مذهب التفويض مذهب خطير، وتكمن خطورته في أنه قد تبناه أعلام مشهورون كالأشعري والخطابي والسفاريني وغيرهم من الأئمة، وأيضًا لأن الناس يحبون السهولة، والنفس البشرية تركن إلى الراحة، فهذا المذهب يوفر عليهم عناء البحث عن الحقيقة، فلجئوا إلى نفي الصفات، وفوضوا معناها وحقيقتها، مع أن السلف الصالح أثبتوا معانيها وفوضوا حقائقها وكيفيتها، فينبغي للمسلم أن يحذر من مذهب التفويض المفضي إلى نفي صفات الله تعالى.
[ ٤ / ١ ]
موقف المفوضة من صفات الله تعالى والنصوص الواردة في ذلك
في الدرس الماضي تحدثنا عن المفوضة وبطلان مذهب التفويض، ومقالة: أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
وقد سبق أن أشرنا إلى أن الناس انقسموا في نصوص صفات الله ﷾ من القرآن والسنة إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم أهل الحق وهم أهل السنة والجماعة الذين أجروا هذه النصوص على ظاهرها، وقالوا: إن ظاهرها مراد، وإن الله ﷿ خاطبنا بلغة بينة وواضحة، ونفوا عن معانيها مشابهة المخلوقين؛ لقول الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وغيرها من الآيات التي تدل على تنزيه الله ﷾ عن مشابهة المخلوقين.
الطائفة الثانية: هم المؤولة، وهم الذين قالوا: إن نصوص صفات الله ﷾ ليست على ظاهرها.
وقالوا: إن ظاهرها تشبيه الله ﷿ بخلقه، وإن هذه النصوص لا يمكن أن تكون على ظاهرها، وإن لها معاني مجازية أخرى يمكن أن نستخرجها، ثم بدءوا يؤولون صفات الله ﷾ على معان أخرى غير المعاني الحقيقية التي يدل عليها ظاهر النص، وهؤلاء هم المؤولة وهم الجهمية والمعتزلة، وهم المتأخرون من الأشاعرة والماتريدية.
الطائفة الثالثة: هم المفوضة، وهم الذين قالوا: إن نصوص الصفات ليست على ظاهرها، وإن ظاهرها يدل على التشبيه، فاشتركوا مع المؤولة في هذا الأمر، وهو أن ظاهر نصوص الصفات ليست مرادة، وإنما هي تدل على التشبيه، ثم افترقوا عن المؤولة بأنهم قالوا: إن معانيها مجهولة لنا لا نعلمها، وإنما يعلمها الله ﷾ وحده.
وأنكروا على المؤولة الذين زعموا أن لها معاني مجازية يعلمونها، وقالوا: إن لها معاني أخرى غير معناها الظاهر، لكن نحن لا نعلمها، وسموا ذلك تفويضًا.
وهذه الطائفة هي المعنية بالحديث معنا في الدرس الماضي، وفي هذا الدرس سنكمل الحديث بإذن الله تعالى عن هذه الطائفة.
وتعرضنا في الدرس الماضي للفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، وقلنا: إن هذه الطائفة الضالة فوضت المعاني، وقالت: نحن لا نفهم لنصوص الصفات معاني محددة، ولا يفرقون بين النصوص، فعندهم أن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وكغيرها من الآيات التي تدل على صفات الله ﷾، فهم لا يفرقون بين معانيها؛ لأنهم يجهلون المعاني، ولا يرون أن هناك فرقًا بين هذا المعنى وذاك.
وأما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإنهم يقولون: المعنى مفهوم ومعروف، وهو ما تدل عليه لغة العرب، وأما كيفيات صفات الله ﷿، فنحن لا نعلمها؛ لأن الله ﷿ علمنا هذه الصفات، ونفى عن نفسه كيفية مشابهة المخلوقات، ولم يعلمنا كيفية محددة لصفاته ﷾، فهي ليست من جنس صفات البشر، ولا يمكن أن يدركها الإنسان بعقله المجرد إلا بخبر الله ﷿، والله لم يخبرنا عن ذلك.
إذًا: هناك فرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، تفويض الكيفية هو منهج السلف مع إقرار المعنى وإثباته، وأما تفويض المعنى وقولهم بأن نصوص الصفات ليس لها معان نفهمها فهذا قول باطل، وهو مذهب التفويض الباطل الذي نتحدث عنه.
وقد أشرنا في الدرس الماضي إلى مجموعة من الأعلام الذين قالوا بمذهب التفويض، ونشأة هذا المذهب، وأنه ترعرع في صفوف الكلابية في بداية الأمر، ثم ظهر بقوة على يد أبي الحسن الأشعري بعد تراجعه عن مذهب المعتزلة، ثم سار عليه مجموعة من تلاميذ أبي الحسن، ثم بعد ذلك ظهرت مقالة المؤولة وأنكروا على المفوضة، وبعضهم اعتبر أن مذهب التفويض هو مذهب السلف، وأن مذهب الخلف هو الغوص في المعاني لإدراك المعاني الغامضة التي لا تدل عليها ظواهر النصوص الشرعية.
[ ٤ / ٢ ]
أسباب خطورة مذهب التفويض
إن مذهب التفويض مذهب خطير، وخطورة التفويض تعود إلى عدة أسباب: السبب الأول: أن مذهب التفويض تبناه أعلام مشهورون كـ أبي الحسن مثلًا وأبي سليمان الخطابي، وأيضًا مفوضة الحنابلة كـ القاضي أبي يعلى وابن الزاغوني والسفاريني وغيرهم.
وأيضًا تبناه من المتأخرين الأستاذ محمد أبو زهرة وهو باحث كبير ومشهور في الدراسات الإسلامية، تبناه في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، وكذلك تبناه مجموعة من الباحثين المتأخرين، وبالذات بعض المشتهرين والمشتغلين بالدعوة الإسلامية مثل: الأستاذ حسن البنا في كتابه (العقائد) ونصره بعض تلاميذه ممن تعصب له وحاول أن يدافع عنه، وبعضهم أول كلامه ليجعله موافقًا لكلام السلف، وبعضهم نصره حتى مع معرفته بالمخالفة لمنهج السلف، كما فعل الدكتور يوسف القرضاوي في مجموعة المقالات التي نشرت في مجلة (المجتمع) مؤخرًا.
ومن هنا فإن هذا السبب يجعل للتفويض رواجًا عند من يحب مثل هؤلاء ويقدرهم ويعظمهم، ولهم مكانة في نفسه.
