لقد أقر المشركون بربوبية الخالق في الخلق والإيجاد، ولم ينفعهم هذا الإقرار؛ لأنهم أشركوا مع الله غيره في توحيد العبادة والألوهية والقصد والطلب، وكذلك من تبعهم من أهل الأهواء والزندقة، وأهل الكلام شغلوا أوقاتهم وأضاعوا أعمارهم في تقرير شيء لا خلاف فيه وهو وجود الله تعالى، مع عدم اهتمامهم بالتوحيد الذي بعثت به الرسل وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.
[ ٢٥ / ١ ]
وقوع الغلط من المشركين في مسمى التوحيد
[ ٢٥ / ٢ ]
بيان قولهم: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع.
ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون.
فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خلقوا أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور].
المقصود بـ (الطبع) هنا: الطبائعيون الذين يزعمون أن الطبيعة بذاتها هي التي تسير نفسها بنفسها، أو أن الطبيعة ركبت على أنها تحدث أحداثًا ليس لله ﷿ فيها دخل، أو الذين يرون أن الأمور تنبني على ما طبعت عليه، وهم صنفان: الأول: الذين يرون أن الطبيعة هي الخالق، وهي المخلوق، ولا فرق في ذلك، وعلى هذا فهم يرون أنها بذاتها هي التي تسير نفسها بنفسها.
الثاني: وهو المقصود هنا، وهؤلاء يزعمون أن الكون ركب على طبع، أي: أنه ركب على نظام، وهذا النظام يجعله يسير نفسه بنفسه، دون أن يكون للرب ﷿ فيه دخل، أو أن بعض أجزاء الكون ركبت وطبعت على أنها تنشئ أفعالها أو أفعال غيرها من دون تقدير الله، وهذا التصور نتج عنه -حينما دخل على بعض فرق الأمة- اعتقاد بأن هناك من المخلوقات من يدبر مع الله ﷿، وأنه يستقل بشيء من أفعال الخلق أو أمور الخلق من دون الله، فبعضهم أحال ذلك على النجوم والكواكب، ومنهم من أحال ذلك على الأشخاص، كالأئمة الذين يقدسونهم بعض الناس، فجعلوا لهم تدبيرًا في الكون جزئيًا أو كليًا، أو الذين يقدسون الأولياء، إذ زعموا أن الأولياء يدبرون الكون أو بعض الكون، بل إنهم صنفوا الأولياء إلى أصناف، فزعموا أن القطب والغوث يدبر الكون كله، وأن من دونه من الأوتاد -أحيانًا يقولون: أربعة أو اثنا عشر أو أربعة ثم اثنا عشر- يأخذ ربعًا من أرباع الكون يدبره.
والمهم أن منشأ الفلسفة واحد، وهو اعتقاد أن هناك من يدبر الكون مع الله ﷿، وهذا خلل في توحيد الربوبية، وبالتالي نتج عنه بالضرورة الخلل في توحيد الإلهية؛ لأن من زعم أن ثم مخلوقًا يدبر مع الله لاشك أنه سيصرف له شيئًا من العبادة من دون الله.
قال رحمه الله تعالى: [فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة].
كلمة (الصانع) هذه استعملها الشيخ ﵀ على غير القاعدة التي يقول بها ويقول بها السلف، وكان المفروض أننا لا نورد كلمة (الصانع) إطلاقًا، وإنما يقال: الخالق، لكن الشيخ أورد مصطلحاتهم ليقيم الحجة عليهم، وقد فعل ذلك في كثير من مؤلفاته التي قصد بها الذين ابتلوا بالنزعة الفلسفية والنزعة الكلامية؛ لأنهم يستعملون هذه الكلمات أو العبارات، بل إن بعضهم قل أن يصف الرب ﷿ بصفاته، بل يقول: الصانع، وعلى هذا فإن الشيخ ربما أراد التنزل معهم في هذا المصطلح وغيره حتى يحرجهم، أو يبين وجه الباطل عندهم، أو استدراجهم إلى استعمال مصطلحاتهم حتى يأخذوا بالحق، أو يقبلوا به، ولا يعني هذا أنه يجوز لنا استعمال مثل هذه المصطلحات، ولذا أقول: من كشيخ الإسلام ابن تيمية في التصدي لمثل هذا المقام، بأن يستعمل مصطلحات القوم لهدم أصولهم؟ إن هذا يندر أن يرقى له طالب علم، أو متخصص، ولذلك ينبغي أن تتفادى هذه المصطلحات؛ لأن لها معاني لا تليق بالله ﷿، فينبغي أن يقال: الخالق بدل الصانع.
