توحيد العبادة يسمى توحيد العمل؛ لأنه عمل القلوب والجوارح تجاه الرب جل وعلا، من المحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والتوكل وغير ذلك من أعمال القلوب والجوارح.
وسمي توحيد القصد والطلب؛ لأنه مما يقصد به العباد ربهم ﷿ ويقصدون رضاه ونيل ثوابه.
[ ٢٢ / ١ ]
الأصل الثاني: توحيد العبادة الواجب في شرع الله وقدره اعتقادًا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا].
هذا هو الأصل الثاني في تقسيم الدين أو التوحيد، والتوحيد يشمل الدين كله، وينقسم إلى أصلين: الأصل الأول: التوحيد المتعلق بالله ﷿، أي: الخبر عن الله المتعلق بذاته وأسمائه وصفاته وقواعد ذلك، وقد تكلم فيه المصنف عما يجب لله ﷿ من الكمال في أسمائه وصفاته وأفعاله، وقعد ذلك، ورد على المخالفين، وأجاب على شبههم بشيء من التفصيل، ثم انتقل إلى الأصل الثاني على منهج أهل الحق، أعني: منهج الأنبياء والصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، وهو أنه لا بد من اكتمال الأصلين، فينبني على الأول الأصل الثاني بالضرورة؛ لأنه ما دام أننا قد عرفنا كمال الله ﷿ سبحانه، وما يجب أن نعظمه به من الأسماء والصفات والأفعال، فلا يعني ذلك أننا نقف عند هذا التعظيم، وإنما يلزم منه شيء آخر، وهو المطلوب من العباد، ألا وهو العبادة لله ﷿، إذ هو الأصل الثاني، فيقال للعباد: قد عرفتكم كمال الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجب له من الحق، إذًا فالتزموا لازم هذه المعرفة، وهو أن تعبدوا الله وحده، وأنه وحده سبحانه المستحق للعبادة، وهو الذي يجب أن يخضع له العباد قدرًا وشرعًا، ولذلك جمع الشيخ هنا في الأصل الثاني القدر والشرع جميعًا، فقال: الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات.
وهذا له مفاهيم كثيرة، فتوحيد العبادة يسمى: توحيد العمل؛ لأنه هو عمل القلوب والجوارح تجاه الرب ﷿، وما يجب أن يعمله العباد في حق ربهم ﷿، فهو توحيد عمل، حتى المحبة والرجاء والخوف واليقين والإنابة والإحسان وغير ذلك هي أعمال قلوب، فيتوجه بها إلى الله ﷿ وحده، فلذلك يسمى: توحيد العمل، ويسمى: توحيد القصد، ويسمى: توحيد الطلب، ويسمى توحيد الإلهية؛ لأن الناس يتألهون به إلى الله ﷿، تأله العبادة والطاعة والتسليم والرضا والإذعان والعمل، فسمي هذا التأله عبادة، والتأله: انجذاب الإنسان بقلبه إلى الله ﷿، وعليه لابد أن يكون على شرع، ومعنى التأله: التعبد، والتعبد أيضًا لا يكون إلا على ما جاء به الرسل، فلذلك سمي توحيد الإلهية.
وسمي توحيد القصد والطلب؛ لأنه مما يقصد به العباد ربهم ﷿، فتوحيد القصد هو التوجه إلى الله بالقلب والجوارح؛ لأن العباد يقصدون به رضا الله، ويقصدون به ثواب الله، ويقصدون به عبادة الله، قصد القلوب وقصد الجوارح، وكذلك الطلب بمعنى القصد؛ لأن العباد يطلبون به الرضا والتسليم لله، ويطلبون به عبادة الله، ويطلبون به رضا الله، ويطلبون به الجزاء من الله، فهذه كلها معان وأوصاف لشهادة نوع من التوحيد.
