شرح الحموية لابن تيمية [٢]
قدرات عقل الإنسان محدودة فلا يمكن أن يدرك كل شيء على حقيقته، فصفات الله تعالى يجب على الإنسان أن يؤمن بها كما جاءت، فإن حكم فيها عقله فإنه سوف يضل ويقع في البدعة وربما في الكفر، وليس معنى ذلك أن يفوض معناها، بل المعنى أن يفوض كيفيتها إلى الله ولا يقحم عقله في التفكير في الكيفية، فكثير من أهل البدع كان سبب ضلالهم أنهم أعملوا عقولهم في التفكير في ذات الله وكيفية صفاته.
[ ٢ / ١ ]
فريقان حكموا عقولهم في صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هم ههنا فريقان، أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه، -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه].
الشيخ: أي: أن الذين نفوا الصفات حكموا عقولهم، وقالوا: ننظر في عقولنا في قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فإذا كان العقل يرى أن هذه الصفة تصلح أن تثبت لله نثبتها، وإذا كان يرى أنها لا تصلح وأن فيها تنقص من الله، وأن فيه مشابهة للمخلوق، فالواجب نفيها عن الله تعالى، ولهذا فإنهم يقولون: إن الاستواء فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم منه أن يكون الله محدودًا متحيزًا، فلهذا نفوه بعقولهم.
إذًا: فالعقول متضاربة، فأي عقل يرجع إليه؟ ثم لماذا أنزل الله علينا الكتاب؟ وما الفائدة منه إذا كنا لا نعمل به، فنقول في قول الله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: إن العقل يقول: لا يصح أن يوصف الله بالاستواء؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ثم هم ههنا فريقان أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون مضطربون اختلافًا أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام].
الشيخ: هذا حال أهل الكلام فأكثرهم ينفون ما تثبته عقولهم، وبعضهم يقول: إن ما نفاه العقل يجب نفيه، وبعضهم يتوقف، فيقول في (استوى): لم يستو، بل نتوقف فيه.
فإن قيل: وماذا نعمل بالنصوص؟ قالوا: نحرفها، ونخرجها على وجوه اللغة الشاذة الغربية، ونحملها على معانيها البعيدة المحتملة، ونفسرها بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لكن لتجهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين].
الشيخ: أي: أن المتكلمين بين أحد أمرين: إما محرفين أو مؤلين، فبعضهم يحرف ويقول: إن استوى معناه: استولى؛ لأن الاستواء لا يليق بالله؛ لأنه يلزم منه أن يكون محدودًا متحيزًا، وأن يكون مشابهًا للمخلوق فننفيه، ونقول: إن معنى استوى: استولى.
فيجاب عليهم بأن الاستيلاء الذي فررتم إليه كذلك فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم محذور آخر، هو أنه كان مغلوبًا ثم غلب.
هذا المعنى، المعنى الثاني: السكوت عن معناه، فبعضهم ذهب إلى التفويض -وهو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى وتفويض المعنى إلى الله- فيقول: لا أدري ما معنى استوى، فأفوض معناها إلى الله.
فكأن الألف والسين والتاء والواو والألف حروف أعجمية لا يفهم معناها.
ولذلك قال بعض العلماء: المفوضة شر من المعطلة، فهم إما أن ينفوا الصفات ويعطلوها ويحرفوها ويفسروها بتفسيرات باطلة، أو يفوضوا المعنى إلى الله ويكتفوا بالإيمان بالله، فهم بين هذين النقيصتين وهذين الداءين، وهذين الباطلين، إما تحريف وإما تفويض.
وهذا هو الذي يذكره النووي في شرح صحيح مسلم وغيره، حيث يقول: للعلماء في صفات الله طريقان: طريقة السلف وهي الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، والطريقة الثانية: طريقة الخلف، وهي التأويل.
ولا يذكرون منهج السلف الصالح وهو إثبات الألفاظ والمعاني وتفويض الكيفية إلى الله.
والتفويض: هو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى، مع الجزم بأن الصفات منفية عن الله وأهل التفويض يقولون: نؤمن باللفظ، ولكن المعنى لا نجده بل نفوضه إلى الله، مع الجزم بأن الصفات منفية غير مرادة، وغير ثابتة، لما فيها من التنقص من الله ﷿ بزعمهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثلما كانوا عليه في الجاهيلة وإلى مثلما يتحاكموا إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين.
وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت، يريدون إن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم.
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢].
فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول -والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته- أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقيلة والنقلية.
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣].
ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بيانًا ولا شفاء لما في الصدور ولا نورًا، ولا مردًا عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: أنه الحق الذي يجب اعتقاده، لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
وبالاضطرار يعلم كل عاقل، أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قد أبعد النجعة، وهو إما ملغز أو مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين].
الشيخ: استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فإنهم يريدون به أن الله ليس فوق العرش؛ لأنه لو صار فوق العرش لصار مشابهًا لأحد من الناس، وصار شيئًا على محسوس، ومشابهًا للمخلوق الذي يكون محدودًا على محدود، فيزعمون أن الله إما أن يكون في كل مكان، أو يكون لا داخل العالم ولا خارجه نعوذ بالله.