ولذا من الخلط والتهور الذي يقع فيه كثير من طلاب العلم أنهم يستعملون أساليب استعملها شيخ الإسلام للرد على أهل الأهواء، مع اختلاف الحال والمقام والقدر، سواء كانت أساليب كلامية أو مناهج أو طريقة الدعوة أو طريقًا لهم في الحجة أو أساليب عملية تنفيذيه، فنقول: إذا الواحد منا وصل إلى مثل مقام شيخ الإسلام ابن تيمية، في سعة علمه، وقدراته العقلية، وقوة حجته، وإلزامه للخصوم، واحترام الخصوم له، فقد كان خصومه من أكثر الناس ثناء عليه واعترافًا بفضله، وهذه قل أن توجد في التاريخ، وأنا قد وجدت فعلًا أن أكثر من أثنى على شيخ الإسلام، واعترف له بسعة العلم، والمقدرات الراقية في العلم والتعامل، هم خصومه كـ السبكي وغيره، وعدد من الشافعية والمالكية والأحناف، ومن الفرق، كالأشاعرة وغيرهم، عند ذلك لا مانع أن يستعمل بعض أساليب العلم، وهذا ما أشرت إليه في أول كلامي عند حديثي عن الإجابة عن بعض الأسئلة، فقد قلت: إن بعض الناس الآن يقلد على غير جدارة، ويأتينا بأ
[ ٢٥ / ٣ ]
وقوع الغلط من المشركين في قولهم: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته، سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور.
وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى (الوجود) و(القيام بالنفس) و(الذات) ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك].
عادة الشيخ أن يضرب أمثلة في مثل هذا المقام وإن كانت بدهيات؛ لأنه بالأمثلة يفهم السياق لاسيما في هذه الأمور الصعبة.
قوله: (قد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات) أي: بعقل كل عاقل يحترم عقله، وإن لم يكن مسلمًا.
وقوله: (يشاركه فيما يجب) هذه عبارة فلسفية، فـ (يجب) بمعنى: يلزم بداهة، وليس الوجوب وجوب الأمر الشرعي كما يفهم في الأحكام الشرعية، وإنما (يجب) بمعنى: يلزم فيما تقرره العقول بالشكل البدهي، فمثلًا: ليس لأحد أن يزعم أن هناك أحدًا يشارك الله ﷿ فيما يجب له من خصائص، ككونه ﷿ (الأول) فليس قبله شيء، إذ إن عدم الإقرار بها يؤدي إلى التسلسل، وإلى الممنوع عقلًا، وكذلك (الآخر) الذي ليس بعده شيء، وهذا يمتنع أن يكون له مثل من المخلوقات؛ لأنه لو كان له مثل ما صرح له إذا كان مخلوقًا، فمعناه: أنه مبدع محدث، وكون المحدث لابد له من بداية.
وقوله: (أو يجوز) ليس معناه: أنه جائز شرعًا، بل هو بمعنى: يحتمل، فيقر به العقل ولو لم يكن، كالرؤية لله ﷿، فالعقل السليم لا يمنع أن الله يرى، لكن يمنع أن تكون عند البشر قدرات أن يروه في الدنيا، والله ﷿ سيهيئ للبشر قدرات يوم القيامة ليروه.
إذًا: هذا مثال للجواز، فكل موجود يجوز أن يرى، بمعنى: يحتمل أن يرى، لا أن (يجوز) بمعنى: يصلح شرعًا، بل هنا (يجوز) بمعنى: يحتمل أن يقع، أو يتوقع وقوعه، وهذا يقبله العقل ولو لم يحدث، ولو كان مستحيلًا حدوثه بناء على موانع أخرى، لكن كل موجود موصوف يسمى يمكن أن يرى.
وقوله: (أو يمتنع) كالموت، فهذا ممتنع عقلًا، أي: أن كل حي لابد أن يموت، ويبقى حي لا يموت، وهو الله ﷿؛ لأنه من يقدر الموت.
