حاجة الإنسان إلى العقيدة الصحيحة حاجة عظيمة وملحة، بل هي أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، ولما كان الأمر كذلك كان لابد من أخذ العقيدة من موطنها وهو الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، كما بين ذلك وقعده علماء أهل السنة، ومن ضمن هؤلاء وأجلهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فإن له العديد من الكتب المصنفة في بيان العقيدة وتوضيحها، ومن تلك الكتب كتاب الفتوى الحموية الكبرى.
[ ١ ]
حاجة الإنسان إلى العقيدة الصحيحة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الحاجة إلى العقيدة الصحيحة حاجة ملحة وعظيمة، وذلك أنه لا حياة للقلب ولا طمأنينة ولا راحة ولا سرور ولا سعادة إلا بصحة العقيدة، وذلك عندما يعرف ربه ومعبوده ﷾ معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته وأفعاله وعبادته.
وحاجة الإنسان إلى العقيدة حاجة عظيمة، فهو لا يمكن أن ينجو في الآخرة إلا بصحة العقيدة، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥]، ويقول ﷾: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
كما أن حاجته النفسية إلى هذا الدين وإلى العقيدة الصحيحة حاجة ضرورية، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
وكذلك حاجته الاجتماعية إلى العقيدة الصحيحة حاجة ملحة، فإن الإنسان في هذه الدنيا لا يمكن أن يجتمع، وأن يكون له أعوان وأتباع إلا عندما يكون على عقيدة، والعالم كما تعلمون اليوم تقتسمه المذاهب والأفكار، والفلسفات والمناهج والطرق المختلفة، فلا بد للإنسان أمام هذه الفرق والمذاهب والآراء والمناهج المتعددة المختلفة المتناحرة من موقف صحيح يرضي ربه، ويعطي النفس الإنسانية حاجتها وفطرتها التي فطرها الله ﷾ عليها.
ولهذا لا بد من دراسة العقيدة، ولا بد من الاعتناء بها، وهي مهمة جدًا، وحاجتها تتأكد بالنسبة للداعية إلى الله ﷿، وحاجتها ملحة بالنسبة للمصلحين؛ لأن العقيدة هي أول ما يوصل إلى الله ﷿، وهي أول واجب على المكلف، فإن الله ﷾ يقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم، وبدأ من المعلومات بالتوحيد فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، ولهذا لما أرسل النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) إلى آخر الحديث.
وورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى)، وفي بعض الألفاظ: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله تعالى)، فالتوحيد والعبادة والإيمان كلها بمعنىً واحد، وهو العقيدة الصحيحة التي أشرنا إلى حاجة الإنسان إليها.
فهذا العالم اليوم يمتلئ بمذاهب متعددة، وأفكار مختلفة، ومناهج وفلسفات متباينة، فلابد للمسلم أمام هذه المذاهب والأفكار والمنهاج أن يكون لديه علم صحيح بالعقيدة، وأن يكون لديه فهم صحيح بها؛ حتى ينجو، وحتى ينجي من استطاع أن ينجيه من هذه الفتن التي تموج كموج البحر، وقد أخبر النبي ﷺ: (أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة)، ثم قال ﷺ: (كلها في النار إلا واحدة)، فلما بينها النبي ﷺ قال: (هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
[ ٢ ]
مكانة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
ونحن في هذا الدرس سنتحدث -بإذن الله تعالى- عن العقيدة، وعن أعظم أمر من أمور العقيدة وهو أمر الإلوهية، وما يتعلق بالله ﷾ من أسمائه وصفاته وأفعاله، وعندما ننظر في المكتبة الإسلامية نجد أن الكتب التي في مجال الاعتقاد كثيرة، وإذا استبعدنا الكتب التي في مجال الاعتقاد على غير منهج السلف رضوان الله عليهم فإننا نجد أن الكتب التي في اعتقاد السلف رضوان الله عليهم كثيرة ومتعددة أيضًا.
