لقد اعتمد نفاة الصفات في نفي صفات الله على العقل المجرد، فأتوا بأدلة عقلية ثم حاكموا النصوص الشرعية إليها، فما وافق شبههم وأدلتهم العقلية أخذوا به، وما خالفها ردوه أو أولوه، فضلوا وأضلوا.
[ ٩ / ١ ]
أدلة المتكلمين العقلية في نفي الصفات
تحدثنا في الدروس الماضية عن مسألة إثبات علو الله ﷾ على خلقه، وأن العلو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين والفطرة والعقل، وأنه لم يكن هناك خلاف في هذه المسألة الكبيرة من مسائل العقيدة في بداية تاريخ هذه الأمة، في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وفي زمن التابعين، حتى ظهرت الفرق الضالة المنحرفة عن السنة، وأول من أنكر علو الله ﷿ على خلقه هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان، واعتمد هؤلاء في نفيهم صفات الله ﷿ عمومًا، على العقل المجرد، ولم تكن الشبهة عندهم منذ أول لحظة هي أنه أشكل عليهم فهم النصوص الشرعية، فيحتاجون أن يكشف عنهم هذا الإشكال، وإنما كان الأمر منذ أول لحظة أنهم اتخذوا العقل مصدرًا للتلقي في العقيدة ومنها صفات الله ﷾، وتركوا الكتاب والسنة.
وقد بينا في دروس ماضية عن السبب الذي جعل هؤلاء المبتدعة يتخذون العقل مصدرًا للتلقي، وهو: مناقشتهم للفلاسفة والملاحدة، وأصحاب الديانات الأخرى، والسبب في ذلك أيضًا: جهلهم بكون النصوص الشرعية متضمنة للأدلة العقلية الكافية، التي لا تتضمن شيئًا من إبطال العقائد الأخرى، فهم ظنوا أن النصوص الشرعية إنما هي مجرد إخبار عن الغيب فقط، وأن الله ﷿ والرسول ﷺ يخبران عن الغيب مجرد إخبار بدون برهان، وبدون دليل كاف في الإقناع، فبدءوا يطلبون الأدلة المقنعة حسب تصوراتهم من العقل المجرد، فكانت هذه الشبهات الموجودة عندهم التي منعوا من أجلها وصف الله ﷿ بما وصف به نفسه في الكتاب، وبما وصفه به رسوله ﷺ في السنة.
والشبهات أو الأصول العقلية التي لأجلها أولوا أو نفوا الصفات أو بعضها، مردها إلى أربع شبهات، أو أربعة أدلة عقلية كبرى: الدليل الأول: هو دليل تعدد القدماء، وهذا دليل المعتزلة.
الدليل الثاني: هو دليل التركيب، وهذا دليل للمعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
الدليل الثالث: دليل منع حلول الحوادث بذات الله ﷾، وهذا دليل يشمل جميع طوائف أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية أيضًا.
الدليل الرابع: دليل التشبيه والتمثيل، وهو يشمل جميع الطوائف السابقة.
نأخذ هذه الأدلة التي ذكروها دليلًا دليلًا؛ لنبين بطلان هذه الأدلة.
[ ٩ / ٢ ]
معنى دليل تعدد القدماء عند المعتزلة والرد عليه
فأما دليل تعدد القدماء فإن المعتزلة يرون أن أخص وصف للإله الذي يجب أن يعبد هو كونه قديمًا وليس بمحدث، وأن أي شيء يشاركه في القدم، فإنه يعتبر إلهًا آخر، وهذا شرك بالله رب العالمين.
ومن هنا اعتقدوا أن إخلاص التوحيد لله ﷿ هو إفراد الله ﷿ بالقدم، ولا يوصف غيره بالقدم أبدًا، فإذا وصف غيره بالقدم، فإنه يعتبر شركًا بالله ﷾.
فجاءوا إلى الصفات الشرعية التي أثبتها الله ﷿ لنفسه في القرآن، وأثبتها له رسوله ﷺ في السنة، مثل صفة اليد ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فقالوا: هذه الصفة وغيرها من الصفات مثل: العلم والحياة والإرادة والسمع والبصر، سواء منها الصفات التي لا تنفك عن الذات وهي الصفات الموسومة بالصفات الذاتية، أو الصفات التي يسميها الأشاعرة صفات المعاني وهي الصفات العقلية؛ قالوا: هذه الصفات لا تخلو أن تكون قديمة أو حادثة.
فإذا كانت حادثة فهذه لا يصح وصف الله بها؛ لأن الله ﷿ لا يوصف بالحادث.
وإذا كانت قديمة فإن وصف هذه الصفة بأنها قديمة مشاركة لوصف الإله بكونه قديمًا، فإذا اعتبرنا العلم قديمًا، والسمع قديمًا، والحياة قديمة والإرادة قديمة، فنحن أثبتنا خمسة آلهة: العلم، والسمع، والإرادة، والكلام، والحياة، وكل صفة يعتبرونها إلهًا مستقلًا بناءً على هذا.
وبعض الأحيان يستخدم بعض الناس مصطلحًا لمعنى، وأنت تفهمه على معنىً آخر، فينبغي للإنسان أن يكون دقيقًا في معرفته للمصطلحات، فليس كل أحد يستخدم مصطلحًا يكون هو نفس المفهوم الذي عند الآخر، لكن المصطلحات الشرعية واحدة عند أهل السنة، وأما مصطلحات أهل البدع والضلالة، فإنا لا ننفيها مطلقًا، ولا نثبتها مطلقًا؛ لأن مصطلحاتهم في بعض الأحيان تكون ممزوجة بالحق والباطل، وقد تحدثت عن موضوع المصطلحات في أكثر من لقاء، وسنتحدث عنه في أثناء الرد التفصيلي لهذه الشبه.
وبناءً على هذا فقد عرفوا التوحيد بأنه الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي لا يقبل التجزئة، ولا يقبل التعدد، ولا يقبل التبعيض، ولا يقبل الانفصال، وقالوا: إن وصف الإله بالصفات الواردة في الكتاب والسنة يستلزم وجود آلهة مع الله ﷿، فاستدلوا بهذه الشبهة -التي هي تعدد القدماء- على نفي الصفات، وقالوا: إن هذه الصفات جميعًا لا يصح أن تنسب إلى الله ﷿ على أنها صفات وجودية، لكن هل معنى هذا أنهم يصفون الله بضدها؟ لا يلزم أنهم يصفون الله بضدها.
وهم في صفة العلم يقولون: هو عليم وعلمه هو ذاته، وقدير وقدرته هي ذاته، وكريم وكرمه هو ذاته، وسميع وسمعه هو ذاته، وبصير وبصره هو ذاته، وهكذا فيما يتعلق بالصفات العقلية الثابتة التي لابد أن يتصف بها الإله، ويستحيل أن يتصف بضدها، فيستحيل أن يتصف الإله بالموت، ويستحيل أن يتصف الإله بالجهل، فيثبتون هذه الصفة من حيث الاسم، لكن ينفونها في الحقيقة؛ فيقولون: هو عليم وعلمه هو ذاته، إذا قلنا لهم: هل له علم؟ قالوا: علمه ذاته، فهل له سمع؟ قالوا: سمعه ذاته، إذا قلنا لهم: هل هناك فرق بين العلم والسمع؟ قالوا: لا، هو ذات واحدة فقط، فالحياة عندهم هي العلم بالضبط مائة بالمائة، ليس هناك فرق، ولاشك أن هؤلاء ضالون، وذلك أن الله ﷿ سمى نفسه بالأسماء الحسنى، ووصف نفسه بالصفات العليا وهو أعلم بنفسه ﷾ منا، فلو كانت تستلزم تعدد الآلهة، لما سمى نفسه ﷿ بهذه الأسماء، ولا وصف نفسه بهذه الأوصاف.