إذًا: هذه بدهيات فيما يجب، فكونه ﷿ الأول والآخر لا يشاركه فيه أحد فيما يجوز أن يمكن كالرؤية، أو يمتنع كالموت.
[ ٢٥ / ٤ ]
التوحيد عند أصناف الجهمية
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد)].
تأمل الدقة في الوصف والتأصيل: (ثم إن الجهمية) ثم قال: (من المعتزلة)؛ لأن كثيرًا من الناس يفهم أن الجهمية شيء، والمعتزلة شيء وهذا صحيح من وجه، لكن المنهج واحد تجاه ما يجب لله ﷿ في ذاته وأسمائه وصفاته، وفي التطبيقات والتفاصيل يختلفون، ولذلك أصول المعتزلة هي أصول الجهمية من حيث التأصيل لا من حيث التطبيقات، ولذلك هناك أناس وقعوا في مناهج الجهمية وهم غير معتزلة، لكن قد يقول قائل: بما أن المعتزلة تنكر صفات الله ﷿ فهي إذًا جهمية.
ولذا فالتجهم هو المنهج الذي يسلك مسلك التعطيل والتأويل في أسماء الله وصفاته، وتقرير الدين بالرأي والعقل فيما يتعلق بقضايا الدين الأخرى، وتقديم العقل على النقل، أو تحكيم العقل في الشرع، وعرض النصوص على مناهج مسبقة، ثم ما وافق من هذه النصوص لمناهجهم أخذوا به، وإلا فلا، فهذا هو التجهم بمعناه العام، والجهمية قد تركت التعطيل، وسلكوا مسلك التأويل، وهذا مما جعلهم يختلفون، فتنساب أصولهم ومناهجهم بسرعة في الفرق الأخرى، وما أن انتهى القرن الثالث إلا وأغلب الفرق على مذهب الجهمية، ولا يعني ذلك أنها تخلت عن مناهجها، فإذا قلنا مثلًا: الرافضة جهمية، فيظن أنها تركت الرفض، لا، فهي رافضة وزادت عليه التجهم، وكذلك إذا قلنا: إن الخوارج المتأخرة صاروا جهمية، فيظن أنهم قد تخلوا عن مذهب الخوارج، لا، فهم لا يزالون خوارج وزادوا مذهب الجهمية؛ لأن الخوارج الأوائل لا تتكلم في الصفات إطلاقًا، فاختلطت الفرق، وما أن انتهى القرن الثالث إلا وأكثر الفرق على مذهب الجهمية، بما فيها الفرق الكلامية، كالكلابية في ذلك الوقت، بينما لم تظهر الأشاعرة في ذلك الوقت، وكذلك الماتريدية، ولذا فإنه من حيث شدة المناهج وضلالها، فإن أوسع شيء الباطنية الفلاسفة الغلاة، ثم الجهمية، ثم المعتزلة، ثم الفرق الكلامية.
ويدخل في الجهمية والمعتزلة متأخرة الرافضة، ويدخل أيضًا من باب أولى الزيدية، وأغلب متأخرة الخوارج، فهم على منهج الجهمية في هذا الجانب، أي: الجهمية الثالثة أو الدائرة الثالثة، وهي الأوسع عددًا والأضيق مذهبًا، وتلك أوسع مذهبًا وأضيق عددًا، فالجهمية الخالصة أوسع مناهج وأضيق عددًا، ثم تليها: الجهمية المتوسطة، وهي: المعتزلة ومن نشأ عنها مباشرة، كالرافضة والزيدية، ثم الفرق الكلامية من الأشاعرة والماتريدية.