السبب الثاني: هو أن مذهب التفويض مذهب سهل؛ لأن فيه تخليًا عن البحث وعن الدراسة، والنفس تحب أن يتخلى الإنسان ويقول: هذه أمور غيبية لا نعلمها فنتركها كما هي.
لكن الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها هي أن أهل التأويل وأهل التفويض اجتمعوا في نفي الصفات، فأنت إذا سألك سائل: هل المفوضة ينفون الصفات؟ تقول: نعم، ينفون الصفات.
فإذا قال قائل: كيف تقول: إنهم ينفون الصفات، مع أنهم يفوضون معانيها؟ فقل: لم يفوضوا إلا بعد أن نفوا، ولهذا فإن مذهب التفويض مبني على مقدمتين: المقدمة الأولى: هي أن ظواهر النصوص ليست مرادة، والمعاني التي يفهمها الإنسان من ظاهر النص ليس مرادًا، فلما اتفقوا هم والمؤولة على أن الظاهر ليس مرادًا، خالفوا في هذا منهج السلف الذين يقولون إن الظاهر مراد، وإن الله خاطبنا بلغة العرب، ولا يمكن أن يكون ظواهر النصوص الشرعية كفرًا؛ لأن التشبيه كفر، ولا يمكن أن يكون ظاهر النص الشرعي كفرًا.
والمفوضة لما خالفوا منهج السلف في هذا افترقوا هم وأهل التأويل، فأهل التأويل حددوا معاني اجتهدوا فيها، والمفوضة قالوا: نفوض المعاني ولا نجتهد فيها.
وبعض الباحثين عندما يقرأ في قضايا الألوهية وفي الصفات قد لا يرتاح نفسيًا خصوصًا إذا كان منطلق البحث عنده منطلقًا خاطئًا.
أعني أن بعض الناس عندما يبحث في هذا الموضوع يتجه إلى الكتب الموجودة في الساحة الإسلامية بشكل عام، فيقرأ كتب المؤولة وكتب المثبتة وكتب المفوضة، فيجد حيرة، وحينئذ إذا وجد الحيرة يجد من نفسه ميلًا إلى الإهمال والإعراض، والترك، وحينئذ يتبنى مذهب التفويض، لكن لو أنه أسس نفسه من بداية الأمر تأسيسًا صحيحًا بدراسته لمعتقد السلف، وأن الله ﷿ خاطبنا بلغة عربية معلومة مفهومة، وأنه لا يمكن أبدًا أن يخاطبنا الله ﷿ بألغاز أو أحاجي أو أغلوطات؛ حينئذ سيجد أن نصوص الصفات سهلة وميسورة، وأنه إذا قلنا: إن لله يدًا، فهو كقولنا: لله علم، إذا قلنا: لله علم، فمعنى ذلك: أنه علم لا يشبه علم المخلوقين، فكذلك له يد لا تشبه أيدي المخلوقين.
ولماذا نثبت صفة العلم لله ﷿ وننفي عنه المشابهة، ولا نستطيع أن نثبت اليد وننفي عنها المشابهة، مع أن الحالة واحدة؟ ليس هناك فرق بين هذه وهذه.
ومن هنا فنحن ربما نطيل في الحديث عن هذا المذهب؛ لخطورته ولانتشاره عند كثير من الدارسين.
والحقيقة أن ابن تيمية ﵀ من أكثر أهل العلم الذين ردوا على مذهب هؤلاء ردًا مفصلًا، ومثله أيضًا الإمام أحمد ﵀ من قبل، فقد رد عليهم ردًا مفصلًا في كتابه (الرد على الجهمية والمعطلة) وكذلك ابن قتيبة في كتابه (مشكل القرآن) رد عليهم أيضًا ردًا مفصلًا وواضحًا.
[ ٤ / ٣ ]
المحكم والمتشابه وموقف الفرق منه
[ ٤ / ٤ ]
معنى المحكم والمتشابه في كلام الله ﷿
صار المفوضة إلى هذا المذهب؛ لسوء فهمهم لآية من أشهر الآيات في معاني كلام الله ﷿، وهي آية المتشابه التي في سورة آل عمران، وآية المتشابه التي في سورة آل عمران سنتحدث عنها الآن، وسنتحدث عنها في فقرة قادمة بإذن الله عند حديثنا عن التأويل من حيث المعنى، ومن حيث الرد عليه بإذن الله تعالى.
وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا عن هذه الآية، وتحدث من قبله من أهل العلم عن هذه الآية، وبينوا الخلل الذي دخل على المفوضة والمؤولة في فهمهم لهذه الآية.
وقبل أن نخوض في كيفية فهم المفوضة لهذه الآية والرد عليهم نبين أولًا المعنى الصحيح لهذه الآية: يقول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧].
والحقيقة أن هذه آية عظيمة لاشتمالها على كثير من الأحكام والفوائد المتعددة.
وقد وردت آيات في بيان أن القرآن جميعه محكم، منها قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١].
وأيضًا وردت آيات أن القرآن جميعًا متشابه.
وكذلك وردت آية وهي هذه الآية في أن بعضه محكم، وبعضه متشابه.
والتحقيق أن الآية التي وردت في أن القرآن جميعه محكم، فالمعنى: أن جميعه متقن، وأنه ليس فيه خطأ ولا زلل، وأنه منضبط في أخباره وقصصه وأحكامه وعقائده.
وأما الآية التي وردت في أن القرآن كله متشابه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] فالمعنى: أنه يشبه بعضه بعضًا، فإن الحق يشبه بعضه بعضًا.
فأنت تقرأ في سورة البقرة في توحيد الله ﷿، تجد أن المعنى نفسه موجود في سورة الأنعام، وأن المعنى نفسه موجود في سورة الزمر التي تسمى سورة الإخلاص الكبرى، ونحوها من السور.
فتجد أن معاني القرآن متشابهة، فهذا هو معنى المتشابه.
وأما معنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فقد تحدث عنها أهل العلم كثيرًا، ومختصر القول فيها هو: أن المحكم هو الواضح المعنى الواضح الدلالة بحيث يفهمه الإنسان، والذي ليس فيه إشكال، هذا معنى المحكم، وقال الله ﷿ في وصفه للمحكم: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: أصل الكتاب.
فأساس القرآن محكم وواضح وبين وليس فيه إشكال، وليس متعدد الدلالة بحيث إنه يشكل على الآخرين.
والمتشابه هو: المعنى الغامض الذي يحتمل أكثر من معنى.