ولهذا عندما يقول الله ﷿ عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].
وعندما يقول الله ﷾: ﴿الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] تتضمن صفة الرحمة.
وعندما يخبر النبي ﷺ أن الله ﷾ عليم كريم حيي، وهكذا.
فالله ﷿ أعلم بنفسه، ثم نبيه أعلم بربه منا، فهذه مقدمة واضحة في الرد على هؤلاء المبتدعة.
[ ٩ / ٣ ]
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه مخالف للغة
إذا جئنا إلى المناقشة لهؤلاء، نقول: إن إثبات هذه الصفات لا يلزم منه كما تقولون تعدد الآلهة، فإن هذه الصفات صفات لموصوف واحد، فالعلم والسمع والحياة كلها صفات بعضها يختلف عن بعض، لكنها لموصوف واحد، ولا يلزم من تعدد هذه الصفات تعدد الآلهة، ولا يصح أبدًا إذا قلنا: إن إلهًا واحدًا موصوف بكذا وبكذا وبكذا أن هذا خطأ، فإن الوحدانية لا تمانع من تعدد الصفات لغة وشرعًا.
أما لغة: فإنه يمكن أن تقول عن كتاب واحد في اللغة وتصفه بعدة صفات فتقول: لونه أحمر وهو سميك وقوي ومتعدد الأوراق ومكتوب بخط صغير وخط كبير، ومرقم الصفحات، فيمكن أن تصف هذا الكتاب بعدة صفات، مع أنك تستطيع أن تقول: هذا كتاب واحد، ولا يناقشك أحد من أهل اللغة.
ولهذا وصف النبي ﷺ وسمى كثيرًا من الأشياء بالواحد وهي متعددة الصفات، فأنت تقول: فرس واحد، ورجل واحد، والله ﷿ يقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] وهو يقصد الوليد بن المغيرة، قال الله ﷿ عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] فسماه وحيدًا، ووصفه بأنه واحد، مع أن له رأسًا وله قدمين، وله يدين، وله فهمًا وله عينين، وله وله وله، فليس هناك مانع في لغة العرب من وصف الشيء بكونه واحدًا، ومن تسميته بالواحد مثلًا مع كونه متعدد الصفات، فهذه الصفات ليست ذوات مستقلة منفصلة عن الإله، بل هي صفات لموصوف واحد.
فنحن نقول: الله واحد وهو موصوف بالعلم، وموصوف بالحياة، وموصوف باليدين، وموصوف بالقدم، وموصوف بكل ما وصف به نفسه في الكتاب ووصفه به رسوله ﷺ في السنة، ولا مانع من هذا، ولا يلزم من هذا تعدد الآلهة.
فإذا قلنا: إنه عليم فليس معنى ذلك أن العلم إله مستقل منفصل عن الإله؛ ولهذا يقول النبي ﷺ مثلًا: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد) فسمى الثوب واحدًا، مع أن الثوب له كمان، وله قدام وله خلف، ولهذا يقول أهل العلم: لا يمكن أن يوجد في لغة العرب استخدام كلمة (واحد) لشيء غير موصوف، فكل ما هو موجود في خارج العقل موصوف بالصفات، ولا يعرف العرب أبدًا في لغتهم شيئًا يسمى واحدًا ليس له صفات أبدًا، ولهذا العرب تقول: بيت واحد، مع أن له بابًا وله نوافذ، وله حوشًا وله غرفًا، وغير ذلك، هذا من الناحية اللغوية.
إذًا: هم خالفوا اللغة في مفهومهم للتوحيد، وظنوا أن التوحيد يستلزم نفي الصفات، ولهذا قالوا: بنظرية تعدد القدماء التي سبقت الإشارة إليها.
[ ٩ / ٤ ]
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه مخالف للشرع
الرد الثاني من الناحية الشرعية: أنه لا يمنع أن يسمى الشيء واحدًا مع وصفه بمجموعة صفات، فالله ﷿ يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] مع أنه وصف نفسه بالعلم والحياة، وأن له يدين، وأن له قدمًا، وأنه ﷾ ينزل، وأن له صفات متعددة، وليس هناك مانع من وصف الواحد بمجموعة صفات.
والله ﷿ يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فنفى وجود آلهة إلا هو، وهو وصف نفسه بمجموعة من الصفات مبثوثة في الكتاب والسنة.
إذًا: مفهومهم للتوحيد مفهوم باطل، ولهذا لو رجعتم مثلًا إلى شرح العقيدة الطحاوية فستجدون أن أول ما يشرح الفقرة الأولى من فقرات العقيدة الطحاوية، وهي قول الإمام الطحاوي ﵀: "نقول في توحيد الله مستعينين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له" فهو بدأ الكلام عن التوحيد، ثم انتقد هؤلاء الضالين وقال: إن هؤلاء أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد؛ وذلك أنهم ظنوا أن معنى واحد، يعني: لا يتجزأ، وجعلوا الجزء عندهم هو الوصف، فإذا وصفت الإله بمجموعة صفات، قالوا: هذه أجزاء وهذه أقسام، ولا يجوز وصف الإله بهذه الطريقة، وهذا لاشك أنه قول باطل في اللغة وفي الشرع أيضًا.
[ ٩ / ٥ ]
الرد على دليل تعدد القدماء بأنه استعمل مصطلحات لم ترد في الكتاب والسنة
الرد الثالث: هو أن نقول: إن كلمة (قديم) وكلمة (حادث) مصطلحات جديدة لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فإن الله ﷿ لم يصف نفسه في القرآن بأنه قديم، ولم يصف الرسول ﷺ ربه بأنه قديم، ولا يصف بأنه حادث.
فهذه المصطلحات الجديدة لا يصح أن نقبلها بإطلاق، ولا أن نردها بإطلاق؛ لأن هذه المصطلحات بحسب ما يدخل فيها من المعنى الاصطلاحي، فإن كان حقًا كله قبلناه كله، وإن كان فيه حق وباطل قبلنا الحق ورددنا الباطل.
وعلى كل اعتبار فإنه لا يصح أن يستخدم في الأمور الغيبية إلا المصطلحات الشرعية، وهذه المصطلحات الحادثة لا يصح استخدامها، وهذه إحدى الأوجه الطويلة التي رد بها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على قانون الرازي الذي يرد فيه الشرع إذا خالفه العقل، في المجلد الأول من (درء التعارض) ولو رجعتم إليه ستجدون أنه فصل الكلام في هذا الموضوع الحساس والمهم تفصيلًا طويلًا.
وكذلك أشار إلى هذا المعنى في (التدمرية) أيضًا، وفي غيرها من الكتب، فهو يشير وينبه إلى ضابط استعمال هذه المصطلحات مثل: قديم، حادث، متحيز، جوهر، عرض، جزء، تركيب.