ثم إن كل الفرق تؤول ما عدا أهل السنة والجماعة، وهناك مشبهة لكنهم ندرة، إذ ليسوا بفرقة، وقد كان التشبيه الأول في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني، وهو الذي كانت عليه الرافضة، فقد كانوا مجسمة مشبهة ممثلة لله، ثم مع عنف الردود عليهم وقوتها من أهل السنة ومن المعتزلة ومن جميع الفرق انتقلت المجسمة إلى مؤولة تمامًا وهكذا الفرق تقلبت في القرن الثاني والثالث، لكن لا أعرف فرقة تركت أصلها إلى السنة، أو تركت أصلها إلى أصل آخر، كأن تجد المرجئة يتحولون إلى الخوارج، والخوارج يتحولون إلى مرجئة، وتجد رافضة يتحولون إلى جهمية أو إلى معتزلة، أو يحصل الاندماج بين الفرق جميعًا، فتتداخل في أصولها، كالجهمية فقد دخلت على الجميع، وبقيت كل فرقة لها خصائصها الأولى، ولم يسلم من ذلك إلا مذهب السلف، أما الفرق فما أعلم فرقة سلمت من مذهب الجهمية، حتى الطرق التي تعتبر وعاء الافتراق، مع أن بعض الناس يظن أن الطرق فرقة، والصحيح أنها وعاء لجميع المذاهب، فمثلًا: طرق الصوفية وعاء لجميع المذاهب التي خرجت عن السنة، بل إن طرق الصوفية دخلتها مذاهب الأمم المشركة والصابئية واليهودية والنصرانية والوثنية، إضافة إلى أن جميع الفرق لها طرق، حتى الخوارج وهم أبعد الناس عن الطرقية يوجد في بعض نواحيهم البعيدة في إفريقيا من دخلوا في الطرق، لكن ليس هذا من منهجهم، أي: الدخول في الطرق؛ حتى لا نظلمهم أيضًا.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى (التوحيد)، فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة، أو أنه يرى في الآخرة، أو أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق يقولون: إنه مشبه ليس بموحد.
وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد.
وزاد عليهم غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات; لأن في كل منهما تشبيهًا له.
وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارًا من تشبيههم -بزعمهم- له بالأحياء].
نقف عند هذا الحد، وإن شاء الله في بداية الدرس القادم نقعد لهذه المسائل، أو نختصر تقعيد الشيخ؛ لأن فيه تداخلًا ويحتاج إلى شيء من الأمثلة.
نسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصبحه أجمعين.
[ ٢٥ / ٥ ]
الأسئلة
[ ٢٥ / ٦ ]
أسماء الله ليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا وضرورة الاكتفاء بما ورد من الأسماء في الكتاب والسنة
السؤال
هل أسماء الله ﷿ محصورة في مائة اسم، مع أن الحديث الذي ذكرها مفصلة لم يكن ثبوته كثبوت حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا)؟
الجواب
على أي حال الشيء الذي تقتضيه النصوص، وقواعد الشرع، والعقول السليمة في حق الله ﷿، وما فطر الله عليه أهل الحق من معرفة حق الله ﷿ في أسمائه وصفاته: أن أسماء الله لا يمكن حصرها أبدًا، وأدلة ذلك قطعية، ومنها: حديث الشفاعة الذي فيه: أن النبي ﷺ يدعو ربه يوم القيامة بمحامد يلهمه الله إياها، وأيضًا حديث: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك).
فهذه الأحاديث بمجموعها متواترة المعنى، وتدل على أن أسماء الله ﷿ غير محصورة بما ذكر في الحديث، لكن أيضًا ينشأ عن هذا سؤالًا آخر، وهو: هل نحن عندما نثبت لله ﷿ الأسماء والصفات نكتفي بما جاء ذكره في الكتاب والسنة، أو ممكن أن نزيد عليها؟ إذا أخذنا باب التورع والأحوط والأسلم فلا يجوز أن نذكر لله ﷿ اسمًا غير ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأنه ليس لله أسماء غيرها وردت في الكتاب والسنة، بل إن غيرها من معاني الكمال التي تخطر على بال البشر، وما يتكلمون به، وما يمكن أن يعبروا عنه، لا تخرج عن هذه الأسماء والصفات الواردة في الكتاب والسنة، وليس ذلك بالنسبة لمداركنا؛ لأن أسماء الله محصورة، لكن ما خاطبنا الله به وما بينه رسوله ﷺ من أسماء الله ﷿ فيه، كلما يمكن أن يخطر على البشر فيما أعطاهم الله من قدرات، وعلى هذا فلا يجوز أن ننشئ لله اسمًا لم يرد في الكتاب والسنة، وإنما يأتي من باب الوصف والخبر، أي: أنه كلما يمكن أن يعبر عنه لله ﷿ من الكمالات فهو من باب الوصف والخبر، وما يمكن أن يستنبط منه اسم فيرد إلى الأسماء الموجودة؛ لأنها شاملة وكاملة، وبابها يندرج فيه كل كمال، مثل: الحي القيوم، العلي العظيم، واسم الجلالة: (الله) وذو الجلال والإكرام، فهذه الأسماء الجامعة يندرج فيها كل كمال يمكن أن يتوهمه بشر، سواء كان في قلوبهم أو في خيالاتهم أو في ألسنتهم أو عبروا عنه أو لم يعبروا عنه، فكل كمال يليق بالله ﷿ فإنه يندرج تحت ما جاء ذكره من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة، وهذا هو الأسلم والمنهج الذي عليه عامة السلف.