ومن أبرز هذه الكتب كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد تميزت هذه الكتب بما تميز به شيخ الإسلام ﵀ من ناحية القوة العلمية، والقدرات والإمكانات الضخمة التي وهبه الله ﷾ إياها، والتي سخرها في دراسة العقيدة دراسة صحيحة؛ فقد تميز شيخ الإسلام ﵀ عن غيره من المشتغلين بقضايا الاعتقاد بأنه درس العقيدة دراسة متأنية، ومقارنة في نفس الوقت، فإنه شرح العقيدة السلفية الصحيحة شرحًا مستفيضًا وفي نفس الوقت قارن ذلك وناقش الفرق الضالة مناقشة متأنية أيضًا، ونقد شيخ الإسلام ﵀ تلك الفرق نقدًا علميًا دقيقًا يعرفه من اطلع على كتبه.
كما تميزت كتب شيخ الإسلام ﵀ بالقوة في عرض الحق، والجرأة في الرد على الباطل؛ فإنه رحمه الله تعالى كان قويًا في دعوته إلى الحق، وكان صريحًا في مناقشة الفرق الضالة، فهو يناقش أسماء كبيرة لها وجود في حياة المسلمين ولها محبة في حياة المسلمين كبيرة؛ بسبب بعض التأثيرات التي حصلت في بعض العصور المتقدمة على زمنه، ومع هذا لم يتهيب شيخ الإسلام ﵀ من نقد هذه الأقوال، ومن التعرض لتقويم الكتب، وتقويم الشخصيات التي كان لها أثر كبير جدًا في حياة المسلمين، فنقد زعماء الأشاعرة، وزعماء الصوفية، وزعماء الفلاسفة، وغيرهم من الفرق الضالة التي انحرفت عن الصراط المستقيم.
كما أن شيخ الإسلام ﵀ يتميز بأنه عالم وداعية ومجاهد في نفس الوقت، فإنه لم يكن عالمًا ينظر ويتكلم بالعلم في الجانب النظري فقط، بل كان عالمًا وداعية إلى هذا العلم، وكان مجاهدًا في نفس الوقت، وهذه الأمور الثلاثة مجتمعة كونت من مؤلفاته عالمًا مؤثرًا في كل من يقرأ كتبه رحمه الله تعالى؛ فهناك فرق بين العالم الذي يتحدث عن القضية من الناحية النظرية التجريدية فقط، والعالم الذي يخلط ذلك بالجهاد، ويربط ذلك بالحق، وبوجوب الرد على الباطل، وبالدعوة إلى الحق، ولهذا استطاع شيخ الإسلام ﵀ أن يكون مدرسة فذة نادرة، كان من أعلامها ابن قيم الجوزية ﵀، وابن رجب الحنبلي، والمزي وغيرهم من أهل العلم الكبار الذين أثر فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تأثيرًا بليغًا وكبيرًا.
كما أن كتب شيخ الإسلام ﵀ تميزت بكثرتها وتنوع المادة العلمية الموجودة فيها، فإن المادة العلمية الموجودة في كتب ابن تيمية ﵀ متنوعة وموثقة، فهو ينقل من أصح النسخ التي يتحصل عليها، وهو ﵀ خبير بكتب أهل الكلام، وبكتب الصوفية، وبكتب الفلاسفة، بل إنه كان ﵀ يتقن بعض اللغات الأجنبية، فكان ﵀ يتقن اللغة اللاتينية، وأيضًا يتقن اللغة العبرية، فمن اطلع -مثلًا- على كتابه الجواب الصحيح يدرك أن ابن تيمية ﵀ كان مدركًا، وكان عالمًا، وكان مجيدًا للغة العبرية التي هي لغة الكتاب المقدس المحرف الذي رد عليه وعلى أتباعه في كتاب الجواب الصحيح.
فتنوع المادة العلمية الموجودة في كتبه ﵀ جعلت من كتبه مادة خصبة لمن أراد القراءة والدراسة والتأمل، ومن هنا فإن دراسة أحد كتب ابن تيمية ﵀ يفيدنا الفوائد المتعددة التي أشرنا إليها.