[ ٤ / ٥ ]
أقسام الناس في المحكم والمتشابه
ينقسم الناس أمام المحكم والمتشابه إلى طائفتين: الطائفة الأولى: أهل الحق الذين يريدون اتباع الحق، فهؤلاء يتبعون المحكم الواضح، وإذا وجدوا متشابهًا في الآيات فإنهم يردونه إلى المحكم.
مثاله: قول الله ﷿: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الواقعة:٥٧] فقوله: (نحن) قد يأتي إنسان ويقول: هذه الآية تدل على تعدد الآلهة، وأن الإله ليس واحدًا وإنما هو مجموعة، ولهذا عبر بلفظ (نحن) التي تدل على الجماعة.
للرد على هذا نقول: إن الله ﷿ في آيات كثيرة لا تحصى، وهي من مقررات هذا الدين الذي لاشك فيه أن الإله واحد: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] فهذه الآية وغيرها تدل على أن الإله واحد فقط، وهذه هي كلمة التوحيد، وهذه هي الكلمة التي جاء بها رسول الله ﷺ، ولهذا لما دعا قومه قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
إذًا: كيف نفهم (نحن) التي تدل على الجماعة؟.
نفهمها بأن (نحن) تدل تارة على المجموعة، وتارة تدل على الواحد المعظم.
فأنت عندما تأتي إلى مثل هذه الآية التي قد يفهم منها أن الآلهة متعددة تقول: هذه الآية المتشابهة نحملها على الآية المحكمة، وهي قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] وغيرها من الآيات، فنفهمها على أن قوله: (نحن) يعني: الواحد المعظم وهو الله ﷾.
وهكذا يكون طريق أهل السنة وطريق الصالحين، أنهم في بحثهم وفي نظرهم وفي اجتهادهم وفي اشتغالهم بالعلم يعرفون المحكم ويدرسونه دراسة واضحة، وعليه من الأدلة والبراهين والحجج الشيء الكثير، فإذا وجدوا المتشابه حملوه على المحكم وردوه إليه؛ لأن من العبث أن يهمل الإنسان المحكم والواضح متعدد الأدلة، فيترك هذا المحكم ويأخذ متشابهًا من المتشابهات ويبني عليه عقيدة، أو يبني عليه أدبًا أو خلقًا أو حكمًا من الأحكام.
الطائفة الثانية: أهل الأهواء الذين لهم أهواء معينة في نفوسهم: وهي أنهم يتبعون ما تشابه منه، تجد أنهم في تأويلهم للصفات يقولون: أنتم إذا أثبتم أن لله يدًا وأن له وجهًا وأن له قدمًا وأن له رحمة ونحو ذلك فأنتم شبهتموه بخلقه، والله ﷿ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
نقول: لماذا تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ لأن القائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هو القائل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وهو القائل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
وهو القائل غيرها من النصوص التي فيها إثبات الصفات، فلماذا نضرب هذه بهذه؟ أو لماذا نلغي النصوص التي في الإثبات ونأخذ هذا النص الذي نفهم منه النفي فنجعله نفيًا مطلقًا، ونترك تلك النصوص؟ هذا من العبث.
ولهذا فإن أهل الأهواء قد يستدلون في بعض الأحيان بالمتشابه، ولهذا عندما أرسل علي بن أبي طالب ﵁ ابن عباس ﵄ إلى الخوارج قال له: إن القرآن حمال وجوه، فاستدل عليهم بالسنة.
معنى هذا أن الخوارج سيأتون إلى نصوص معينة ويستدلون بها على ما يعتقدون، وحينئذ قال علي بن أبي طالب ﵁ لـ ابن عباس: إن القرآن حمال وجوه فاستدل عليهم بالسنة، يعني: ردهم إلى المحكم.
ولهذا فأي ضال أو مبتدع يمكن أن يستدل، فمثلًا: الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة كالذي يغش في البيع، إذا قيل لهم: ما الدليل على التكفير؟ يقولون: قال النبي ﷺ: (من غش فليس من) يعني: ليس من جماعتنا نحن المسلمين، وهذا دليل واضح على أنه من الكافرين إذا كان ليس من المسلمين.
انظروا كيف أن الإنسان إذا كان عنده عقيدة يمكن أن يأخذ من هنا وهنا ويحاول أن يحصل لنفسه أدلة ليسوغ مذهبه وفكره وطريقته التي يراها، لكن الطريقة الصحيحة هي أنك إذا وجدت متشابهًا ترده إلى المحكم، ولا تهمل المحكم.
فأنت إذا كنت معظمًا لكلام الله ومعظمًا لكلام الرسول ﷺ، فكيف تعتني بنص واحد وتهمل عشرات النصوص الأخرى؟
[ ٤ / ٦ ]
مذهب العصرانيين في المحكم والمتشابه والرد عليهم
إن أكثر من يستدل بالمتشابه في هذا العصر هم العصرانيون الجدد، وهم الذين يأتون ويفتون الناس بتحليل المحرمات، فالربا عندهم حلال، والغناء حلال، والاختلاط بين الرجال والنساء حلال ونحو ذلك، حتى إنك تعجب في بعض الأحيان من استدلالاتهم ومن طريقتهم في البحث.
فمثلًا يقول أحدهم في مقابلة أو في برنامج تلفزيوني مشهور: لماذا تجعلون هناك حاجزًا بين الرجال والنساء؟ إلى متى نصبح بهذه الطريقة القديمة التقليدية؟ لماذا لا نجعل الرجال مع النساء يجتمعون ويحضرون المحاضرة سويًا؟ الحجاب عنده أن تكشف المرأة وجهها، هذا على أصله وفكره! فإذا قيل له: ما هي المصلحة من اختلاط الرجال بالنساء؟ قال: لعل شابًا عزبًا يرى فتاة فتعجبه فيتكون من هذه الرؤية منزل وأسرة مسلمة.
انظروا العبث، وهذا يقوله الدكتور يوسف القرضاوي مع الأسف! نقول: لماذا تفترض أن هذا الرجل لابد أن تقع عينه على امرأة غير متزوجة، فقد ينظر إلى امرأة متزوجة ويراها جميلة فتعجبه، فماذا سيقول الدكتور القرضاوي لمثل هذا الشاب؟ هل يطالب زوج هذه المرأة أن يطلقها ليتزوجها هذا، أم أنه ستقع الحسرة في نفسه بسبب هذه الرؤية وبسبب هذا الاقتراح الذي اقترحه؟ إذًا: يا إخواني هذا الفكر الذي يسهل للناس الفساد، هو يعتمد في الأصل على المتشابه ويهمل المحكم، فإن من قواعد الدين الأساسية سد الذرائع، سواء في مجال العقائد أو في مجال الأحكام.