مع أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع والجهلة يقولون: إن هذا التقسيم محدث ومبتدع، وهذه كلها ما جاء بها إلا الفلانيون، مما يعيرون به أهل السنة من التغييرات، ويزعمون أن هذا من صنع السلف من عند أنفسهم، بينما هو مقتضى دلالة النصوص، بل هو المقصد من بعثة الرسل، إذ هو تحقيق الألوهية؛ لأن مجرد معرفة الله ﷿ تبقى فطرية، لكن يبقى معرفة ما يجب لله ﷿ من الكمالات على جهة التفصيل، هذا هو الذي جاء به الأنبياء في ذات الله وأسمائه وصفاته، ثم ما يجب لله من الطاعة والامتثال والعبادة، أيضًا ما جاء به الرسل، فهذا كله هو التوحيد، فحينما نصفه بالأوصاف الأخرى، نصفه بأوصاف شرعية هي دلالات قطعية، ولا مشاحة في الاصطلاح.
[ ٢٢ / ٢ ]
وجه الجمع بين الخلق والأمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فنقول: إنه لابد من الإيمان بخلق الله وأمره].
هذه قاعدة عظيمة جدًا، وفيها إشارة إلى أن الخلق والأمر يجتمعان، وعلى هذا فقد جمع الشيخ الشرع والقدر في فصل واحد، والقدر له وجهان: من حيث كونه من تقدير الله وخلقه، فهذا مرتبط بالربوبية، ومن حيث التسليم به والرضا، فهذا داخل في التوحيد الإلهي، أي: توحيد العبادات، وأدخله المصنف هنا في توحيد العبادات ليبين ضرورة الارتباط بين القدر والشرع؛ لأن مبنى الشرع على التسليم، والتسليم هو تسليم بقدر الله، ومما قدره الله ﷿ الأمر بشرعه، وإبعاث الرسل، وإنزال الكتب، وهذا قدر كوني تضمن الأمر الشرعي، بل تقسيم ابتلاء العباد إلى خير وشر ابتلاء كما قال ﷿: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فهذا قدر، ثم تقسيم حال العباد إلى صلاح وفساد، إلى حق وباطل، إلى هدى وضلال، تقدير من الله بقدره، ثم إن الشرع الذي انبنى على ذلك هو الأمر، فتوافق الأمر والقدر، أعني: توافق الشرع والقدر، وكلاهما من أمر الله.
ووجه إدخال القدر هنا هو الذي انبنى عليه الشرع تقديرًا، ومن حيث أن كلاهما داخلان في مفهوم الأمر، إذ إن الأمر بمفهومه العام يدخل فيه الأمر القدري والأمر الشرعي، وأيضًا لضرورة ارتباط الشرع بالقدر؛ لأن مبنى العمل بالشرع على التسليم، والتسليم يشمل القدر والشرع في وقت واحد، فمن سلم للقدر ولم يسلم للشرع هلك، ومن سلم للشرع ولم يسلم للقدر هلك، ولذلك غالب أهل الأهواء اختل عندهم أحد المبنيين، فمنهم من سلم للقدر ولم يسلم للشرع التسليم الكامل، ومنهم من سلم للشرع ولم يسلم للقدر، ويمكن أن نجد هذا في تقسيم الفرق الكبرى، فقد كان منها من هو أكثر ضلالة في الشرع، ومنهم: المرجئة والخوارج وكثير من أصحاب الطرق والفرق الصوفية، ومنهم من كان خلله في اعتقاد القدر، ومنهم: القدرية والمعتزلة والجهمية، وقد اجتمع عند الجهمية الأمران؛ لأن الجهمية هي خلاصة مذاهب الفرق في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني، بل وحتى القرن الثالث، فالجهمية بدأت من ناحية فلسفية ثم انتهت إلى فلسفة وسلوك وأعمال، فكان في القرن الثالث أن اجتمع الأمران عند الجهمية، فاختل عندها الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، وبقية الفرق كل واحدة لها نصيب يقل أو يكثر من الخلل بالأصلين جميعًا أو بأحدهما.
[ ٢٢ / ٣ ]
مراتب القدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].
يقرر الشيخ الآن توحيد الربوبية والقدر، ليبين تلازم الأمرين كما سيأتي بعد قليل، وهذا التقرير هو تقرير لجانب الربوبية وجانب القدر المتعلق بالربوبية أيضًا، لأن الآية هنا قد اشتملت على مراتب القدر الأربع.
فقوله ﷿: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)، هذه المرتبة الأولى.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) هذه المرتبة الثانية.
والمرتبة الثالثة والرابعة تضمنتها عبارة واحدة، وهي قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، أي: يسير في تقديره، ويسير في خلقه، يسير على الله تقدير المقادير، ويسير على الله خلق المخلوقات، فاجتمعت الرتبتان الأخيرتان من القدر في هذه العبارة.
