أهل السنة يثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، وقد انبنى هذا الباب عندهم على قواعد مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذه القواعد لابد منها لضبط هذا الباب، والرد على المخالفين فيه.
[ ٨ / ١ ]
القواعد التي بني عليها تقرير الأسماء والصفات والرد على المخالفين
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
أما بعد.
فبعون الله وتوفيقه نستأنف درسنا، وقد وقفنا في الفتاوى في كتاب التدمرية على الفصل الذي يتعلق بالخاتمة الجامعة، والتي تتضمن قواعد، وهذه القواعد سبع، وقبل أن نشرع في هذه القواعد أُحب أن أستعرضها إجمالًا؛ لأن استحضار هذه القواعد قبل القراءة التفصيلية مفيد جدًا، لا سيما أن في بعضها شيئًا من التشابه والتداخل، وكذلك لعل الدخول في القراءة المفصّلة في هذا الدرس في هذا اليوم غير مناسب.
ولذا سأعرض هذه القواعد التي بنى عليها الشيخ تقرير الأسماء والصفات، والرد على المخالفين فيها، ثم إن هذه القواعد وسواها من القواعد المتعلقة بالأسماء والصفات وأفعال الله ﷿ توجد مفصّلة، وبأمثلة واضحة في كتاب الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (القواعد المثلى)، وهو كتاب مفيد نافع جدًا، وقد استقى الكثير مما ذكره من التدمرية وغيرها، وأنصح كل طالب علم أن يرجع إلى ذلك الكتاب.
أما القواعد التي أشار إليها الشيخ فهي سبع، وفي بعض النسخ ست، ولذلك أُلحقت في الفتاوى القاعدة السابعة بغير ترقيم، وقد استعملت فيها طريقة الحروف؛ لأنها لم تكن موجودة في بعض النسخ الخطية للكتاب.
[ ٨ / ٢ ]
القاعدة الأولى: صفات الله سبحانه إثبات ونفي
القاعدة الأولى: أن الله موصوف بالإثبات، أي: إثبات ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، وموصوف أيضًا بنفي النقائص جملة وتفصيلًا، أي: نفي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ.
إذًا: لابد أن تتضمن الأسماء والصفات والأفعال النفي والإثبات، والنفي والإثبات لا بد أن يدخل فيه ما تقر به العقول السليمة، من أنه لا بد أن يُثبت لله الكمال المطلق، ولا بد أن يُنفى عنه النقص مطلقًا.
[ ٨ / ٣ ]
القاعدة الثانية: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه
القاعدة الثانية: أن كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ في أسماء الله وصفاته وأفعاله وجميع أمور الغيب والدين وجب التسليم به دون مناقشة، والتصديق والإذعان واليقين بأنه حق، وهذا هو الفارق بين المؤمنين الصادقين وبين من في قلوبهم مرض من أهل الأهواء والتأويل والشكوك، فالمؤمنون سلّموا بخبر الله وخبر رسوله ﷺ مطلقًا، وأنه حق على حقيقته على ما يليق بجلال الله ﷿، وأول ذلك ما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله، بل وسائر أمور الغيب، فكل ما أخبر الله به وجب التسليم به، وكل ما ثبت عن رسوله ﷺ وجب التسليم به، وأول ذلك الأسماء والصفات والأفعال، وهذا اليقين أو هذا الإثبات لا يتوقف على إدراك الكيفيات، بل يجب ألا يتطلّع المسلم إلى الكيفيات أصلًا، كما لا يتوقف ذلك حتى على إدراك المعنى؛ لأن المعنى قد لا يُدرك عند بعض الناس وإن كانت المعاني المجملة مُدركة، لكن مع ذلك فإن مدارك الناس تختلف، فبعض الناس قد تعرض له بعض الشبهات وبعض الشكوك، ونحو ذلك من العوارض التي تعرض للبشر، فيضعف يقينه بالله ﷿، وقد لا يُدرك المعنى فيما ثبت عن الله وثبت عن رسوله ﷺ، وليس الحق موقوفًا على إدراك المعنى عند الفرد، مع أننا نعلم أن الله ﷿ قد خاطبنا بلسان عربي مبين، وأمرنا بالتدبر، ولا شك أن معاني أسماء الله وصفاته وأفعاله مُدركة بالجملة، لكن ومع ذلك لو أن أحدًا من الناس قال: والله لم أُدرك هذا المعنى، ولا أدري كيف أعتقد هذه الحقيقة! فنقول له: إن الحق ليس متوقفًا على إدراكك للمعنى ولا للحقيقة، والمعنى ثابت لله ﷿ على ما يليق بجلاله.
