تضمنت الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقاصد عديدة، وهي: بيان إسناد مقالة السلف، وبيان إسناد مقالة التعطيل، وبيان معتبر القول في الاسماء والصفات عند أهل السنة وغيرهم من الطوائف، وبيان صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل، وبيان أصناف المنحرفين عن سبيل السلف، والنقل عن أهل الإثبات، والجمع بين العلو والمعية، وبيان غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل السنة، وبيان أصناف الناس في الأسماء والصفات، والنظر في حال المخالفين.
[ ٢١ / ١ ]
المقاصد التي تضمنتها الرسالة الحموية
تضمنت هذه الرسالة عدة مقاصد، أهمها:-
المقصد الأول: بيان إسناد مقالة السلف.
المقصد الثاني: بيان إسناد مقالة التعطيل وحال أصحابها.
المقصد الثالث: معتبر القول في هذا الباب عند السلف والطوائف الكلامية.
المقصد الرابع: صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل في ما وقعوا فيه من النفي والتأويل، وأثر هذا الاتصال في كثير من الفقهاء من أصحاب الأئمة وبعض الصوفية.
المقصد الخامس: أصناف المنحرفين عن سبيل السلف في هذا الباب.
المقصد السادس: النقل عن جملة المثبتة من أهل السنة أئمة السلف وأئمة أصحابهم ومحققي الفقهاء وبعض المتكلمة والصوفية؛ مما يقرر شيوع مذهب الإثبات، ولو في أصول الصفات.
المقصد السابع: الجمع بين علو الرب ومعيته، والرد على من زعم أن قول السلف في المعية هو من باب التأويل الذي نهوا عنه.
المقصد الثامن: غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل السنة.
المقصد التاسع: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها.
المقصد العاشر: النظر في حال المخالفين يقع بنظرين: نظر من جهة العلم، ونظر من جهة القدر.
[ ٢١ / ٢ ]
المقصد الأول: بيان إسناد مقالة السلف
حيث ابتدأ المصنف ﵀ رسالته بتقرير مقدمات، وقد تضمنت هذه المقدمات نتائج قطعية من جهة ثبوتها ومن جهة دلالتها، وهذه النتائج إنما كانت قطعيةً لأنها انبنت على مقدمات قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذه المقدمات وما تحصل عنها من النتائج هي مقدمات نظرية، ويمكن أن نقول بعبارة أخرى: هي أوجه من النظر الشرعي والعقلي يتحصل بتحصيلها لزومًا صحة مذهب السلف، وبطلان مذهب المخالفين لهم.
وأما صحة مذهب السلف فيتحقق ذلك من جهة أن المصنف ﵀ قرر أن نبوة محمد ﵌، وما أنزله الله عليه من الكتاب والحكمة ..
من جهته هديًا، ومن جهته رسالةً سماوية ..
متفق عليه وقطعي بين المسلمين.
ثم يقول: فهذا القرآن الذي هو قطعي الهداية عند المسلمين، وهذه السنة النبوية التي هي قطعية الهداية عند المسلمين، لا بد أن يكون القول في أصول الدين قد تضمنه القرآن والسنة؛ ويمتنع أن يكون القرآن الذي نزل هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، ويمتنع أن تكون السنة النبوية التي هي خير هدي كما في قوله ﷺ: (أما بعد ..
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد) تركا باب أصول الدين بغير إحكام ..
وهذا القطع ضروري.
ثم يقول المصنف: وقد اتفق المسلمون -حتى المخالفون للسلف كالمعتزلة والأشاعرة ..
إلخ- على أن القول في صفات الله وأفعاله من القول في أصول الديانة، فإذا كان من أصول الدين بإجماع المسلمين فإن أصول الدين قد علم أن النبي ﷺ جاء ببيانها وإحكامها ضرورةً، وكذلك القرآن بين هذا الباب أتم البيان، وإذا فرض خلاف ذلك فإنه يعني: أن من أخص أصول الدين -وهو القول في صفات الله وأفعاله- ما لم يبينه الله في كتابه ولا بينه النبي ﵌ في سنته.
وترى أن هذا التحصيل تحصيل قطعي، فإذا تحقق أن هذا من القول في أصول الدين، وأن أصول الدين محكمة في الكتاب والسنة لزم من ذلك ألا يكون الناس محتاجين في هذا الباب -ولا في غيره، لكن في هذا الباب آكد- إلى شيء لم يتضمنه الكتاب والسنة، لا من جهة الدلائل ولا من جهة المسائل، بل هذا الباب دلائله ومسائله مقررة في الكتاب والسنة؛ لأنه أصل من أصول الدين.
وإذا كان متقررًا عند المسلمين أن النبي ﵌ علّم المسلمين الآداب العامة كآداب الأكل والشرب وأمثالها، وله في هذا سنة معروفة، فمن باب أولى أن يكون ﵌ قد علمهم وبين لهم، وأحكم القول في باب أسماء الرب وصفاته، والذي من خالف ما بعث به النبي ﷺ في هذا الباب فإنه يقع إما في تعطيل الرب عن صفات الكمال، أو في تشبيه الخالق بالمخلوق ..
وكلا القولين من مقالات الكفار والملاحدة، بل كان جمهور المشركين لا يقعون في خطأ صريح في هذا الباب، بمعنى أنه كان -من حيث الجملة- مُقَرًَا به، وهذا يتعلق بجنس مسألة الربوبية لا بتحقيق تفصيلها؛ لأن القول في الصفات هو من القول في ربوبية الله تعالى.
فإذا كان هذا متحققًا فإن النبي ﵌ ألقى هذا البيان لأصول الدين -ومن أخص أصول الدين القول في الأسماء والصفات- وتلقاه عنه أصحابه، ومن هنا يعلم قطعًا بالتسلسل العلمي العقلي: أن الصحابة ﵃ كانوا محكمين للحق في باب الأسماء والصفات؛ لأنهم تلقوا من الكتاب وعن نبيهم ﵌، وقد تحقق بالضرورة العقلية والشرعية أن القرآن والسنة فيهما البيان؛ فيلزم أن يكون الصحابة قد تلقوا هذا البيان والإحكام.
