انقسم الناس في نصوص الصفات إلى ستة أقسام: قسم يجريها على ظاهرها اللائق بالله تعالى، وقسم يجريها على ظاهرها ويجعل هذا الظاهر من جنس صفات المخلوقين، وقسم ينفون الظاهر ويتأولونها ويعينون المراد، وقسم ينفون الظاهر ويقولون: إن الله أعلم بما أراد بها، وقسم يتوقفون ويقولون: يجوز أن يكون ظاهرها هو المراد اللائق بالله، ويجوز أن لا يكون هو المراد، وقسم يتوقفون عن ذلك كله، والصواب في ذلك: هو إثبات ما أثبتته النصوص لله تعالى من الصفات على الوجه اللائق به سبحانه.
[ ٢٠ / ١ ]
أقسام الناس في نصوص الصفات
قال المصنف ﵀: [وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة].
المصنف في ختم رسالته قصد بعد ذكره لبعض القواعد والمقاصد في هذه الرسالة إلى ختم هذه الرسالة بأقسام أهل القبلة في نصوص الصفات، فذكر أن القائلين في هذا الباب لا يخرجون عن ستة أقسام، وهذه الأقسام منها ما يكون مختصًا ببعض الطوائف، ومنها ما يكون قولًا يقع ذكره عند بعض الطوائف، وقد يقع ذكر غيره أو تجويز غيره، فقوله هنا: وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، وأن كل قسم منها عليه طائفة من أهل القبلة ..
لا يفيد أن كل من وقع في قسم من الطوائف فإنه يمنع غيره، أو لا يشتغل بغيره، كما أنه لا يفيد أن كل قسم من هذه الأقسام تختص به طائفة من الطوائف بإطلاق.
وإن كان إذا قيل: إن هذا لا يلزم ..
فلا يعني هذا أنه ليس واقعًا، بمعنى: أن كثيرًا من هذه الأقسام التي ذكرها المصنف تختص بها بعض الطوائف كالقسم الذي ذكر فيه: إجراءها على ظاهرها اللائق بالله ﷾، وذكر أن هذا هو الذي عليه أهل السنة ..
فهذا القسم يختص به أهل السنة والحديث بتحقيقه وتطبيقه.
لكن فيما يتعلق -مثلًا- بقسم التفويض من هذه الأقسام؛ فإنه لا تختص به طائفة اختصاصًا مطردًا، بل يذكره من يذكره من الفقهاء، والصوفية، ويجوزه من يجوزه من المتكلمين، ويرجع إليه من يرجع من المتكلمين ..
وهلم جرا.
ولهذا قد توجد بعض الطوائف من حيث الجملة -ليس بالضرورة من حيث الاطراد- يجوزون أكثر من قسم، كتجويز أكثر الأشعرية مسألة التأويل مع مسألة التفويض، مع أن المصنف جعل التأويل قسمًا وجعل التفويض قسمًا آخر.
[ ٢٠ / ٢ ]
القائلون بإجراء نصوص الصفات على ظواهرها
[قسمان يقولان: تجرى على ظاهرها.
وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.
وقسمان: يسكتون.
أما الأولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين ..
فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه يتوجه الرد بالحق].
مذهب التشبيه ليس قدره في الاشتباه والشيوع كمذهب التأويل، وأخص من تكلم بالتشبيه قوم من متقدمي الرافضة كـ هشام بن الحكم، وهشام بن سالم وأمثالهما، ثم رجع جمهور الرافضة عن هذا المذهب إلى ما يقارب مذهب المعتزلة، وتلقوا عنهم في هذا الباب، ثم وقع في التشبيه كثير من متأخري المتكلمين كـ محمد بن كرام السجستاني وأصحابه، ومذهب هؤلاء يقارب مذهب التشبيه الذي كان عليه هشام بن الحكم، وإن لم يكن مثله.
وقد وقع بعض الفقهاء من أصحاب الأئمة في زيادة في الإثبات، فهؤلاء ليسوا مشبهةً، ولكنهم ليسوا على طريقة أهل السنة والحديث المحضة، وهم خير من محمد بن كرام وأمثاله، كما أن محمد بن كرام وأمثاله من المجسمة أقرب إلى طريقة أهل السنة من طريقة أئمة المشبهة كـ هشام بن الحكم وأمثاله.
[الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حقه المخلوق إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به.
فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض، والوجه واليد والعين في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علم وقدره، وكلامًا ومشيئة].
المقصود بأهل الإثبات هنا: أي من يثبت أصول الصفات وإن لم يلتزم إثبات سائر الصفات، وبهذا دخل فيه أهل السنة كما هو متحقق، ودخل فيه متكلمة الصفاتية كالأشعرية والكلابية والماتريدية وأمثالهم، أي: من يصحح مبدأ الإثبات مقابل من يلتزم تحقيق النفي كما هي طريقة الجهمية وأئمة المعتزلة.
[وإن لم يكن ذلك عرضا يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين].
