التفصيل في الإثبات هو المنهج الصحيح في باب صفات الله تعالى، والتشابه في الألفاظ لا يوجب التشابه في حقيقة ما تطلق عليه تلك الألفاظ، وبهذا يرد على النفاة الذين نفوا صفات الله تعالى بحجة أن إثباتها يلزم منه مشابهتها بصفات المخلوقين.
[ ٣ / ١ ]
مواطن الاستشهاد في الآيات عند الكلام على الإثبات المفصل
أما الكلام على الإثبات المفصل، فسنمر على مواطن الاستشهاد في الآيات؛ لأني بعد التأمل رأيت أن بعض الآيات قد يخفى وجه الشاهد فيها، وبعض الآيات قد تضمنت أكثر من دليل على الإثبات المفصل، لذا فسنقف على أسماء الله وصفاته وأفعاله والإخبار عن الله ﷿ في هذه الآيات، مع ما ورد في بعض الآيات من باب الأسماء، وبعضه من باب الصفات، وبعضه يجمع بين الأسماء والصفات، وبعضه من باب أفعال الله ﷿، وبعضه من باب الإخبار عن الله ﷿، وهذا كله يدخل في باب الإثبات المفصل.
أولًا: آية الكرسي معروفة بدلالتها على أسماء الله ﷿، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهذه كلها أسماء.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] فهذه مع اسم الجلالة: (الله) قد أثبت اسم (الأحد) لله ﷿، وكذلك: (الصمد).
وبعده: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، صرحت باسم (العليم)، وباسم (الحكيم)، وتضمن صفة (العلم)، وصفة (الحكمة).
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، تضمنت صفة (العلم) و(القدرة)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، تضمنت أيضًا من الصفات: (السمع) و(البصر)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، تضمنت صفة (العزة) و(الحكمة)، مع ثبوت الاسمين.
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧] كذلك تضمنت مع ثبوت الاسمين صفة (المغفرة) وصفة (الرحمة).
وكذلك: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، تضمنت صفة (المغفرة) وصفة (المودة).
وكذلك: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، تضمنت الخبر عن الله ﷿، وأنه ذو عرش، وكذلك اسم (المجيد) وصفة (المجد).
وكذلك: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، تضمنت معنى الفعل لله ﷿، وكذلك الإرادة.
وقوله: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، هذه أسماء لله ﷿، والنبي ﷺ قد شرح معانيها فقال: (الأَوَّلُ الذي ليس قبله شيء، وَالآخِرُ الذي ليس بعده شيء، وَالظَّاهِرُ الذي ليس فوقه شيء، وَالْبَاطِنُ الذي ليس دونه شيء)، فهذه أسماء تضمنت صفات وأخبار الأولية والآخرية والظهور والباطن، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، تضمنت أيضًا اسم (العليم) وصفة (العلم) لله ﷿.
وكذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤].
فقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ)، تضمنت صفة (الخلق).
وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، تضمنت صفة (الاستواء).
وقوله: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)، تضمنت عموم علم الله ﷿.
وقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ) تضمنت صفة (المعية) المقيدة بثبوت العلو كما هو معلوم، وليست معية الحلول والاتحاد والمخالطة ووحدة الوجود، وإنما المعية هنا: المعية في العلم.
وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، تضمنت صفة (البصر) لله ﷿.
ثم قوله ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨] فقوله: (مَا أَسْخَطَ اللَّهَ) تضمنت صفة لله ﷿ على ما يليق بجلاله.
وقوله: (وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ) تضمنت صفة لله ﷿.
وقوله: (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) تضمنت فعلًا من أفعال الله.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤]، تضمنت صفة (المحبة) لله ﷿.
وكذلك قوله: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩]، تضمنت صفة الرضا لله ﷿.
