يجد أنه ينجذب بهذه الكلمة إلى كمال لا ينتهي إلى حد.
إذًا: اسم الجلالة: (الله) شامل لجميع الكمال، لاسيما كما ذكرت بأن معانيه اللغوية متعددة، وكل معنى منها يدل على كمال من الكمالات التي لا نهاية لها.
وكذلك في هذه الآية قوله ﷿: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهذان الاسمان لله ﷿ يدخل فيهما كل كمال، وكذلك بقية أسماء الله ﷿ الجامعة التي سيعدها الشيخ هنا، إذ أنها من الأسماء أو الألفاظ ذات المعاني المتعددة التي تشتمل على الكمال، مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] و﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] و﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] و﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] إلى غير ذلك من أسماء الله ﷿.
[ ٢ / ٦ ]
مجيء القرآن بإثبات أسماء الله وصفاته على وجه التفصيل
قال ﵀: [وقوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] السورة، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦]، ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٣ - ٤].
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] الآية، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤].
إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين].
إن منهج جميع المرسلين أنهم جاءوا بإثبات أسماء الله وصفاته، ووصفه بالكمال، وبيان وحدانيته في الربوبية والإلهية، ولذلك فإنه من هذا الجانب، أي: جانب التوحيد والعقيدة، فإن الرسل كلهم دينهم واحد، وكلهم جاءوا بإثبات الكمال لله ﷿، ووصفه بصفات الكمال، وكلهم جاءوا بالدعوة إلى توحيد الله، وإنما اختلفت شرائعهم، فالشرائع جاءت لكل صنف من البشر، ولكل أمة من الأمم بحسب ما تحتاجه، وبحسب حالها وزمانها وظروفها، ولم تأت شريعة لجميع البشرية إلا هذه الشريعة الخالدة التي أنزلها الله على محمد ﷺ، فهي آخر الشرائع وأتم الشرائع، وهي عامة لجميع البشرية إلى قيام الساعة.
وأما التوحيد فإنه المتمثل في أركان الإيمان، والدعوة إلى التوحيد، ونفي الشرك، وكل الرسل جاءوا بشعار أو بقاعدة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فلم يختلف جميع المرسلين في ذلك، بل صاروا في هذا الأمر على منهاج واحد، كما وصفهم النبي ﷺ بالإخ
[ ٢ / ٧ ]
طريقة مخالفي الرسل
قال ﵀: [وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة المتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان].
قبل أن يفصل الشيخ في قولهم أحب أن أشير إلى ما سبق تقريره في أكثر من درس: نظرة الفلاسفة والأمم الضالة لله ﷿، إذ إنها نظرة قاصرة، فالفلاسفة ومن تفرع منهم عقيدتهم في الله باطلة، وجميع الفرق التي ضلت، سواء من اليهود أو النصارى أو في هذه الأمة -في باب أسماء الله وصفاته- كلها إنما تعتمد على أوهام الفلاسفة، أو على الشبهات العقلية التي هي من جنس شبهات الفلاسفة، وقد ذكر الشيخ نماذج من الفلاسفة والأمم الضالة، كالصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية وغيرهم، ونظرتهم لله ﷿ نظرة تجريدية سلبية، أعني: أنهم لا يعتقدون لله وجودًا حقيقيًا ذاتيًا، ولذلك توهموا بأنه لا يقبل الأسماء والصفات، وهم في هذا يختلفون اختلافًا كبيرًا في تصورهم عن الله، وفي توهمهم عن الله، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات:١٠ - ١٢]؛ لأنهم لما ضلوا في معرفة الله ﷿ ضلوا حتى عن يوم القيامة فلم يدركوه، فهذه الأمم وهذه المناهج الفلسفية تقوم على اعتقاد أنه ليس لله وجود حقيقي يقبل الوصف ويقبل الأسماء، ولا يقبل أن يكون له أفعال، هذا التصور التجريدي لهم فيه مناح كثيرة، ولذلك كثر اعتقادهم في الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.