والتوحيد له عندهم مفهوم وله عندنا مفهوم، والإله له مفهوم عندنا، وله مفهوم عندهم، وهكذا، فهذه مجموعة من المصطلحات يقول ابن تيمية ﵀: لا يجوز أن تقبل هذه المصطلحات مطلقًا لأنك قد تقبل جزءًا من الباطل، ولا تردها مطلقًا لأنك قد ترد جزءًا من الحق، وحينئذ مثل هذه المصطلحات ننظر لها من جهتين: من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى.
فأما من جهة اللفظ: فلا نقبل مصطلحات جديدة في النصوص الشرعية الغيبية التي لم نرها بأعيننا، وإنما أخبرنا الله ﷿ عنها في القرآن الكريم، وأخبرنا عنها رسول الله ﷺ في السنة النبوية، ويكفينا ما في القرآن والسنة من المصطلحات، فنحن في غنى عن هذه المصطلحات، والغني لا يطلب الصدقة، نحن لا نطلب من أحد أن يتصدق علينا بمصطلحات، حتى نمارس هذا العلم الشريف الذي هو علم التوحيد.
وأما من جهة المعنى: فإن هذا المعنى نستفصل صاحبه عنه، فإذا قال لك مثلًا: هل تثبت أن الله جسم؟ بعض الناس يقول: لا أقول: إن الله جسم مطلقًا، وهذا خطأ؛ لأنه هو يعتقد أن إثبات العلم تجسيم، وأن إثبات اليدين تجسيم، فيلزمك بنفي الصفات، وحينئذ الطريقة الصحيحة هي أن نقول: ماذا تعني بكلمة جسم؟ إن كنت تعني بالجسم معناه اللغوي -ومعنى الجسم في اللغة: البدن أو الجسد- فنحن نقول: إن هذا لا يوصف به الله ﷿؛ لأن هذا فيه مشابهة للمخلوقين، وهذا أمر ظاهر، وإن كنت تعني بالجسم الموصوف بالصفات، فلاشك أن الله موصوف بصفات، ونحن لا نقول: إن الله جسم؛ لأن هذه كلمة لم تستخدم في القرآن والسنة.
فهؤلاء لا يأتون بهذه الكلمات مثل: جسم متحيز جهة بمعانيها اللغوية، وإنما يأتون بمعان اصطلاحية محددة يضعون هذه الكلمات عليها، فهم يقولون: الجسم هو الذي يقبل التجزئة والانقسام، فيسمون هذا جسمًا مع أن هذا لا يسمى جسمًا في لغة العرب، فالكتاب لا يسمى جسمًا وإنما يسمى كتابًا، لو أن أحدكم مثلًا: جاء وقال: جسم سيارتك ممتاز لما كان سائغًا في لغة العرب؛ لأن كلمة (جسم) في لغة العرب معناها: البدن.
إذًا لا يصح استخدام كلمة (جسم) من جهة اللفظ ومن جهة المعنى على نحو ما سبق.
وهكذا إذا قلنا: إن الله في العلو، قالوا: هل تثبت أن الله في جهة؟ فنقول: الجهة كلمة جديدة، فماذا تعني بكلمة جهة؟ هل تعني بالجهة أن الله في العلو؟ إذا قال: نعم، الجهة أن الله في العلو، نقول: لقد نص الكتاب والسنة على أن الله في العلو، وهذا ما تثبته الفطرة والعقل، فأنا أصف الله بالعلو.
وإن كان لا يقصد هذا المعنى، فنقول: هل تعني أن الله محصور ومحدد في مكان فقط؟ فهذا لا يصح؛ لأن الله ﷿ فوق العالم، وهو ﷾ لا يقاس بخلقه، ولا يقال إنه محصور في جهة، وهذا لا يجوز استخدامه في وصف الله ﷿.
إذًا: نأتي إلى المعتزلة في موضوع تعدد القدماء ونقول: ماذا تعنون بالقديم؟ هل تعنون بالقديم الأول فليس قبله شيء؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا: نعم، الله ﷿ هو الأول فليس قبله شيء، وهو منذ كان موصوف بالصفات، ولا مانع من وصفه بالأول وأيضًا وصفه بسائر الصفات.
وإن كنتم تقصدون بقديم أنه ليس موصوفًا بالصفات، فنقول: هذا فهم باطل؛ لأن لله ﷿ وصف نفسه بالصفات، ولا يمكن أن يصف نفسه بالباطل، ولو كان الحق هو المعنى الغامض الذي جئتم به، وهو أن له علمًا وعلمه هو ذاته، وأنه سميع وسمعه هو ذاته لنص عليه القرآن.
[ ٩ / ٦ ]
الرد على دليل تعدد القدماء بنقد مصطلح (ذات)
الرد الرابع: نقول: إنكم قلتم إن القديم هو ذات الله فقط، فنقول: كلمة (ذات) مؤنث (ذو) في لغة العرب، وذو في لغة العرب بمعنى صاحب، وكلمة (ذو) لا يصح أن تستخدم بدون إضافة، فأنا مثلًا أقول: رجل ذو عينين، وامرأة ذات علم، ورجل ذو مال، وامرأة ذات جمال، وهكذا، ولو أن إنسانًا جاءك يريد أن يخبر فقال لك: فلان ذو، لقلت: ذو ماذا؟ وإذا قال لك: فلانة ذات، لقلت: ذات ماذا؟ لأنه لم يكمل الجملة.
وحينئذ نقول: إن كلمة (ذات) مصطلح جديد استخدم في غير محله في اللغة العربية، فإن (ذات) لابد أن تضاف، فأنت تقول: ذات علم وذات كرم وذات يد وذات عين وذات كذا، أما أن تقول: (ذات) ثم تسكت فهذه جملة غير مفهومة، ولا يمكن أن يكون لها معنى محدد، ولهذا تلاحظون أن أهل البدع عندما ناقشوا أهل السنة انحرفوا في جهات متعددة، انحرفوا في المصطلحات، وانحرفوا في العقائد، وانحرفوا في اتخاذ مصادر جديدة لتلقي العقائد غير المصادر الشرعية، وانحرفوا حتى في اللغة، فهم يستخدمون الكلمات في غير معانيها اللغوية، ولهذا تخبطوا تخبطًا كبيرًا.
وحينئذ نقول: هذا الدليل الذي استدللتم به، وهو أن وصف الله ﷿ لنفسه بالصفات يستلزم تعدد القدماء، هذه شبهة ضالة منحرفة لا فائدة منها، فإن وصف الله ﷿ بالصفات لا يعني تعدد الآلهة، فإن هذه الصفات ليست آلهة مستقلة، وإنما هي صفات لموصوف واحد.
[ ٩ / ٧ ]
معنى دليل التركيب عند المتكلمين والرد عليه
[ ٩ / ٨ ]
الدليل الثاني للمتكلمين هو دليل التركيب
فهو الدليل العقلي الثاني من الأدلة المسماة: قواطع عقلية، يعني: هم عندما يتكلمون يقولون: وهذا الأمر تحيله القواطع العقلية، ويقصدون بالقواطع العقلية هي هذه التي ذكرناها.
فالشبهة الثانية هي شبهة التركيب، وشبهة التركيب هي التي نفوا من أجلها الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله ﷿، وهذه الشبهة تشمل المعتزلة والأشاعرة والماتريدية، لكن اختلفوا في التطبيق كما سيأتي.
حقيقة هذه الشبهة هي أنهم قالوا: إن وصف الله ﷿ بالصفات يلزم منه أن الله ﷿ مركب من مجموعة صفات، فإذا قلنا: إن لله يدين، وإن له قدمًا، وإن له علمًا، وإن له سمعًا، فإذًا هو إله مركب من هذه الأشياء.