ولا شك أن الاستدلال بمثل هذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺيومًا من الدهر- ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.
[ ٢ / ٢ ]
نشأة الفرق وصفات الفرقة الناجية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم الرسول ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله)، وروي عنه ﷺ أنه قال في صفة الفرقة الناجية: (هو من كان على مثلما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد، فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم].
الشيخ: وفي نسخة: فهلا قال: من تمسك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو بظاهر القرآن.
أي: إن الرسول ﷺ لم يقل: من تمسك بالقرآن فهو ضال، وإنما قال في وصف الفرقة الناجية: (من كان على مثلما أنا عليه وأصحابي).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد، فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين.
ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين].
[ ٢ / ٣ ]
أول من تكلم في نفي الصفات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه].
الشيخ: إذًا: فالذي ابتدع عقيدة نفي الصفات: المخترع والمبتدع الجعد بن درهم، والذي نشرها وأظهرها وتوسع فيها: الجهم، فنسبت إليه ولم تنسب إلى الجعد فالأصل أن يقال: الجعدية نسبة للجعد لا الجهمية؛ لأن الجعد هو أول من اخترعها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ، وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود، والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكنعانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، والنجاشي ملك الحبشة النصارى، فهو اسم جنس لا اسم علم].
الشيخ: فيكون الجعد أخذ أصل مقالته عن اليهود والنصارى والوثنين والصابئة عباد الكواكب، فسندها اتصل إليهم.
وقوله: فهو اسم جنس، أي: أن النجاشي والنمرود وكسرى أسماء أجناس وليست علمًا على أشخاص، ففرعون جنس لمن ملك مصر، ومن ملك اليمن يقال له تبع، ومن ملك الحبشة يقال له: النجاشي، ومن ملك الروم يقال له: قيصر، من ملك الفرس يقال له: كسرى.
[ ٢ / ٤ ]
الصابئة وعلماؤهم ومن أخذ من مذهبهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم: الفلاسفة، وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركًا، بل مؤمنًا بالله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩]، لكن كثيرًا منهم أو أكثرهم كانوا كفارًا أو مشركين، كما أن كثير من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارًا أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كانوا كفارًا مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها، وهم الذين بعث إبراهيم الخليل إليهم].
الشيخ: وهذا هو هذا مذهب الصابئة، وهو أنهم يصفون الله بصفات سلبية أو إضافية أو مركبة، والصفات السلبية بالنفي، ليس بجوهر كقولهم: ولا جسم ولا عرض ولا كذا، وليس له كذا، والإضافية هي الأمور المضافة إلى بعضها والتي لا يعقل معناها إلا مع غيرها، كقولهم في الله: هو مبدأ لهذه الكثرة، وعلة لحركة الفلك، هذه أمور متضايفه لا تثبت وجود الله إلا من جهة كونه محرك لهذا الفلك، بالإضافة إلى الفلك، أو لهذه الكثرة، والمركبة من النفي ومن الإضافة، وهذا هو مذهب الفلاسفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيكون الجعد أخذها عن الصابئة الفلاسفة].
الشيخ: يصلح أن نقول الصابئة هم فلاسفة، لكن الفلاسفة هم علماء الصابئة، والصابئة عامتهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضًا].
الشيخ: المعلم الأول هو أرسطو، وهو أول من شاع القول بقدم العالم من الفلاسفة المشائين، ثم جاء المعلم الثاني: أبو نصر الفارابي من رؤساء اليونان، ثم المعلم الثالث: أبو علي بن سيناء، والثلاثة كلهم ملاحدة، وابن سيناء هو الذي حاول أن يقرب الفلسفة من الإسلام، وهو في محاولته الشديدة لم يصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضًا فيما ذكره الإمام أحمد وغيره، لما ناظر السمنة بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات].
الشيخ: السمنة: طائفة من فلاسفة الهند لا يؤمنون إلا بالحسيات، ناظروا الجهم وقالوا له: إلهك هذا الذي تعبد، هل رأيته، قال: لا، قالوا: هل سمعته بإذنك، قال: لا، قالوا: هل شممته بأنفك؟ قال: لا، قالوا: هل ذقته بلسانك؟ قال: لا، قالوا: هل جسسته بيدك؟ قالوا: لا، قال: إذًا هو معدوم، فشك في ربه، وترك الصلاة أربعين يومًا، ثم نقش الشيطان في ذهنه، إثبات وجود في الذهن، فأثبت وجودًا لربه، ونفى عنه جميع الأسماء والصفات.
وأما القول بقدم العالم فهو كفر، ومعناه: أنه ليس له موجب، وهو إنكار لوجود الله، ومضمونه أن هذا العالم ليس له خالق، وليس بمخلوق.
وهذا هو الذي قاله أرسطو، وهو أول من قال بقدم العالم، وكان الفلاسفة قبله لا يقولون بذلك، بل يعظمون الشرائع، ويؤمنون بحدوث العالم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه أسانيد الجهم، ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين، والفلاسفة الضالين، إما من الصابئين وإما من المشركين].