ومنهم من يرى أن وجود الله ﷿ مجرد وجود عقلي، أي: أن هناك عقلًا مدبرًا لهذا الكون، ومنهم من اعتقد أن وجود الله وجود روح فقط، أي: عبارة عن كيان معنوي يحرك هذا الكون كما تحرك الروح الجسد، وبعضهم يتوهم لله أشياء وتصورات، لذا كان أغلب تصورات الفلاسفة والباطنية والجهمية تدور حول هذا، أي: أن الله ﷿ مجرد قوة، أو مجرد عقل فعال، أو عقل مدبر، أو أنه روح، أو نحو ذلك من هذه الأوصاف التي إذا تأملناها فإنها تؤدي إلى عدم اعتقاد أسماء حقيقية وأوصاف حقيقية لله ﷿، وإن قال بعضهم بالأسماء أو ببعض الأسماء وببعض الأوصاف، فمن باب أنه يوصف بها الأمر الذي يتصور في الأذهان صار تصورهم لله تصورًا لا يعدو أن يكون في الأذهان، وهذا معنى كلام الشيخ: وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان.
مع أننا لا نقول: في الأعيان، ولا في غير الأعيان، نحن نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، لكن حتى نعرف سبب ضلال هؤلاء، إذ إن ضلالهم ناشئ عن أنهم لا يعتقدون لله وجودًا حقيقيًا، ولا يعتقدون لله وجودًا منفصلًا عن المخلوقات، ومن هنا لا يتصف عندهم بالعلو، ولا يتصف بالفوقية، ولا يتصف بالاستواء، ولا يتصف بكثير من الصفات؛ لأنها تؤدي إلى وجود حقيقي، بل إن بعضهم قد نفى الأسماء؛ لأنه إذا سمي فلابد أن يكون له مسمى، والمسمى لابد أن يكون له وجود حقيقي، وهم لا يعتقدون الوجود الحقيقي، وكذلك الذين نفوا الصفات قالوا: الصفات لابد أن تدل على موصوف، والموصوف لابد أن يكون له ذات، والله ﷿ منزه من أن يكون له وجود ذاتي، ومعلوم أن هذه اللوازم لا نلتزمها، لكن نحن نلتزم المعاني الحقة، بمعنى: أننا نقول: ماذا تقصدون بالذات؟ إن قصدتم بالذات أن لله وجودًا حقيقيًا، وأن له الأسماء والصفات، وأنه فعال لما يريد، فالله ﷿ موصوف بذلك، لكن كلمة: (ذات) من الكلمات التي يعبر بها عن الإثبات، وليست من أسماء الله وصفاته، وإنما هي تعبير مثلما نقول: شيء، ومن هنا أيضًا تدركون أن هؤلاء لا يرون أن الله شيء، فالله ليس بشيء عندهم.
ومن هنا نشأت عقائد الباطنية، وعقائد الفلاسفة، وعقائد أصحاب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وهذه الثلاثة الأخيرة إلحادية شركية فلسفية تقوم على ما ذكرته لكم من قبل، فالذي يرى أن الله روح يرى أن الروح قد حلت بالمخلوقات، والذي يرى أن الله عقل يرى أن العقل قد اتحد بالمخلوقات، والذي يرى أن الله مجرد الوجود المطلق قال بوحدة الوجود، وعلى أي حال لا نريد الدخول في تفاصيل أقوالهم، وإنما هذا الكلام هو تمهيد لما سيذكره الشيخ عنهم بعد قليل في تفصيلاتهم للنفي، فهم يعتقدون في الله السلوب، فيسلبون عن الله الأسماء والصفات ويقولون: لا كذا ولا كذا ولا كذا ولا كذا مما سيأتي ذكره؛ لئلا يثبتون لله وجودًا حقيقيًا، ولذا كان أصعب ما على هذا الصنف أن يتصوروا لله وجودًا حقيقيًا؛ لأنه يلزمهم بإثبات الحق إثبات الأسماء والصفات والأفعال له ﷿.