يقولون: والتركيب يفتقر فيه الجزء إلى جزئه، فإذا افتقر فيه الجزء إلى جزئه دل ذلك على النقص، وهذا لا يمكن أن يكون في صفات الله ﷿، وبناءً على هذا فلا نصف الله ﷿ بهذه الصفات التي يلزم منها تركيب الله ﷾ من هذه الصفات.
وهم لما جاءوا إلى التطبيق على الصفات الموجودة في القرآن والسنة، فالمعتزلة نفوا جميع الصفات بدون استثناء، وقالوا: إن إثبات الصفات العقلية مثل: العلم والحياة والسمع والبصر يستلزم التركيب، وإن وصف الله بالصفات الذاتية مثل: اليدين والعينين والقدم والساق وغير ذلك من الصفات تستلزم التركيب أيضًا.
فجاء الأشاعرة وفرقوا بين الاثنين، وقالوا: لا، الصفات العقلية مثل: العلم والسمع والبصر والحياة والكلام والإرادة لا تستلزم التركيب، وأما الصفات السمعية التي هي العينان واليدان والقدم فهذه تستلزم التركيب فيجب أن ننفيها.
والمعتزلة والأشاعرة بينهم صراع كبير في هذه الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة، وهي: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، فالمعتزلة ينفون هذه الصفات جميعًا، ويقولون إنها تستلزم تعدد القدماء، فيرد عليهم الأشاعرة فيقولون: لا تستلزم تعدد القدماء، وإنما هي صفات من لوازم الموصوف وهو الله ﷾، فلابد أن يكون حيًا، ولابد أن يكون عالمًا، ولابد أن يكون قديرًا، ولابد أن يكون بصيرًا، وهكذا.
وكلام الأشاعرة في ردهم على المعتزلة حول هذه الصفات رد صحيح، حتى إن عندهم ردودًا لطيفة جدًا يقولون: إن الواقع والحياة فيها مسموعات ومبصرات ومقدورات ومرادات، فإما أن تثبتوا الصفات لوجود أثرها، أو تنفوا الأثر، فإذا نفيتم القدرة يلزمكم نفي المقدور، وإلا فكيف حصل هذا المقدور؟ ويستدلون بوجود المقدور على وجود القدرة، وبوجود المعلوم على وجود العلم، وبوجود المراد على وجود الإرادة، وبوجود المسموع على وجود السمع، وبوجود المبصرات على وجود صفة البصر وهكذا، فيستدلون بالمحدثات المخلوقات على وجود مقتضياتها من الصفات.
والنقاش مع الأشاعرة في إثبات الصفات التي ينفونها سهل جدًا، نقول: إن وجود الرحمات في الأرض، رحمة المحتاج والفقير والمسكين يدل على صفة الرحمة، قالوا: لا يدل عليها، قلنا: وكذلك المقدور لا يدل على القدرة من الناحية الجدلية، فقالوا: بل يدل عليها، ففرقوا بين المتماثلات، فبين لهم أهل السنة والجماعة أنهم منحرفون في هذه المسألة، قالوا: كيف تفرقون بين الأمور المتماثلة؟ هذا من جهة الاستدلال العقلي المجرد، وأما من جهة النصوص الشرعية فهم لا يرجعون إليها أصلًا؛ لأنهم لا يعتقدون أنها مصدر مستقل في تلقي العقائد.
نعود إلى مسألة التركيب، فالمعتزلة يعممون هذا الدليل الذي هو التركيب على جميع الصفات، فينفون به صفات المعاني العقلية التي سبق أن ذكرناها، وينفون به أيضًا الصفات الذاتية التي سبق أن ذكرناها، بينما الأشاعرة يميزون ويقولون: الصفات العقلية التي يسمونها صفات المعاني ليست داخلة في التركيب، ولا تستلزم التركيب، بينما الصفات الذاتية تستلزم التركيب.
وللرد على هؤلاء نقول: أولًا: بالنسبة للمصطلحات سبق أن تحدثنا عنها، وقلنا: هذا مصطلح جديد يتضمن معاني جديدة مخالفة للنصوص الشرعية فلا نقبله من جهة اللفظ، ولا نقبل جميع معانيه.
ثانيًا: أن وصف الله ﷿ بهذه الصفات لا يستلزم التركيب؛ لأنكم إذا كنتم تعتقدون أنها تستلزم التركيب فهذا باطل وخطير في مجال العقائد، وهذا لا يقول به أهل السنة، فهذه الصفات لا أول لها، كما أن الله ﷿ لا أول له، وهي ليست ذوات مستقلة، بل هي صفات لموصوف واحد وهو الله ﷾.
وإن كنتم تقصدون بالتركيب من حيث الفهم أن صفة اليد ليست هي صفة الساق وليست هي صفة العينين، فهذا لا إشكال فيه من جهة المعنى، وتسميتك له تركيبًا باطل، فالتسميات التي يطلقها الناس لا تغير الحقائق، فالحقائق أنها صفات لموصوف واحد وصف الله بها نفسه وهي صحيحة وحقيقة ولا إشكال فيها، فإذا سميتها تركيبًا نقول: إن أردت بها أن أحدًا ركبه فهذا باطل، فإن الله ﷿ متقدس متنزه عن هذا المعنى الباطل، وإن كنت تعني أن بعضها يختلف عن بعض فهذا معنى صحيح.
فإذا جاء أحد مثلًا وسمى الربا فوائد، هل يصبح فوائد؟ لا يصبح فوائد، بل هو ربا محرم، وإذا جاء أحد وسمى
[ ٩ / ٩ ]
معنى دليل منع حلول الحوادث عند المتكلمين والرد عليه
[ ٩ / ١٠ ]
معنى دليل منع حلول الحوادث والرد عليه بالجملة
الشبهة الثالثة: هي شبهة منع حلول الحوادث بذات الله ﷿.
وهذه الشبهة نفوا بها الصفات الفعلية، مثل صفة النزول، والاستواء، وصفة المجيء، والإتيان، ونحوها من الصفات الفعلية، وهي التي يفعلها الله ﷿ متى شاء وكيف شاء، على الوجه الذي يشاؤه ﷾.
قالوا: هذه الصفات لا يصح أن يوصف الله ﷿ بها؛ لأنها تستلزم حلول الحوادث بذات الله، والحال هنا هو نفس الحال هناك، نقول: ماذا تعنون بالحادث؟ قالوا: نعني بالحادث وجود الشيء بعد أن لم يكن موجودًا، قالوا: فإذا قلنا ينزل الله ﷿ هذه الليلة، ثم ينزل الليلة التي بعدها، فنزوله الليلة التي بعدها لم يكن موجودًا سابقًا فيلزم منه وجود حادث في الله ﷿، وهذا لا يصح أن يوصف به الإله ﷾.
قلنا: هذا باطل؛ فإن الله ﷿ وصف نفسه بهذه الصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ، وما سميتموه أنتم معنى حادثًا، وهو وجود هذه الصفة بعد أن لم تكن موجودة لا نقص فيه بالنسبة للإله، فلا مانع من أن يتكلم الله ﷿ الآن، ويتكلم بعد سنة، ويتكلم يوم القيامة، ويتكلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وليس فيه نقص.
قالوا: هذه فيها حدوث بذات الله، قلنا: هذه الكلمة جديدة لم نعرفها في النصوص الشرعية، فماذا تعنون بالحدوث؟ قالوا: الحدوث هو وجود الشيء بعد أن لم يكن موجودًا.