[ ٨ / ٤ ]
القاعدة الثالثة: التفصيل في معنى الظاهر المراد من الأسماء والصفات
القاعدة الثالثة: أن الأسماء والصفات والأفعال يراد بها ظاهرها، لكن مع ذلك لا بد من التفصيل في معنى الظاهر؛ لأن الظاهر قد يُراد به: المشاهدات وقياس الغائب على الشاهد، وهذا ليس هو المراد بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وقد يُراد بالظاهر: إثبات المعنى والحقيقة، وهذا هو الحق، فعلى هذا إذا قيل: هل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ الأصل أنه مراد؛ لأن الله ﷿ ما خاطبنا إلا بما أراد أن نفهمه ونعتقده، لاسيما -كما هو معروف- إنما جاء ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله في الكتاب والسنة لنعظّم الله بها وندعوه بها، ونعتقد له الكمال المطلق، وننفي عنه النقائص، وهذه هي الغاية الأولى من إثبات الأسماء والصفات، لكن مع ذلك فإن المعنى الظاهر قد يحدث فيه إشكال عند بعض المتحذلقين ممن وقعوا في شبهات المتكلمين والمتفلسفة.
وهنا يرد سؤالًا: هل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ نحن نقول: هو مراد ابتداء، لكن مع ذلك نسأل السائل، وخاصة إذا كان ممن عرف بمسالك الكلام والفلسفة: ماذا تقصد بالظاهر؟ إن أردت بالظاهر: تشبيه الله تعالى الله بالمشاهدات فليس هذا هو الظاهر، ولا يُعتقد لله ﷿، وإن أردت بظاهر النصوص إثبات المعاني والحقائق، إذًا فالإنسان السالم من الشبهات والشكوك والفلسفات والكلاميات يعتقد أصلًا أن ظاهر النصوص مراد؛ لأن ظاهرها هو الحق، وليس تشبيهًا، وإن كان السائل ممن عنده ريب أو يتوقع أن عنده شكوكًا وإشكالات يفصّل له، فيقال: إن أردت بالظاهر قياسه على المخلوقات، فالله ﷿ ليس كمثله شيء، ولا نعلم كيفيات صفاته، وإن أردت بالظاهر المعنى والحقيقة، فلاشك أن أسماء الله وصفاته لها معان وحقائق.
[ ٨ / ٥ ]
القاعدة الرابعة: المحاذير التي يقع فيها من يتوهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل
القاعدة الرابعة: نفي توهم مماثلة الأسماء والصفات لله ﷿ لصفات المخلوقين، ثم إرادة نفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة محاذير، ومن هذه المحاذير: المماثلة، وتوهم خيالات في الأذهان، وهذه الخيالات غالبًا تنطبع عن الواقع.
إذًا: فهذه القاعدة تتلخّص في أنه يجب على المسلم أن ينفي في ذهنه توهم مماثلة الخالق للمخلوقين، أو مماثلة الله ﷿ لشيء من المخلوقات، وقلنا: نفي توهم؛ لأن التوهم قد يوجد، بل لا بد أن يوجد؛ لأنه لا يمكن أن يفهم الإنسان ألفاظ الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وسائر أمور الغيب إلا بأن يتخيل في ذهنه خيالات، لذا كانت هذه القاعدة تتعلق بنفي وخيال، واعتقاد أن الله ﷿ له من الأسماء والصفات والأفعال ما هو أعظم وأجل مما تتخيله أذهاننا، أو نتوهمه ونتصوره بمجرد تصورات، لذا كان نفي الأوهام ضروريًا؛ لأن من لم ينف الأوهام يقع في التشبيه؛ لأنه لا بد أن يعتقد صورًا وأشكالًا في ذهنه، فإذا لم ينف ذلك إما أن يشبِّه، وإما أن يكون عنده ردة الفعل كما عند الجهمية والمعتزلة والمتكلمين، فيعطِّل ويؤول؛ لأنه توهم بأسماء الله وصفاته وأفعاله -تعالى الله- أشياء وأشكالًا، فنفر من هذه الأشكال التي توهمها، وهذه الأشكال مبنية على ما ينطبع في ذهن الإنسان من عالم الشهادة، والله ﷿ ليس كمثله شيء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وبهذا يسلم المؤمن من مداخل الشيطان.
