شرح الحموية لابن تيمية [١]
من عقيدة السلف الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن ذلك الإيمان بصفة الاستواء لله تعالى، فهذه الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة، وقد خالف هذه العقيدة كثير من أهل البدع، وادعوا أن مذهبهم أحكم من مذهب السلف، والصواب أن مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم.
[ ١ ]
سائل من بلدة حماة الشام يسأل ابن تيمية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: [سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية وذلك في سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب هذا الجواب أمور ومحن، وهو جواب عظيم النفع جدًا].
يسمى جواب هذا
السؤال
الحموية؛ لأن السائل من بلدة حماة الشام.
[فقال السائل: ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت:١١]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأحاديث الصفات كقوله ﷺ: (إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن)، وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار)، إلى غير ذلك من الأحاديث.
وما قالت العلماء؟ وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى] قوله: إن شاء الله، من باب الخبر؛ لأن الدعاء لا يستثنى فيه، كما في الحديث: (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له)، وجاء في الحديث الآخر: (لا بأس طهور إن شاء الله)؛ لأن هذا من باب الخبر.
[ ٢ ]
مقدمة لابن تيمية بين يدي جوابه على السائل
[فأجاب: الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره، فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه، وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله والى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر أنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته، محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟].
لأن باب الأسماء والصفات هو أصل الدين.
[ ٣ ]
تعليمه ﷺ لأمته كل شيء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة] أي: حتى أحكام الاستنجاء وكيفية إزالة النجاسة، فكيف يعلمهم ذلك، ولا يعلمهم باب أصل الدين، وباب الأسماء والصفات، وهذا فيه رد على أهل البدع الذين يتأولون بعقولهم وينفون الصفات، ويقولون: إن هذا متروك للعقول: وهذا محال؛ لأن الرسول قد علم أمته كل شيء حتى أحكام الاستنجاء حتى الخراءة، قال بعضهم لـ سلمان: علمكم نبيكم كل شيء، قال: نعم، علمنا نبينا كل شيء حتى أحكام الاستنجاء، والوضوء.
فلا يمكن أن يعلمهم أحكام الاستنجاء، وأحكام غسل النجاسة، ولا يعلمهم أصل الدين! لا يمكن هذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة، وقال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)، وقال فيما صح عنه أيضًا: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم).
وقال أبو ذر ﵁: لقد توفي رسول الله ﷺ وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (قام فينا رسول الله مقامًا فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه) رواه البخاري.
محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين].
قوله: وإن دقت أن يترك تعليمه أي: وإن كان شيئًا صغيرًا، أو شيئًا قليلًا.
وقوله: يقولونه بألسنتهم أي: يقولون مثلًا: إن الله استوى على العرش، والله سميع بصير، والله عليم حكيم، ويعتقدون هذا بقلوبهم، فلا يمكن أن يترك هذا الأمر -الذي يقوله إنسان بلسانه ويعتقده بقلبه- إلى العقول.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة ألا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام].
أي: باب أصول الدين، ومنه الأسماء والصفات.
[ ٤ ]
استحالة كون أصحاب القرون المفضلة يجهلون تلك الأمور أو يتكلمون فيها بغير الحق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه، ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة، القرن الذي بعث فيهم رسول ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع].
أي: إما كونهم يجهلون باب أصل الدين، أو يتكلمون فيه بغير الحق، وهذا ممتنع، ومن الممتنع أيضًا أن يكون الرسول ﷺ لم يبين أصل الدين، وإذا كان ممتنعًا فممتنع كذلك أن تكون خير الأمة وأفضل الأمة، وهم القرون المفضلة بعده ﷺ لم يحكموا هذا الأصل، أو جهلوه، أو تكلموا فيه بغير الحق؛ لأن النبي ﷺ يقول: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فلابد أن يحكموا هذا الباب، ويتكلموا فيه بالحق.
وعلى هذا تكون أقوال أهل البدع الذين جاءوا بعد تلك القرون المفضلة، كلها أقوال باطلة ومردودة، ومناقضة لما عليه السلف الصالح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته.
وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر].
وهذا الكلام مقدمة عظيمة للمؤلف ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي].
قوله: المقتضي أي: الموجب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي -الذي هو من أقوى المقتضيات- أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟! هذا لا يكاد يقع من أبلد الخلق، وأشدهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع من أولئك؟!].