وفرض خلاف ذلك يلزم منه: أن يكون الصحابة إما أنهم لم يفهموا الحق، وإما أنهم قصدوا الإعراض عنه.
وكلا الوصفين ممتنع في حق الصحابة؛ لأن الله وصفهم بالعلم والإيمان؛ مما يدل على أنهم محققون لهذا المقام وأمثاله.
وقد علم تحقيق الصحابة ﵃ لأصول الإسلام، وهذا مستفيض متفق عليه بين جمهور الأمة إلا من شذ من الرافضة ونحوهم ممن طعنوا في جمهور أصحاب النبي ﷺ إلا نفرًا منهم.
وإذا كان الصحابة قد أحكموا هذا الباب وعرفوه؛ فيلزم أن يكون التابعون قد تلقوا ذلك عن الصحابة وأخذوا عنهم، وعدم ذلك إما أن يكون سببه: أن الصحابة كتموا الحق الذي علموه، أو أن التابعين أطبقوا على عدم الفهم أو الإعراض عن الأخذ عن الصحابة في هذا الباب ..
وكل من هذه الفروضات يعلم امتناعها.
وفي آخر زمن التابعين حدثت مقالة التعطيل، واتفق الأئمة إذ ذاك على إنكارها وردها، ثم بعد ذلك ظهرت مقالة التعطيل، وظهرت مقالة التشبيه، وكان موقف الأئمة الذين تلقوا عن التابعين من مقالة التعطيل ومقالة التشبيه موقفًا واضحًا متحققًا، وهو ذمهم لهؤلاء وهؤلاء، وأنهم وسط بين المعطلة والمشبهة.
فهذا التسلسل الإسنادي يعلم به: أن مقالة أهل السنة والحديث يتلقاها بعضهم عن بعض؛ ولهذا لما جاء المتأخرون منهم -كـ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - وتكلموا في هذا الباب فإن الكلام الذي قرروه منصوص عليه في كتب السنة المسندة، كالكتب التي عينها المصنف وذكرها في رسالته كالسنة لـ عبد الله بن أحمد، ولـ ابن أبي عاصم وأمثالهما ..
فهذا من جهة إسناد مقالة السلف؛ ولهذا تراه متسلسلًا، حيث أخذ كل أئمة عمن قبلهم من أئمة السنة والحديث، فتلقى الصحابة عن نبيهم، وتلقى التابعون عن الصحابة، وتلقى من بعد التابعين عن التابعين، ومن بعدهم عمن قبلهم، وهلم جرا، فتجده إسنادًا متسلسلًا يحكون الاتفاق على هذا الباب ولا يذكرون في قولهم شيئًا من الخلاف.
[ ٢١ / ٣ ]
المقصد الثاني: بيان إسناد مقالة التعطيل
ثم عني المصنف بعد ذلك ببيان إسناد مقالة التعطيل -أي: نفي الصفات التي أظهرها الجهمية والمعتزلة- فقال: إن أول من تكلم بالتعطيل في هذا الباب هو الجعد بن درهم، ثم قتل، ثم أظهر مقالته الجهم بن صفوان الترمذي، وقتل أيضًا، ولكنه أشاعها بعض الشيء فانتشرت هذه المقالة ونسبت إليه.
ثم تكلم عن أئمة المعتزلة، مبينًا أنهم وافقوا مقالة جهم في الجملة، وإن كانوا يختلفون مع الجهم بن صفوان في مسألة الأسماء وبعض مسائل هذا الباب، لكنهم يتفقون معه على نفي الصفات.
فهذه المقالة إذًا منتهاها من حيث الإسناد العلمي عند المسلمين هو الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وأمثالهما، حتى ولو قلت: إن منتهى هذه المقالة هو بعض أئمة المعتزلة، وأن طريقة المعتزلة مستقلة عن طريقة جهم كما يفرضها بعض النظار، فأيضًا حتى أئمة المعتزلة الذين تكلموا في هذا الباب ليسوا ممن لهم قدم صدق عند الأمة أو عرفوا بالتحقيق أو السنة والأثر، بل كانوا على خلاف مع أئمة السنة والحديث، ولهم طعن عليهم.
فهذا الأخذ عرف وتحقق؛ ولهذا اتفق أئمة السلف على ذم الجهمية والمعتزلة إذ ذاك، وعرفوا ببدعتهم عند جمهور المسلمين، حتى من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ومن متكلمة الصفاتية: كالكلابية والماتريدية والأشعرية، فإن جميع هذه الطوائف الفقهية والكلامية اتفقوا على ذم الجهمية والمعتزلة؛ وهذا يدل على أن إسناد هذه المقالة ومنتهاها -أعني: مقالة التعطيل- قوم قد أجمع السلف، والفقهاء من بعدهم، وأهل السنة والمنتسبون إليها على ذمهم والطعن فيهم؛ ولهذا لا ترى للمعتزلة قدم صدق محفوظة أو ثناء معروف، وإن كانوا قد يشتغلون ببعض المعارف التي يحسنونها أو يجيدون في بعض الأبواب في أصول الفقه وغيره، لكن هذا لا يكون مطردًا، فضلًا عن أن يكون لهم اختصاص أو تحقيق في باب أصول الدين.
فهذا في الجملة هو الإسناد المتحقق.
وفيما يتعلق بما بعد ذلك، فإن المصنف يذكر إسنادًا يذكره بعض أهل الأخبار، وهو من جهة تلقي الجعد لهذه المقالة، وهو إسناد تارةً يوصل ببعض اليهود وتارةً يوصل ببعض المتفلسفة
إلخ.