الذي عليه أهل الإثبات من أهل السنة ومتكلمة الصفاتية: أن لله علمًا وقدرةً وإرادةً، وهي ليست كصفات المخلوقين، فكذلك يقال: في الوجه واليدين، ليست هي أجسامًا كصفات المخلوقين، أي: بجسميتها المخلوقة التي تليق بالمخلوق، وإن كان لفظ الجسم لا يطلق إثباتًا ولا نفيًا في حق الله تعالى.
وهذا من باب الأصل المعروف: أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، وهذا يتوجه به الرد على متكلمة الصفاتية الذين أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها.
[وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح].
قوله: وعليه يدل كلام جمهورهم لا يعني أن طائفة من السلف تخالف هذا المذهب، بل مقصوده: أن التصريح شاع عند جمهورهم، وإن لم يلزم من ذلك أن كل تفصيل في الصفات صرح به كل معين من أعيانهم.
[فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات.
فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين.
قيل له: فكيف تعقل ذات من غير جنس ذوات المخلوقين؟! فمن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب -الذي ليس كمثله شيء- إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه.].
كل هذا الاستدلال من باب أن القول في الصفات كالقول في الذات وهذا يقع به الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، بمعنى: أنهم كما أقروا بأن لله ذاتًا لا تشابه الذوات، أي: لها اختصاصها اللائق بها فكذلك صفاته تكون مناسبة لذاته.
[وما أحسن ما قال بعضهم إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا، أو كيف يداه ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر.
فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك؟!].
إذًا: السؤال عن كيفية الصفات فرع عن العلم بحقيقة الذات، وإذا كان متحققًا بضرورة العقل والشرع أنه لم يقع لأحد من خلق الله أنه يحيط بالله علمًا بكيفية صفاته وكيفية ذاته؛ فإن القول في كيفية الصفات هو قول في كيفية الذات؛ أي: أن القول في هذه الصفات فرع عن القول في الموصوف فيها.
[بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا من ما في الجنة إلا الأسماء، وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا كان نعيم الجنة -وهو خلق من خلق الله- كذلك فما ظنك بالخالق ﷾].
هذا من باب قياس الأولى، ووجهه هنا: أن الجنة فيها نعيم يتفق في بعض الموارد من حيث الاسم المطلق مع نعيم الدنيا، ويكون متواطئًا -ليس مشتركًا اشتراكًا لفظيًا- من حيث المعنى الكلي، مع أن الحقيقة والماهية مختلفة، فإذا كان كذلك في هذا النعيم وهو مخلوق من مخلوقات الله؛ فبين الخالق والمخلوق من باب أولى، بمعنى: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، فمن باب أولى بين صفات الله وصفات خلقه التي وقع فيها اشتراك في الاسم المطلق كالعلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب
وأمثال ذلك.
وهذا من أقوى الأوجه في الرد على المخالف الذي يزعم أن إثبات الصفات يستلزم أن تكون أعراضًا كالصفات القائمة بالمخلوقين أو نحو ذلك، وكل من التزم بأن الإثبات يدل على التشبيه لما يراه واقعًا في المخلوقين من الاتصاف بهذه الصفات أو ما هو منها قيل له: هذا لو كان صحيحًا للزم اطراده بين المخلوقات نفسها من باب أولى؛ فيكون نعيم الجنة مماثلًا في الماهية والحقيقة لنعيم الدنيا ..
وهو ليس كذلك بإجماع المسلمين.
[وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة].
وهذا مثل آخر، وهو مثل عقلي تام، أي: تام الدلالة والتحقيق، من جهة أن الروح قد اتفق على وجودها بنو آدم.
وأيضًا: من البدهي أن لها صفات ولها اختصاصًا، ومع ذلك فإن كيفية هذه الروح وكيفية صفات هذه الروح لا نعلمها، وإذا كان هذا متحققًا في الروح -وهو: أنا نعلم وجودها، ونعلم أن لها من الصفات ما يناسبها، وما هو من صفات الروح تشترك من حيث الاسم المطلق مع ما هو من صفات الأجسام والأبدان؛ ومع ذلك لا نعلم كيفية الروح ولا كيفية صفاتها- فمن باب أولى أن يتعلق هذا بالخالق، فإن علمنا بصفات الروح لم يوجب أن نعلم كيفية هذه الصفات، كذلك -من باب أولى- علمنا بصفات الله ﷾ لا يوجب علمنا بكيفيتها.
[لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا يمكن أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافقوا النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ وأنى لهم بذلك؟!
ولا نقول: إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلًا، أو صفة من صفات البدن والحياة، وأنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة كما يقول طوائف من أهل الكلام].
أي: أن الذين تكلموا في هذا الباب من النظار -نظار المتفلسفة والمتكلمة- في الجملة على طريقتين:
الأولى: وهي طريقة المتفلسفة، والذين اتخذوا في الروح مبدأ التجريد، أي: جعلوا وجودها وجودًا مجردًا عن التركيب، وهذا قول لا دليل عليه على أقل تقدير، فإن الله تعالى لما ذكر الروح قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] فالقول في ماهية الروح لم يتكلم أئمة السلف ﵏ فيه، أما القول بإثبات وجودها، وأن لها صفات تناسبها ..
فهذا أمر متحقق مجمع عليه بين السلف.