قلنا: ولا مانع منه حتى لو وجد الشيء بعد أن لم يكن موجودًا سابقًا؛ لأن الله ﷿ له إرادة يفعل الشيء متى شاء ﷾، في الوقت الذي يشاء.
قالوا: لكن أنتم إذا قلتم بهذا القول فمعنى هذا أنكم تبطلون حدوث العالم! قلنا: وماذا تعنون بحدوث العالم؟ إذا كنتم تعنون أن العالم مخلوق فإن صفة الله ﷿ التي تكون بعد أن لم تكن موجودة سابقًا ليست خلقًا، وإنما هي صفة يفعلها الله ﷿ في الوقت الذي يشاؤه ﷾، والعالم مخلوق وهو أثر من آثار خلق الله ﷿ له، والمخلوق ليس كالخالق.
ولهذا فإن اضطراب المصطلحات عند هؤلاء جعلهم يتلاعبون بالنصوص الشرعية، بناء على مصطلحاتهم التي استخدموها، فهم جاءوا إلى المنكرين لوجود الله ﷿، فأرادوا أن يثبتوا لهؤلاء المنكرين وجود الله ﷿، فركبوا لهم دليلًا صعبًا غامضًا وعر المسالك، فيه فقرات يخالفهم فيها كثير من العقلاء، وسموه دليل حدوث العالم، هذا الدليل دليل يتيم عندهم، وهو أبرز دليل من أدلة أهل الكلام على إثبات وجود الله ﷿، فأي قدح في هذا الدليل بأي وجه من الوجوه ينفونه دفاعًا عن هذا الدليل.
ولهذا عندما تحدث الإمام الشاطبي ﵀ في كتاب (الاعتصام) عن مأخذ أهل البدع في الاستدلال ذكر قاعدة لطيفة جدًا، وهي: أن أهل البدع يقعدون المسألة التي يريدونها ويقررون فيها حكمًا قبل النظر في الكتاب والسنة، ثم ينظرون في الكتاب والسنة، فما وجدوا أن ظاهره يخالف ما ذكروه وما أصلوه أولوا نصوص الكتاب والسنة حتى توافق ما أصلوه وقعدوه.
وهذا تلاعب بالكتاب والسنة، وهذا لاشك أنه ضعف في التسليم للكتاب والسنة، فالله ﷿ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] وهو أهواؤهم وعقولهم، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠].
إذًا: لا يصح للإنسان أبدًا أن يقعد القاعدة ويطلق فيها الحكم قبل النظر في الكتاب والسنة.
هؤلاء جاءوا وأرادوا أن يثبتوا وجود الله بالعقل، فقعدوا هذا الدليل الذي سموه دليل الأعراض، أو دليل حدوث العالم، وكل صفة من الصفات تعارض هذا الدليل في الظاهر فإنهم يؤولونها ويحرفونها عن معناها الحقيقي، وكان الواجب ألا يعتمدوا على دليل واحد، لأن وجود الله ﷿ أمر واضح، ومن حكمة الله ﷿ أن الشيء إذا كان واضحًا هيأ له أسبابًا كثيرة جدًا غير محصورة، فهل تتصورون قضية حساسة مثل قضية وجود الإله لا يكون عليها دليل إلا دليلًا واحدًا يخترعه أبو الهذيل العلاف من المعتزلة، ويقلده عامة المعتزلة فيه، ثم يصير إليه عامة الأشاعرة؟ فهل كان أبو بكر الصديق لا يعرف هذا الدليل وغيره من الصحابة ومن أهل العلم، حتى تأتوا أنتم وتستدلوا بهذا الدليل، وقد ناقشوا المشركين وناقشوا الملاحدة وبينوا لهم الحق بدون هذا الدليل؟ ثم إن موضوعًا كموضوع إثبات وجود الله ﷿ من الوضوح بحيث إنه لا يجوز أن يكتفى
[ ٩ / ١١ ]
المقدمات التي يتركب منها دليل منع حلول الحوادث والاستدلال به على أن الله هو الخالق
إن دليل منع حلول الحوادث الذي استخدمه أهل البدع يبنونه على ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: إثبات أن هذا العالم حادث.
المقدمة الثانية: إثبات أن كل حادث لابد له من محدث.
المقدمة الثالثة: أن المحدث هو الله ﷿.
فإذا جاءوا إلى إثبات حدوث العالم، قالوا: العالم ينقسم إلى قسمين: جواهر وأعراض.
الجواهر: هي التي تقوم بذاتها.
والأعراض: هي التي تقوم بغيرها.
مثال الجواهر: الجوهر الفرد، وسيأتي معنا الحديث عنه، فإنه لا يتجزأ، ومثال الجواهر أيضًا: الأمور التي تقوم بذاتها مثل الكتاب والإنسان وأي شيء يقوم بذاته، فهذا يسمى عندهم جوهرًا.
أما الأعراض فجمع عرض، وهذا العرض هو الذي يقوم بغيره ولا يمكن أن يكون منفصلًا عن الجوهر، مثل: الألوان والطعوم والروائح، وهذه لا يمكن أن تقوم بذاتها.
فمثلًا: رائحة العطر، هل يمكن أن يكون مستقلًا بذاته هكذا؟ لا، كذلك: هل البياض ممكن أن يكون بياضًا لوحده مستقلًا؟ لابد أن يكون مركبًا مع غيره.
فيقولون: إننا سبرنا هذا العالم الموجود فإذا هو مكون من جواهر وأعراض، ثم يستدلون على حدوث الجوهر، وعلى حدوث العرض، فيستدلون على أن الجوهر حادث، فيقولون: إن الجوهر مفتقر إلى غيره؛ لأن الجسم يتكون من مجموعة جواهر، والجوهر إذا قسمته أجزاء بسيطة وصغيرة، فإنك ستجد أنه مقسم إلى ذرات صغيرة، وهذه الذرات الصغيرة يتركب بعضها مع بعض حتى تكون الجسم، وتركب بعضها مع بعض يدل على حدوثها، والسبب في دلالته على حدوثها أن كل جزء من هذه الأجزاء مفتقر إلى الجزء الآخر المكون للجسم بشكل عام، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الجوهر لا يمكن أن يعرف إلا إذا تلبس به العرض، والعرض حادث، وما قام به الحادث فهو حادث، هذا الاستدلال على حدوث الجواهر.
وأما الأعراض، فيقولون: الأعراض هي حادثة ولابد؛ لأنها محتاجة إلى غيرها، فاللون محتاج إلى جسم حتى يتضح، وهكذا الروائح، وهكذا الطعوم، فهي بحاجة إلى غيرها، وهذا الاحتياج يدل على افتقارها، والافتقار يدل على حدوثها.
إذًا: تحصل من هذا أن العالم حادث.
المقدمة الثانية: لابد من إثبات أن أي أمر حادث لابد له من وجود محدث وراءه.
وهذه مقدمة فطرية عند الإنسان، فالطفل الصغير إذا كان متجهًا إلى جهة وحركته التفت مباشرة؛ لأنه مفطور على أنه لا يمكن أن يحصل شيء إلا بسبب.
فاستدلوا عليها بما يسمى قياس الغائب على الشاهد، قالوا: إن المشاهد أن كل حدث لابد له من محدث، وهذه قضية فطرية ليس فيها مشكلة، لكن يتعبون حين يستدلون بالعقل حتى يصلوا إليها.