أي: إن كونهم لا يتكلمون بهذا الدين، ولا يحكمون أصل الدين، ولا يعرفونه، ولا يتكلمون به، هذا مستحيل، والأمر الثاني أنه يستحيل أيضًا أن يتكلموا بغير الحق، إذ يستحيل ألا يفهموا أصل الدين ولا يحكموه ولا يتكلموا به، ولا يتكلم فيه إلا المتأخرون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق، أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.
ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله بعض الأغبياء -ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها-: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم].
الخالفون: هم الخلف المتأخرون، الذين جاءوا بعد السلف الصالح.
وهذه مقالة معروفة عن أهل البدع، وهي أن طريقة السلف أسلم والخلف أعلم وأحكم، وهذا باطل، فالسلف أسلم وأعلم وأحكم، والخلف ليس عندهم شيء من العلم والحكمة، وإنما هم على جهل واعتماد على العقول والآراء وزبالة الأذهان ومحادثة الأفكار، فطريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم.
[ ٥ ]
ضلال المبتدعة بتفضيل طريقة الخلف على طريقة السلف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن هؤلاء المبتدعة، الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة].
إذًا: فالسبب أنهم قرروا في أنفسهم أن النصوص لا تدل على الصفات، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، لا يدل على صفة الاستواء، وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:٢]، لا يدل على صفة العلم والحكمة، هذا هو قصدهم، فلما قرروا هذا الأمر صاروا تجاه نصوص الصفات بين أمرين: الأمر الأول: أن يصرفوها إلى معان ابتدعوها من عند أنفسهم: يقولون: استوى معناها: استولى.
والأمر الثاني: التصوير، يقولون: نصورها ولا ندري ما معناها، مع أننا نجزم بأنها لا تدل على إثبات الصفات، فهم بين طريقة التصوير وبين طريقة التأويل والتحريف، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى -وهي التي يسمونها طريقة السلف- وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف -وهي التي يسمونها طريقة الخلف- فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات].
قوله: بالسمع أي: بالأدلة السمعية، كفروا بالنصوص واعتمدوا على عقولهم الفاسدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله].
أي: ظنوا أن السلف قوم سذج، لا يفهمون إلا مجرد التلاوة فقط، وليس عندهم عقول يفهمون بها النصوص ويعرفون بها اللغة، بل يؤمنون بمجرد اللفظ، فلهذا قالوا: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وعندهم أن طريقة السلف هي التفويض، وطريقة الخلف هي التحريف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، كيف يكون هؤلاء المتأخرون لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم وأقروا على نفوسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي].
هذا كله من كلام الرازي، وانظر السير والفتاوى وطبقات الشافعية، وفيه زيادة، ثم قال: وأقول من صميم القلب، من داخل الروح: إني مقر بأن كل ما هو الأكمل الأفضل الأعظم الأجل فهو لك، وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه.
يقول شيخ الإسلام تعليقًا على عبارته التي جاءت في النص: [وهو صادق فيما أخبر به، أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفة، سوى أن جمع قيل وقالوا، وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلًا ولا يروي غليلًا، فإن من تدبر كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي يدل عليه المنقول والمعقول، بل يذكر في المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره!] انتهى من منهاج السنة.
[ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وهأنذا أموت على عقيدة أمي].
هذه مقالة أبي محمد الجويني وهو من الأشاعرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام].
أشار شيخ الإسلام في موضع إلى أن قائل هذا الكلام هو أبو حمزة الغزالي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضولون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة].
وبه قاموا: أي عملوا بالكتاب وتلوه ونفذوه، وطبع الكتاب بهم، والكتاب قام بهم بمدحهم والثناء عليهم، وبهم نطق أي: بفضلهم، وبه نطقوا أي: تلوه وعملوا به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لاسيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم، أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!].
[ ٦ ]
سبب هذه المقدمة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما قدمت هذه المقدمة؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة، وليس غرضي واحدًا معينًا، وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء].
المقصود وصف النوع، وليس الأشخاص بعينهم.
[ ٧ ]
إثبات صفة العلو لله ﷿
[ ٨ ]
صفة العلو في كتاب الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله ﷾ فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]].
يصعد أي: يرفع، والرفع يكون من أسفل إلى أعلى، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى، فدل على ثبوت العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧]].
ومن في السماء: أي في العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]].