الثانية: وهي طريقة المتكلمين، فقد جعلوها جزءًا جسمانيًا له صفات الأجسام وحقائق الأجسام ولوازم الأجسام، وهذا أيضًا قول لا دليل عليه.
إذًا: من حيث الأصل كلا القولين -أعني قول المتفلسفة بالتجريد، أو قول المتكلمة بالجسمانية- أقل ما يقال فيهما: أنهما قولان لا دليل عليهما؛ فإن إدراك ثبوت الوجود وإدراك ثبوت الصفات لا يستلزم إدراك ثبوت الماهية والكيفية، فإن الماهية لا تدرك إلا بالمشاهدة أو بالقياس، والمشاهدة للروح لم تقع، والقياس لم يقع؛ لأنه لم يوجد في الواقع إلا الأجسام، والأجسام لا تناسب القياس على الروح.
ومن هنا صار هذا القول من القول بغير علم، ومن هنا لا ينبغي الاشتغال بتفصيل مسألة الروح وماهيتها، بل يتوقف كما هو أدب القرآن: ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
وهنا ينبه إلى أن بعض المتكلمين الأشاعرة وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الذين تكلموا في مسألة الروح -عند تفسير القرآن، أو عند تفسير بعض النصوص النبوية التي ذكرت الروح- أن الوهم يقع لكثير منهم في مقابل قول المتفلسفة، فتراهم يقولون: وذهبت المتفلسفة إلى القول بتجريدها عن الصفات، وأنها وجود مطلق مجرد عن الصفات الثبوتية.
بل إن بعض المتكلمين المنتسبين للسنة والجماعة وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة ال
[ ٢٠ / ٣ ]
القائلون بنفي ظواهر نصوص الصفات
[وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول، هو صفة الله تعالى قط].
هؤلاء هم الذين يقولون بنفي الصفات في نفس الأمر أو ينفون ما هو منها، ونفاة الصفات مطلقًا: هم الجهمية وأئمة المعتزلة، ونفاة ما هو من الصفات: هم جمهور متكلمة الصفاتية الذين ينفون الصفات الفعلية، وغلاتهم ينفون الصفات الخبرية.
[وأن الله لا صفات له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما].
هذه طريقة غلاة هذين القسمين، وهم نفاة الصفات في نفس الأمر، الذين يقولون: إنه ليس له صفة ثبوتية في نفس الأمر، بل صفاته إما سلبية -والسلب هو النفي- كقولهم: ليس متكلمًا أو ليس سميعًا أو ليس بصيرًا، أو تارة ينفون بعض الألفاظ المجملة بالتصريح على خلاف ما هو معروف عند السلف من عدم التصريح بنفي أو إثبات ..
وهلم جرا.
وإما إضافية الصفات الإضافية: كقول المتفلسفة مثلًا: إنه مبدأ الأشياء، وأنه علة الأشياء، فالقول في المبدأ والعلة يعد من الصفات الإضافية.
وإما مركبة منهما المركب منهما كقول المتفلسفة: إنه عاقل ومعقول وعقل.
[أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة].
أو يثبتون بعض الصفات هذا هو النوع الثاني في نفاة الصفات، وهم الذين يثبتون بعضها وينفون بعضها، وهم متكلمة الصفاتية كالكلابية والأشعرية والماتريدية وأمثالهم.
وهي الصفات السبعة.
أي: الصفات التي استقر عليها المتأخرون من الأشاعرة، وعليها الماتريدية في الجملة، وهي: الحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة.
[أو الثمانية].
وهي الصفات السبع المتقدمة، مع صفة البقاء كما هي طريقة طائفة من الأشعرية.
[أو الخمسة عشر].
كما ذكره الشهرستاني عن طائفة من متكلميهم، وهي الصفات الثمان، ثم يختلفون فيما يزيدون عليها.
وثمة غير ذلك كما هي طريقة الأشعري إمام المذهب، وأبي بكر بن الطيب الباقلاني الذين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة.
[أو يثبتون الأحوال دون الصفات].
كما هي طريقة خلق من المعتزلة، وأخص من تكلم بها من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي، فإن أبا هاشم الجبائي كغيره من المعتزلة ينفي الصفات، ولكنه أثبت الأحوال.
فإن العلم -مثلًا- كصفة مختصة بالله يقال فيه: إن لله علمًا هو صفة تليق به.
لكن المعتزلة تنفي هذه الصفة مع اتفاقها على أن الله عليم.
أي: أنهم يثبتون الاسم وحكم الصفة -أي: الحكم المتعلق بها وهو أن الله يعلم أحوال العالم- لكنهم ينفون الصفة من جهة قيامها بالذات.
فجاء أبو هاشم الجبائي وأثبت مع حكم الصفة، والاسم الحال -وهو العالمية-، فهو يجعلها حالًا وليست صفة.
وجمهور المعتزلة لا ثبت هذه الأحوال، إنما أثبتها أبو هاشم الجبائي ابن أبي علي الجبائي، وتبعه عليها خلق من المعتزلة، وطائفة من متكلمة الصفاتية من الأشعرية وغيرهم كـ القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني ومن وافقه من متكلمة الأشعرية وبعض الفقهاء من أصحاب الأئمة الذين وافقوا القاضي أبا بكر على إثبات مسألة الأحوال تبعًا لـ أبي هاشم الجبائي.