الشيخ: أي: إن الفلاسفة الضالين إما أن يكونوا من الصائبين، وإما أن يكونوا من المشركين.
[ ٢ / ٥ ]
الجهمية وبشر المريسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم، ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها: مقالة الجهمية؛ بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته].
الشيخ: فـ بشر المريسي تنسب إليه الطائفة المريسية، والطائفة المريسية هم جهمية، واشتهر المريسي بإظهار مقالة الجهمية، ونسبت إليه المريسية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم].
الشيخ: ولهم مؤلفات في الرد عليهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه التأويلات الموجودة اليوم.
بأيدي الناس -مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس، ويوجد كثير منها في كلام خلق غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني وأبي حسين البصري وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم- هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي].
الشيخ: قوله: وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني: نسبة إلى قبيلة همدان، وهو عبد الجبار بن أحمد بن الخليل أبو الحسن الهمداني المشهور بالقاضي عبد الجبار من أئمة المعتزلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي، ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افتراه على الله في التوحيد، حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين، الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره.
ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة في طريقهم، وضعف حجة من خالفهم.
ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى- قد أجمعوا على ذم المريسية، وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم].
الشيخ: والمريسية جهمية، على مذهب الجهم، لكنهم نسبوا إلى المريسي؛ لأنه تزعم هذه الطائفة فنسبوا إليه وهم جهمية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسية، تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله، والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب، وإنما نشير إشارة إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر].
الشيخ: وعلى هذا ذهب أكثر العلماء إلى تكفيرهم، ومنهم من بدعهم، ومن العلماء من كفر رؤساءهم وبدع عامتهم.
جاءوا في القرون المتأخرة على مذهب المريسية في القرن الثالث كلهم أنكر أسماء الله وصفاته، فكفرهم العلماء.
لكن المعين منهم لابد أن تقوم عليه الحجة.
وقوله: والفتوى لا تحتمل البسط، أي: الفتوى الحموية.
[ ٢ / ٦ ]
الكتب التي ألفت في مناظرة الجهمية والرد عليهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلًا منه، مثل كتاب السنن لللالكائي، والإبانة لـ ابن بطة، والسنة لـ أبي ذر الهروي، والأصول لـ أبي عمر الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك السنة للطبراني، ولـ أبي الشيخ الأصبهاني، ولـ أبي عبد الله بن مندة، ولـ أبي أحمد العسال الأصبهاني].
الشيخ: لكل واحد من هؤلاء كتاب يسمى: السنة، أي: كتاب السنة لفلان، وكتاب السنة لفلان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقبل ذلك السنة للخلال والتوحيد لـ ابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن شريج، والرد على الجهمية للجماعة، وقبل ذلك السنة لـ عبد الله بن أحمد، والسنة لـ أبي بكر بن الأثرم، والسنة لـ حنبل وللمروزي ولـ أبي داود السجستاني، ولـ ابن أبي شيبة، والسنة لـ أبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب خلق أفعال العباد لـ أبي عبد الله البخاري، وكتاب الرد على الجهمية لـ عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم، وكلام أبي العباس عبد العزيز المكي، صاحب الحيدة في الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن حماد الخزاعي، وكلام غيرهم].
الشيخ: المؤلف ﵀ يرى أن كتاب الحيدة في الرد على الجهمية لـ عبد العزيز المكي ثابت؛ لأن بعض الناس تشكك في نسبة كتاب الحيدة لـ عبد العزيز بن المكي.
وهذا يدل على أن كثيرًا من العلماء ألفوا في الرد على هؤلاء البدع، وقد سرد المؤلف ﵀ كتبًا كثيرة منها.
والأئمة كلهم ردوا على الجهمية والمعطلة، فدل هذا على أن السلف أجمعوا على بطلان مذهبهم، وأنهم على الباطل.
أما نسبة كتاب الحيدة إلى المؤلف عبد العزيز المكي فليس موضع اتفاق، فـ الذهبي يشكك في نسبة الكتاب إليه ويقول: لم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه، فكأنه وضع عليه والله أعلم.
ويوافقه على ذلك السبكي، بينما نجد الخطيب البغدادي وكذا ابن حجر نسبا الكتاب إليه، وجزما بذلك، وأيضًا: ابن العماد الحنبلي، كما أن الإمام ابن بطة ساق المناظرة بإسناده في كتابه الإبانة في الرد على الجهمية.
وقد نقل الشيخ من هذا الكتاب كثيرًا ونسبه إلى مؤلفه.
ولكن شيخ الإسلام، يرى صحة نسبته إليه، وهو حجة في هذا وإمام متقدم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى النيسابوري وأمثالهم، وقبل هؤلاء عبد الله بن المبارك وأمثاله، وأشياء كثيرة، وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة، لكن لا يمكن ذكرها في فتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه، فإنه يسير.
وإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذًا عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، وأن يدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين].
[ ٢ / ٧ ]