ولذلك نجد كلًا منهم أنه ينفر مما يتعلق بعقيدته، فالجهمي والفيلسوف لا يطلق الأسماء والصفات إطلاقًا، ولا يطلق نصوصها، والمعتزلي لا يطيق ذكر الصفات، وأهل الكلام من
[ ٢ / ٨ ]
استلزام قول الفلاسفة غاية التعطيل والتمثيل
قال ﵀: [فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات].
قوله: (فقولهم) أي: أنهم قالوا: بأنه لا يثبت لله إلا الوجود المطلق، وهذه كلمة فلسفية وراءها إلحاد، فهم يقصدون بالوجود المطلق ما ذكرته لكم قبل قليل، أي: أنهم يقولون: إنه مطلق من التقييد باسم أو وصف أو فعل، وهذا هو معنى مطلق، وهذا يعني أنه لا يكون له وجود إلا في الأذهان فقط، بينما نحن نقول: إن لله وجودًا فعليًا، مع أننا لا ندرك أسماء الله وصفاته على كيفيتها وحقيقتها؛ لأن هذا مما لا تدركه الأبصار، لكن نحن نعلم يقينًا أن لله وجودًا حقيقيًا، بينما هم يقولون: الوجود ذهني.
وقوله: (يستلزم غاية التعطيل) يعني: غاية نفي الأسماء والصفات والأفعال عن الله ﷿، كما أنه يستلزم غاية التنفيذ؛ لأنهم حينما نفوا عن الله الأسماء والصفات والأفعال شبهوه بالمعدوم، وهذا هو أقبح تمثيل يمكن أن يتصور؛ لأن الذي -بزعمهم- لا يقبل الاسم ولا الوصف ولا الفعل ولا يقبل ذلك كله هو المعدوم الذي ليس له وجود.
وأما الموجود فلابد أن يقبل الأسماء والصفات والأفعال كما سيأتي، ولذا فإن الشيخ سيجادلهم حتى في مبدأ الوجود، حيث قال: دعونا من مسألة إنكار الأسماء والصفات، لكن هل تقرون بأن الله موجود؟ الكثير منهم سيقول: نعم.
إذًا: إذا توفرت صفة الوجود فالموجود لابد أن تكون له صفات أخرى أيضًا، وإلا فلا يقبل الوجود بمجرد الاعتراف بوجوده.
[ ٢ / ٩ ]
مذهب القرامطة والفلاسفة والمعتزلة في الصفات
قال ﵀: [فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين].
المراد بالنقيضين: الوجود والعدم، والكمال والنقص، لكنهم فعلًا وصفوه بالنقص؛ لأن الذي لا يقبل هذا الوصف كله هو المعدوم، كما يسلبونه النقيضين: الإثبات والنفي.
قال ﵀: [فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل؛ لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات.
وقد علم بالاضطرار أن الوجود لابد له من موجد واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجود هـ فضلًا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البدهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات.
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.
والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات].
الشيخ في هذا الكتاب سيشير إلى تناقض هذه المقالات على جهة التفصيل، ولذلك أترك التعليق عليها الآن؛ لأن الشيخ هناك سيبين فساد هذه المقالات بالأمثلة وبالشواهد من مقالاتهم، ومما يرد على مقالاتهم أيضًا، لكن في هذا المقام يحسن الإشارة إلى أمرين: الأول: أن هذه الطوائف الثلاث -أعني: غلاة الفلاسفة والجهمية والقرامطة- والمعتزلة الذين نفوا الوجود والعدم جميعًا، أو وصفوه بالنقيضين، أو الذين وصفوه بالسلبيات فقط -يعني: بالنفي- أو الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، كل هؤلاء يلتقون على قاسم مشترك وقاعدة مشتركة، ولذلك سيأتي رد الشيخ عليهم، سيرد على طائفة منهم ويجعل رده من الجميع على الجميع، يعني: سيلزم بعضهم بقول بعض، فيأتي لأخفهم فينقض قوله، ثم بناقض هذا القول ينقض قول من سبقوه؛ لأن كل طائفة من هؤلاء تشارك أهل السنة في بعض القواعد التي ترد بها على من هو أشد غلوًا منهم، فمثلًا: المعتزلة يشاركوننا في الرد على الجهمية في بعض القواعد، وعليه فسنتخذ وسيلتهم في الرد على الفلاسفة الذين هم أشد غلوًا هم والجهمية وسيلة للرد عليهم هم، ثم نأتي إلى الأشاعرة والماتريدية الذين لا يثبتون إلا سبع صفات ويردون الباقي، فسيشاركونا في الرد على المعتزلة في بعض القواعد، أو نرجع إليهم في الرد على تأويلاتهم بنفس الأسلوب الذي ردوا به على المعتزلة، وهكذا حتى لو ما يبقى إلا من يؤول صفة واحدة، فإنه سيرد على بقية الذين يؤولون بنفس الأسلوب الذي رد به على من أولوا في تأويله لهذه الصفة، وهذه قاعدة فطرية وعقلية سليمة، وسيأتي تفصيلها في الكتاب في دروس قادمة بمشيئة الله تعالى.