الشيخ: والعروج يكون من أسفل إلى أعلى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس:٣]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد:٢]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان:٥٩]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد:٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة].
والنزول يكون من أعلى إلى أسفل، فدل على أن الله في العلو.
[ ٩ ]
صفة العلو في سنة رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بكلفة، مثل قصة معراج رسول الله ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقول الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم)].
والعروج يكون من أسفل إلى أعلى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟!).
وإذا أطلق لفظ (السماء) كان المراد به: العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع)، قال ﷺ: (إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء) وذكره.
وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه)، رواه أحمد أبو داود وغيرهما.
وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن، كـ أبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، وهو مروي من طريقين مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه: ألا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ].
أي: إن هذا أن الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه مروي من طريقين يشد بعضهما بعضًا، فيكون حسنًا لغيره، وله أيضًا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة؛ لأن بعض الناس يطعن في حديث الأوعال.
ولو فرضنا أنهم طعنوا فيه، أو أنه لم يصح فنصوص العلو كما قال ابن القيم: تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف، ومع ذلك فله طريقان وله شواهد كثيرة من الكتاب والسنة كثيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الصحيح للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة)].
دل على السؤال عن الله بأين، وأين إنما يسأل بها عن المكان، ولما قالت: في السماء، أقرها على ذلك، ولهذا فإن أهل البدع يجلبون بخيلهم ورجلهم على كلمة أين، ويقولون: هذا خطأ من الجارية، والرسول ﷺ أقرها على الخطأ مراعاة لعقلها، وخاطبها على مقدار عقلها؛ لأنها لن تفطن لكلامه.
يقولون: لأن السؤال عنه بأين معناه: أنه في مكان، وإذا كان في مكان يكون محدودًا متحيزًا، وهذا كفر عند أهل البدع، ومن قال: إن الله في السماء كفروه، وإذا رفعت أصبعك إلى السماء قطعها الجهمي؛ لأنه يقول: هذا تنقص لله.
فهم يخطئون الجارية، ويقولون: إن الرسول ﷺ أقرها على جواب فاسد، وسألها سؤالًا فاسدًا؛ وذلك مراعاة لعقلها، فهكذا اتهموا النبي ﷺ! فمقصود الرسول ﷺكما يزعمون- بقوله: (أين الله؟) أي: من الله، فخاطبها على مقدار عقلها.
والرسول كان أفصح الناس فهل من المعقول أنه لم يستطع أن يقول: من الله؟ أو لم يفرق بين (من) المكونة من حرفين وبين (أين) المكونة من ثلاثة أحرف؟ ولكن لما أرادوا الفرار قالوا: لا يسأل عن الله بكلمة أين.
وهذا حديث ثابت في صحيح مسلم، لكن غلبة الهوى، ومتابعة أهل البدع والضلال حملهم على هذا.
هذا يخشى أن يكون كفرًا، لكن قد يقال: إنهم متأولون، وقد كفر الجهمية بعض أهل العلم كما ذكر ابن القيم، والمعتزلة كفرهم أيضًا جمع من أهل العلم، ومن العلماء من قال: إنهم مبتدعة متأولون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الصحيح: (أن الله لما خلق الخلق كتب فى كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبى)].
فدل على أن الله ﷿ فوق العرش.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله فى حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله) إسناده على شرط الصحيحين.
وقول عبد الله بن رواحة ﵁، الذى أنشده للنبي ﷺ، وأقره عليه.
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا].
فأثبت أن الله فوق العرش، وأقره النبي ﷺ على ذلك.
أورد هذه الأبيات ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: وقصته مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة، رويناها من وجوه صحاح، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية وابن عساكر في تهذيب دمشق، والذهبي في السير وفي العلو، وقال: روي من وجوه مرسلة، منها: يحيى بن أيوب المصري قال: حدثنا عمارة بن غزية عن قدامة بن محمد بن إبراهيم الحطابي فذكره، فالمعروف أنه منقطع.
وقصته مع زوجته ذكرها ابن قدامة في العلو، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية، وشرح العقيدة الطحاوية، وروى القصة الدارقطني في سننه، مع اختلاف الأبيات، فمجمل قصته مع زوجته (أنه كان لـ عبد الله ﵁ جارية، فأبصرته زوجته يومًا وقد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرتك! فأنكر ذلك، قالت: إن كنت صادقًا فاقرأ آية من القرآن، وكانت تعلم أن الجنب لا يقرأ القرآن على هذه الحالة، قال: فأسمعها البيت الأول من الأبيات الواردة في النص، وكانت لا تعرف القرآن، فظنت أن ما قرأه قرآنًا، قالت: فزدني آية، فقال: وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام ملائكة الإله مقربينا.
فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري، فأخبر الرسول ﷺ بذلك، فضحك من صنيعه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (آمن شعره وكفر قلبه).
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرًا بالبناء العالي الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرًا شرجعًا ما يناله بصر العين يرى دونه الملائك صورًا].
فقوله: شرجعًا أي: مرتفعًا.
ورد هذا الأثر في البداية والنهاية، والتهذيب.
والظاهر من قوله: (آمن شعره وكفر قلبه) أن أمية لم يؤمن، والحديث بهذا اللفظ رواه ابن عبد البر في التمهيد، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والقرطبي في التفسير، والحافظ في الفتح، وسكت عنه، وابن كثير في التفسير، وفي البداية والنهاية، وقال عقبه: لا أعرفه والله أعلم.
وذكره العجلوني في كشف الخفا، وقال: قال المناوي: وسند الحديث ضعيف، والحديث له شاهد في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﷺ: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) رواه البخاري ومسلم].
فالظاهر أن أمية كاد أن يسلم لكنه ما أسلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الذي في السنن: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا)].
وهذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة، وابن أبي شيبة، وابن حبان، والحافظ في المستدرك، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبغوي في شرح السنة، وابن عدي في الكامل، والخطيب في تاريخ بغداد، وقال عنه الحافظ في الفتح: سنده جيد، وصححه الألباني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب)، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علمًا يقينيًا من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم، عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين].
أي أن هذه النصوص من الكتاب والسنة تفيد العلم واليقين بأن الله تعالى في السماء، كما تفيد المسلم اعتقادًا وتيقنًا أن الله تعالى في العلو، إلا من اجتالتهم الشياطين عن فطرتهم وأفسدتها بسبب انحرافهم فلا عبرة بهم.
وكما ذكر ابن القيم أن النصوص كثيرة لا حصر لها، بحيث تزيد أفرادها على ثلاثة آلاف.
[ ١٠ ]
طريقة السلف في إثبات صفة العلو، وذكر شبهات المبتدعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئات أو ألوفًا.
ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، ولا عن أحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرف واحد يخالف ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها].
وكل هذه الأقوال لأهل الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ (أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول الله ﷺ، جعل يقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم، ويقول: اللهم فاشهد، غير مرة)، وأمثال ذلك كثير.
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله ﷺ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق؟ ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة، التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها!].
أي أنه من المستحيل وغير الممكن على الله ورسوله ثم على سلف الأمة أن يتكلموا بخلاف الحق، أو يكتمونه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين].
إن العقيدة الصحيحة عند هؤلاء الخالفين من أهل البدع: أن ظواهر النصوص كفر، فقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، الذي يأخذ بظاهره ويقول: إن الله استوى على العرش في الحقيقة، فقد كفر عندهم، بل يجب أن تتأول هذه النصوص، وأنها وكلت إلى العقول، وأن الواجب تأويلها على ما يليق بالله بزعمهم، فيقولون: معنى (استوى): استولى.
فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: إذا كان لا يعتمد على نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف في بيان العقيدة الصحيحة، كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أحسن، فعلى كلام هؤلاء: أن نصوص الكتاب والسنة لا تزيد الناس إلا ضلال؛ لأنها تكلفهم تأويلها! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ﷿، وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم، فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات، فصفوه به].
أي: بعقولكم وآرائكم الفاسدة.
ولكن العقول متضاربة، فعقل هذا يخالف هذا، وعقل هذا يخالف هذا، فلا يوجد عقل يعتمد عليه.
نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًا له في عقولكم، فلا تصفوه به].
اهتموا بالأدب واللغة العربية، وبثوا فيها السموم، وأدخلوا فيها الإلحاد والحداثة، وهذه قلة في الأدب، وهذا حسن السقاف جهمي يدعو إلى طريقة الجهمية على طريقته، وهو موجود الآن في الشام، وله مؤلفات في الدعوة إلى الضلال والإلحاد، ويقول: إن الإمام أحمد مؤول، وإن من أثبت العلو فهو على مذهب فرعون! نعوذ بالله.
[ ١١ ]