والمتحقق عند النظار من أهل السنة وغيرهم: أن مقالة التعطيل المحضة -وهي نفي أسماء الرب وصفاته أو حتى نفي الصفات نفيًا تامًا- مقالة مأخوذة عن قوم من المتفلسفة، سواء صح الإسناد الذي يصلهم ببعض أعيان اليهود أو غيرهم أو لم يصح، فهذا إسناد تاريخي قد لا يكون له ذاك الاعتبار الكثير، لكن باعتبار الحقيقة العلمية فإن هذه المقالة بتمامها -أعني: مقالة التعطيل- على طريقة أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة لا شك أنها ليست مقالة لها أصل في الكتاب والسنة، ولا في العقل ابتداءً، فهي ليست مقالة شرعية؛ لأن الكتاب والسنة لم يذكرا هذه المقالة، وليست كذلك مقالة لها ذكر في العقل ابتداءً أو قبول في العقل ابتداءً.
والدليل على هذا الكلام: أنه لما جاء المتفلسفة المحضة -أي: الذين نقلوا الفلسفة نقلًا محضًا كـ ابن سينا وأبي نصر الفارابي وأمثالهما، وهم غير أهل الكلام- انتهوا في باب الأسماء والصفات إلى قريب من هذه المقالة، بل إنهم يكادون يتفقون على النتيجة مع أئمة الجهمية وأئمة المعتزلة في مسألة الصفات.
وأبو نصر الفارابي وابن سينا يصرحون أن هذه المقالة مقالة منقولة عن طريقة أرسطو وأمثاله من الفلاسفة الذين قبل الإسلام.
فالمهم: أن هذا الإسناد ينتهي إلى أعيان اتفق جمهور المسلمين على الطعن عليهم، والطعن عليهم لا يختص بأهل السنة وحدهم، بل حتى جمهور الفقهاء وجمهور الصوفية وجمهور متكلمة الصفاتية يطعنون على أئمة المعتزلة والجهمية، إن لم يكن هذا مذهب لسائرهم، ومن المتحقق بطريقة المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وغيره أن هذه المقالة بتنظيمها هي مقالة فلسفية، وإن كان المعتزلة وقربوها بعض التقريب إلى مقاصد الإسلام؛ ولهذا أصبحت بطريقة المعتزلة مقالةً مولدة.
ولهذا تجد أن المعتزلة خاصة -أعني: أئمة المعتزلة- ينتهون إلى نفي الصفات نفيًا تامًا كالانتهاء الذي ينتهي إليه ابن سينا، لكن ابن سينا يستعمل الطريقة الفلسفية المحضة، في حين أن المعتزلة يقربون الطريقة إلى الإسلام، ويستعملون بعض المقدمات الشرعية المجملة، وبعض المقدمات العقلية العامة، وإن كانوا لا يستغنون عن المقدمات الفلسفية، وترى هذا متحققًا في دليل الأعراض الذي استعمله المعتزلة لنفي الصفات، فإنه بالمقارنة بينه وبين دليل التركيب الذي استعمله ابن سينا لنفي الصفات؛ نجد أن كلا الدليلين على طريقة ونمط واحد.
ومحصل هذا: أن مقالة التعطيل مقالة ينتهي إسنادها إلى نظريات فلسلفية منقولة ليس عليها أثرة شرعية، بل ولا أثرة عقلية مبتدعة -أي: ابتدعها العقل دون الالتزام بقوانين فلسفية معينة-.
ولهذا لا تجد أن الأدلة الكبار التي تستعملها المعتزلة بل حتى الأشعرية -وإن كان هذا مقصدًا يأتي التنبيه إليه- إلا وهي تتضمن بعض القوانين الفلسفية التي كان يستعملها أئمة الفلاسفة قبل الإسلام كـ أرسطو وغيره، وإن كان يُعلم أن الإسلاميين الذين تكلموا بهذه المقالات التي كان يتكلم بها أئمة الفلسفة لم يوافقوا أئمة الفلسفة موافقةً مطلقة، ولكن مقالاتهم محصلة من طريقة أولئك.
ولهذا انتهى ابن سينا إلى إثبات مسألة الوجود المطلق بشرط الإطلاق، والتزم تقرير التجريد في كتبه تقريرًا مطولًا، وانتهى إلى عدم إثبات الصفات الثبوتية مطلقًا، وإنما يقع عنده إثبات صفات السلوب أو الإضافات أو المركبات.
وهذا الأسلوب وإن كان غلب عليه النمط الفلسفي إلا أن النتيجة المعتزلية الأولى عند أبي الهذيل العلاف وأبي إسحاق النظام وأمثالهما، ومن باب أولى عند جهم بن صفوان والجعد بن درهم هي من حيث النتيجة واحدة، وإن كان تقرير المتفلسفة كـ ابن سينا أخذ الحروف الفلسفية، في حين أن المتكلمين كأئمة الجهمية وأئمة المعتزلة صارت حروفهم مولدة من أنماط فلسفية وأنماط لغوية
الخ.
فمن هنا يتحصل: أن هذا الإسناد ينتهي إلى قوم ممن عرف كفرهم وإلحادهم وهم المتفلسفة، وهذا انقطاع صريح في مقالة التعطيل.
[ ٢١ / ٤ ]
المقصد الثالث: بيان معتبر القول في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والطوائف
المقصد الثالث في كلام شيخ الإسلام ﵀، وهو: معتبر القول في باب الأسماء والصفات عند أهل السنة والطوائف.
أما عند أهل السنة والجماعة: فإن هذا الباب يُحكم بالكتاب والسنة كما قال الإمام أحمد: نصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﵌ لا يتجاوز القرآن والحديث.
فدلائل الكتاب والسنة هي الحاكمة في باب الأسماء والصفات، وإن كان ينبه في هذه الدلائل إلى مسألتين:
الأولى: أن دلائل الكتاب والسنة ليست دلائل خبرية محضة كما زعمه كثير من غلاة المتكلمين، وعن هذا قالوا: تعارض العقل والنقل؛ ولهذا يصنف غلاتهم الدلائل النقلية السمعية القرآنية النبوية بأنها دلائل خبرية محضة مبنية على صدق المخبر.
ومقصودهم بأنها خبرية محضة: أي أنها لم تتضمن ترتيبًا أو تصحيحًا عقليًا، وإنما تصحيحها من جهة أن الذي تكلم بها كالنبي ﷺ أو جاءت في القرآن الذي قد علم لزوم صدقه.