ونحن لسنا من أهل التعصب لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن ابن تيمية ﵀ عالم من علماء أهل السنة له مكانته، وله تقديره، وله منزلته، لكن هذا لا يعني أنه لا يخطئ؛ فكل إنسان يخطئ ويصيب، والحق هو الذي ينبغي أن يعلو ولا يعلى عليه، ولا يصح لإنسان أن يستعجل ويتجرأ فينتقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بدعوى التحرر العلمي، أو بدعوى عدم التقليد، أو بدعوى أننا لسنا متعصبين لـ ابن تيمية، ويكون في نقده مستعجلًا، وغير متأن، فالقاعدة صحيحة، لكن في بعض الأحيان يخطئ بعض الناس في التطبيق.
فإن علمًا كشيخ الإسلام ابن تيمية ليس من السهل أن ينقد، وليس من السهل أن يرد عليه، ولا يعني هذا أنه لا يرد عليه، بل كل عالم يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، لكن ينبغي عندما يرد الإنسان أن يرد بمنهج علمي منضبط دقيق متأنٍ بعيد عن الهوى، وهذه الحالة ينبغي أن تكون مع كل عالم من علماء المسلمين، ولا يصح للإنسان أن
[ ٣ ]
نبذة عن كتاب الحموية الكبرى
ومن هنا وقع اختيارنا على هذا الكتاب المهم الذي هو الفتوى الحموية الكبرى، لاسيّما أننا سبق أن درسنا كتاب (العقيدة الواسطية)، وهي معتقد مختصر اشتمل على مجموعة من أبواب العقيدة في الأسماء والصفات، وفي الإيمان، وفي القدر، وفي اليوم الآخر، وفي الغيبيات، وفي النبوات، وفي الصحابة ونحو ذلك من الأبواب العظيمة من أبواب الاعتقاد.
وهذا الكتاب -الفتوى الحموية- يعتبر في سلم التعلم في الدرجة الثانية قبل دراسة شرح العقيدة الطحاوية التي هي من أكبر كتب الاعتقاد تفصيلًا، وليست هي أكبرها، فيوجد كتب أكبر منها، لكن هي من أكبر الكتب التي تدرس دراسة مفصلة في مجال الاعتقاد.
وكما سبق أن أشرنا في درس العقيدة الواسطية: أن كثيرًا من الكتب تسمى إما باسم السائل، أو باسم البقعة والمدينة التي جاء منها السؤال، أو باسم الكاتب في بعض الأحيان.
فمثلًا: كتاب العقيدة الواسطية سمي بذلك نسبة إلى القاضي الذي جاء من واسط من العراق وطلب من ابن تيمية ﵀ أن يكتب له ملخصًا في الاعتقاد، فاعتذر في بداية الأمر وقال: الناس كتبوا رسائل في الاعتقاد كثيرة، فقال: لا أريد أن أقرأ أو أحفظ إلا ما تكتبه أنت، فكتب له الرسالة المشهورة التي هي العقيدة الواسطية.
وهذه الرسالة التي هي الفتوى الحموية الكبرى هي عبارة عن جواب كتبه شيخ الإسلام ﵀ لسؤال قدم إليه من حماه، وهي مدينة مشهورة في بلاد الشام وفي شمال سوريا بشكل محدد.
والعقيدة الطحاوية هي نسبة إلى أبي جعفر الطحاوي ﵀، العالم الحنفي المشهور، وهكذا مثلًا كتاب التسعينية، سمي بسبب أنه رد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي من تسعين وجهًا تقريبًا، وهكذا بقية الرسائل التي لـ ابن تيمية ﵀ مثل: الكليلانية، ومثل: شرح العقيدة الأصفهانية، وغيرها من كتبه ﵀، فإنها كانت تسمى في بعض الأحيان باسم البقعة التي جاء منها السؤال، أو باسم السائل، أو باسم المردود عليه، أو نحو ذلك من الأسماء المتعددة.