الثاني: أن هذه الطوائف كلها أو بعضها قد تتتلمذ على بعض، حتى وإن رد بعضهم على بعض، وكفر بعضهم بعضًا، فالواقع من الناحية التاريخية والمنهجية والعلمية، بل ومن جميع النواحي أن هذه الطوائف -من أول تأويلًا واحدًا أو أول بعض الصفات أو جميع الصفات أو أنكر الصفات أو أنكر الأسماء والصفات- قد تتلمذ بعضهم على بعض، وتأثر بعضهم بالبعض الآخر، ولذلك سنجد أن الرد عليهم سهل من هذه الناحية، ومن الناحية الأخرى نستطيع أن نقول بسهولة: إنهم جميعًا وقعوا في مصداق حديث النبي ﷺ: (لتتبعن سنن من كان قبلكم)، هذا الاتباع قد يكون في جزئية صغيرة، وقد يكون في قاعدة، وقد يكون في عدة قواعد، وقد يكون في قاعدة شاملة أو قواعد شاملة في الدين، فالغلاة منهم اتبعوا سنن السابقين من ضلال الأمم في قواعد شاملة، والذين ضلوا في بعض وقعوا في بعض البدع فيما وقعوا فيه، ولاشك أن من أسباب وقوعهم أنهم تأثروا بالأمم السابقة، وهذا لا يحتاج إلى مزيد تكلف، فهو أمر علمي سيأتي ذكره إن شاء الله، لكن أقول: هذه الطوائف لا يعني أن كل واحد منها مستقلة بقواعدها ومنهاجها، فقواعدهم ومناهجهم واحدة، وكل طائفة قد تتلمذت على الطائفة التي ترد عليها، وكل طائفة قد تتلمذت على الطائفة التي هي أشد منها غلوًا، وهذا في جميع الفرق، وليس فقط فيما يتعلق بالتي ضلت في الأسماء والصفات.
إذًا: كل فرقة ترد على الأخرى عندها مما عند الأخرى شيء، إما على سبيل المضادة، أو مما يسمى رد
[ ٢ / ١٠ ]
وقوع الفرق الضالة في شر مما فروا منه
قال ﵀: [وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل، ولو أمعنوا النظر لسووا بين المتماثلات وفرقوا بين المختلفات كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولات المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات].
[ ٢ / ١١ ]
السفسطة في العقليات
قوله: (ولكنهم من أهل المجهولات) أي: أن أصول أهل الأهواء والبدع، وعلى رأسهم الذين ضلوا في باب الأسماء والصفات والأفعال لله ﷿، إنما تقوم على الجهل والأوهام؛ لأن الكلام في الغيب عمومًا، وفي أسماء الله وصفاته وأفعاله بالذات، لا سبيل إلى معرفته على جهة التفصيل، لا بالعقل ولا بالفطرة ولا بالعلم الحسي.
ولو تناولته الحواس لما كان من الغيب، والله أعظم وأجل من أن تتناوله الحواس.
إذًا: هؤلاء ليس عندهم إلا المجهولات التي هي أوهام وتخرصات وخيالات، ثم إنهم اتصفوا بالمجهولات لأنهم لا يعتمدون على الوحي، وإذا استدلوا بالوحي استدلوا به على وجه باطل، كالأخذ بالمتشابه، وجر الدليل إلى غير ما يدل عليه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما ذكر الله عنهم.