وهذا الطعن في دلائل القرآن قد نبه شيخ الإسلام إلى أنه قد استعمله كثير من غلاة المتكلمين بالتصريح، قال: وهو حال عامتهم وإن لم يفصحوا به.
والحق أن دلائل الكتاب والسنة وإن كانت دلائل خبرية من جهة أنها قرآن وحديث يروى عن النبي ﵌، وهي دلائل شرعية -ولا شك- في سائر مواردها، لكنها ليست خبريةً محضةً في سائر الموارد، وإذا قلنا: ليست خبريةً محضة في سائر الموارد؛ بمعنى: أنها ليست مبنية على صدق المخبر فحسب، ولهذا ترى أن من دلائل الكتاب والسنة ما يصححه ويقبله من لم يدخل دين الإسلام ويؤمن بصدق نبوة النبي ﵌.
ففي القرآن استعملت الأدلة الخبرية المحضة، أي: التي يخبر بها الرب ﷾ في كتابه، أو يخبر النبي عن ربه ببعض الصفات السمعية المقصورة على ورود السمع.
مثلًا: أخبر ﷾ في القرآن في سبعة مواضع أنه استوى على العرش، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذه الآية وأمثالها من آيات الاستواء يقال: إنها دليل خبري محض.
أي: ليس له ترتيب عقلي سابق؛ بمعنى أن العقل لا يمكن أن يدرك هذه الصفة قبل ورود الشرع بها، وإن كان العقل بعد ورود الشرع بالصفة لا يمكن أن يقع في معارضته أو مخالفته.
كذلك ما ورد عن النبي ﵌ في الصحيحين من حديث أبي هريرة حيث قال: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ) فهذا أيضًا دليل نبوي خبري محض، ومعنى قولنا: خبري محض أنه لولا أن النبي ﵌ أخبر بنزول الله إلى السماء الدنيا لما كان لأحد أن يصل إلى ذلك.
لكن فيما يتعلق بعلو الرب ﷾، فقد جاء ذكره في القرآن أكثر من ذكر الاستواء، ولكن الإيمان بأن الله ﷾ بائن عن خلقه، وأنه علي عليهم، هذا حقيقة يقر بها العقل ابتداءً.
كذلك الإيمان بأن الله ﷾ سميع بصير ..
هذه حقيقة يقر بها العقل ابتداءً، وإن كان الشرع جاء بها؛ ولهذا قد ترى في بعض الدلائل أو بعض الأخبار القرآنية إخبار عما يقر به العقل ابتداءً؛ فيكون خبر الشارع تقريرًا وتحقيقًا وضبطًا لهذا المورد الذي يقر به العقل ابتداءً، وهي معاني الربوبية الأساسية الأولى، والتي فطر جمهور الخلق على الإقرار بها ومعرفتها، وتراها في آيات الله الكونية كثيرة.
كذلك يقع في كثير من الدلائل القرآنية والنبوية ما هو من الترتيب العقلي، وإن كان الدليل من حيث هو قرآني، فهو دليل شرعي خبري؛ لكنه غير مقصور على مسألة التصديق المحضة -أي: تصديق المخبر- بل هو تصديق عقلي.
مثال ذلك: في قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] فإبراهيم ﵇ هنا يريد مناظرة قومه الذين كانوا يشركون في الربوبية والألوهية على طريق الصابئة، حيث يرون أن الكواكب لها من التأثير في الحوادث السفلية شيء كثير، وأن الحوادث السفلية -كما هو رأي المتفلسفة- فرع عن أثر الكواكب العلوية.
فناظرهم إبراهيم ﵇ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٥ - ٧٦] فهذه الآية من حيث هي قرآن، لكن هل ألزم إبراهيم قومه هنا بكونهم يعتبرون صدقه أو يعتبرون نبوته أم بطريقة عقلية ملزمة لهم؟ الجواب: بطريقة عقلية ملزمة لهم، فإنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي.
يعني: هذا الذي يؤثر في الحوادث، وليس مقصود إبراهيم ﵇ في هذه المناظرة المفروضة: أن هذا رب العالمين؛ لأن قومه -كما نص شيخ الإسلام كثيرًا على هذا المعنى- ما كانوا يعدون الواحد من الكواكب هو رب العالمين، وإنما كانوا يعتبرون لكل نوع من الكواكب اختصاصًا ببعض الآثار السفلية، فالأمطار -مثلًا- فرع عن حركة الزهرة، والرياح فرع عن حركة كذا
وهلم جرا.
قال شيخ الإسلام: ولهذا كانوا يشركون في الربوبية كما أنهم يشركون في الألوهية.
أي: لم يكونوا ينكرون أصل مسألة الربوبية من أصلها، وإنما كانوا يشركون فيها كما هو المعروف في كلام المتفلسفة بالترقي؛ ولهذا لما أخذ ابن سينا عن هؤلاء أثبت مسألة العقول العشرة والنفوس التسعة.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨] ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣].
فهذه المناظرة من حيث هي آيات قرآنية يقال: إنها دلائل سمعية قرآنية نقلية؛ ولكن ترى أنها مستعملة بمقدمات عقلية، فالمسلمون يقرون بها باعتبار صدق المخبر وهي أنها قرآن من عند الله وهو أصدق القائلين، وباعتبارها مبنية على الترتيب العقلي كذلك؛ ولهذا يخاطب بها حتى الكفار.
ولهذا إذا سمع الكفار بعض مثل هذه الصياغات القرآنية ربما أسلم الواحد منهم عن مثل ذلك، كما ثبت ذلك في قصة جبير بن مطعم -كما في صحيح البخاري -: لما أتى المدينة والنبي ﵌ يقرأ في صلاة المغرب بالطور، حتى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
فترى أن هذا القياس العقلي الضروري يدل على أن الله هو الخالق لهم؛ لامتناع أن يكونوا خلقوا من غير شيء، ولامتناع أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم؛ فيلزم ضرورة أن الله هو الذي خلقهم.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] هذا اعتراض من بعض الكفار على مسألة المعاد، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] وهذا الخطاب للنبي قل للرد على المنكر وإن كان يستفيد منه ويتعظ به الجميع، لكن هو في الأصل هو رد على المنكرين: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] بمعنى أن الله خلق الخلق من العدم، فمن باب أولى أن يعادوا إذا كانوا رميمًا، وهذا من القياس العقلي الضروري.