ولهذا تجدون هؤلاء الناس دائمًا يريدون نسف هذه القاعدة من الدين بالكلية، فيقولون: ليس هناك سد ذرائع، إما حلال وإما حرام، وينسون أن الطريق المؤدية للحرام حرام، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك من البينات والقواعد الأساسية في دين الله ﷿، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] هنا النهي عن قرب الزنا، وليس النهي عن الزنا نفسه، فالنهي عن الزنا نفسه له نصوص أخرى.
وهكذا يأتون في موضوع الغناء مثلًا، فتجد من يستدل على إباحة الغناء بحديث في صحيح البخاري وهو: (أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على رسول الله ﷺ وعنده جاريتان في يوم عيد تغنيان بغناء بعا) وبعاث: هي معركة كانت قديمة بين الأوس والخزرج، قيل فيها أشعار.
فيأتي هؤلاء فيقولون: أرأيتم الرسول ﷺ يسمع الغناء، إذًا: الغناء حلال، فكيف تقولون: إن الغناء حرام؟ ونسي هذا الجاهل أن الغناء المراد به في هذا الحديث هو الغناء اللغوي، وهو تزيين الصوت، وليس المقصود به وجود موسيقى ووجود آلات للطرب، وإنما كان النبي ﷺ عنده جاريتان تنشدان إنشادًا عاديًا بدون موسيقى وبدون آلات عزف، وهذا يسمى غناء في لغة العرب.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: (من لم يتغن بالقرآن فليس من).
إذًا: هذا الفهم الأعوج لنصوص الكتاب والسنة هو الذي يركبه هؤلاء العصرانيون.
ولهذا نسوا أن النبي ﷺ في صحيح البخاري يقول: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ويسمونها بغير اسمه).
والمعازف: هي آلات العزف.
ثم بعضهم يأتي ويقول: إن العالم الفلاني أفتى بإباحة الغناء، مثل ابن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى، وهؤلاء لاشك أنهم أصحاب هوى؛ لأنهم لو أرادوا أن يلتزموا بمذهب ابن حزم الأندلسي لشق ذلك عليهم؛ لأن مذهب ابن حزم قوي، يعمل بالظواهر، وفيه شدة عليهم، لكنهم يتلاعبون بدين الله، يأخذون من ابن حزم هذه الفتوى التي شذ فيها، ويأخذون من زفر ما شذ فيه، ويأخذون من فلان ما شذ فيه، ويقولون: هذا عالم يقول بهذا القول.
ثم لو وافقنا على أن هذا العالم قال بهذا القول، فنقول: ما هو الغناء الذي أباحه؟ فإن الغناء في زمانه كان بآلة واحدة، وكانت جارية تغني فأباح هذا الغناء؛ لعدم قناعته بالنصوص الشرعية، ولخطأ رأيه.
مع هذا ينزلون هذا الحكم على الأغاني الموجودة الآن التي تكون فيها فرقة موسيقية، ويكون فيها مجموعة من الرجال، ومجموعة من النساء يرددون، والآن مع وجود القنوات الفضائية كما يذكرون في الصحف يأتون بفيديو يسمونه فيديو كليب، ينقل صورة المرأة راقصة هنا وهناك، ثم ينزلون هذه الفتوى على هذه الواقعة الشنيعة الموجودة في هذا الزمان، وهو الغناء الموجود في هذا الزمان.
ولهذا أي إنسان عنده ريح التدين، ويريد أن يكون صادقًا مع نفسه، لو رأى الغناء الموجود في هذا العصر واشتراك النساء فيه، والعبث الموجود بالنساء فيه، لعرف أنه محرم، وأن علاقته بأصول الدين واضحة؛ لأن هذا الدين ليس لعبًا، يأتي بالمرأة ويلعب بها وهي لابسة بناطيل مثلًا، وشعرها مكشوف ووجهها مكشوف ونحرها مكشوف، ويتلاعب بها وقد يرفعها وقد يضعها، ونحو ذلك، ثم يقولون بعد ذلك: ابن حزم رحمه ا
[ ٤ / ٧ ]
أقوال السلف في الوقف في قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله)
يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] يعني: أهل الأهواء ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] كما سبق.
ذكر الله ﷿ لذلك سببين: السبب الأول: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] لأنهم أهل أهواء.
والسبب الثاني: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ابتغاء حقيقته وحقيقة معناه.
وفي هذه الآية وهي قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] اختلف السلف في الوقف فيها، هل يكون الوقف فيها على لفظ الجلالة وتكون الواو في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» للاستئناف، أم أن الوقف يكون على نهاية قوله: «فِيْ الْعِلْمِ»؟ للسلف في هذا قولان: الأول: هو أن الوقف في قوله: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» وأن الواو في قوله «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» هي للاستئناف وليست للعطف.
وبناء على هذا فهم يفسرون التأويل في قوله: «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» بأن التأويل هنا المراد به حقيقة الشيء، والتأويل في لغة العرب يأتي لمعنيين: المعنى الأول: الحقيقة، والمعنى الثاني: التفسير.
فمن أمثلة مجيء التأويل بمعنى الحقيقة والكنه قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا ركع يقول: سبحانك اللهم اغفر لي، يتأول القرآ) يعني: يأتي بحقيقة ما أمره الله ﷿ به من التسبيح والاستغفار في سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣].
ومن مجيء التأويل بمعنى التفسير قول النبي ﷺ في دعائه لـ ابن عباس: (اللهم علمه التأوي) يعني: علمه التفسير.
ومنه أيضًا قول الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في كتابه (جامع البيان في تأويل القرآن) يعني: في تفسير القرآن، فهو يأتي إلى الآية ويقول: تأويل هذه الآية كذا وكذا، يعني: تفسيرها كذا وكذا.
هذا معنى التأويل في لغة العرب، وهو المعنى الذي استخدم في النصوص الشرعية.
لكن المتأخرون لهم معنى خاص في التأويل، وسنتحدث بشكل مفصل عن موضوع التأويل ومعانيه في هذا الكتاب في موضعه بإذن الله تعالى، لكن نحن ذكرنا هذه المعاني ليسهل علينا فهم الآية.
فمن وقف على لفظ الجلالة (الله) واعتبر أن الواو للاستئناف أراد بالتأويل هنا الحقيقة، فيصبح المعنى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: وما يعلم حقيقته إلا الله ﷾.
فإن حقيقة صفاته وحقيقة المتشابه لا يعلمه إلا الله ﷾.