لكن ينبه إلى أن بعض الفقهاء كـ أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي يثبت مسألة الأحوال، ولكن الأحوال التي يثبتها ابن عقيل ليست هي الأحوال التي أثبتها أبو هاشم والباقلاني وأمثالهما من المتكلمة، وإن كان ابن عقيل أيضًا يسميها الأحوال أو الإضافات.
[ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث].
الصفات الخبرية كالوجه واليدين وأمثالها.
[على ما قد عرف من مذهب المتكلمين.
فهؤلاء قسمان:].
موقف قدماء متكلمة الصفاتية من الصفات الخبرية فيه تفصيل، فهم من حيث الجملة -كـ ابن كلاب والأشعري والباقلاني وابن فورك -يثبتون ما هو من الصفات الخبرية، لكن بعضهم خير من بعض في هذا: فمنهم من يثبت الصفات الخبرية القرآنية دون النبوية، ومنهم من يثبت القرآنية وما هو من النبوية ..
وهلم جرا.
[قسم يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه
إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.].
فيجمعون بين نفي الصفة وبين تأويل النص، أي: أنهم يجمعون بين نفي الصفة في نفس الأمر وبين تأويل النص الذي ورد في إثباتها ..
وهذا هو أصله مذهب الجهمية والمعتزلة.
[وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه].
وهذا القسم يقع في كلام متكلمة الصفاتية من أصحاب أبي الحسن وأمثالهم، الذين لا يعينون التأويل وإن كانوا يجزمون بانتفاء الصفة في نفس الأمر، والمقصود بالصفة هنا: الصفة التي ينفونها؛ لأنه تقدم أنهم يثبتون شيئًا من الصفات وينفون شيئًا آخر.
[ ٢٠ / ٤ ]
القائلون بالوقف
[وأما القسمان الواقفان:
فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك ..
وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم].
يفصل المصنف هنا طريقة التفويض، فعلى طريقته هنا يُضاف إلى التفويض: من يعتقد انتفاء الصفة التي فوضها في نفس الأمر، لكنه يفوض اللفظ أو يفوض النص من حيث تعيين المراد، فلا يعين المراد بالنص.
والقسم الثاني -وهو المذكور في قوله: وأما القسمان الواقفان-: فهم الذين يجوزون الظاهر ويجوزون عدمه، أي: يجوزون ثبوت الصفة ويجوزون نفيها ولكنهم يفوضون.
والفرق بين القسم الثاني من التقسيم الثاني وبين هذا التقسيم يقال فيه: إن الأول مفوض للفظ نافٍ للمعنى، وهذا القسم هو المقصود بقوله: وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكن نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية فهؤلاء مفوضة للفظ نافية للمعنى الظاهر منه، يعني: ينفون الصفة التي دل عليها النص، لكن تعيين المراد يقفون فيه.
والثاني يجوز كلا الأمرين، يعني: يجوز ثبوت الصفة ويجوز عدم ثبوتها، وهذا القسم هو المقصود بقوله: فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك
.
ثم قال: وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن ..
وهؤلاء لا يشتغلون بمسألة التجويز من أصلها، وهذا هو الفرق بينهم وبين القسم الذي قبلهم.
إذًا صار المفوضة ثلاثة أقسام:
الأول: وهم من يفوض اللفظ دون المعنى، بل يجزم بنفي المعنى ويفوض اللفظ عن تعيين المراد به.
وهو القسم المذكور في القسمين الذين ينفون الصفة في نفس الأمر.
الثاني: وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى، مع تجويز ثبوت الصفة وعدم ثبوتها.
الثالث: وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى، لكنهم لا يشتغلون بمسألة تجويز المتقابلين -أي: ثبوت الصفة وعدم ثبوتها-.
والقسم الأول في التفويض -وهو تفويض اللفظ ونفي المعنى- هو الذي يستعمله متكلمة الصفاتية فيما نفوه من الصفات حينما يقولون: إن طريقة السلف في هذه الصفات -أي: الصفات الفعلية التي اتفق متكلمة الصفاتية على نفيها، وأعني بمتكلمة الصفاتية الطوائف الثلاث في هذا المقام: الكلابية، الأشعرية، الماتريدية .. - هي التفويض.
ومقصودهم بهذا أنهم مفوضة للفظ مع نفي الصفة في نفس الأمر.
والقسم الثاني: وهو الذي اشتغل به كثير من الفقهاء ممن لم يعرف حقيقة مذهب المتكلمين ولا حقيقة مذهب السلف، فلم يتأثر تأثرًا بينًا بأحد المذهبين.
والطريقة الثالثة: وقعت في كلام بعض أعيان الصوفية وغيرهم.
[وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.].
يعني: لا يشتغلون بتجويز المتقابلين، فيفوضون اللفظ والمعنى تفويضًا مطلقًا؛ ولهذا كان أشدهم في التفويض القسم الثالث، وهم الذين يفوضون اللفظ والمعنى ولا يشتغلون بالتجويز بوجه ما.
[فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها].
لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها هذا هو النتيجة العلمية هنا، وليس المقصود: أن هذه الأقسام الستة هي عبارة عن ست طوائف منضبطة مطردة، بل إن بعض الفقهاء وبعض المتكلمين يستعملون أكثر من طريقة من هذه الطرق الست التي ذكرها المصنف، وإن كان بعض هذه الطرق اطرد قوم على تحقيقه والتزامه كاطراد المعتزلة -وبخاصة أئمة المعتزلة والجهمية- في مسألة التأويل، وكاطراد أئمة السلف على الإثبات اللائق بجلال الله.
[ ٢٠ / ٥ ]
الطريق الحق في باب الأسماء والصفات
[والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله ﷾ فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله -بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك- دلالةً لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا قام يصلي من الليل قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) وفي رواية لـ أبي داود أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك.
فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين انفتح له طريق الهدى، ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب، وعرف أن غالب ما يزعمونه برهانًا هو شبهة].
الطريق الأول: هو أن يدعو الله أن يوفقه للحق ..
وهذا من باب ما يشير به المصنف ﵀ إلى أن المتكلمين غلب عليهم مسألة الانتصار لمذاهبهم، ولم يكثروا من الالتفات إلى مسألة التبين في هذا الحق الذي زعموه حقًا، فكثرة الالتفات إلى الانتصار تعمي الناظر في هذا الباب عن تحقيق الحق ومعرفته، ولهذا تراهم -أعني: المتكلمين- مقلدةً محضةً في هذا الباب، يقلد بعضهم بعضًا، ومن خالف في هذا فإنه ينزع إلى طريقة أخرى، فإن أبا المعالي الجويني لما خالف سلفه من الأشعرية نزع إلى طريقة قوم سلفه خير منهم وهم المعتزلة ..
وهلم جرا.
كذلك الرازي لما خالف أصحابه في كثير من المسائل نزع إلى كثير من كلام ابن سينا وأمثاله ممن كلامهم شر من كلام أصحابه ..
وهلم جرا.
فتعيين المصنف لمسألة الالتفات إلى الشرع من حيث العلم -أي: النظر في نصوص الكتاب والسنة- ومن حيث القصد بالإخلاص والطلب -الإخلاص لله سبحانه، والطلب أي: طلب التوفيق منه- ولهذا كان من أدبه ﷺ مع ربه: أنه يدعو بهذا الدعاء الذي ذكر المصنف.
ولهذا ينبغي لطالب العلم في المسائل التي يقع فيها اضطراب -أحيانًا- أو اختلاف شديد أن يلتفت إلى مقام الإخلاص والطلب، ولا يفرض أن هذا الاضطراب يُعرف الحق فيه من غيره بمحض الاختصاص والالتفات إلى السبب العلمي، فإن النظر في الكتب والمراجعة ليس بالضرورة أنه يفيد توفيقًا، وإن كان سببًا شرعيًا صحيحًا، لكن ليس بالضرورة أنه يختص بنفسه ويستقل بنفسه في التحصيل.
ولهذا لابد من التفات طالب العلم في مقام الاختلاف -وبخاصة في مقام الاضطراب في بعض القضايا- إلى مسألة غير مسألة النظر والمراجعة، وهي: مسألة الإخلاص والطلب، أي: أنه يطلب من الله سبحانه ويسأله أن يوفقه للخير، كما في دعاء النبي ﵌ هذا.
ثم قال المصنف: ثم إن كان قد خبر نهاية إقدام المتفلسفة لأنه أشار إلى شيء من ذلك فيما نقله عن الرازي والشهرستاني والجويني وغيرهم، وعرف أن القوم ليس لهم علم في هذا الباب محقق لا عقلي ولا شرعي.
ثم قال: وعرف أن غالب ما يزعمونه برهانًا هو شبهة.
يقصدون بالبرهان القياس اليقيني، وذلك لأن المنطق الأرسطي قسم القياس إلى خمسة أقسام:
١ - القياس البرهاني، وهم يعدونه أصدق القياسات، وأنه يقيني النتيجة.
٢ - القياس الجدلي.
٣ - القياس الخطابي.
٤ - القياس الشعري.
٥ - القياس السفسطي.
فزعم كثير من المتكلمين أن دلائلهم برهانية ..
يرد عليه بأن هذه دعوى، وليس كل مبطل سمى قوله برهانًا يجب أن يكون في نفس الأمر برهانًا، كما أن من سمى قوله إصلاحًا من المنافقين لم يلزم في نفس الأمر أن يكون مصلحًا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢] فهذا المقام -وهو مقام العلم والعمل- لا يؤخذ بالدعوى والألفاظ؛ ولهذا قال المصنف عن برهانهم: هو شبهة أي: شبهات وأوهام من العقل.
ومما يدل على هذا أن المتفلسفة كـ ابن رشد -مثلًا- وصف أدلة المتكلمين بأنها بريئة من البرهان، وأنها أقاييس جدلية كما ذكر ذلك في رده على أبي حامد الغزالي، فهو وابن سينا وأمثالهما من المتفلسفة يطعنون في دلائل المعتزلة والمتكلمين كالأشعرية وغيرهم، ويصفونها بأنها دلائل جدلية لا تفيد يقينًا وقطعًا.