وعليه فالعلم والكتابة والتقدير والخلق قد اجتمعت في هذه الآية بشكل بين وواضح، وهذا كله تقرير للربوبية، لكن أيضًا له وجه في دخوله في الأصل الثاني: وهو توحيد العبادات؛ ليبين الشيخ مدى وجه التلازم بين الأصلين، وأنه لا فرق هنا، فلا يستطيع هنا أن يقرر توحيد الإلهية دون أن يعتمد على توحيد الربوبية؛ لأن الذي يتأله ويعبد الله ﷿ لابد أن يعرف من يعبد، ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة كمال الله ﷿ كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وكما تقتضيه العقول السليمة والفطر المستقيمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)].
هنا الشيخ قرن النوعين من التوحيد، فعندما قرر توحيد الربوبية والقدر، وبين أن الأصل في تقريرها هذه القواعد العظيمة، بين بعد ذلك أن هذا يوجب توحيد الله بالعبادة، ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده؛ لأنه ذكر الأمر قبل ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه].
[ ٢٢ / ٤ ]
تضمن العبادة كمال الذل والحب وتضمن ذلك كمال الطاعة
قال رحمه الله تعالى: [وعبادته تتضمن كمال الذّل له والحب له].
أيضًا: كمال الذل والحب له قدرًا وشرعًا، فلابد أن المسلم يروض قلبه ويعود نفسه وجوارحه على أن الذل لله ﷿ يشمل التذلل والخضوع لقدر الله، ثم أيضًا الذل للاستجابة لشرع الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]].
في هذه الآية قرن الله ﷿ بين الأمرين وبين تلازمهما، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران:٣١]، هذه محبة الكمال لله ﷿ ومحبة الله لكماله، وهي انجذاب العبد لربه ﷿، والتي هي أصلًا تنبني على الربوبية، وعليه فلابد أن ينبثق عن هذا توحيد آخر وهو الاتباع، أي: توحيد الإلهية.
قال: (فَاتَّبِعُونِي) أي: اتبعوا رسولي ﷺ، واتبعوا شرعي، بمعنى: التزموا أوامر الله واجتنبوا نواهيه التي جاءت على لسان رسوله ﷺ.
إذًا: من ادعى أنه عظم الله بربويته وأسمائه وصفاته، وأنه أحب الله بناء على كمال المحبة، فلا بد أن يلتزم ما أمر الله به من اتباع رسوله ﷺ.
[ ٢٢ / ٥ ]
دين الأنبياء واحد وهو الإسلام مع اختلاف الشرعة والمنهاج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥١ - ٥٢]، فأمر الرسل بإقامة الدين وألا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، وإن أولى الناس بابن مريم أنا؛ ليس بيني وبينه نبي)].
هذا الحديث يؤكد مسألة وحدة الدين عند الأنبياء من حيث إنه عقيدة، وأن اختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين، وإن اختلاف أحوال البشر وحاجاتهم هو فيما يتعلق بالأوامر والنواهي من الله ﷿، وإن الدين عند الله الإسلام، وأن أصول الدين وثوابته واحدة، ولذلك حتى أغلب المحرمات والمباحات أصولها واحدة عند الأنبياء، وإنما تفاصيلها هي التي تختلف، وقد يكون الله ﷿ يحرم على بعض الأمم بعض الحلال القطعي من باب العقوبة لهم، كما فعل مع بني إسرائيل، لا من باب أنها في أصلها حرام، فقد يحرم عليهم بعض الطيبات؛ لأنهم ارتكبوا ما أوجب العقوبة عليهم، ولذلك لما بعث الله عيسى ﵇ بعثه ليخفف عن بني إسرائيل بعض ما حرم عليهم من الأمور الحلال، فتبقى تفاصيل الشرائع لتنظيم أحوال البشر في وسائل حياتهم، وهذا راجع إلى ما تحتاجه كل أمة بحسب الزمان والمكان، واختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين، فالشرائع في عقيدتها واحدة، وفي أصولها أيضًا واحدة، وهذا معنى كون الأنبياء إخوة.