وهكذا القرآن تضمن كثيرًا من ذلك، وهذا هو مقصود شيخ الإسلام لما قال: إن كثيرًا من غلاة المتكلمين يقولون: إن دلائل القرآن والحديث دلائل خبرية محضة.
أي: ليس فيها تقرير عقلي، بل هي مجرد أخبار تصديقية، والحق أن القرآن والحديث بعضه خبري محض وبعضه خبري تصديقي من جهة المخبر به، لكنه من جهة ترتيب المقدمات فيه يكون عقليًا، أي: يخاطب سائر العقول.
وهذا يتعلق بكوننا نقول: إن مذهب السلف هو اعتبار هذا الباب -بل وغيره- بالكتاب والسنة، وقد ترى أحيانًا أنه يقال: هذا الباب معتبر بالكتاب والسنة والإجماع.
وأحيانًا يقال: هذا الباب معتبر بالكتاب والسنة، ولا فرق بين الأمرين؛ لأن الإجماع لا بد أن يكون عن نص من الكتاب أو السنة.
هذا هو معتبر أهل السنة في هذا الباب؛ ولهذا لو قيل: ما موقف أهل السنة من العقل؟ قلنا: لم يبطل القرآن مسألة العقل من أصلها، فإن بعض دلائله -كما أسلفت- مركبة على الطريقة العقلية، وقد اعتبر الله ﷾ مسألة العقل، فهو أخص المدارك للوصول إلى الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فقدم المدرك العقلي على مدرك السمع والبصر، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦].
وفي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥] والنظر وإن كان بالبصر إلا أنه يرجع إلى المدرك العقل
[ ٢١ / ٥ ]
المقصد الرابع: بيان صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل
المقصد الرابع: وهو صلة نفاة متكلمة الصفاتية بمتكلمة الجهمية والمعتزلة الأوائل الذين ذمهم السلف.
الإشكال في باب الأسماء والصفات لم يقع كثيرًا بقول المعتزلة والجهمية وإن كانوا هم الأصل في هذا الباب؛ لأن قول المعتزلة -وبخاصة أئمة المعتزلة- وقول الجهمية قد علم تميزه عن قول أهل السنة والجماعة، وحصل بين أئمة السلف وبين أئمة الجهمية والمعتزلة ما هو معروف من الرد والاختلاف والتمايز، ولم ينتسب أئمة الجهمية والمعتزلة لأهل السنة أو شيء من طرقهم، فهم مباينون للسلف في الانتماء وفي الحقيقة العلمية، ومن هنا لا يكون في قولهم ذاك الإشكال الكثير.
لكن لما جاء متكلمة الصفاتية ممن اشتغلوا بشيء من النفي -وأخصهم ثلاث طوائف: الكلابية، والأشعرية، والماتريدية- اتفقوا على ذم المعتزلة والجهمية، حتى إن أكثر ما تراه في كتب الماتريدية والأشاعرة وما نقل عن كتب الكلابية -بل ما في كتب بعض الكلابية كـ الحارث بن أسد المحاسبي - في الغالب أنه ردود مفصلة على المعتزلة.
كذلك انتسب متكلمة الصفاتية -في الجملة- لأهل السنة، وهم -في الجملة- يثبتون أصول الصفات -وإن كانوا يختلفون في القدر الذي يثبتونه- والغالب عليهم الانتساب لأحد الأئمة الأربعة في الفقه، وكثير من أئمتهم يعظمون مذهب السلف تعظيمًا صريحًا كما هي حال الأشعري وأمثاله ..
فلهذه الأسباب ولغيرها أيضًا وقع اشتباه كثير في هذه المذاهب المتأخرة، فتأثر بها طوائف من الفقهاء وبعض الصوفية، بل وشاعت في المتكلمين الذين ينتسبون للسنة والجماعة، والذين يفرضون أنهم مفارقون مباينون لطريقة المعتزلة.
وقد عني المصنف كثيرًا بالتحقيق في هذا المقصد والتوسط فيه والعدل؛ فقال ﵀: وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي يذكرها أبو بكر بن فورك وأمثاله هي بعينها تأويلات بشر المريسي الذي ذمه السلف ..
إلخ.
بمعنى أن هؤلاء الطوائف الثلاث ومن وافقهم، وإن كانوا قد خالفوا المعتزلة مخالفة حقيقية في بعض المسائل إلا أنهم فيما نفوه وتأولوه قد أخذوه عن الجهمية والمعتزلة، بمعنى أنه ليس في نفس الأمر في هذا الباب إلا أحد ثلاثة مذاهب، وهي المذاهب التاريخية الأولى: إما مذهب أهل السنة، أو مذهب المعطلة النفاة الجهمية والمعتزلة، أو مذهب المشبهة ..
هذه هي المذاهب المعتبرة في هذا الباب من حيث الحقيقة العلمية ومن حيث الحقيقة التاريخية، أما من حيث الحقيقة العلمية فإن الحقيقة العلمية لا تخرج عن هذه الفروضات الثلاث: التشبيه، أو النفي الصريح، أو الإثبات مع التنزيه عن التشبيه كما هي طريقة أهل السنة.
وأما الواقع التاريخي الأول فإنه في التاريخ الأول كان الأصل زمن الصحابة إلى آخر زمن التابعين هو قول أهل السنة والجماعة، ثم ظهرت مقالة التعطيل، ثم ظهرت مقالة التشبيه.