فهذا إذًا هو سبب تسمية هذا الكتاب بالفتوى الحموية الكبرى، وسبب تسميتها بالكبرى هو أن ابن تيمية ﵀ كتب في بداية الأمر هذه الرسالة مختصرة، ولما حصلت لـ شيخ الإسلام الفتنة التي سنتعرض للكلام عليها -بإذن الله- أضاف بعد ذلك مجموعة من النقول عن السلف رضوان الله عليهم، ومجموعة من النقول عن الأشاعرة والصوفية في موضوع الصفات، فسميت كبرى؛ لأنه انتشر عند الناس نسختان: نسخة بدون هذه النصوص، ونسخة بهذه النصوص، فسميت الأولى التي بدون هذه النصوص الصغرى، وسميت هذه الموجودة بالنصوص الكبرى، هذا ما أفاده الشيخ عبد الرزاق حمزة ﵀ في تحقيقه لهذا الكتاب، وكان رحمه الله تعالى من أوائل من أظهر هذا الكتاب.
أما تاريخ تأليفها فقد أشار إليه المحقق بأنها كانت في سنة ستمائة وثمانية وتسعين هجرية، ورد أنه جاء إلى شيخ الإسلام ﵀ سؤال من حماه يسأل فيه صاحبه عن آيات الصفات، ويسأل عن أحاديث الصفات، وينص على صفة العلو بشكل خاص، فرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الرسالة الموجودة والتي انتشرت في الناس انتشارًا كبيرًا بعد ذلك.
وشيخ الإسلام ﵀ ولد في سنة ستمائة وواحد وستين فيكون عمر ابن تيمية ﵀ عندما كتب هذه الرسالة سبعة وثلاثين سنة، يعني: دون الأربعين.
[ ٤ ]
ذكر ما جرى لشيخ الإسلام من فتنة بسبب تأليفه الحموية
وهذه الرسالة جرت بسبب تأليفها فتنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ وذلك بسبب نقده لمناهج المتكلمين ورده عليهم، وبيانه لاضطرابهم وتناقضهم، وشكهم وحيرتهم وضلال منهجهم، فقد رد ﵀ عليهم ردًا قويًا ونقدهم نقدًا قويًا بكل طوائفهم، سواء أصحاب مذهب التفويض أو مذهب التأويل الذي يجتمع فيه المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، ومن وافقهم من الصوفية والشيعة وغيرهم.
فرد عليهم ردًا قويًا، ونقدهم نقدًا قويًا حارًا، فغضب عليه الذين كانوا يعظمون مناهج المتكلمين في تلك الفترة، وقد ذكر تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى في كتابه العقود الدرية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ملخصًا لهذه الفتنة التي وقعت، وقد نقلها المحقق في بداية دراسته لهذا الكتاب.
يقول الشيخ ابن عبد الهادي ﵀ في كلامه عن المحنة: إنه -يعني: شيخ الإسلام ﵀- كتب جوابًا سئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين، واجتمع بـ سيف الدين جاغان في ذلك في حال نيابته بدمشق، وكان شيخ الإسلام ﵀ مشتغلًا بإنكار المنكر عمليًا، فكان ينكر على السحرة والكهنة والمشعوذين عمليًا، وكان أيضًا ينكر أمر المنجمين عمليًا، فاجتمع بأمير دمشق النائب للدولة في تلك الفترة، وقد كانت الدولة في تلك الفترة هي دولة المماليك التي كانت موجودة في بلاد الشام، وفي مصر، وكانت عاصمتها مصر، وذلك بعد سقوط الدولة الفاطمية على أيدي الأيوبيين، وبعد سقوط الدولة الأيوبية على أيدي المماليك، صارت بلاد الشام تابعة لمصر، وصار في بلاد الشام نائب يتبع الحكومة المركزية الموجودة في مصر، فـ شيخ الإسلام ﵀ عندما أنكر أمر المنجمين اجتمع بأمير دمشق ونائبها وهو سيف الدين جاغان، فقام نائب السلطنة -كما يقول ابن عبد الهادي ﵀- وامتثل أمره وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لبعض المشتغلين بالعلم والقضاء مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية للشيخ، وتألمهم لظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه؛ لزهده وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة؛ لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقًا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحدًا واحدًا، وأغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم حاشاه عن ذلك، وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، وسعوا في ذلك سعيًا شديدًا.