قال: (لعلات) أي: لضرات، يعني: كالإخوة من نساء متعددات والأب واحد، فالتعدد هنا تعدد الشرائع، والأصل الموروث عن جميع الأنبياء هو العقيدة الواحدة، وهذا معنى قول النبي ﷺ: (وأنا أولى الناس بابن مريم)، يعني: أنا على ديني وهو على دينه، ولأنه ليس بينه وبينه نبي؛ لأنه ما من نبي إلا وقد أمر بأن يؤمن بمن بعده، فهذا عيسى ﵇ قد أوصى أمته بالإيمان بمحمد ﷺ، وأعطاهم تفاصيل خبره وصفته وأحواله ومبعثه ومهجره، وأعطاهم من الأوصاف ما يوجب عليهم ضرورة الإيمان به، لكنهم كذبوه.
لكن قد وجد من يشكك في هذا الأصل من بعض الكتاب، فقد رأينا كتابات عجيبة في هذه الأيام، وقبلها أيضًا بسنين، فهناك من ادعى أنه قد وجد أنبياء في بني إسرائيل أو في النصارى بعد عيسى ﵇، وأن هؤلاء الأنبياء فعلًا هم على دين عيسى، وما بدلوا وما حرفوا، وهؤلاء الأنبياء هم بعض من جاء من الحواريين أو من دونهم، فزعموا أنهم أنبياء، ولا يزالون يصفونهم بأوصاف النبوة، وهذا كذب، فليس بعد عيسى ﵇ نبي ولا رسول؛ لأن هناك من يقول: الرسالات قد ختمت، لكن النبوة قد وجدت بين محمد ﷺ وعيسى ﵇، فهذا يخالف قطعيات النصوص.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١] إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] إلى قوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّ
[ ٢٢ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٢٢ / ٧ ]
أسماء الله وصفاته لا اجتهاد فيها ولا تدخل في المشتبهات
السؤال
هل مسائل الأسماء والصفات من المتشابه التي لا يعلمها كثير من الناس؟ وهل اختلاف الناس فيها يعتبر من الاجتهاد، فالمخطئ له أجر والمصيب له أجران؟
الجواب
أولًا: ليست مسائل الأسماء والصفات من المتشابه، بل هي من المحكم، سواء في أدلتها أو في مفرداتها، ولا يجوز أن نقول: إنها من المتشابه، لكن هناك أمر لم نتعبد الله به، وهو من المتشابه، وليس مطلوبًا من المسلم، بل لا يجوز الخوض فيه: وهو كيفيات الغيبيات، أعني: كيفيات أسماء الله وصفاته وأفعاله، فالدخول فيها من الزيغ الذي نهى الله عنه في قوله ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، فالسعي إلى تأويل الكيفيات هو من المتشابه، وضرب الآيات بعضها ببعض، وعدم التسليم لله ﷿ فيما أخبر، وعدم تصديق النبي ﷺ فيما ذكر عن ربه، كل ذلك من المتشابه الذي لا يجوز للإنسان أن يخوض فيه، وأما في حقيقة الأمر فليس في أسماء الله وصفاته لا في حقائقها ولا في أدلتها تشابه، وليست أدلة الأسماء والصفات من المتشابه.
وأما اختلاف الناس حول بعض مسائل الأسماء والصفات، فأولًا: يجب أن نفهم أن الأصول والثوابت في أسماء الله وصفاته ليست محل خلاف، فكل ما ورد في الأدلة الصحيحة الصريحة، وما اتفق عليه سلف الأمة فيما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، في مفرداتها وقواعدها، ليس محل اجتهاد؛ لأنه من القطعيات، لكن هناك بعض المسائل قد اختلف فيها، إما لعدم صحة الأدلة، بألا تكون الأدلة قطعية، أو لأن دلالات الأدلة فيها تكون فيها وجوه تختلف عن هذه الوجوه، والاختلاف ليس راجعًا إلى أسماء الله وصفاته، وإنما راجع إلى فهم الناس لهذه الأدلة، وهذا ليس في الثوابت والقطعيات، وإنما في مسائل تفرعت عن العقيدة.