واستقر الأمر على هذه المقالات الثلاث، حتى جاء متكلمة الصفاتية ومال بعضهم كـ محمد بن كرام السجستاني إلى طريقة التشبيه، ومال جمهورهم إلى شيء من الجمع بين طريقة أهل السنة المحضة وبين طريقة التعطيل؛ ولهذا أثبت الأشعرية بعض الصفات ونفوا البعض الآخر؛ ولهذا يكونون فيما نفوه أو تأولوه فرعًا عن المعتزلة والجهمية؛ ولهذا لا يذم الأشاعرة المعتزلة فيما يتفقون معهم على نفيه، إنما فيما تثبته الأشاعرة، فيصير المذهب الأشعري وأمثاله ملفقًا من قول أهل السنة وقول المعتزلة.
وهذا الوصل موضع هام عند المصنف وهو يقع في قوله: وهذه التأويلات ..
إلخ.
وقيمة هذا الوصل: أنه كما أن السلف اتفقوا على ذم الجهمية والمعتزلة -بل حتى الأشاعرة يذمون المعتزلة والجهمية- كذلك الأشاعرة بسبب هذه الصلة مستحقون لنفس هذا الذم في الجملة.
[ ٢١ / ٦ ]
المقصد الخامس: أصناف المنحرفين عن سبيل السلف
قال المصنف: والمنحرفون عن سبيلهم ثلاثة أصناف -أي: عن سبيل السلف-:
الأول: أهل التخييل: وهم الذين فرضوا نصوص الكتاب والسنة تخييلًا للجمهور، واختصوا الحقيقة العلمية بمن سموهم الحكماء -يعنون الفلاسفة- وهذه طريقة المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متفقه ومتصوف ومتكلم.
وقد ظهر المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام بعد علماء الكلام، وكان من أولهم -إن لم يكن هو أولهم كما تذكر بعض الكتب والمصادر: إن أول من تكلم بالطريقة الفلسفية المحضة في التاريخ الإسلامي هو- يعقوب بن إسحاق الكندي، لكن لم يكن له ذاك الشأن المشهور، إنما اشتهر هذا النمط من كلام أبي نصر الفارابي وأبي علي بن سينا.
والمتفلسفة في الجملة ينقسمون إلى قسمين: إما نظارية محضة أي يستعملون الطرق الفلسفية النظرية كما هي طريقة أبي الوليد بن رشد وغيره من المتفلسفة، أو عرفانية يستعملون الطرق الباطنية العرفانية التي تنبني على التصوف والإشراق، كما هي طريقة كثير من هؤلاء، وبخاصة الذين انتسبوا إما إلى التشيع وإما إلى التصوف، فإن الباطنية المتفلسفة ينتسبون في الظاهر إلى أحد مذهبين: إما التشيع كما هو شأن أئمة الإسماعيلية والنصيرية، أو إلى التصوف كما هي طريقة أهل وحدة الوجود وأمثالهم كـ ابن عربي وابن سبعين ..
إلخ، أو طريقة ابن سينا في بعض أحواله.
فالباطنية إذًا: إما باطنية شيعة أو باطنية صوفية.
وهم في الحقيقة متفلسفة، وبخاصة في طبقة الأئمة منهم، وإن كان قد ينتسب للإسماعيلية من لا يعرف شيئًا اسمه الفلسفة، بل ربما كان أعرابيًا ساذجًا، لكن من حيث أئمة المذهب تراهم متفلسفة أو مقلدة لسلفهم المتفلسفة أصحاب الإشارات والرموز، وهي طريقة تجريدية بعيدة عن الطرق الفلسفية النظرية.
وبعض هؤلاء المتفلسفة الذين انتسبوا للإسلام يستعمل كلا المذهبين: المذهب العرفاني والمذهب النظري؛ فيؤمنون بكلا الطريقين كما هو حال ابن سينا؛ فإنه يستعمل الطريقة العرفانية تارة، فتراه إشراقيًا تجريديًا غنوصيًا، وتراه في بعض كتبه وأحواله نظريًا عقلانيًا، بل إنه في كتابه المشهور الإشارات والتنبيهات ركبه من هذه الطريقة وهذه الطريقة، وصرح ابن سينا في غير موضع من كتبه أنه يؤمن بكلا الطريقين.
كما تأثر بالمنهج الذي صنعه ابن سينا الغزالي في ميزان العمل، فقد ذكر أن مذهبه ثلاثة: مذهب الجدل بالطريقة الكلامية، ومذهب اليقين بالطريقة الصوفية، ومذهب الإرشاد بطريقة الوعظ بالزواجر والدواعي.
هذا الصنف الأول وهم أهل التخييل، وهم ملاحدة زنادقة في الجملة، وهم من حيث الحقائق التي توصلوا إليها هي حقائق فلسفية منقولة، إما عن أرسطو كما هي في الطرق النظرية الغالبة أو عن غيره من الفلاسفة المثاليين، إما عن أفلاطون أو عن غيره.
هذا هو الصنف الأول، وكما أسلفت أنه تأخر ظهوره من حيث التاريخ عن المتكلمين، وهؤلاء اتفق المسلمون على ذمهم، وصنف حتى أئمة الكلام في الرد عليهم، ومن ذلك كتاب أبي حامد الغزالي كتابه مقاصد الفلاسفة، ثم تهافت الفلاسفة وقد جزم الغزالي بكفر الفلاسفة في ثلاثة مسائل: مسألة إنكار المعاد الجسماني، والقول بأن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، والقول بقدم العالم.
والمصنف هنا يقول: وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتفقه.
وهو يشير بهذا إلى بعض المتفلسفة الذين اشتهروا بشيء من الفقه كما هو حال أبي الوليد بن رشد صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد فإنه متفقه على مذهب الإمام مالك، وإن كان فيلسوفًا أكثر ما اشتهر بمسألة الفلسفة، وبخاصة الفلسفة الأرسطية المنسوبة لـ أرسطو طاليس؛ لأنه من أكثر من دافع عنه وانتصر لطريقته.
ومتصوف كما هو حال ابن عربي وابن سبعين والتلمساني وأمثالهم، فإن هؤلاء وإن عرفوا بالتصوف إلا أن حقائقهم العلمية مبنية على مقدمات فلسفية محضة، بل نظرية وحدة الوجود قد نص أرسطو في بعض كتبه على أنها نظرية فلسفية، وكتب كثيرًا في الرد عليها كما ذكر ذلك ابن سينا، وكما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀.