ومن وقف على (العلم) واعتبر الواو عاطفة فسر التأويل بأنه التفسير، فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ما يعلم تفسير المتشابه إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، يعني: الراسخون في العلم يعلمون تفسيره أيضًا، وهذا من رسوخهم في العلم.
ولهذا ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (أنا ممن يعلم تأويله) فهذا يدل على أن مذهب ابن عباس ﵄ هو الوصل، وروي عنه أنه يرى الوقف على لفظ الجلالة.
وكلا القولين مرويان عن السلف الصالح رضوان الله عليهم.
فالوقف على لفظ الجلالة مروي عن أبي بن كعب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ وعائشة ﵂ وابن عباس ﵄.
والوصل والوقف على لفظ (العلم) واعتبار الواو للعطف مروي عن ابن عباس أيضًا، ومروي عن الربيع بن أنس وعن مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس ﵄.
[ ٤ / ٨ ]
معنى تأويل المتشابه عند المفوضة والرد عليهم
المفوضة فسروا التأويل هنا بأنه التفسير بصورة خاصة، فعندهم التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة، وهذا اصطلاح خاص في تعريف التأويل عند المفوضة، وليس له علاقة بلغة العرب، كما أنه ليس له علاقة بالاصطلاح الشرعي.
فقالوا: إن التأويل بهذا المعنى هو التفسير، فجاءوا إلى الآية فقالوا: إن التأويل فيها بمعنى التفسير، ثم حكوا الإجماع على الوقف على لفظ الجلالة.
وبناء على هذا يكون فهمهم للآية هو أن الله ﷿ يقول: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: ما يعلم تفسيره إلا الله، ثم قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] يعني: أن موقف الراسخين في العلم التفويض والتسليم.
هكذا وصلوا إلى التفويض من خلال هذه الآية.
بينما نحن نقول: إن الوقف على لفظ الجلالة هو أحد قولي السلف، وبناء على هذا يكون المعنى للتأويل: حقيقة الشيء، فيكون: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] يعني: لا يعلم حقائق المتشابه، وما يعلم حقائق صفات الله ﷿ إلا الله، وموقف أهل العلم في معرفة هذه الحقائق التسليم.
ولهذا سبق أن أشرنا إلى الفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية، وهي حقيقة الصفة، فنحن نفوضها؛ لأن الله ما أخبرنا بها، لكن المعنى لا نفوضه؛ لأن المعنى واضح في لغة العرب، وقد دلت عليه النصوص.
إذًا: الشيء الذي نفوضه على قراءة الوقف على لفظ الجلالة هو حقيقة وكيفية صفات الله ﷿، وحقائق المتشابه هذه نفوضها إلى الله، هذا على القول بالوقف.
وعلى القول بالوصل يصبح التأويل بمعنى التفسير، ويكون الراسخون في العلم ممن يعلمون تفسيره، وحينئذ يردون متشابه القرآن إلى محكمه.
لكن هم جاءوا ووحدوا المعنى في لفظة التأويل، وقالوا: إن التأويل في هذه الآية المراد به التفسير، وليس التفسير عمومًا، وإنما التفسير بمعنى معين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معنى مرجوح لقرينة.
وسيأتي معنا نقد هذا المعنى الاصطلاحي بالتفصيل إن شاء الله تعالى في موضعه.
ثم حكوا الإجماع على الوقف على لفظ الجلالة، وحينئذ اعتبروا أن الراسخين في العلم يفوضون التفسير، فلا يفهمون لصفات الله ﷿ معاني، وهذه جاءت بعد أن اعتبروا صفات الله ﷿ من المتشابه.
انظروا كيف رتبوا الأمور؟! أولًا: اعتبروا صفات الله ﷿ من المتشابه، ثم جاءوا إلى لفظ التأويل وقالوا: إن معناه التفسير فقط، وألزموا بالوقف على لفظ الجلالة، وحكوا الإجماع على ذلك، ثم اعتبروا أن مذهب السلف ومذهب أهل العلم الراسخين في العلم التفويض المطلق، فالتقى جعلهم الصفات من المتشابه مع اعتبارهم موقف الراسخين في العلم من المتشابه التفويض المطلق، فقالوا: إذًا مذهب السلف هو التفويض المطلق، وأنكروا على المؤولة، وقالوا: كيف تؤولون، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]؟ فالمفوضة انحرفوا في عدة أشياء: أولًا: انحرفوا أصلًا في اعتبارهم الصفات من المتشابه، فإن معانيها ليست من المتشابه، بل هي واضحة وبينة.
ثانيًا: انحرفوا أيضًا في اعتبار التأويل صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح لقرينة.
ثالثًا: رتبوا على هاتين الضلالتين أنهم قالوا: إن مذهب الراسخين في العلم وهم السلف الصالح رضوان الله عليهم هو التفويض لمعاني صفات الله ﷿، وهي من جنس المتشابه، والراسخون في العلم يفوضون معنى المتشابه إلى الله ﷿.
هكذا وصلوا إلى هذه النتيجة من هذا المنطلق ويمكن مراجعة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب (الإكليل في المتشابه والتأويل) وهو مطبوع في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ﵀ التي جمعها ابن قاسم العاصمي رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ٩ ]
أوجه استدلال المفوضة بآية المتشابه والرد عليهم
نسوق بعض أوجه الاستدلال التي أخذها المفوضة من هذه الآية بإذن الله تعالى.
هذا كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) وهو لـ أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء وهو عالم من علماء الحنابلة، وهو من مفوضة الحنابلة.
فإن علماء الحنابلة كانوا على طريقة الإمام أحمد في التزامهم بالأثر وتعظيمهم للسنة، لكن المتأخرون منهم خلطوا مقالات أهل السنة بمقالات أهل الكلام، فلما خلطوها تكونت طائفة ليس من أهل السنة المحضة ولا من أهل التأويل والمعطلة المحضة، وهم ما يطلق عليهم بمفوضة الحنابلة، منهم أبو يعلى هذا، ومنهم ابن الزاغوني، ومنهم الكلوذاني، ومنهم السفاريني وغيرهم من علماء الحنابلة.
فكتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) لـ أبي يعلى ألفه في الرد على عالم من علماء الأشاعرة وهو ابن فورك الأشعري في كتاب له بعنوان (مشكل الحديث وبيانه)، وكتاب (مشكل الحديث وبيانه) مطبوع في مجلد واحد، وهو في الرد على كتاب التوحيد لـ ابن خزيمة ﵀، فإن ابن خزيمة ﵀ لما ألف كتابه (التوحيد) ساق فيه إثبات الصفات، فجاء ابن فورك وأول هذه الأحاديث جميعًا في كتابه (مشكل الحديث وبيانه) فجاء أبو يعلى فرد على ابن فورك وأثبت الصفات، لكنه أثبتها على طريقة المفوضة بتفويض معانيها وأنه لا معنى لها، وأن طريقة ابن فورك في التأويل خطأ.