[ ٣ / ٢ ]
اعتبار سياق آيات الأسماء والصفات عند أهل السنة والجماعة
وكذلك قوله ﷿: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء:٩٣] تضمنت صفة لله ﷿ على ما يليق بجلاله، والسياق معتبر، لا كما يقول بعض المفتونين: إن أهل السنة لا يهتمون بالسياق، ويزعمون أنهم يجزئون أسماء الله وصفاته، وهذا جهل وضلال وحيدة عن الحق؛ لأني أعرف من قال هذا الكلام من المعطلين وأنه تربى على هذه الأمور ودرسها، لكنه فتن ببعض بني جنسه، ففضل عصبية القوم على الحق، فالله يوصف بمثل هذه الصفات لكن مع اعتبار السياق، بمعنى: أننا لا نفرد الصفة إلا على الوجه اللائق بالله ﷿.
وكذلك قول الله ﷿: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ [غافر:١٠]، هذا فعل من أفعال الله ﷿، وقد يفهم منه صفة لله ﷿، لكن مع اعتبار السياق، لأن سياقات النصوص معتبرة عند السلف، فلا تثبت هذه الصفات، مثل: المقت والسخط والغضب إلا على وجه الكمال لله سبحانه، وعلى اعتبار المفهوم من السياق؛ يعني: أن المفهوم من سياق كل آية -بحسب ما وردت- وكل حديث عن النبي ﷺ يتضمن صفة لله ﷿بحسب ما ورد- هذا أمر معلوم عند السلف، ولا بد أن يلتزموه، وهو من لوازم إقرارهم بالصفات.
وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فصفة (الإتيان) تثبت لله ﷿ على نحو ما جاءت في السياق.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]، فالاستواء هنا ليس هو الاستواء على العرش -هذه من الأدلة العاضدة لأدلة الاستواء على العرش- وإنما الاستواء هنا يفسر بمعنى: العلو والارتفاع، ولا مانع أن يضاف إلى تفسير معنى الاستواء على العرش، لكن هذا النص وحده ليس هو الدليل على الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش قد ورد في نصوص أخرى، فهنا استوى كما يليق بجلاله، والفعل: (استوى) إذا عدي بـ (إلى) ثم أشير إلى السماء فإنها تعني: العلو والارتفاع، وتعني المعاني الكاملة التي تقتضيها المعاني اللغوية.
وكذلك قوله ﷿: ﴿فَقَالَ لَهَا﴾ [فصلت:١١]، إثبات صفة (القول) لله ﷿ على ما يليق بجلاله، وهي فرع عن صفة (الكلام).
وبعد ذلك: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ [مريم:٥٢]، هذه من أفعال الله ﷿.
وكذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢]، هذه من أفعال الله ﷿، وهي مرتبطة بالكلام والصوت.
وكذلك: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
فقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ) إثبات (الأمر) لله سبحانه.
وقوله: (إِذَا أَرَادَ) إثبات صفة (الإرادة).
وقوله: (أَنْ يَقُولَ) إثبات صفة (القول) لله سبحانه.
وكذلك آيات سورة الحشر كلها في أسماء الله وصفاته، وهكذا بقية النصوص.
[ ٣ / ٣ ]
الرد على الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه].
هذا بداية الرد على الطوائف الأربع -الشيخ قد ذكر منها ثلاثًا، والرابعة قد تضمنها كلامه- وهذه الطوائف زاغت عن سبيل الحق، ووقعوا فيما نهى الله عنه من اتباع المتشابه، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، وحادوا في باب أسماء الله وصفاته، وهي: الطائفة الأولى: الذين عطلوا غاية التعطيل، وهم غلاة المعطلة الذين يسلبون عن الله النقيضين.
الطائفة الثانية: الذين قاربوهم ممن وصف الله ﷿ بالسلبيات وبالنقيض، والسلوب هو: كل وصف لله فيه سلوب، وهؤلاء كلهم فلاسفة.
الطائفة الثالثة: الذين أثبتوا لله الأسماء ونفوا الصفات.
الطائفة الرابعة: الذين نفوا بعض الصفات وأثبتوا البعض، ولم يذكرهم الشيخ، لكنه عند الرد على الجميع سيشملهم، وهؤلاء كلهم يسمون مؤولة ومعطلة ونفاة، مع أنهم يتفاوتون، فمنهم من يعطل تعطيلًا صريحًا، ومنهم من يؤول.