وبالمقابل: فإن المتكلمين من المعتزلة والأشعرية وأمثالهم طعنوا في أدلة المتفلسفة كـ ابن سينا وابن رشد وأمثالهم، ووصفوها بأنها أدلة ليست يقينية.
ثم إن أبا محمد بن حزم يطعن في أدلة الطائفتين -في أدلة المتكلمين وأدلة المتفلسفة- ويزعم أن ما يقرره في باب الصفات هو المقول بالقياس البرهاني.
فترى أن كل طائفة تخالف السلف في هذا الباب تدعي أن قولها هو القول البرهاني، وأن قول الطائفة الأخرى التي هي من جنسها في هذا العلم: كالمتكلمين بعضهم مع بعض، والمتفلسفة بعضهم مع بعض، يرى كل طائفة منهم أن قول مخالفيهم من أصحابهم ليس قولًا برهانيًا.
ولهذا لما ذكر ابن رشد أصناف الناس ذكرهم على هذا الوجه، فقال: إن أخص الطوائف الكلامية هي الأشاعرة، وأما المعتزلة فلم يصلنا شيء من كتبهم في هذه الجزيرة -يعني: الأندلس- ولكن الظن أنهم من جنس الأشعرية.
ثم انتهى إلى أن دلائل الأشعرية ومثلها دلائل المعتزلة -على فرضه- دلائل جدلية، وأن الحق البرهاني مخصوص بقول الحكماء -يعني: المتفلسفة-.
ثم مال إلى أن ما قرره ابن سينا ليس برهانيًا، إنما هو عرفان وإشراق وتصوف في كثير من الموارد.
وبهذا يظهر أن الطعن يتردد بين الطوائف في مسألة البرهانية واليقينية.
ومن الأمثلة على ذلك أيضًا: أن ابن حزم سفه أدلة المتكلمين والمتفلسفة، ثم ذكر بعض الأدلة وسماها أدلة برهانية عقلية؛ مع أن هذا الدليل عند التحقيق مأخوذ إما من المتكلمين، أو من المتفلسفة، أو مبني على القانون الأرسطي في المنطق الذي يشترك في معرفته والأخذ به كثير من أهل الفلسفة وأهل الكلام، بل إن ابن حزم وصف بعض الأدلة بالبرهانية، وهي دلائل قد قررها قبله علماء الأشاعرة، لكنه غير في بعض ألفاظها وفي بعض ترتيبها، وإلا الدليل من حيث الحقيقة العلمية هو نفسه الدليل الذي ذكره بعض أئمة الأشعرية أو المعتزلة.
فمن هنا: يعرف أن كثيرًا من هذا المقام مقول بالدعوى وليس بالتحقيق العلمي.
[ ٢٠ / ٦ ]
تنبيهات على كتب محمد عابد الجابري
[ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة من قياس فاسد].
كثير من المتكلمين يقرر أدلته لكن قد لا يلتزم بلفظ البرهان كثيرًا، فهذا الاطراد في نسبة ابن رشد وفي نسبة أبي محمد بن حزم أنبه فيه إلى كتب شاعت في هذا العصر، وهي كتب محمد عابد الجابري المغربي، فإن له تصنيفًا في دراسة التراث، نقد العقل العربي، وقد أخرج فيه بعض الكتب، من أخص هذه الكتب تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي.
والشاهد: أن بعض الشباب قد يتأثرون بهذه الكتب، ويظنون أنها دراسة عميقة متكاملة.
وقد قسم هذا الرجل التراث الإسلامي الماضي -سواء سني أو كلامي أو فلسفي، مشرقي أو مغربي ..
الخ- إلى ثلاثة أقسام:
١ - القسم البياني: وهو الذي يعتمد على البيان.
٢ - القسم العرفاني.
٣ - القسم البرهاني.
ومن وهم هذا الكتاب -وربما قد تكون نزعة تعصب- أنه أدخل في المعرفة البيانية أهل السنة -المذاهب الفقهية الأربعة- والمعتزلة، والأشاعرة ..
إلخ.
ثم أدخل في القسم العرفاني فلاسفة المشرق، أي: أنه جعل رموز فلاسفة المشرق عرفانيين -أي: إشراقيين غنوصيين- كـ ابن سينا، وأبي نصر الفارابي، ومن باب أولى السهروردي وأمثالهم.
وهو يريد من هذا أن ينتهي إلى أن أرقى معرفة بالتراث هي المعرفة البرهانية.
ثم زعم أن البرهان يقع في فلسفة ابن رشد التي ليست عرفانية كفلسفة ابن سينا -أي: إشراقية غنوصية صوفية- أو في نظريات ابن حزم التي قابلت نظريات المتكلمين المشارقة.
فجعل البرهان يقع في العرض المغربي عمومًا، سواء عند ابن رشد كفلسفة أو عند ابن حزم كنظر.