فـ أبو يعلى لم ينكر على ابن فورك نفي معاني الصفات التي تدل عليها ظواهر النصوص، وإنما أنكر عليه التأويل، قال: لأن التأويل لا يعلمه إلا الله على طريقة المفوضة.
وعقد فصلًا يقول: فصل في الدلالة على أنه لا يجوز الاشتغال بتأويلها وتفسيرها يعني: بتأويل الصفات وتفسيرها.
ثم استدل بآية آل عمران، فمن أوجه الأدلة، يقول: «فإن قيل: من أصحابنا من قال: لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعلمون تأويله، والواو هاهنا للعطف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فسقط هذا الدليل».
معنى قول أبي يعلى: (فإن قيل) يعني: إذا اعترض معترض على طريقة المفوضة فقال لهم: إنه لا متشابه في القرآن إلا والراسخون في العلم يعلمونه، فصاحب هذا الاعتراض يرى أن الوقف يصح أن يكون على لفظ (العلم) وأن الواو تكون عاطفة، وقد ذكر هذا ابن قتيبة.
وابن قتيبة عالم من علماء السلف، وقد عظمه ابن تيمية ﵀ كثيرًا، وقال: إنه خطيب أهل السنة، كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة.
يقول المعترض: سقط دليلكم عندما استدللتم بآية آل عمران.
قال أبو يعلى: (قيل:) يعني في الرد: (هذا قول يخالف إجماع الصحابة).
أقول: قول أبي يعلى فيه مصادرة للحقيقة، أعني: قوله: إن هذا يخالف إجماع الصحابة؛ لأن ابن عباس ﵄ من الصحابة روى عنه ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية أنه قال بالوقوف على لفظة (العلم).
ثم قال: (قال أبو بكر الأنباري في كتاب (الرد على أهل الإلحاد): قد ذهب إلى هذا الذي أنكره -يعني: ابن قتيبة - جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: أُبي وابن مسعود وابن عباس، ففي قراءة عبد الله: (إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون).
يعني: هذا الوقف، وهذا في قراءة شاذة وليست متواترة في مصحف ابن عباس وفي قراءة أُبي: (ويقول الراسخون في العلم) يعني: مما يدل على أن الوقف يكون على لفظ الجلالة.
والحقيقة أن الخلاف بيننا وبين المفوضة ليس هو في أين يكون الوقف، وإنما هو في معنى التأويل ما هو وفي صفات الله هل هي من المتشابه أو ليست من المتشابه من حيث المعنى؟ لأن الوقف على لفظ الجلالة، والوقف على (العلم) واعتبار أن الواو عاطفة أو استئنافية، ليس فيها إشكال بالنسبة لنا؛ لأنه لو كان الوقف على لفظ الجلالة كما يقول هؤلاء فإن التأويل يكون بمعنى حقيقة الشيء، فلا يعلمه إلا الله ﷿، والراسخون في العلم يفوضون حقيقته.
وإذا كان الوقف على العلم فإن التأويل يكون بمعنى التفسير، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (الإكليل).
المهم أنه ذكر بعض الأدلة على أن الوقف يكون على لفظ الجلالة، وهذا لاشك أنه حتى ولو كان الوقف على لفظ الجلالة فإنه لا يسعفهم في أن المقصود بالتأويل هنا التفسير، وأنه يفوض فلا يفهم له معنى.
وجه الدلالة الثاني الذي أشار إليه، يقول: (ولأن الله قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧] ومعناه:
[ ٤ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٤ / ١١ ]
الرد على القرضاوي في إباحة الغناء
السؤال
يقول السائل: قرأت في فتاوى للشيخ القرضاوي أنه جعل حدودًا للغناء الذي أباحه، وقد حرم ما يوجد الآن من أغان ماجنة؟
الجواب
الحقيقة أن الشيخ القرضاوي اشتهر عنه إباحته للغناء، ولم يشتهر عنه وضع حدود، وأنا لا أقول: إنه ليست عنده حدود؛ لأني لا أعرف هذه الحدود التي أشار إليها الأخ، لكن أقول: لماذا لا يقوم القرضاوي بحملة ضد الأغاني الماجنة التي تنشرها القنوات الفضائية، وهي التي تسمى بالفن في هذا الزمن، وهي الأصل؟ والغناء الذي أباحه لا وجود له، يعني: إذا حاول القرضاوي أن يضبط الغناء بضوابط نقول: هل الساحة الفنية فيها شيء من هذه الضوابط؟ ليس فيها شيء.
إذًا: لماذا تبيح الغناء إباحة مطلقة هكذا؟ والإفتاء إنما يكون على شيء له واقع، أما الإفتاء على شيء موجود في الخيال، فهذا لا حقيقة له، ولهذا تجد أن الناس يفهمون أن القرضاوي يبيح الأغاني الموجودة الآن في القنوات الفضائية وفي الأشرطة وفي غيرها؛ لأنه تكلم عن الغناء بشكل عام وأباحه، فإذا وضع له ضوابط نقول: هل هذه الضوابط موجودة في الساحة الفنية؟ وهل يلتزم بها أحد من المغنين حتى يكون لكلامك معنى؟! ثم لو التزم بها أين هو من حديث النبي ﷺ: (يأتي في آخر الزمان أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) نص على المعازف، وهو نص ظاهر وواضح.
[ ٤ / ١٢ ]
حكم الغناء بالأغنيات الماجنة بدون آلات عزف
السؤال
يقول بعض الناس: بأن الغناء بالأغنيات الماجنة بدون آلات عزف ليس فيه شيء؟.
الجواب
هذا كلام غير صحيح؛ فالغناء يتكون من شقين: آلات عزف، وكلام يتكلم به.
أضيف إليه الصورة كما هو في طريقة فيديو كليب، فصار ثلاثة أشياء، وربما تضاف أشياء فيما بعد.
فأما المعازف وحدها فهي محرمة مطلقًا؛ لأن الحديث ورد بإطلاق التحريم فيها حتى لو كانت هادئة، وحتى لو كانت حزينة، وحتى لو كانت رومانسية، وحتى لو كانت بأي إضافة من الإضافات، المهم أنها محرمة؛ لنص النبي ﷺ على تحريم المعازف عمومًا، ويدخل في آلات العزف عمومًا الطبل، ويدخل فيها الدف، واستثني من ذلك الدف للنساء في الأفراح وفي الأعياد فقط، وبعض أهل العلم يبيح الدف للنساء مطلقًا.