وهذه الطوائف الأربع قد اجتمعت كلها في قدر مشترك، وهو نفي ما أثبته الله ﷿ لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، والإلحاد في أسماء الله وصفاته إلحادًا كليًا أو جزئيًا، والتأويل لما ثبت أو بعض ما ثبت، وعلى هذا فإن هذا الرد من الشيخ سيشمل من أنكر كل شيء، أو أنكر الأسماء دون الصفات، أو أنكر الأسماء مع الصفات، أو بعض الصفات دون بعض، أو أنكر وأول صفة واحدة، فكل هؤلاء يشملهم هذا الرد.
[ ٣ / ٤ ]
البدهيات التي انطلق منها المصنف في الرد على النفاة والمعطلة والمؤولة
قوله: (علم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني) يقصد المصنف بذلك قواعد الإثبات التي يرد عليهم بها، وهي: الوجود، والقدم، والغنى، فهذه الأمور يعترفون بها عقلًا، فيثبتوها لمن يسمونه بواجب الوجود، الذي وجوده يخالف وجود المحدثات، فالشيخ ﵀ قد بدأ بما يسلمون به، أي: أنه لابد من موجود، وهذا أولًا، ثانيًا: أنه قديم، ثالثًا: أنه غني، وهذه بدهيات انطلق منها الشيخ في الرد على النفاة أو المعطلة أو المؤولة، وهي قواعد مشتركة عند الجميع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات، كالحيوان والمعدن].
هذا بداية التفصيل من المصنف لما أجمله من الأمور المتفق عليها عند جميع الطوائف، فبدأ بالبرهان الأول وهو: أننا نشاهد حدوث المحدثات، كالحيوان والمعدن وغيرهما.
ثم قال رحمه الله تعالى: [والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار، أن المحدث لا بد له من محدث، والممكن لابد له من موجد].
هذا الاستدلال أو البرهان الثاني، وهو أن الحادث ممكن وليس بواجب ولا ممتنع، بمعنى: أنه قابل للوجود والعدم، فيفترض العقل أن هذا الوجود الذي يقبل العدم قد بدأ من لا شيء.
[ ٣ / ٥ ]
الخلق لم يخلقوا من غير شيء ولم يخلقوا أنفسهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم].
عند التأمل في البراهين القرآنية نجد أنها تتميز عن براهين الفلاسفة وغيرهم بالبساطة والقوة، والإيجاز والوضوح، وهذا إعجاز، فقاعدة: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، قد يكتب فيها الفلاسفة المجلدات، لكن لبعدهم عن الحق وقعوا في المتاهات والضلالات، مع أن هذه قاعدة فطرية يدركها البليد ومتوسط الذكاء والعبقري، بل والبسيط من أصحاب الفهم الذين لا يكون عندهم عادة قدرة وتمكن في التفكير، ومع ذلك يدركون هذه القاعدة الفطرية.
ولذا فإن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة، وجد أنه لا يمكن أن يحيد عقله السليم عن أنه لا يمكن أن يكون قد خلق الخلق من غير شيء، ثم تأتي درجة ثانية وهي: إذا كانوا خلقوا من غير شيء، فهل يعقل أنهم خلقوا أنفسهم؟! هذه القاعدة في ثلاث عبارات أو عبارتين سليمة من المقدمات المعقدة، ومن الافتراضات الفلسفية، وفي نفس الوقت هي فطرية وضرورية ولازمة، يعني: لا يستطيع أن ينفك عنها العاقل، فكل عاقل لا بد أن يقف عندها بوضوح، وعند ذلك يصل إلى نتيجة جازمة لا شك فيها ولا ريب، بأنهم لم يخلقوا من غير شيء ولم يخلقوا أنفسهم، وهذا يشمل كل المخلوقات.
[ ٣ / ٦ ]
اتفاق الأسماء لا يوجب تماثل المسميات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره].