ثم ذكر ابن عبد الهادي ﵀ أن جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية وافقهم يومئذ على ذلك، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضور ابن تيمية ﵀، وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه ابن تيمية في
الجواب
إن العقائد ليس أمرها إليك، يعني: إلى القاضي، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي، يعني: إذا كنت تعتبر أن هذا منكرًا فإن هذا ليس من تخصصك، وليس داخلًا في ولايتك، فوصلت إليه هذه الرسالة، فأغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا: لم يحضر، ورد عليك، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة؛ لأن القاضي في العادة والٍ، فعندما يأمر ولا يطاع أمره يشعر أن فيه نقصًا، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فنودي في بعض البلد بذلك، لكن سيف الدين جاغان الذي هو نائب السلطان الذي في مصر انتصر للشيخ، وعاقب أولئك معاقبة شديدة جدًا، وحاول القبض عليهم، وضربوا كما يذكر ذلك ابن عبد الهادي ﵀.
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جلس كعادته يوم الجمعة في الجامع، وكان درس ابن تيمية ﵀ بعد صلاة الجمعة، يعني: بعد أن ينتهي خطيب الجامع الأموي، وتنتهي الصلاة يجلس شيخ الإسلام ﵀، ويدرس التفسير، ففسر بعد هذه الفتنة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وأمر بالحلم، وحث على استعماله، ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اجتمع مع القاضي الشافعي إمام الدين رحمه الله تعالى، وكان هذا القاضي حسن العقيدة، فلما اجتمع به بعض العلماء، وبحثوا معه رسالة ابن تيمية الحموية وطال النقاش حولها، وقرئت من أولها إلى آخرها، وأوضح الشيخ بعض موارد النزاع فيها، وبعض المواضع التي حصل فيها الإشكال، وأقر الحضور بصحة هذه
[ ٥ ]
ذكر طبعات كتاب الحموية
وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات، منها الطبعة الموجودة في المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ومنها طبعة طبعت في كتاب مجموع الرسائل الكبرى الذي طبع في مجلدين، وأيضًا طبعت في مطبعة المدني بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة وهو من علماء مكة، وممن كان له دور في إنشاء دار الحديث الخيرية في مكة، وطبعت أيضًا مرة أخرى بتحقيق شريف هزاع، وأخيرًا: طبعت بتحقيق حمد التويجري حققت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكل هذه الطبعات يوجد فيها أخطاء في أثناء النسخ في كتابة النص المحقق لـ ابن تيمية ﵀، والطبعات السابقة خدمتها ضعيفة، ومن أقوى الطبعات التي خدمت هذا الكتاب طبعة التويجري، إلا أن طبعة التويجري فيها أخطاء في النص المحقق، وبعضها يظهر أنها أخطاء مطبعية، وبعضها يظهر أنها أخطاء لم يتنبه لها أثناء النسخ، ولهذا تصحح تلك الأخطاء بالمقارنة بين النسخ.
[ ٦ ]
موضوع العقيدة الحموية
بقي أن نتحدث عن موضوع العقيدة الحموية، فما هو الموضوع الذي يتحدث عنه الكتاب؟ الموضوع العام الذي يتحدث عنه الكتاب هو موضوع صفات الله ﷾، وبالذات صفة العلو، والصفات الخبرية، وتعرض ابن تيمية ﵀ للمعطلة ونقدهم، وتعرض أيضًا لنشأة التعطيل.
ولأن هذه الرسالة جواب على سؤال فإن ابن تيمية ﵀ لم يرتب الموضوعات العقدية في هذه الرسالة ترتيبًا موضوعيًا، فهو لم يحدد موضوعًا ثم يناقشه حتى ينتهي منه ثم ينتقل إلى موضوع آخر بشكل مرتب، لم يحصل هذا لا سيّما وأن ابن تيمية ﵀ في طريقته في الكتابة يتميز بكثرة الاستطرادات، فهو قد يستطرد في بعض الأحيان ويدخل في موضوع، ويتكلم فيه في مائة صفحة ثم يعود مرة أخرى، وقد لاحظت هذا في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، فإنه في المجلد الأول -مثلًا- تحدث في استطراد ووصل إلى قريب مائة صفحة، ثم رجع بعد ذلك إلى أصل القضية وناقشه.