وهذا التقسيم من حيث الحقائق العلمية المجردة تقسيم ساذج، يعني عليه إشكالات علمية مطولة، من أخص الإشكالات: أنه فرض أن ابن سينا والمشارقة من الفلاسفة عرفانيون فقط، مع أن ابن سينا وكثيرًا من فلاسفة المشرق كان لديهم المذهب العرفاني والمذهب النظري الذي يستعمله ابن رشد، يعني: لا يؤمنون بالمذهب الواحد.
حتى إن ابن سينا لما صنف الشفاء قال: وما أودعناه في هذا الكتاب فهو جريًا على عادة المشائين -يعني: أرسطو وأتباعه- وأما الحق الذي لا جمجمة فيه فهو ما أودعناه في الحكمة المشرقية.
فكان ابن سينا ينظِّر تارةً بالطريقة الإشراقية العرفانية، وتارةً بالطريقة العقلية النظرية.
وكذلك ما يتعلق بـ ابن حزم؛ فإنه بالغ في برهانية أدلته، وإن كان معتبره في هذا أن ابن حزم يسمي أدلته برهانية، وابن رشد يسمي أدلته برهانية فهذا ليس كذلك، لأن هذه مجرد دعوى، والمحقق يعرف أن جمهور أدلة ابن حزم التي ذكرها في مسائل الإلهيات على وجه الخصوص ملخص من دلائل المعتزلة على وجه الخصوص، ولكن ابن حزم رتب بعض الألفاظ وقربهما للشرع، ووصف الدليل بالبرهانية؛ حتى إنه لتقارب الدليل بينه وبين المعتزلة صارت نتيجة مذهبه في الصفات من جنس مذهب المعتزلة؛ وهذا يصرح به ابن حزم في كتبه كالفصل ونحوه.
المقصود: أن هذه الكتب -أعني: كتب الجابري - تحمل أوهامًا علمية واضحة، ومن لم يكن عارفًا بهذه الكتب الكلامية والفلسفية ككتب ابن سينا أو ابن رشد أو المعتزلة والأشاعرة قد لا يكون له إمكانية واضحة لمعرفة النقد العلمي الذي يتوجه لهذه الكتب، فضلًا عن كونه لم يلتزم -بل هو بعيد كثيرًا عن هذا- نصرة مذهب أهل السنة، وهذا نقد آخر، لكن هو أيضًا منتقد حتى من حيث الحقائق العلمية المجردة المرتبة.
[ ٢٠ / ٧ ]
دعوى الإجماع عند المعتزلة والأشاعرة
[أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، أو التمسك في المذهب، والدليل بالألفاظ المشتركة].
أو دعوى إجماع بمعنى أن الإجماع الذي يذكره المعتزلة في كتبهم أو الأشاعرة في كتبهم لا يلتفت إليه؛ لأنهم يعنون بالإجماع هنا إجماع طائفتهم، مع أن كثيرًا مما قال فيه المعتزلة أو الأشاعرة: إنه إجماع عند طائفتهم، عند التحقيق نجد أن المعتزلة لم تجمع أو أن الأشعرية لم تجمع، بمعنى أنه قد يقول: وقد أجمع أصحابنا -يعني: الأشاعرة- مع أن الأشعرية عند التحقيق قد اختلفوا، ومن ذلك ما حكاه كثير من متأخري الأشعرية أن أصحابهم أجمعوا على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، مع أن قدماءهم كانوا يثبتونها.
[ ٢٠ / ٨ ]
ضرورة معرفة الحق مفصلًا
[ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عن من لم يعرف اصطلاحهم أوهمت الغر ما يوهمه السراب للعطشان ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة، فإن الضد يظهر حسنه الضد، وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيمًا وبقدره أعرف إذا هدي إليه.].
وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيمًا هذا هو غرض المصنف من نقضه لهذه المذاهب والمناهج.
ولكن هنا ينبه: إلى أنه وإن كانت المعرفة بالباطل معرفة رد وإنكار ودفع فاضلة، إلا أنه لا شك أن الأصل هو معرفة الحق بتفصيله، وهنا ينبه إلى أنه في هذا المقام -وبخاصة في مقام الاعتقاد- من الغلط أن يشتغل طالب العلم بمعرفة تفاصيل المناهج المخالفة للسلف، وهو لم يحكم تفاصيل مذهب السلف ..
فإن الأصل: معرفة مذهب السلف إجمالًا ثم تفصيلًا، ثم بعد ذلك يعرف مذهب المخالف إجمالًا ثم تفصيلًا إن أمكنه ذلك؛ ولهذا كان علماء السنة من أولهم إلى آخرهم يشتركون في معرفة مذهب السلف على التفصيل، لكن لم يكن جميعهم على معرفة بالأقوال المخالفة على التفصيل؛ بل منهم من اشتغل بمعرفة تفصيلها والرد عليه، ومنهم من عرفها معرفةً مجملة ولم يكن له اختصاص بمعرفة كثير من تفاصيلها.