هذا دليل بدهي في الرد على الذين أنكروا الأسماء والصفات، كالجهمية، أو أنكروا بعضها، كالمعتزلة ومن سلك سبيلهم، فهؤلاء كلهم يرد عليهم بمثل هذه القاعدة العقلية البدهية، إذ إن شبهتهم في إنكار الأسماء أو الصفات أو بعضها: أن إثبات هذه الأسماء أو الصفات لله ﷿ يقتضي التشبيه، فالجهمية يقولون: إذا سمينا الله ﷿ بالعليم أو الحكيم فقد شبهناه بالمخلوق؛ لأن المخلوق قد يكون حكيمًا، وكذلك الذين ينفون الصفة يقولون: الحكمة من صفات المخلوقين، فإذا وصفنا بها الخالق فقد شبهناه بالمخلوق، وبالتالي نفوا عنه الحكمة، وكذلك بقية الصفات، فكان الاشتباه عندهم هو في التشابه اللفظي، والشيخ قد بدأهم من حيث الأساس الذي ينطلقون منه جميعًا، فكلهم يثبتون الوجود لله، سواء الجهمية والمعتزلة ومتكلمة الأشاعرة والمؤولة لبعض الصفات أو لكثير منها، وكلهم يجتمعون على وصف الله باعتبار أنه موجود.
فيقول لهم: أنتم إذا عبرتم عن الله بأنه موجود، أليست كلمة (موجود) اسمًا وصفة؟ سيقولون: بلى.
يقول: إذا كان من أجل التشابه اللفظي تنكرون الأسماء والصفات، فكذلك كلمة: (وجود) فيها اشتباه لفظي؛ لأننا كما نصف الله بأنه موجود، والمخلوق موجود، نستطيع أن نقول: المخلوق إذًا غير موجود، لكن ما دام أنه موجود فإذًا هو حي ويرزق، وعليه فكما نفيتم يلزمكم أن تنفوا حتى الوجود، وأما إذا أثبتم الوجود -مع وجود الاشتباه اللفظي- فيلزمكم أن تثبتوا بقية الصفات لله ﷿ على ما يليق بجلاله، وإن قلتم: نحن نثبت وجودًا يليق بجلال الله، فنحن نقول أيضًا: ونحن نثبت لله بقية الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله، فما الفرق؟! وهذه قاعدة تطرد معنا في الدروس التي ستأتي بمشيئة الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا يقول عاقل إذا قيل إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود، إن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليًا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل هذا موجود، وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما].
[ ٣ / ٧ ]
أسماء الله وصفاته مختصة به وإن اتفقت مع ما لغيره عند الإطلاق
قال المصنف ﵀: [ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به، إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص].
يمكن أن نضرب لهذا بأي مثال، كالحكمة والرحمة مثلًا، فالله ﷿ وصف نفسه بذلك، ووصفه رسوله ﷺ بذلك، وكلمة (حكمة) من الكلمات المطلقة مثل كلمة (وجود)، ومثلها كلمة: (رحمة) و(علم)، إذ لا يمكن أن تنطبق على المعين إلا إذا قرنت بمعين، ومع ذلك قبل أن تقترن بمعين فهي كلمة في الذهن، ولذلك قالوا: في الأذهان وليس في الأعيان، كما أنهم قالوا: إنها بمعنى الإطلاق، والاسم المطلق هو الاسم المجرد عن الموصوف، فنأتي باسم ولا ندري من نقصد به! مع أنه لا يوجد اشتراك بين المسميات إلا في اللفظ، حتى المخلوقات كلها تشترك في كثير من الصفات، لكن بعض الألفاظ المشتركة فيها تباين عظيم جدًا، فوجود العرش غير وجود البعوضة -وهذا في المخلوقات نفسها- فالتفاوت بينها تفاوت لا يكاد يتصور من الفوارق العظيمة الهائلة، ولله المثل الأعلى، فكيف بإطلاق اللفظ على الله ﷿ إذا أطلق؟! فالألفاظ والمعاني والأسماء المجملات عند الإطلاق لا تعني شيئًا، وعند التقييد لا بد أن يلتزم فيها ما يليق بمن أطلقت له، ويبقى اللفظ مشتركًا، والاشتراك لا يعني التشابه والمماثلة إلا في اللفظ، والاشتراك اللفظي ليس اشتراكًا حقيقيًا بين الخالق والمخلوق بالذات، بل لا يمكن أن يكون الاشتراك اللفظي بين الخالق والمخلوق اشتراكًا حقيقيًا في الكيفيات، وإنما هو اشتراك لفظي فقط، وهذا الاشتراك اللفظي وإن وجد لا يوجب نفي الأسماء والصفات عن الله ﷿؛ لأننا نعلم علم اليقين أن هذه الألفاظ المشتركة إذا أطلقت على الله ﷿ أطلقت عليه بما يليق بجلاله وعظمته، وأنه ليس كمثله شيء، وإذا أطلقت على المخلوقات فإنها تليق بالمخلوقات من حيث إنها ناقصة وزائلة وفانية، ويعتريها النقص من كل وجه، ففرق بين هذا وذاك.