[ ٨ / ٦ ]
القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا الله به من وجه دون وجه
هي قاعدة شبيهة بالقاعدة التي قبلها، لكن لها وجه من التوضيح، وهي: أنه يجب على المسلم أن يعلم أن ما أخبرنا الله به، وأخبرنا به رسوله ﷺ عن الله سبحانه في ذاته وأسمائه وصفاته، نعلمه من وجه ولا نعلمه من وجه آخر، فالوجه الذي نعلمه أن هذه الأسماء والصفات والأفعال هي لله على الحقيقة، وأن لها معاني تليق بالله ﷿، وأنها تعني الكمال المطلق لله ﷿، ويجب أن نعظّم الله بذلك ونقدّسه ونسبّحه، ولأنه لا يمكن أن يكون هناك أوصاف بلا معان، وأسماء بلا معان، وأفعال بلا معان، وإذا جُردت الألفاظ من المعاني وقع المسلم في التعطيل، ووقع في وصف الله ﷿ بصفات المعدوم.
إذًا: لا بد أن نعلم أن ما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته نعلمه من وجه، وهو أن أسماء الله وصفاته وأفعاله على الحقيقة، وأن لها معاني ثابتة، لكن لا نعلمه من وجه آخر، وهو الكيفيات وسائر أمور الغيب، وفي حق الله أولى، ولله المثل الأعلى، فنحن نؤمن بخبر الله عن الملائكة، وقد جاء تفصيل أحوال الملائكة في القرآن والسنة، وممكن أن كل واحد منا في ذهنه توهمات وتصورات عن الملائكة أو عن بعض الملائكة، كجبريل مثلًا، فجبريل قد وردت له أوصاف كثيرة، وكل منا يتخيل في ذهنه شيئًا من هذه الأوصاف، ونحن نعلم أن أوصاف جبريل لها معاني حقيقة، وهذه المعاني الحقيقية هي الوجه الذي يجب أن نؤمن به، لكن أيضًا في أوصاف جبريل معان وهمية في أذهاننا، ليست حقيقة ما هو عليه، ولا أحد من البشر أو المخلوقين قد رأى جبريل على حقيقته إلا النبي ﷺ، فقد رآه على حقيقته، وهي حقيقة ليست كحقيقة ما يشاهده الناس من مشاهدات، فإذا كان هذا -ولله المثل الأعلى- في مخلوق نعلم له صفات، ونعلم له أحوالًا، وهذه الأحوال نفهمها من وجه، وهي أنها معان حقيقية وصفات حقيقية، ولا نفهمها من وجه، وهي الكيفيات، فمن باب أولى -ولله المثل الأعلى- ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، وكل ما ورد عن الله سبحانه له معان وحقائق نفهمها من وجه، وهو أنها حقيقة على ما يليق بجلال الله، وأنها على الكمال المطلق له ﷿، ولا نفهمها من وجه، وهو الكيفية.
[ ٨ / ٧ ]
القاعدة السادسة: بيان ضابط النفي والإثبات في الأسماء والصفات
القاعدة السادسة: أنه لابد في هذا الباب -أعني باب الأسماء والصفات- من ضابط للنفي والإثبات، بمعنى: أننا لا ننفي نفيًا مطلقًا، ولا نثبت إثباتًا مطلقًا، فالإثبات لا بد أن يُقيد بالنفي، والنفي لابد أن يُقيد بالإثبات، فنثبت لله ﷿ ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، لكن لابد أن نضبط ذلك مع نفي الكيفيات والمماثلة، نضبطه بضوابط، وهو: أن الإثبات يقتضي إثبات الكمال المطلق، ويقتضي نفي المشابهة، ويقتضي نفي كل النقائص التي نفاها الله عن نفسه، وكل النقائص التي يتوهمها البشر.