الصنف الثاني: وهم أهل التأويل.
وهم الغالب على علماء الكلام، وإن كان ليس كل متكلم هو من أهل التأويل، بل من المتكلمين مشبهة كـ هشام بن الحكم، أو مجسمة كـ محمد بن كرام وأتباعه، لكن جمهور المتكلمين هم من أهل التأويل، وبخاصة أئمة الجهمية والمعتزلة وعامة الأشاعرة والماتريدية، وهم الذين عني المصنف وقصد الرد عليهم؛ لظهور الإشكال في طريقتهم وبخاصة لما انتسب قوم من أصحابها إلى أهل السنة والجماعة، كما هو حال الأشعري وعامة أصحابه.
الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل.
وهذه ليست طائفة مختصة معينة، وإنما هو قول في الصفات شاع في كثير من الطوائف المتأخرة، فاستعمله طائفة من الأشاعرة، واستعمله طائفة من الصوفية، وبعض المنتسبين للسنة من الفقهاء ممن لم يحقق مذهب السلف؛ لأن جمهور الأشاعرة قرروا فيما نفوه من الصفات أن مذهب السلف فيه هو التفويض، وهو الذي يسميه المصنف تجهيلًا.
[ ٢١ / ٧ ]
المقصد السادس: النقل عن أهل الإثبات
بمعنى أن المصنف نقل عن أعيان أئمة السلف ما يدل على إثبات الأسماء والصفات، وهذا نقل يقصد حقيقته قصدًا تامًا، ولكنه نقل بعد ذلك عن بعض الفقهاء وبعض الصوفية وبعض المتكلمين ليقرر أن ما قرره المتأخرون من الأشاعرة من الاختصاص الحنبلي في هذه المسألة ليس كذلك، وأن الإثبات وبخاصة لمسألة العلو والصفات الخبرية شائع في جنس طوائف المثبتة من المتكلمين والصوفية والفقهاء.
هذا مقصود المصنف من هذا النقل؛ ولهذا ليس كل من نقل عنه المصنف فإنه يلتزم صحة ما نقل عنه، أو أنه يعتبر قول هذا الذي نقل عنه في سائر الموارد كما هو معروف في نقله عن الباقلاني أو عن أبي المعالي الجويني أو عن أبي الحسن الأشعري
إلى غير ذلك.
[ ٢١ / ٨ ]
المقصد السابع: الجمع بين العلو والمعية
المقصد السابع: عناية المصنف بعد هذه النقولات بالجمع بين العلو والمعية؛ وهو يقرر أنه ليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة تعارض، وليس في شيء من نصوص الكتاب والسنة ما يعارض العقل، بمعنى: أن النصوص لا تعارض بينها من حيث النص مع النص، ولا تعارض بين النصوص والدلائل العقلية الصحيحة.
وأخص ما شغب به كثير من أهل التأويل على السلف: مسألة المعية، حيث قال السلف في المعية العامة: إن الله مع خلقه بعلمه وإحاطته، وفي المعية الخاصة قالوا: بنصره وولايته وتأييده.
فيبين المصنف أن هذا ليس من باب تأويل المعية، وأن المعية لا تناقض علو الرب ﷾، فالله هو العلي الأعلى، وهو فوق سماواته مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه، وهو مع سائر خلقه بعلمه وإحاطته، ومع أوليائه بنصره وتأييده.
وذلك لأن لفظ مع في العربية لا يستلزم الحلول والذاتية، بل هو لمطلق المقارنة والمصاحبة، وهذه المقارنة والمصاحبة قد تكون مماسة، أو قد تكون علمية، أو قد تكون نصرًا وتأييدًا بحسب السياق، وسياقها في القرآن يمتنع أن يكون يقصد به المماسة والذاتية والحلول؛ لأنه في حق الرب سبحانه.
إذًا هي مفسرة في المقامين: إما بالعلم والإحاطة أو بالنصر والتأييد، وإن كانت قد تستعمل في الذاتية والمماسة والحلول بين المخلوقات، كما إذا قيل مثلًا: عقلي معي أو يدي معي أو كتابي معي.
فقد يكون مماسًا حالًا كما هو في مسألة العقل، أو مماسًا كما هو في مسألة: كتابي معي.
لكن هذه الفروضات ليست لازمة في مسألة المعية، حتى بين المخلوقات؛ فإن العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا.
ومع ذلك لم يلزم أن يكون حالًا أو مماسًا، وإذا كان هذا متحققًا في المخلوقات بعضها مع بعض في معيتها فهو في حق الخالق من باب أولى.
[ ٢١ / ٩ ]
المقصد الثامن: غلط المخالفين في تسمية وعقيدة أهل الحديث
عقيدة أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة، وأوصاف أهل السنة والجماعة لا تتلقى إلا من كتب أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن المخالفين طعنوا في اسم أهل السنة فسموهم -كما هو شأن الجهمية مثلًا- حشوية مشبهة، والرافضة تسميهم نواصب
وهلم جرا من التسميات التي هي من العدوان والبغي على أئمة السنة والحديث من فقهاء الإسلام وأئمتهم.
وكذلك عقيدة أهل السنة التي ذكرها كثير من المتكلمين غير معتبرة، بل عقيدتهم تؤخذ من الكتب المصنفة في عقيدتهم، وهي العقيدة المذكورة في الكتاب والسنة؛ وذلك أن كتب المقالات كالمقالات لـ أبي الحسن الأشعري - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين - أو الملل والنحل للشهرستاني، أو الفَرق بين الفِرق للبغدادي، أو المحصل للرازي أو اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وإن كانت تذكر ما تسميه اعتقاد أهل السنة، على أحد حالين: إما أن أصحابها يذكرون قول أهل السنة بشيء من التفصيل، ولكنهم يقصدون بأهل السنة الأشاعرة كما هو شأن البغدادي في كتابه الفَرق بين الفِرَق؛ فإنه خصص مقالة أهل السنة وشرحها شرحًا مفصلًا، لكنه يقصد بها عقيدة الأشاعرة.