وإن كان ما وقع عليه المصنف -أعني: شيخ الإسلام ﵀ - من دراسته لكتب المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم -لا شك- مما يحمد له ويثنى عليه به، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن السلف الأول لم يشتغلوا هذا الاشتغال؛ لأن لكل مقام ما يناسبه، فقد كان في زمن السلف ﵏ لم تختلط السنة بالبدعة، فكانت البدعة متميزة عن السنة، وكان المبتدعة إذ ذاك كالخوارج أو الجهمية أو المعتزلة مناقضين لأئمة السنة، ولا ترى أشد مناقضة من كون الخوارج قاتلوا الصحابة، وفي زمن الأئمة كان أئمة المعتزلة كـ ابن أبي دؤاد وأمثاله يفتون بقتل كبار أئمة السنة.
لكن فيما بعد لما جاء متكلمة الصفاتية وأمثالهم، وانتسبوا للسنة، وانتسب خلق منهم كـ الأشعري لـ أحمد بن حنبل ..
إلخ صار هناك اضطراب واختلاط، ولم تتميز السنة عن البدعة عند كثير من الفقهاء وأهل العلم، ومن هنا: كان هذا الاشتغال بالتفصيل هو التحقيق الموافق لمذهب السلف.
[ ٢٠ / ٩ ]
من لم يدخل في علم المنطق فهو في عافية
[فأما المتوسطون من المتكلمين: فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية].
علم المنطق من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن حققه وأتقنه عرف ما فيه من الحسن في بعض المسائل أو الترتيبات، وما فيه من الوهم والغلط في بعض المقامات.
وأما الذي يخاف فيه: وهو أن يكون الناظر له بعض الفهم لعلم الكلام أو بعض الفهم لقواعد المنطق، فهذا العلم الكلامي غالبًا ما يؤثر في المعاني والعلم، والمنطق الذي يأخذ منه أخذًا يسيرًا في الغالب أنه يتوهم أثره من جهة أنه يتوهم الاتقان والترتيب للأدلة، وهو ليس كذلك.
[ ٢٠ / ١٠ ]
النظر إلى أهل الكلام يكون من وجهين
[فما بقى يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق هو عطشان إليه قبله.
وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليدًا لمعظمة هؤلاء.
وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي ..
هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.
ومن علم أن المتكلمين -من متفلسفة وغيرهم- في الغالب لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأنه حجته ليست ببينة وإنما هي كما قيل فيها:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسر مكسور
ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁].
يعني: النظر في أهل الكلام وأمثالهم هو من وجهين عند المصنف:
الأول: مستحقون لما قاله الأئمة فيهم، كقول الشافعي: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن كتاب الله وسنته وأقبل على الكلام.
الثاني: وهو من نظر إليهم بعين القدر، وذلك من جهة أن القوم ضلوا وقد أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، وأوتوا عقولًا ولم يؤتوا فهومًا وتحقيقًا في هذه المقامات الشرعية الفاضلة، فمن هذا يقع لهم مقام الرحمة، وهناك يقع لهم مقام العلم.
ودائمًا طالب العلم بنظره ينظر بعين العلم تارةً وبعين الرحمة تارة، وهذا هو منهج الأنبياء، وهو منهج من آتاه الله علمًا اختص به، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] فالناس يصلحهم مقام الرحمة والرفق، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه، وفي الصحيح: (إن الله رفيق يحب الرفق) وفي الصحيح: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) وهم كذلك يحتاجون إلى العلم؛ فإن الرفق إذا لم يكن بعلم كان تسهيلًا لضلال الخلق، ولم يكن منعًا لضلالهم.
[حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن كتاب الله وسنته وأقبل على الكلام.
ومن وجه آخر: إذا نظرت إليهم بعين القدر -والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم وترفقت بهم، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون].
لا يعني إيراد هذه الآية أن المصنف يقصد أن المتكلمين يدخلون في مسألة الجحد، ولكن من باب القياس، فإن الكفار الذين آتاهم الله سمعًا وأبصارًا وأفئدةً ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ..
إلخ، فهذا من باب القياس لا من باب أن المصنف يجعل حكم المتكلمين كحكم الكفار.
وهذا التحصيل الأخير من المصنف يقع به لطالب العلم: أن من يشتغل بالنزعات العقلانية في هذا العصر يعرف أنه مهما حاول النظر والتحصيل فإن في القصص الماضية عبرة، وذلك من جهة أنك إذا نظرت إلى أئمة الكلام وقرأت في بعض سيرهم، أو نظرت في بعض كتبهم؛ تحقق لك أن كثيرًا منهم كانوا على درجة بالغة من الذكاء والعقل، إلا أن النهاية التي حصلوها نهاية ساذجة بشهادتهم على أنفسهم، كما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال .
وكما في قول الشهرستاني:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها .
فتجد أن هذه الشهادات من قوم نظروا وتوسعوا، ومن يتقحم هذا المسلك العقلاني في هذا العصر هم أولى بأن تكون نتيجتهم دون أو مقاربة للنتيجة التي تحصل عليها من تقحم هذا المسلك في زمن سبق، مع أنه يحافظ على الحقيقة التي تقدم ذكرها كثيرًا، وهي: أن العقل لا يعارض النقل.
[ومن كان عليمًا بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدًا.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ..
آمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين].
[ ٢٠ / ١١ ]