وقوله: (المعقولات)، أي: أنهم يشبهون خيالاتهم الفاسدة بالمعقولات التي قد تكون معقولة في عالم حياة الناس، فمثلًا: الفلاسفة لهم فلسفة معقولة صحيحة في العلوم الطبيعية، كالرياضيات وغيرها، فإذا قالوا: ١+١=٢ فهذا حق؛ لأنه أمر معلوم ويدخل تحت مدارك الناس، وكونه معلومًا لا يعني أننا نلحق به غير المعلوم، فهم شبهوا أوهامهم وتصوراتهم عن الغيب بالمعقولات، ولذلك أكثر ما يفتن أجيال المسلمين الآن قديمًا وحديثًا بالفلاسفة هو: أن بعض الفلاسفة لهم إسهام في العلوم الطبيعية والعلوم التجريبية، فمثلًا: ابن سينا، هذا رجل اعتقاده فاسد ويعترف بذلك، فيعترف بأنه باطني إسماعيلي، لكن له كلام جيد في الطب، وكونه أجاد في الطب لا يعني أنه محق في كلامه عن الله ﷿ بالباطل، فحينما جانب الوحي فيما يتعلق بالله ﷿ وبأمور الآخرة وغيرها وقع في الباطل المحض، ووقع في الكفر، وحينما تكلم في العلوم الطبيعية أجاد، ولا فضل له في ذلك؛ فإن العلوم الطبيعية يستوي فيها المسلم والكافر، إذ هي علوم عقلية تتعلق بعالم الشهادة.
وكذلك بقية الفلاسفة، وأنا قد لاحظت في الآونة الأخيرة خاصة من خلال غوغائية الإنترنت، أن كثيرًا من الناس يتعاطف مع الفلاسفة، ويستنكر على من يتكلم فيهم، ونسي هؤلاء أن الفلاسفة ليسوا على دين، فهم تالفون في الاعتقاد، إذ أن دينهم هو الإلحاد، وأما كون بعضهم أجاد في العلوم الطبيعية فهذا أمر آخر، ولا دخل له في الدين، يقول بعضهم: كيف تتكلمون في ابن سينا وهو الطبيب المجيد؟! بل بعضهم قال: والموسيقار فلان؟! ويا ليتنا سلمنا من موسيقاه! وعلى أي حال ينبغي أن يتعلم الشباب الانضباط في الموازين الشرعية.
وهذا هو معنى كلام الشيخ: (المشبهة بالمعقولات)، فإنهم ظنوا أنه بإمكانهم أن يتطاولوا حتى على الغيب، فقاسوا الغيب بالشهادة، وقاسوا الشهادة بالغيب، فصاروا من الخراصين الذين ذمهم الله ﷿.
وأما تشكيكهم في العقليات، فمعنى هذا: أنهم سلكوا طريق السفسطائية من الفلاسفة الذين يتعمقون فيما لا تدركه العقول، والسفسطة هي الكلام الذي لا قيمة له، والكلام التافه الذي لا يستند إلى عقل ولا إلى فطرة ولا إلى دين، وكل الفلسفة سفسطة، وكل ما وراء الطبيعة فلسفة حسب مصطلحهم، أو كل ما يتعلق بالغيبيات فلسفة وسفسطة، وكلها لا أصل لها.
[ ٢ / ١٢ ]
القرمطة في السمعيات
قوله: (يقرمطون في السمعيات)، القرمطة هي: سلوك طريق القرامطة الباطنية الذين يقلبون ألفاظ الشرع إلى معانٍ باطلة، فيفسرون كل المصطلحات الشرعية إلى معانٍ ضدها تمامًا، فيفسرون الحق بالباطل، والباطل بالحق، ويفسرون أركان الإسلام بأشخاص يقدسونهم! وأركان الإيمان بأشخاص يقدسونهم! بل حتى مشاعر الحج يؤولونها بأشياء يعبدونها من دون الله، ويقلبون المصطلحات الشرعية إلى معانٍ باطلة دون أي وجه من الدلالة، لا لغة ولا شرعًا ولا عقلًا سليمًا، فهم يقرمطون في السمعيات، فيأخذون ألفاظ القرآن وألفاظ الحديث فيؤلونها بتأويلات معكوسة تمامًا، فيصورون الحق بصورة الباطل، ويصورون الباطل بصورة الحق، ويصورون أهل الحق على أنهم جهلاء، ويصورون أهل الباطل على أنهم أهل العلم، ولذلك قالوا: بمبدأ الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن، وهذه هي القرمطة، نسأل الله العافية.