المقدمة الثالثة: أن محدث العالم هو الله ﷿: كيف يستدلون على هذه المقدمة؟ يسمون الدليل الذي يستخدمونه: دليل السبر والتقسيم، فيستعرضون أنواع المحدثات الممكنة المحتملة، فيقولون: هل من الممكن أن يكون العالم أحدثته الطبيعة هكذا؟ لا يمكن، والدليل على ذلك أن هذا النظام الموجود لابد أن يكون وراءه مدبر، له علم وله كذا وله كذا حتى يكون محدثه، هذا أولًا.
فهل يمكن أن تُكوِّن هذه المحدثات بعضها بعضًا إلى ما لا نهاية؟ قالوا: لا يجوز.
وهل يمكن أن يكون أحد غير الله محدثًا لهذا الكون، مثل الآلهة المزعومة؟ قالوا: لا يصح، ويستدلون على هذه القضية.
بعد هذه المقدمات الطويلة فالنتيجة تساوي أن الله موجود.
[ ٩ / ١٢ ]
الردود على مقدمات أهل البدع في حلول الحوادث
ووجه الاعتراض على هذا الدليل من عدة جهات: الجهة الأولى: أن المعنى المستدل عليه أوضح من الدليل: لأن الدليل فيه تعقيدات، والمعنى المستدل عليه -وهو وجود الله- واضح لا يحتاج أن تستدل عليه بهذه التعقيدات، فهو موجود فطري في نفس الإنسان، وقد دل على وجوده في نفس الإنسان من حيث الفطرة القرآن، والسنة، والأدلة العقلية.
وهذه القضية لها مجال طويل جدًا وهو فطرية معرفة وجود الله ﷿، وقد تحدث عنها ابن تيمية ﵀ في مجلد كبير من كتاب (درء تعارض العقل والنقل).
الجهة الثانية: أن هناك أدلة أوضح من هذا الدليل الذي استخدمتموه وأحسن منه يمكن الاستدلال بها: كقوله ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فهذا دليل قرآني كاف في الاستدلال على وجود الله ﷿، فإن الإنسان يعرف من نفسه أنه إما أن يكون خُلِقَ من غير شيء، وهذا مستحيل تأباه الفطرة، ويأباه العقل، وإما أن يكون هو الذي خلق نفسه، وهذا أوضح في الاستحالة؛ لأن العبد يعرف أنه ليس هو الخالق لنفسه، وبناءً على هذا يكون الله هو خالقه، وهذا أسهل وأوضح وأبين، ولا يستلزم لوازم باطلة كنفي الصفات.
الجهة الثالثة: أن الدليل إذا استلزم مدلولًا باطلًا فهو دليل على بطلانه: فالدليل الصحيح يستلزم ملزومًا صحيحًا، فإذا كان الدليل يستلزم ملزومًا باطلًا فهذا دليل على بطلان الدليل نفسه، ولهذا نفى المعتزلة بسببه الرؤية، ونفى جميع المعتزلة والأشاعرة الصفات، ونفوا أيضًا بسبب هذا الدليل كثيرًا من القضايا المجمع عليها، حتى إن بعض المعتزلة يقول بانقطاع حركات أهل الجنة، وإنه ستكون هناك فترة على أهل الجنة يتوقفون فيها عن الحركة.
فبعض الناس لما ألزمه باللوازم قال: إنه يلزم من هذا أن الرجل إذا كان قد أخذ اللقمة وأراد أن يضعها في فيه فإنه يقف هكذا، فقال المعتزلي: لابد أن تتوقف هذه الحركات؛ لأنه إذا لم تتوقف فتستلزم أن هذه المحدثات لا نهاية لها، وهذا قدح في الألوهية على حد تعبيرهم ومناقشتهم، فالتزم بانقطاع حركات أهل الجنة، وأنه لا يمكن أن تستمر إلى المستقبل الذي لا نهاية له.
ويستلزم لوازم باطلة كثيرة جدًا، وهذا يدل على بطلان الدليل.
الجهة الرابعة: أن هذا الدليل فيه بعض المسائل فمثلًا: قولهم بأن الأجسام تتكون من جواهر، وإذا قسمت هذا الجسم فإنك لابد أن تصل إلى إحدى حالتين: الأولى: إما أن تقسم إلى ما لا نهاية، وهذا مستحيل؛ لأن هذه الدنيا محدودة لابد أن يكون لها نهاية.
الثانية: أن تصل إلى جزء لا يتجزأ، وهذا الجزء الذي لا يتجزأ سموه: الجوهر الفرد، وهو الذي يتركب منه الجسم.
فناقشهم الناس، لأن بعضهم يرى أن أصل الدين هو الإيمان بالجوهر الفرد الذي تتكون منه الأجسام، فإذا تكونت الأجسام استدللنا بالجسم على حدوث العالم.
ويمكن أن نناقش هذه المسألة فنقول: هذا الجوهر الذي وصلتم إليه لو أننا الآن قسمنا الكتاب وقسمنا وقسمنا وقسمنا حتى نصل إلى جزء لا يتجزأ، ويصبح الكتاب أجزاء بسيطة لا تتجزأ، وهذه الأجزاء يتكون منها هذا الكتاب بأكمله، فنقول: هذا الجزء الصغير الذي لا يتجزأ لها جهات، فالجهة الأولى يمكن أن نطلق عليها (أ) والجهة الثانية نطلق عليها (ب)، وهذا يدل على أنه يمكن انقسام هذا الجوهر الصغير الذي لا يتجزأ، فإذا جئنا إلى الجوهر الصغير الآخر الذي تقولون: إنه لا يتجزأ، نقول: مجرد إثباتكم لتركب هذا الجزء مع جزء آخر دليل كاف على انقسام هذا الجزء؛ لأن هذا الجزء الصغير إذا تركب مع هذا الجزء الصغير دل على أن له طرفين: الطرف الأول: مع هذا الجزء، والطرف الثاني: مع الجزء الآخر، فينقسم حينئذ.
ولهذا اختلف الناس في قضية الجوهر الفرد اختلافًا كبيرًا جدًا، وعامة المتكلمين يقولون: إن الأجسام مكونة من الجوهر الفرد، وإن هناك جزءًا لا يتجزأ وهو الجوهر الفرد، وخالفهم إبراهيم النظام وكان من دهاة العالم لكن أضله الله والعياذ بالله، ولهذا يكفره كثير من الطوائف، حتى من المعتزلة، وهذا النظام التزم بأن التقسيم يستمر إلى ما لا نهاية، يقول: إذا أخذت مثلًا: كتابًا وقسمته فسينقسم، وينقسم وينقسم وينقسم إلى ما لا نهاية، يعني: كلما قسمت فإنك ستصل إلى جزء قابل للقسمة؛ لأنه يتصور هذا النقد الذي وجهناه للدليل الذي ذكرناه.
والحق في هذه المسألة من الناحية العقلية المجردة أنه لا يستلزم عند الانقسام أن نصل إلى جزء لا يتجزأ، ولا يستلزم تجزؤًا إلى ما لا نهاية له، وإنما الشيء إذا قسمته ينتقل إلى غيره ويستحيل إلى غيره، ولا يسمى بنفس الاسم السابق، فمثلًا الماء إذا جاءت عليه الشمس تبخر وصار جسمًا آخر.