فالذي لا يعرف طريقة ابن تيمية ﵀ في الكتابة أو لم يتمرس عليها يتعب في معرفة ترابط الموضوعات بالنسبة له؛ لأنه يدخل في موضوع ثم ينتقل إلى موضوع آخر، ثم يعود إلى الموضوع الأول، ثم يناقش الموضوع الثاني بهذه الطريقة، فيتعب القارئ عندما يقرأ لـ شيخ الإسلام، والعلاج لهذه المشكلة يكون عن طريق التمرس على قراءة كتبه ﵀، فإن الإنسان إذا تمرس عليها وتدرب عليها استطاع أن يعرف طريقته، واستطاع أن يستفيد من كتبه رحمه الله تعالى.
ولهذا لما رأيت أن طريقته هي هذه قرأت الكتاب ثم رتبته على شكل وحدات موضوعية، يعني: إذا تحدث ابن تيمية مثلًا عن موضوع في مكان بشكل موسع ثم أشار إليه في مكانين أو ثلاثة، فسنتحدث عنه في المكان الذي وسع فيه الكلام عليه، ثم في الإشارات نشير إلى أننا تحدثنا عنه سابقًا، فتحصل لي تقريبًا أربعة عشر وحدة موضوعية لهذا الكتاب، يمكن أن أذكرها هنا، وسندرسها -إن شاء الله- بشكل مفصل.
أولًا: يقينية منهج السلف وعصمته، هذا هو الموضوع الأول، وطبعًا العناوين مني أنا.
ثانيًا: بطلان مذهب التفويض، ومقالة: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
ثالثًا: ضلال المتكلمين، وشكهم وحيرتهم.
رابعًا: إثبات العلو لله تعالى، وذكر أدلته.
خامسًا: منهج النفاة وشبهاتهم في نفي الصفات.
سادسًا: نشأة التعطيل، والقول بنفي الصفات.
سابعًا: منهج السلف الصالح في إثبات الصفات.
ثامنًا: الرد على نفاة العلو.
تاسعًا: مواقف الطوائف من نصوص الأنبياء.
عاشرًا: التأويل معناه وحكمه.
حادي عشر: نقل أقوال السلف في إثبات الصفات.
ثاني عشر: نقل أقوال الأشاعرة والصوفية في الصفات الخبرية، وأراد به ابن تيمية ﵀ بيان تناقض المتكلمين.
ثالث عشر: درء التعارض بين نصوص المعية والعلو.
رابع عشر: مسألة ظاهر نصوص الصفات، هل هو مراد أم غير مراد؟ تقريبًا هذه الموضوعات هي لب هذا الكتاب، لكن بعض هذه الموضوعات يشير إليه في مواقع مختلفة، فمثلًا: موضوع منهج السلف الصالح في إثبات الصفات، سنجد أنه تحدث عنه في أول الكتاب، وفي وسط الكتاب، وفي آخر الكتاب، وأيضًا الرد على النفاة، والكلام على المعطلة، نجد أنه أيضًا تكلم على ذلك في أول الكتاب، وفي وسط الكتاب، وفي آخر الكتاب؛ ولكن حتى نقرب المادة العلمية نرتبها بهذه الطريقة، ثم أثناء القراءة التفصيلية نعرف كل إشارة لـ شيخ الإسلام تعود إلى أي موضوع من هذه الموضوعات، وسنجد أن منها ما يعود إلى الأول، ومنها ما يعود إلى الثالث.
والحقيقة أن هذه الموضوعات بعد أن رتبتها بهذه الطريقة هي بحاجة إلى ترتيب؛ لأن الكلام -مثلًا- على منهج السلف الصالح في إثبات الصفات ينبغي أن يكون قبل الرد على النفاة، وقبل الرد على هذه الفرق، لكن طبيعة الكتاب اضطرتنا لإبقاء هذه الموضوعات على هذا الترتيب، وكل واحد من الإخوة يجتهد في ربط الموضوعات بعضها ببعض.
والموضوع الأول الذي سنتحدث عنه بإذن الله تعالى هو: يقينية منهج السلف الصالح وعصمته، وسنتحدث عنه -إن شاء الله- في ست مسائل.
[ ٧ ]