أما آلات العزف الأخرى للنساء فهي محرمة؛ لأنها باقية على أصل التحريم.
هذا بالنسبة لآلات المعازف.
وأما الكلام الذي يتكلم به، فإنه بحسب الكلام، فإذا كان الكلام حقًا فهو حق، وإذا كان الكلام باطلًا فهو باطل، فهو من جنس الشعر الذي قال عنه النبي ﷺ: (الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبي).
فإذا كان الكلام قبيحًا وفيه إغراء بالفاحشة حتى لو كان بدون معازف فإنه محرم.
وأما الصور فهي محرمة لذاتها؛ لوجود التبرج والسفور، ووجود الفسق فيها في التعامل أو الرقص أو نحو ذلك.
[ ٤ / ١٣ ]
ضوابط الاستدلال بالسيرة النبوية وتاريخ الصحابة
السؤال
هل هناك ضوابط في الاستدلال بالوقائع التاريخية مثل السيرة النبوية وبعض الأحداث فيها، وتاريخ الصحابة أيضًا، أم أنها مسألة لا ضوابط فيها فيستدل بها على حق أو على باطل؟
الجواب
أما السيرة النبوية فهي أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وهي حجة، وهي من الحكمة، والله ﷿ يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
(ويعلمهم الكتاب) يعني: يعلمهم القرآن، (والحكمة) يعني: السنة، والسنة تشمل السنة القولية وتشمل السنة الفعلية، كما تشمل السنة التركية إذا كانت الترك مقصودًا.
فالسيرة النبوية هي عبارة عن هذه الأحداث.
وأما تاريخ الصحابة فإن تاريخ الصحابة بشكل عام هو التطبيق الحقيقي لحقيقة الدين وحقيقة الإسلام، لكن كحالات فردية: قصة فلان وقصة فلان وقصة فلان لا تعتبر حجة في ذاتها، لكن تاريخ الصحابة بشكل عام يدل على تطبيقهم للإسلام، وكيفية هذا التطبيق سواء في مجال الدولة والسياسة، أو في مجال طريقة العلم والتعلم، أو في مجال الجهاد في سبيل الله، أو في مجال الإنفاق والبذل، أو التعبد والسلوك، أو نحو ذلك من المجالات.
ولهذا قد يحتج بطريقتهم في السلوك، وهذا يجعلنا نعود إلى الإشارة إلى الفقرة الأولى التي شرحناها سابقًا وهي: يقينية منهج السلف وعصمته، يدخل في هذا منهج الصحابة، فإن منهج الصحابة كمنهج وتاريخهم كتاريخ يعتبر تطبيقًا لحقيقة الدين.
لكن كأفراد لا يصح أن تحتج على فلان بفرد من الأفراد، إلا إذا كان هذا المعنى الذي في هذا الفرد موجودًا عند الجميع، فيكون حينئذ يقينًا ومعصومًا.
[ ٤ / ١٤ ]
حقيقة العصرانيين
السؤال
هل العصرانيون هم أصحاب الفقه المستنير كما يسمون؟
الجواب
العصرانيون لهم أسماء كثيرة، لكن المهم الحقيقة، يعني: بعض الناس يسميهم أصحاب الفكر المستنير مثلًا؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم من أصحاب الفكر المستنير، ويعتقدون أنهم هم أهل العصر، وأنهم هم الذين جمعوا بين الأصالة والمعاصرة، وأنهم هم الذين طبقوا روح الدين في هذا العصر المختلف التقنية والإمكانيات الموجودة وفي عصر (الإنترنت)، وفي عصر الإعلام الفضائي، والمواصلات التي جعلت العالم كقرية واحدة، ويتكلمون كلامًا كثيرًا، مع أن الدين في الحقيقة لا يتغير، هو واحد في المجتمع البدوي وفي المجتمع القروي، وفي المجتمع الزراعي وفي المجتمع الصناعي.
نعم، في بعض الأحيان تتغير تطبيقات لكن ليست تطبيقات أساسية متعلقة بالدين نفسه، وهذا الكلام عام، لكن لابد أن يطبق الدين كما أمر الله ﷿ به.
لنفترض أنه مثلًا من وسائل العصر الآن (الإنترنت) فهل ندعو إلى الله عن طريق (الإنترنت)؟ نقول: ليس هناك مانع، ندعو إلى الله عن طريق (الإنترنت) والإنترنت ليست موجودة في المجتمع الزراعي، وكونها ليست موجودة في المجتمع البدوي هل هذا يعني أننا لا نستفيد منها؟ لا، نستفيد منها، وهذه هي العصرنة الصحيحة.
أما تغيير حقائق الدين باسم العصرنة فهذا هو الباطل، وتغيير حقائق الدين وإباحة المحرمات ونسف قواعد الدين مثل سد الذرائع وغيرها باسم العصرنة، فهذا هو الباطل الذي لا يقبل وهو مرفوض.
[ ٤ / ١٥ ]
ذم التعصب للمشايخ وغيرهم
السؤال
يتعصب بعض طلاب العلم لعالم أو داعية تعصبًا أعمى، وإن كان هذا العالم له أخطاء واضحة لاشك فيها، ومع ذلك لا يقتنع هؤلاء الطلاب، فبماذا تفسر هذا التعصب؟ وما هو موقف الآخرين من هؤلاء الطلبة ومن هذا العالم أو الداعية؟
الجواب
التعصب خلة قبيحة ومذمومة في الإنسان، فالذي ينبغي للإنسان المسلم ألا يتعصب إلا للدليل الصحيح، وللحجة البينة الواضحة، ومصادر الاستدلال عندنا معدودة: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فهذه هي مصادر الاستدلال، وغيرها يعود إليها.
بل هذه الأربع جميعًا تعود إلى القرآن، هذه هي الحجة فقط.
فإذا استدل عليك بدليل من القرآن أو من السنة فهذا دليل صحيح، لكن يبقى مسألة طريقة الاستدلال، لابد أن تكون طريقة الاستدلال صحيحة؛ لأن هناك طرائق في الاستدلال باطلة، مثل طريقة العصرانيين في أخذهم المتشابه وردهم للمحكم.
فأولًا: إذا استدل الإنسان بدليل من الكتاب أو السنة، وكانت طريقته في الاستدلال طريقة صحيحة، فإننا نقبل دليله ولو خالفه من خالفه، حتى ولو كان المخالف عالمًا.