وهذه النظرية ذكرها ابن تيمية ﵀ في أكثر من كتاب، وسماها: نظرية الاستحالة، يعني: أن هذا الجزء يستحيل إلى جزء آخر، وإلى شيء آخر، وقد يفنى ويذهب ويصبح لا وجود له، وقد ينتقل إلى شيء آخر غير الجسم السابق الذي كان موجودًا.
ولهذا كان من الأمور
[ ٩ / ١٣ ]
بطلان استدلال المتكلمين بدليل التشبيه والتمثيل
أما دليل التشبيه والتمثيل فقد سبق أن أشرنا إليه: وهو أنهم يرون أن كل هذه الصفات إذا أثبتناها تستلزم مشابهة الله للمخلوقات، ونحن ذكرنا أن إثبات الصفات لله لا تستلزم مشابهة الخالق سبحانه للمخلوق في شيء، وربما يأتي لها موضع آخر بإذن الله تعالى.
الذي أريد أن أصل إليه هو أن هؤلاء اعتمدوا في نفي الصفات على الأدلة العقلية التي سبق أن ذكرناها، وأنه لم يكن نفيهم لهذه الصفات بسبب التباس بعض الأدلة الشرعية في أذهانهم، ولكن الذي حصل هو الاستدلال بالأدلة العقلية هذا أولًا.
ثانيًا: أن هذه الأدلة العقلية مخالفة للحق من ثلاث جهات: من جهة اللغة، فقد استخدموا معاني جديدة غير موافقة للغة، كالتركيب والانقسام، وأيضًا التوحيد استخدموه في معان غامضة ما كان العرب يعرفونها.
ومن جهة ثانية هي مخالفة للشرع، ومن جهة ثالثة مخالفة للعقل.
ولهذا عندما تحدثنا عن شبهة التركيب قلنا: إما أن يقصدوا أن غير الله ركبه، وهذا لاشك أنه باطل، وهم لا يقصدونه، وإما أن تكون هناك اعتبارات ذهنية في فهم التركيب، وأن اليدين جهة، والعين جهة أخرى وهكذا، وهذا التركيب الذهني لا يصح أن ننفي الصفات من أجله.
[ ٩ / ١٤ ]
نقد القواعد المخالفة للكتاب والسنة
المعنى الآخر الذي أريد أن أصل إليه: هو أن الإنسان لا يجوز له أن يقعد القاعدة التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة، ثم يحاكم النصوص ويحاكم أقوال أهل العلم عليها، وقد وجد في الدعوة الإسلامية، ووجد في الحياة المعاصرة أشخاص وضعوا قواعد، وحاكموا الآخرين إليها، فوقعوا في شيء من البدعة، وبعض الأحيان قد تكون بدعة مغلظة، وبعض الأحيان قد تكون بدعة غير مغلظة.
أضرب لهذا بأمثلة: الأول: عندما جاء الباطنية وقالوا: إن نصوص الوحيين لها ظاهر وباطن، وإن الظاهر هو ما يفهمه العامة، والباطن هو ما يفهمه الخاصة.
هذه القاعدة التي ذكروها فتحوا بها بابًا عظيمًا من أبواب الشر، حيث جاء الزنادقة منهم فتلاعبوا بما يسمونه المعاني الخاصة، وغيروا الشريعة تغييرًا كبيرًا، فالصلوات عندهم أن تذكر خمسة أشخاص وهم: محمد، وعلي، وفاطمة، وحسن وحسين.
والحج أن تقصد قبور الأولياء، والصيام أن تكتم أسرارهم، وهكذا تجدهم يتلاعبون بالدين، ويسمون هذا علم الخاصة.
[ ٩ / ١٥ ]
نقد الاستخدام السيئ لقاعدة اليسر والسماحة في الشريعة
المثال الثاني: هو وجود طائفة ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي، يقولون: نحن نرى فقه التيسير على الأمة، وأن هذه الشريعة شريعة سمحاء، وإن من القواعد الشرعية المعروفة أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وهكذا يكررون ما يتردد على ألسنة الفقهاء من سماحة هذا الدين، وأيضًا ما هو موجود في القرآن والسنة، ويضعون لأنفسهم قاعدة: أن المسألة إذا كان فيها رأي لعالم سابق وفيه مصلحة للناس فإنا نقول به.
فأصبحوا يتتبعون شواذ الفتاوى القديمة، ويتتبعون السقطات التي حصلت عند بعض أهل العلم قديمًا، ويتتبعون رخص الفقهاء والعلماء، ويفتون الناس بها.
وهذه القاعدة التي وضعوها قاعدة باطلة منحرفة تشبه قاعدة: الحلول والحوادث وتشبه قاعدة: التركيب، وتشبه القواعد البدعية الأخرى، وما من مسألة من المسائل إلا ويوجد فيها مخالف، وإنما تعبدنا الله ﷿ بالقرآن والسنة، فإذا كانت المسألة واضحة في الكتاب والسنة، وأفتى عالم من العلماء على خلاف هذه المسألة فنحن لا نقبل كلامه، ولهذا نص الأئمة الأربعة وغيرهم على لزوم الكتاب والسنة.
قال الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ويقول أبو حنيفة وغيره: إذا خالف قولي قول الله ورسوله فارموا بقولي عرض الحائط! وهذا يدل على أن العبرة بكلام الله وكلام رسوله ﷺ.
إذًا: هذه القاعدة خطيرة جدًا، وقد تحدث أهل العلم عن تتبع رخص العلماء، ولهم كلمة مشهورة في هذه المسألة: وهي أن من تتبع رخص أهل العلم تزندق.
أما الجاهل الذي لا علم له فإنه يأتي إلى من يثق فيه من أهل العلم ويسأله، وهذا هو الفرض الذي أوجبه الله عليه، فقد فرض على العامي سؤال أهل الذكر؛ لقول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، فإذا سأل أحدًا من أهل الذكر يثق فيه فإنه يلتزم بقوله، والعامي الذي يتلاعب فيسأل هذا ويسأل هذا، ثم يأخذ أسهل شيء له، فهو مثل هؤلاء، فلا يصح أن يتلاعب الإنسان بالدين بهذه الطريقة.
[ ٩ / ١٦ ]
نقد قاعدة نتعاون فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه
المثال الثالث: أن الأستاذ حسن البنا رحمه الله تعالى ذكر قاعدة أخذها أتباعه ووسعوها توسيعًا كبيرًا، وهو أخطأ في إطلاق هذه القاعدة، والقاعدة هي: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
ووجه الخطأ في هذه القاعدة هو قوله: (ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه)، وذلك لأن الناس يختلفون في أمور متعددة، بعضها يعذر الخلاف فيه، وبعضها لا يعذر، فالذي يخالفنا في العقائد هل نقول في حقه: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه؟ لا يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فنحن لا نعذر الشيعة عندما خالفونا؛ لأن خلافهم في العقائد وهو باطل، وقد وصل إلى الشرك، كذلك لا نعذر القبوريين الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها، وينذرون لغير الله ﷿، مثل دعوى محمد علوي المالكي وأمثاله؟ كذلك هل نعذر الأشاعرة والمعتزلة في أمور العقائد؟ لا نعذرهم، وهذا أمر بإجماع أهل العلم من أهل السنة أي: أن هذه القضايا لا يعذر فيها.