إذًا: لابد للإثبات من تقييد، وكذلك النفي، فعندما ننفي عن الله ﷿ النقائص والعيوب، وعندما ننفي عن الله ﷿ مماثلته للمخلوقين لابد أن يقيد هذا النفي أيضًا بضوابط، وهو ألا ينصرف النفي إلى نفي ما ثبت في الكتاب والسنة، ولا إلى الإلزام بالمستلزمات التي لا تلزم، وهناك قصة ذكرها الذهبي عن محمود بن سبكتكين، وهو أحد السلاطين المسلمين في الهند في القرن الرابع والخامس الهجري، وقد قال كلمة جيدة، وقاعدة عظيمة فطرية، وعقلية بدهية، وذلك عندما جاءه أحد المتكلمين المشاهير، وأراد أن يدخل في ذهنه مسألة نفي العلو والفوقية لله ﷿، فكان مما قال هذا المتكلم: إنه يلزم من إثبات الفوقية إثبات ضدها، فرد عليه هذا السلطان فقال: ليس أنا الذي يُثبت الفوقية من أجل أن تلزمني، وإنما الذي أثبتها هو الله ﷿.
فخرج هذا المتكلم من عند السلطان مغمومًا، حتى قيل: إنه أُصيب بمرض فتك به فيما بعد ومات، والله أعلم بالحال.
فتأمل هذه الإجابة الفطرية، وانظر إلى هذا التقرير العقلاني الفلسفي من المتكلم، إذ إنه إذا أثبت الفوقية لابد أن يثبت ضدها، وهذا صحيح في عالم الشاهدة، فكل مخلوق لا بد له من فوق وتحت، لكن هو استعمل القياس على منهج فاسد، فقال هذا المتكلم -كأنه يريد أن يدخل هذا المعنى الكلامي في ذهن السلطان-: يلزم من إثبات الفوقية إثبات ضدها، وصرّح بالضد! فقال له: كيف تلزمني؟! وأنا لست القائل بذلك، وإنما القائل هو الله ﷿، وكان ذلك حجة فطرية تدل على الذكاء والفطنة، وتدل أيضًا على سلامة الاعتقاد.
[ ٨ / ٨ ]
القاعدة السابعة: أن ما جاء به الشرع يدل عليه العقل إما دلالة مفصلة وإما دلالة مجملة
القاعدة السابعة: أن ما جاء به الشرع يدل عليه العقل إما دلالة مفصّلة وإما دلالة مجملة، وأغلب أسماء الله وصفاته وأفعاله يدل عليها العقل كما يدل عليها الشرع؛ لأنها كمال ظاهر، أما ما لا يدركه العقل مما ثبت به الشرع فإن العقل يسلّم بصحته؛ لأن العقل السليم سلّم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، وسلّم بصدق القرآن وصدق السنة، فإذا ورد الاسم أو الصفة لله ﷿ في القرآن أو السنة فإن العقل يسلّم ابتداءً ولا يناقش؛ لأنه قد سلّم بأن خبر الله صادق، وخبر الرسول ﷺ صادق، وعليه فالعقل السليم لابد أن يسلّم بجميع أسماء الله وصفاته وأفعاله، إما على سبيل التسليم المباشر، وهو الإقرار بأن الله عليم حكيم إلى آخر الأسماء والصفات التي تقر عقلًا، أو على سبيل التسليم الإيماني المتضمن التسليم لله ولرسوله ﷺ، كالصفات الخبرية، من إثبات اليد، والوجه، والعين وغير ذلك، فالعقل لا يستقر بإثباتها، لكن لما ثبتت من المصدر القطعي، لم يكن للعقل قدرة أن يعارض هذا المصدر القطعي؛ لأن العقل مخلوق ضعيف.
إذًا: فالعقل السليم قد سلّم ابتداء بأن كلام الله حق، وكلام رسوله ﷺ حق، والأسماء والصفات التي نثبتها هي كلها من كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وإن جئنا بشيء من عندنا فليرد إلى أصل القاعدة، وهو أن ما دل عليه الشرع دل عليه العقل، وذلك إذا سلم العقل من العوارض، وإلا فالعقل لا يسلم من ذلك؛ لأنه مخلوق ضعيف، فتأتيه عوارض الهوى، والضعف، والمحدودية، والشبهات، والشهوات، والشكوك، ومداخل الشيطان، وعوارض أخرى كثيرة، فكيف ينزع هؤلاء الفلاسفة والمتكلمون إلى جعل العقل حكمًا على الشرع؟! لما فعلوا ذلك خاضوا في كلام الله وكلام رسوله ﷺ بما لا يليق، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ٨ / ٩ ]