فالعدد لا نستطيع أن نتحكم فيه، أما الأصول فلا شك أن لها أصولًا من حيث إنها كمال، ومن حيث إنها كلها حسنى، ومن حيث إنها كلها تدل على لوازم، وكلها تدل على الصفات والأفعال إلى آخره، ومنها المتعدي ومنها غير المتعدي إلى آخره، هذه قواعد معروفة عند أهل العلم أتت من استقراء الأسماء والصفات في الكتاب والسنة ومن تطبيق معاني اللغة العربية التي جاء بها القرآن والتي هي لسان النبي ﷺ.
فمن حيث القواعد لا شك أن قواعد الكمال وقواعد الاحتياط وقواعد نفي النقص وأيضًا الدلالات اللغوية لمعاني أسماء الله وصفاته هي قواعد معتبرة ما لم تؤد إلى اشتباه.
وقوله ﷺ: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا) ليس على سبيل الحصر؛ فإن الذي يفهم العربية لا يفهم من سياق النص الحصر، كما تقول مثلًا وأنت تملك آلاف الدراهم: عندي ألف درهم، فهذا لا يعني أن هذا كل ما تملكه، فيحتمل أنك تملك غيرها، إنما أردت أن تخبر عن حد معين لغرض معين.
فعلى أي حال ألفاظ الحديث لا تدل على الحصر، لكن ومع ذلك ربما سياق الحديث بهذه الصورة وبهذا العدد ربما يعني أن هذه الأسماء التسعة والتسعين شاملة لكل ما عداها، حتى من الأسماء الأخرى التي لم ترد، والله أعلم.
[ ٢٥ / ٧ ]
دحض شبهة بعض الشيعة فيما يتعلق بما جرى بين الصحابة
السؤال
هناك شبهة من قبل بعض الشيعة، وهي أنهم يقولون: تلوموننا على سب الصحابة وتسكتون على من قتلهم! فكيف ذلك؟
الجواب
هذا كلام جاهل، ولا ينبغي أن ينطلي أيضًا على مسلم، ثم نحن لا نؤيد قتل الصحابة، إذ إنه ليس من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يسكتون عن قتل الصحابة، بل ولا يعتقد ذلك مسلم أبدًا، وهذه الشبهة إنما تأتي من فراغ أو من كذب عند الفرق، وقد تنطلي على كثير من شبابنا اليوم، وهي في الحقيقة كذب وافتراء، وأهل السنة والجماعة يلومون من سب الصحابة ويدينون الله بذلك، وهذا بمقتضى نصوص الكتاب والسنة ومناهج الدين القطعية التي لا يستقيم الدين إلا بها، أي: أن من سب الصحابة فنلومه ونؤدبه إذا ملكنا وقدرنا على ذلك.
لكن لا يعني ذلك أننا نسكت على من قتلهم، بل نلوم من فعل ذلك، فمثلًا: الذين قتلوا عثمان لا يزالون محل سبة عند الأمة، والذين قتلوا عليًا لا يزالون محل سبة عند الأمة، وكذلك كل من قتل صحابيًا فهو محل سبة عند الأمة، حتى الذين قتلوا الحسين ﵁، وهذا هو الذي يبدو لي أن أصحاب هذه النزعة يقصدون قتل الحسين ﵁، إذ إننا لا نسكت عمن قتل الحسين، ونرى أن قتله ظلم، لكن لا نجلس نصرخ وننعق ونضيع ديننا ودنيانا من أجل قتل الحسين ﵁، فهو ﵁ قد خرج متأولًا مخطئًا، وقد نصحه الصحابة ولم ينتصح، وأراد الله ﷿ له الشهادة واستعجله عن الفتنة، ثم لا ندري ماذا كان يقصد الحسين من خروجه؟ وليس أهل السنة الذين تواطئوا على قتل الحسين، وإنما هم أناس حمقى ينتسبون للسنة، وبعضهم من الزنادقة، وبعضهم الله أعلم بحالهم، إذًا نحن لا نؤيد قتله، ويعتبر قتله خطأ، ولم نعتذر لهم ولم نسكت عنهم.