والمخالف للإجماع لا يعذر صاحبه؛ لكن إذا جئنا لنحكم عليه فإننا ننظر إلى مقالته ثم نقيس مدى بعده أو قربه من الكتاب والسنة، ولهذا يقول ابن تيمية ﵀: إن أهل السنة هم أرحم الخلق بالخلق؛ لأن ميزانهم منضبط ليس مبنيًا على الهوى والتعصب والآراء الشخصية.
إذًا: هذه قاعدة عامة، ولهذا وجد في أتباع الأستاذ حسن البنا الرجل الصوفي والشيعي، ووجد في أتباعه كثير من أهل البدع، ووجد في أتباعه أيضًا من يتبنى مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم.
والعذر يكون في الخلاف في مسائل الاجتهاد، وهي المسائل الفقهية في الغالب، ويمكن مراجعة كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لمعرفة حدود الإعذار لهؤلاء العلماء المختلفين، لكن هل الخطأ والانحراف في هذه القاعدة مثل الانحراف في قاعدة الأشاعرة؟ لا، ليس مثلها، وهل هي مثل الانحراف في قاعدة الباطنية؟ لا، ليس مثلها.
[ ٩ / ١٧ ]
نقد قاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات عند نقد الآخرين
مثال رابع على القواعد التي تخالف الكتاب والسنة، وقد يلتزم بها أصحابها ويتحاكمون إليها، وهذا خطأ، فإنه لا يصح للإنسان أن يقعد قاعدة حتى تكون محررة من الكتاب والسنة.
فمثلًا ذكر بعض المصلحين من الدعاة قاعدة: وهي أنه عند كلامك على الآخرين لابد أن توازن بين الحسنات والسيئات، وأطلقها هكذا.
وهذا خطأ، إذ لا يلزم عند نقدك للآخرين أيًا كانوا أن توازن بين الحسنات والسيئات، نعم قد يقتضي المقام الموازنة، وذلك عندما يكون هذا الإنسان إمامًا من أئمة أهل السنة، والخلاف معه في مسألة معتبرة، فتنقد ما عنده من الخطأ في جانب، وتعترف له بالفضل العظيم في جانب آخر.
لكن عندما يكون إمامًا من أئمة أهل البدع، ورمزًا من رموزهم، ورأسًا من رءوسهم، وينشر الفساد العقدي في كل مكان، فمثل هذا كيف توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا جئت لتنتقد الجهم بن صفوان فهل تقول: إن الجهم بن صفوان إنسان، والإنسان له احترام عند الإنسان آخر، وهو أيضًا ينتسب إلى الإسلام، وانتسابه للإسلام يعتبر منقبة؟! ثم بعد ذلك ننتقد عليه كيت وكيت وكيت؟ لا، هذا خطأ في العرض وخطأ في المناقشة، ولهذا لم يستخدم هذا الأسلوب أهل السنة والجماعة في التعامل مع رءوس أهل البدع، والخطأ في هذه القاعدة كما تلاحظون هو التعميم، كالخطأ في القاعدة التي قبلها.
فالتعميم بهذه الطريقة ووضع هذه القاعدة والتزامها سلوكًا ودعوة خطأ كبير جدًا، ومؤثر على سير الدعوة الإسلامية، ويؤثر على الضوابط الشرعية المعروفة عند أهل السنة في التعامل مع المخالف، ومعرفة حجم مخالفته، وقياسها بالنسبة للمنهج القرآني، لكن الخطأ في هذه القاعدة ليس مثل الخطأ في التي قبلها، والخطأ في التي قبلها ليس مثل الخطأ في التي قبلها وهكذا.
إذًا: المقصود من هذا الكلام هو ألا يأتي إنسان ويضع قاعدة ليست محررة أو هي مخالفة للقرآن والسنة، ثم يحاكم النصوص والآخرين إليها، هذا خطأ كبير جدًا، حتى إن بعض الذين قالوا بالموازنة بين الحسنات والسيئات ذكروا أمثلة غريبة جدًا في الموازنة، فيقولون مثلًا: إن الله ﷾ عندما يذكر بعض الكفار قد يذكر بعض الإيجابيات الموجودة عندهم.
نقول: إن ذكر الإيجابيات هنا ليس المقصود منه الموازنة أصلًا، في بعض الأحيان يكون المقصود منه بيان قوتهم، وبعض الأحيان يكون المقصود منه بيان استفادته من بعض الأسباب الطبيعية، وقد يكون له أكثر من معنى، وليس المقصود الموازنة، وإنما تكون الموازنة في الرجل الذي يكون من أهل السنة، فمثلًا: الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كان إمامًا من أئمة الهدى، ومن أئمة أهل السنة والجماعة، ومن المصلحين والدعاة، وأخطأ في مسألة كشف المرأة لوجهها فأباحه، وقال: لا أقول بوجوبه، ولا أقول إن المرأة الكاشفة لوجهها عليها إثم في ذلك، واستدل ببعض الأدلة التي كان له شبهة فيها، فمثل هذا الإمام يمكن أن أنتقد قوله في هذه المسألة، وأقول: إن قوله غير صحيح ومخالف للأدلة الشرعية، والدليل هو كذا وكذا وكذا، ثم بعد ذلك أقول: وهذا لا ينقص من قدر الشيخ الألباني ﵀؛ فإنه كان إمامًا من أئمة الهدى، وقد نشر العلم، وخدم السنة، ودعا إلى الله ﷿، ورد على أهل البدع والضلالة، هكذا وتذكر ما عنده من الحسنات.
لكن عندما ينصب إنسان نفسه للبدعة، فهذا لا يعرف من أهل السنة التزام بمسألة الموازنة فيه، وردود أهل السنة على أهل البدع كثيرة جدًا، فقد رد الدارمي ﵀ على بشر المريسي، ورد الإمام ابن تيمية على الرازي، ورد على الغزالي، ورد على غيرهما، فليس هناك موازنة، وما يذكره ابن تيمية ﵀ بعض الأحيان من حسنات للأشاعرة فإنما هو في مقابلة سيئات المعتزلة؛ حتى يبين أن هؤلاء أخف من هؤلاء، وليس مقصوده أن يوازن بين حسناتهم وسيئاتهم.
ثم إن الموازنة لابد أن يكون منها نتيجة، أما أن توازن وتسكت فهذا ليست له نتيجة، عندما تقول: هذا له كذا وله كذا، وله كذا، وهذا له وله، فما هي النتيجة؟ بحسب ما غلب عليه، ولهذا تكون الموازنة يوم القيامة عندما توزن حسنات الإنسان وسيئاته، من المعروف أنه إذا كثرت سيئاته فإنه يحكم عليه بأنه في النار، وإذا كثرت حسناته فإنه يحكم عليه بأنه في الجنة، فهل يريد هؤلاء الموازنون أن يوازنوا ثم يحكموا على الشخص بعد ذلك؟ والواقع أنه لا يوجد حكم على الأشخاص، وإنما هو إبراز لسلبيات هؤلاء وحسناتهم، ولعل الداعي لهذه المقالة هو وجود أشخاص يخطئون في نقد الآخرين فيظلمونهم، ويحملون أقوالهم ما لا تحتمل، فاقتضى هذا وجود من يدفع هذا التحامل بهذه الطريقة، أعني بفكرة الموازنة بهذا الأسلوب، ولاشك أن العدل واجب، لكن الموازنة المطلقة حتى مع أهل البدع واليهود والنصارى بهذه الطريقة ليست صحيحة على إطلاقها كما سبق أن أشرنا.
والله أعلم.
[ ٩ / ١٨ ]