فمثلًا: الاستواء أدلته قطعية، وهي حقائق ودلالاتها قطعية، لكن بعض لوازم الاستواء استوحيت من بعض الأدلة، وهذه محل خلاف، ونحن قد نهينا عن الخوض فيها، وإذا خاض فيها بعض العلماء الكبار فإنما خاضوا فيها من باب الاجتهاد في البيان، إذ هذه الأمور قد يكون عليها اجتهاد، وقد يكون المجتهد فيها إذا قصد الوصول إلى الحق مأجورًا، مثال ذلك: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه عندما عرج به إلى السماء، ورؤية الناس لربهم في أرض المحشر، غير رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، هل هي عينية أو قلبية؟ وإذا كانت عينية هل هي على ما هو معهود أو على غير ذلك؟ كل ذلك محل خلاف، وهذا الاجتهاد فيه من العالم إنما هو للبيان للأمة، والمجتهد ما دام أنه اجتهد وأراد أن يتوصل للحق فهو مأجور.
[ ٢٢ / ٨ ]
حكم إثبات الأذى في حق الله ﷿
السؤال
في حديث: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر)، فهل يثبت الأذى في حق الله ﷿؟
الجواب
فهذه من النصوص التي تمر كما جاءت، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى -على القاعدة التي سبق أن ذكرتها-: أنه ما دامت أنها تتعلق بأحوال الناس فيكون المقصود بها ما جاء في السياق، أي: ما يحصل من اعتراض على قدر الله فيكون من وجه من الوجوه نوع إساءة أدب مع الله، فسمي أذى من هذا الوجه؛ لأن من سب الدهر فقد سب أقدار الله، فالدهر ليس كيانًا مستقلًا، وإنما يشمل تصاريف الزمان التي صرفها الله بأقداره، فما في الكون من تقلبات في أحوال البشر وغيرهم يسمى الدهر، فالإنسان إذا تذمر من الدهر، أو تذمر من أحداث الزمان أو سبها، فذاك راجع إلى سب أقدار الله التي قدرها، وليس المقصود أن الله ﷿ يناله أذى العباد، فهو سبحانه لا يناله شيء من ذلك، وإنما جاء على سبيل الوصف، أو وجه من وجوه الوصف الذي يعني سوء الأدب مع الله ﷿.
[ ٢٢ / ٩ ]
إثبات بعض الصفات بسياقها لا كلها
السؤال
ذكرت في حديث الهرولة أنها لا تثبت كصفة لله جل وعلا، وذكرت في ذلك ضابطًا وهو: أن أفعال الله التي ترتبط بأفعال المخلوق لا تثبت كصفات لله ﷿، فما صحة ذلك؟
الجواب
هذا الكلام بإجماله نوعًا ما صحيح، لكن ليس بهذا التعبير، فلا تثبت الصفات مفردة مستقلة عن سياقها، بل لابد أن يؤخذ الكلام بكامله، وأنا لم أقل: لا تثبت الصفات بإطلاق، بل هذه جاءت أوصافًا لله ﷿، ولا شك في ذلك، لكن لا تفرد كصفات مفردة إلا بسياقها، (من أتاني يمشي أتيته هرولة)، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فهذه العبارات جاءت بمعنى بين وواضح، وهو أن الله ﷿ جازاهم بما عملوا، فجازى أهل الخير بما يستحقونه وزيادة، وجازى أهل النفاق بما يستحقونه وزيادة، وهذا المعنى معروف عند السياق، وهو مربوط بمجازاة العباد، وليس مثل: الاستواء أو النزول أو المجيء أو الصفات الذاتية أو الفعلية التي ورد ذكرها؛ لأنه لا علاقة لها بالعباد، ولذلك قال السلف في هذه النصوص، أعني: نصوص الهرولة والاستهزاء والمكر ونحوها: إنها تمر كما جاءت في سياق بين وواضح، وليس معنى ذلك: أننا لا نعرف لها معنى ولا حقيقة كما يفهم بعض الذين يطعنون في منهج السلف، إذ يقولون: لما عجز السلف عن معرفتها قالوا: تمر كما جاءت.