ولو كان الحسين حيًا لأدب هؤلاء الذين يولولون ويصرخون، وأيضًا لو أردنا أن نقتص للحسين لاقتصصنا من شيعته؛ لأنهم هم الذين خذلوه على مبدأ علي بن أبي طالب، إذ يقول: لو تمالأ أهل اليمن كلهم على قتل فلان لقتلتهم.
وهؤلاء هم الذين استنهضوه واستدرجوه واستعطفوه وكذبوا عليه وأرسلوا له الكتب والرسل، وأعطوه العهود والمواثيق لينصرنه إذا جاء، فلما أقبل خذلوه وقالوا: لا طاقة لنا ببني أمية، وتركوه لغوغائية التفوا حوله في الصحراء وقتلوه، وربما الذين قتلوه هم الذين قتلوا أباه، والله أعلم بذلك.
إذًا: نحن أولى بـ الحسين من هؤلاء، ونحن الذين نأسف عليه أسفًا حقيقيًا، ونحن الذين نرى أن الذين قتلوه أصحاب فتنة، ونحن الذين نعتقد أن ما حصل له إنما هو ابتلاء، وأنه تأول وأخطأ، ويغفر الله لنا وله، ونعرف أن الصحابة نصحوه وعلى رأسهم أقاربه، ومنهم: صاحبه عبد الله بن عباس ﵁، فقد حاول أن يثنيه حتى اغبرت قدماه في الصحراء وهو يقول: يا ابن بنت رسول الله ﷺ لا تذهب، فإن القوم قوم غدر، غدروا بأبيك.
ومع ذلك أبى إلا أن يأخذ برأيه، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وعلى أي حال أنا أحب أن أؤكد أن أكثر الشبهات التي يثيرها القوم قديمًا وحديثًا، والآن أنشئوها من جديد وأربكوا بها شبابنا إنما هي من الأمور التي لا أصل لها، فهي من كذبهم ومفترياتهم، والإنسان الخالي الذهن من شباب أهل السنة والجماعة يظن أنهم على حق، وربما يستعطفونه، فيجرم السلف وهو لا يدري، ويتعاطف مع القوم وهو لا يدري، فيجب أن نتنبه حتى لا نستغفل بمثل هذه المقولات.
ثم إن من وسائل أهل البدع والافتراق، بل من وسائل الكفار ضد المسلمين الإنترنت، فينبغي مناصحة الشباب بأن لا يتوغلوا في الإنترنت، وألا يستخدموه إلا للأغراض السليمة والمصادر النقية، لكن مع ذلك الآن أصبح وسيلة تستهوي شبابنا، فينبغي أن نتنبه لذلك، وهذا هو واجب المربين، وأولهم المعلمون ثم طلاب العلم والمشايخ، فينبغي أن يكفوا أو يصرفوا الشباب عن الانجرار خلف الإنترنت والفضائيات؛ لأن شرها أكثر من خيرها، وأن تضبط استعمالات هذه الوسائل، فهي وسيلة قد تكون مفيدة في تتبع الدروس والعلم والفوائد المفيدة التي تصدر عن علماء الأمة وعن غيرهم، وقد تكون غير ذلك.
وكذلك الفضائيات، فقد أصبحت الآن مصدر شر إلا القليل منها، ولعله من الخير أن الله ﷿ عوض الأمة بظهور بعض الفضائيات الجيدة، مثل: المجد، ونرجو أن تتبعها فضائيات أخرى، إذ إنها في هذه الظروف تعتبر غيثًا ورحمة للأمة، لاسيما مع عموم البلوى في هذه الوسائل.
ثم مثل هذه الوسيلة أصبحت حجة على من يدعي أنه يحتاج إلى الفضائيات، وأنه لابد أن يدخله إلى بيته، فنقول: إذا كنت ولابد، وقصدك الأخبار ومتابعة الأحداث والأمور المهمة، فهذه القناة نقية، ونسأل الله أن يثبتنا والقائمين عليها على الحق.
[ ٢٥ / ٨ ]