[ ٣ / ٨ ]
أمثلة على أن الاشتراك اللفظي بين صفات الخالق والمخلوق لا تعني التماثل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقد سمى الله نفسه حيًا، فقال: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وسمى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الْحَيَّ) اسم لله مختص به، وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق.
ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.
وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨]، يعني: إسحق، وسمى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.
وسمى نفسه سميعًا بصيرًا، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨]، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير.
وسمى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣]، وسمى بعض عباده بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.
وسمى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]، وسمى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩]، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف:٥٠]، وليس الملك كالملك.
وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، وليس المؤمن كالمؤمن.
وسمى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣]، وسمى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف:٥١]، وليس العزيز كالعزيز.
وسمى نفسه الجبار المتكبر، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة].
إن كل النصوص السابقة تمثيل للقاعدة السابقة في أسماء الله ﷿، وأن كون أسماء الله ﷿ مشتركة مع أسماء المخلوقين أو مع أسماء بعض المخلوقين، لا يقتضي الاشتراك في الكيفية، وهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: لا يقتضي التشبيه، ولو قلنا: إنه تشبيه، معناه: أنه لابد أن نصادم النصوص، ويضطر من يقول ذلك بإلغاء النصوص وردها، وهذا كفر صريح، وكذلك العكس، فلو قال: أنها تقتضي التشبيه، فقد خالف النص القطعي وبداهة العقول من أن الله ﷿ ليس كمثله شيء.
إذًا: فالمسلم لا يجمع بين هذا وذاك، وكل ما سبق هو في تطبيق القاعدة في أسماء الله ﷿.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء:١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، وقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَ
[ ٣ / ٩ ]
نتيجة ما تقدم
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى، كان معطلا جاحدًا، ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات.
ومن قال له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضا كرضاي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي، كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
ويتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين -ولله المثل الأعلى- وبخاتمة جامعة].
سيفصل الشيخ ﵀ ما أجمله هنا، مع أنه قد فصل في الأمثلة، لكن أيضًا سيفرع على هذه القاعدة قواعد ثمينة ذهبية جيدة تدل على إحكام هذا المنهج الذي قامت عليه عقيدة السلف، وهو منهج -كما ترون- يعتمد على نصوص الكتاب والسنة، والشيخ هنا في معرض رده على أهل الأهواء والبدع الذي صاروا يثيرون الإشكالات والشبهات والمطاعن على منهج السلف لا يستدل عليهم إلا بالقرآن، فماذا سيقولون؟! ليس عندهم إلا ما عند أهل الأهواء من الزيغ والتلبيس والحيدة عن الحق، نسأل الله العافية والسلامة.
وفي الفصل الآتي سيبدأ بالأصول التي تبنى عليها قواعد الأسماء والصفات في الرد على المعطلة والمؤولة، وسترون أن الشيخ فعلًا في مستهل هذا الفصل سيبدأ بالأصلين اللذين يمثلان القاعدة في الرد على المعطلة وعلى المؤولة بجميع أصنافهم، سواء من أول صفة واحدة، أو من أول عددًا من الصفات، أو من أول جميع الصفات، فقد بنى قاعدة الرد عليهم على أصلين، أحدهما: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، والثاني: القول في الصفات كالقول في الذات.
ثم يستكمل بعد ذلك بقية القواعد على نحو ما سيأتي.
[ ٣ / ١٠ ]