ثانيًا: لا ينبغي أبدًا للإنسان المسلم أن يعلق نفسه بعالم أو داعية، لا تعلق نفسك إلا بالدليل الصحيح، وبالمنهج الرباني الصحيح.
والدعاة والعلماء بشر يتعريهم ما يعتري البشر من الخطأ والزلل، وبعض الناس قد يتعرض لفتنة فيتغير منهجه وطريقته، وبعض الناس قد تأتيه فتنة المال فتحرف منهجه وطريقته، وبعض الناس قد تأتيه فتنة الجاه، وبعض الناس فتنة الشهوة، وبعض الناس قد يكون على منهج ثم لسبب أو لآخر ينتقل انتقالًا كليًا عن هذا المنهج إلى منهج آخر، بل قد يعتنق دينًا آخر.
ولهذا فالحي لا تؤمن عليه الفتنة، فأنت إذا جعلت دينك معلقًا بشخص من الأشخاص فإنه إذا ضل ستضل، وإذا انحرف ستنحرف، وإذا ابتعد عن الصراط المستقيم ستبتعد أنت.
والصحيح أن الله ﷿ خاطبنا نحن جميعًا علماء ودعاة وأفرادًا، وجعل مناط الخطاب بالنسبة لنا العقل، ولهذا يعتبر العقل بعد البلوغ هو مناط التكليف؛ لأن المجنون غير مكلف، وحينئذ لابد أن تدرس هذه المسألة إن كنت من أهل العلم، وإن كنت لست من أهل العلم فلا تقل في هذه المسألة بإيجاب ولا بسلب، وانظر إلى أهل العلم وخذ من حيث أخذوا، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يكون عنده احترام لأهل العلم ولا يقدرهم ولا يحبهم، فإن المحبة شيء والتعصب شيء آخر، والإجلال والتقدير شيء، والتعظيم إلى درجة التعبد شيء آخر.
فلا شك أن أهل العلم لهم منزلة عظيمة، ولهم محبة في قلوبنا، وقد تحدث أهل العلم عن آداب تعامل التلميذ مع شيخه حديثًا كبيرًا، مثل: الخطيب البغدادي ﵀، ومثل: ابن جماعة في كتاب (تذكرة السامع والمتكلم) وغيرهما، تكلموا كلامًا طويلًا في التأدب مع أهل العلم؛ لأنه في بعض الأحيان عندما لا يكون هناك تأدب قد يأتي جاهل من الجهال فيستدل بحديث على غير وجهه، ثم يصبح زعيمًا من زعماء الانحراف والعياذ بالله، بحجة الاستقلال الفكري.
ولهذا فإن كلمة (الاستقلال الفكري، وحرية الفكر، وعدم التعصب) كلمات صحيحة في ذاتها، لكن قد يراد بها في بعض الأحيان أمر باطل، وحينئذ ينبغي للإنسان أن يكون متزنًا، وألا يكون مختلطًا.
فإذا أخذنا حرية التفكير، فنقول: لابد أن يكون للإنسان حرية في التفكير، وأن يطلب العلم، وأن يطلب الدليل، وأن يعرف الحجة، وأن يأخذ من حيث أخذ أهل العلم، وأن يدرب نفسه على الفقه والتفقه، لكن لا يعني هذا أن يستبد برأيه وأن يعظم نفسه، فإن بعض الناس يأخذ هذه الطريقة فيفهم من طرف العلم شيئًا ثم يتعصب هو لنفسه، فنحن نذم التعصب للعلماء، وبعض الناس قد يتعصب لذاته هو أو لشخصه، وهذه خصلة ذميمة أيضًا، وحينئذ لابد للإنسان أن يتوازن، فإن هذه مزلات، والشيطان حريص على إغواء الإنسان.
إذًا: ينبغي للإنسان أن يكون منضبطًا، والانضباط يكون كالآتي: أولًا: أن يحترم أهل العلم ويقدرهم، وأن يعرف لفتواهم مكانتها، وألا يستعجل في انتقاد قول عالم من العلماء إلا ببينة وبوضوح، وألا يكون الانتقاد إلا بعد بحث وتحر.
ثانيًا: إذا خالف عالمًا من العلماء فإنه يتأدب معه، ونتأدب مع أهل البدع لكن لا يعني التأدب معهم الاحترام المطلق الذي يكون لأهل السنة.
بهذه الطريقة يكون الإنسان متوازنًا ومنضبطًا بإذن الله تعالى.
[ ٤ / ١٦ ]
حكم مشاهدة البرامج التي تعرض الشبهات والشهوات في القنوات الفضائية
السؤال
هل يجوز مشاهدة البرامج التي تعرض في بعض القنوات الفضائية، حول نقاشات في أمور مسلّمة، أو بعض الأحيان أمور مشتبهة؟
الجواب
هذه القنوات التي تعرض المناقشات للناس تنشر الشبهات، كما أن القنوات الأخرى تنشر الشهوات، ففي هذا الزمان ابتلينا بالشبهات والشهوات.
فالشهوات تنشر من خلال هذه القنوات عن طريق تجريد المرأة من ملابسها، واستخدامها استخدامًا رخيصًا لإثارة الشهوات، وفيها تعليم النساء الخيانة والغدر مع الأزواج، وتعليمهن العلاقات المحرمة والفساد بكل صوره وألوانه.
وأيضًا القنوات الفضائية الأخرى عندها مصيبة أخرى، وهي أنهم لما شعروا أن الشهوات استهلكت عددًا كبيرًا من الناس، لكن هناك بقية باقية لم تستهلكها هذه الشهوات، أتوا لها بالشبهات والعياذ بالله.
وهذه هي طريقة الشيطان، فيأتون بمناظرات عامة، أو يأتون بأشخاص ينشرون أفكارهم وعقائدهم الباطلة، ويستمع لها كثير من الناس ممن ليس عنده علم شرعي، وليس عنده فهم دقيق لدين الله ﷿، فقد تكون هذه سببًا لضلاله لأنه قد يأتي إنسان ملحد وينكر وجود الله، أو يستهزئ بالدين، أو يتلاعب بأحكامه، ويخلطه خلطًا غريبًا، فيجعل الموالاة للكفار مباحة، ويجعل ويجعل إلى غير ذلك.
وقد يأتي آخر ويلبس الحق بالباطل، فيكون هذا سببًا في ضلال كثير من المشاهدين الذين ليس عندهم علم صحيح، وليس عندهم فهم، وليس عنده دراية.
ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يشاهد هذه البرامج، كما أنه لا ينبغي له أن يشاهد البرامج التي تثير الشهوات.
نسأل الله أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح.
[ ٤ / ١٧ ]