وفي الحقيقة فإن السلف ما عجزوا، بل هم يعرفون أن القرآن جاء بلسان عربي مبين، وأن النبي ﷺ أتى بالحق الواضح فيما يتعلق بشئون المخلوقات، فكيف بما يتعلق بالخالق ﷿؟ فلابد أن تكون أسماء الله وصفاته واضحة وبينة في القرآن والسنة، وأن تكون لها حقائق، لكن بعض السياقات جاءت بمعرض المجازاة، وبعضها جاءت بمعرض التهديد، وبعضها جاءت مربوطة بأفعال البشر، فهذه تؤخذ على سياقها، فتمر كما جاءت على أنها حقيقة على ما يليق بجلال الله، لكن أن تفرد صفة فهذا محل خلاف، أو يستنتج منها اسم فلا يجوز، وهذا هو الذي قلته، ومع ذلك فالمسألة خلافية، فبعض أهل العلم يقول: إنها من الصفات التي نثبتها على ما تليق بالله ﷿، وقد أوردها كثير من أئمة الدين على هذا الشكل، ومعروف مرادهم، وكلامهم لا غبار عليه، لكن الآخرون تورعوا فقالوا: نظرًا لأن الأمر يشتبه، وقد خاض الناس فيما خاضوا فيه، ولم يعد الناس على صفاء الفطرة وإدراك اللغة كما كان في عهد الصحابة والتابعين، فإذًا نحترز من إساءة الأدب مع الله، وحتى لا يكذب الله ورسوله ﷺ، ولذلك ورد عن الإمام أحمد ﵀ وهو يروي حديثًا: (أن الله ﷿ يحمل الأرض على إصبع، والسماوات على إصبع)، فرأى أحد طلبة العلم في مجلسه يشير بإصبعه، فقال الإمام أحمد: قطع الله إصبعك، مع أن الرواة يروونها هكذا كما رأوا النبي ﷺ أنا نسيت هل هو هذا الحديث، أو حديث آخر فيه أنه أشار إلى إصبعه؛ لكن نظرًا لأنه أشار في موضع يوجد فيه من لا يدرك، أو من قد يشتبه عليه الأمر، وخاضت الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، ووجد للاشتباه مبرر نهاه الإمام أحمد عن رواية هذه النصوص بهذا النحو عند عامة الناس، ولو أشار إلى إصبعه عند أهل الحديث والعلماء ما أنكر عليه.
إذًا: فالأمر يحتاج إلى مراعاة ما عليه الناس، ودرء الفتن والمفاسد المعتبر درؤها في فهم النصوص.
وهذا كله بخلاف الصفات الذاتية والفعلية، إذ ليست على سبيل المجازاة والمقابلة، فإنها لا بد أن تروى وتثبت الصفة، كاليد والوجه والنزول والاستواء؛ أما تلك فنظرًا لأنها جاءت على سبيل المجازاة، فلا بد أن تثبت بسياقها، فنقول: إن الله ﷿ يمكر بالمنافقين، ويستهزئ بالمنافقين.
ولذلك كان من أسباب الخلاف فيها بين السلف: أن بعضهم يقول: هذه أخبار، فلا يلزم أن يثبت منها صفات؛ لأن ما جاء عن الله ﷿ خمسة أنواع: ما يتعلق بذات الله ﷿، وكل الأسماء والصفات متعلقة بالذات، وما يتعلق بالأسماء، ثم ما يتعلق بصفات الله ﷿، ثم الأخبار، ثم الأفعال.
إذًا: هذه خمسة أنواع، والأخبار بابه واسع، فلا يلزم أن يثبت منها صفات، ولا يلزم أن يثبت منها أسماء، فبعضهم يرى أنه مثل هذه الأمور من الأخبار تمر كما جاءت على الحقيقة، والذي يقول: تمر كما جاءت لا ينفي إثبات سياقها عن الله، وإنما ينفي إفرادها كصفات مستقلة؛ لأنها إذا أفردت بدون الاحتراز يقع الاشتباه وسوء الأدب مع الله ﷿، وهذا كله من باب تعظيم الله.
إذًا: انقسم السلف إلى قسمين: منهم من يعتبر هذه النصوص من باب الأخبار، ومنهم من يعتبرها من باب الصفات أو الأفعال، ومع ذلك لم يختلفوا في إثبات حقائقها.
مما ينبغي التنبيه له: أن مثل هذه النصوص لا تذكر عند العامة من الناس، ولا حرج بذكرها عند المتخصصين في علوم العقيدة، أو عند طلاب العلم.
[ ٢٢ / ١٠ ]