قوله: (ما وراء الطبيعة) مصطلح، لكن من الناحية الشرعية عليه مآخذ؛ لأنه ليس كل الغيبيات وراء الطبيعة، فكثير من الغيبيات في الإنسان نفسه، لكن هم عبروا بما وراء الطبيعة عن الإلهيات، فسموا الإلهيات ما وراء الطبيعة، وهذا التعبير نوعًا ما إذا قصد به هذا الحد فقد يكون تعبيرًا وصفيًا تقريريًا، أما أن يكون مصطلحًا حقيقيًا فلا، وعليه فلا يجوز أن نقف عنده ونعتبره من المصطلحات الصحيحة.
[ ٢ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ٢ / ١٤ ]
حكم تسمية المدارس الحكومية ونحوها بأسماء الفلاسفة كابن سيناء
السؤال
توجد مدرسة في الرياض وغيرها تسمى بمدرسة: ابن سينا أو ابن الفارابي وغيرهما، فما حكم ذلك؟
الجواب
في الحقيقة هذا من جهل بعض الناس، والأولى أن ننصح وزارة المعارف بأن تلغي مثل هذه الأسماء؛ لأن هؤلاء ليسوا قدوة في الدين، نعم لهم جهود في بعض الأمور العلمية خاصة، كـ ابن سينا في الطب، لكن جهوده كجهود أي إنسان غير مسلم، فهم خلطوا أمورًا نافعة وضارة من الكفار، وعليه فلا يجوز أن نستعمل اسم هذا الرجل، كما أننا لا نجيز أن نضع اسم دارون وفلان وفلان؛ لأن الفتنة فيه أعظم، بل أرى أن أصحاب المناهج الضالة ممن ينتسبون للإسلام أن وضع أسمائهم أخطر، ولو أن الإخوة الذين يدركون مثل هذه الأسماء ويعرفونها، سواء من أسماء المدارس وغيرها، فتحصر وترفع للمسئولين، ويبين وجه الحق والخطورة في ذلك من ميزان عقدي صحيح بالأدلة، وأنا واثق إن شاء الله أنه سيسعى المسئولون إلى إزالة ما هو باطل.
[ ٢ / ١٥ ]
وجود القرامطة في كثير من البقاع العربية والإسلامية
السؤال
هل لا يزال للقرامطة والإسماعيلية وجود، وما حكمهم؟
الجواب
نعم، فهم موجودون الآن في كثير من البقاع، ولهم أسماء عديدة، مثل: الإسماعيلية، والبهرة، والباطنية وغيرها، ومما ينبغي التنبه له أن الباطنية يمكن أن تظهر كشوكة ضد المسلمين من خلال الأحداث في أفغانستان، إذ أنه يقطن كثير منهم شمال أفغانستان.
[ ٢ / ١٦ ]
مدى صحة مقولة: كل ما جاء عن الله في بالك فاعلم أن الله ليس كذلك
السؤال
ما صحة المقولة: كل ما جاء عن الله في بالك فاعلم أن الله ليس كذلك؟
الجواب
نعم صحيح، ليس كذلك على سبيل التحديد والتشبيه والتوقع، فكل ما تتصور عن أسماء الله وصفاته لا يمكن أن يصل تصورك إلى الحقيقة، ولذلك ما في الأذهان من تصور عن عظمة الله سبحانه، إنما هو أمثال في الأذهان فقط، وليست هي حقيقة ما عليه الله ﷿ في أسمائه وصفاته وأفعاله.
[ ٢ / ١٧ ]