أو أنهم أحيانًا يذكرون قول أهل السنة وهم يعنون الأئمة لكنهم يجملونه إجمالًا شديدًا كما هو شأن أبي الحسن الأشعري في كتاب المقالات.
أو أنهم يضيفون إلى السلف أو إلى بعضهم ما يعلم أنه غلط عليهم، كما هو شائع في هذه الكتب التي صنفت في المقالات، وصنفها قوم من أئمة الكلام، كما هو شأن الشهرستاني في كتابه الملل والنحل.
ولهذا اعتبر الشهرستاني وأمثاله -وإن كانوا من أعلم الناس بالمقالات- من أجهل الناس بمقالات أهل السنة والحديث.
إذًا: عقيدة أهل السنة تتلقى من الكتب المصنفة في عقيدة أهل السنة، وقد ذكر المصنف في رسالته هذه كثيرًا منها، أو من الكتب المتأخرة بعد ذلك ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثالها.
[ ٢١ / ١٠ ]
المقصد التاسع: بيان الأصناف الممكنة في باب الأسماء والصفات
يذكر المصنف الأقسام الممكنة في باب الأسماء والصفات، فيذكر ستة أقسام، على كل قسم طائفة من أهل القبلة.
وهو لا يقصد بهذا أن كل طائفة التزمت قسمًا ورفضت غيره، وإن كان هذا يقع فإن أهل السنة التزموا الإثبات مع التنزيه عن التشبيه، لكن بعض طرق الوقف -الذي هو التفويض- يستعمله بعض من يستعمل التأويل.
وهذه الأقسام الستة هي: قسمان ينفيانه، وقسمان يتوقفان، وقسمان يثبتان.
ثم فصل المصنف ﵀ هذه الأقسام التي أجملها.
فقال: قسمان يقولان على ظاهرها، ثم إما يجعلون ظاهرها التشبيه وإما يجعلونه الإثبات مع التنزيه عن التشبيه، كما هي طريقة أهل السنة.
وقسمان يقولان: ليست على ظاهرها، وقسمان يتوقفان.
ثم ذكر أن القسمين اللذين ينفيان ظاهر النصوص إما أنهم ينفون اللفظ والمعنى أو أنهم ينفون المعنى ويتوقفون في اللفظ، ولهذا كانت أقسام المفوضة في كلام المصنف ثلاثة: القسمان الواقفان -وهذا صريح أنهم مفوضة- والقسم الثاني من القسمين اللذين ينفيان ظاهرها، إما أنهم ينفون الظاهر لفظًا ومعنى، أو ينفون المعنى ويسكتون عن اللفظ.
[ ٢١ / ١١ ]
المقصد العاشر: النظر في حال المخالفين
أشار المصنف في ختام الرسالة إلى النظر في حال المخالفين، فقد بين في أول رسالته أنهم في قول مختلف، وذكر نقلًا عن الرازي في كتابه أقسام اللذات لما قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن.
ونقل عن الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم
وكذلك نقل عن أبي المعالي الجويني.
فبين أن هؤلاء قد استولت عليهم الحيرة، وأنهم لم يحققوا في هذا الباب شيئًا من العلم؛ لأنهم أعرضوا عن محل التحقيق والعلم في هذا الباب وهو الكتاب والسنة، فهم يُذمون من هذا الوجه، ويُطعن على مذهبهم كثيرًا، ويبين أنه مذهب مخالف للقرآن والحديث، ومخالف لإجماع السلف.
ولكنهم من جهة أخرى، ينظر إليهم بعين القدر والرحمة؛ فإنه يترفق بهم؛ فإن القوم أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، وأوتوا عقولًا ولم يؤتوا فهومًا تناسب الفهم الصحيح في كتاب الله وسنة نبيه.
ولهذا يمكن أن يقال: إن هذا إشارة إلى أن طالب العلم ينبغي له أن يفرق في هذا المقام بين المقالة وقائلها، وأن الحكم الذي تأخذه المقالة كما إذا قيل القول بخلق القرآن كفر كما تواتر عن السلف، لكن ليس كل من قال: القرآن مخلوق من المعتزلة وغيرهم يقال: إنه كافر، وليس معنى هذا الكلام أنه يمتنع تكفير الأعيان عند السلف؛ وإلا لما كان كفرًا حقيقيًا، وإنما المقصود أنه لا تلازم بين المقالة وقائلها؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الواحد من أهل الصلاة لا يكون كافرًا في نفس الأمر إلا إذا كان ما يظهره من الصلاة ونحوها على جهة النفاق.
وقال: إن بعض مقالات الجهمية الكفرية وقع فيها بعض من له إيمان معروف من هذه الأمة الذين لم يتبين لهم حقيقة هذه المقالة، وقال: والإمام أحمد وإن تواتر عنه تكفير الجهمية إلا أنه لم يشتغل بتكفير كل من قال بقولهم، بل قد صلى خلف من يقول بخلق القرآن ودعا له واستغفر له.
يقصد: المعتصم العباسي؛ فإنه كان من القائلين بخلق القرآن حتى إنه نصره بالسيف، ولكن الإمام أحمد لم ير أنه قد تحقق فيه حكم هذه المقالة الكفرية.
فالقاعدة: أنه ثمة فرق بين المقالة وقائلها.
وفي هذا الباب للمصنف رسالة لطيفة في المجلد الثالث، وهي شرحه لحديث الافتراق، وقد ذكر فيها بعض القواعد في مسألة أهل القبلة، وتبديع المخالف للسلف، وهل يقال بكفرهم أو لا يقال، وبين غلط بعض الفقهاء الذين كفروا أهل البدع، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ: (كلها في النار إلا واحدة) حيث ففهموا من هذا الجزم لهم بالنار، أو فهموا من هذا أنهم كفار، فبين أن كلا الفهمين غلط، فإنه لا يجزم لسائر المخالفين للسلف بالنار باعتبار سائر أعيانهم، ولا يجزم لهم باعتبار سائر أعيانهم بالكفر، بل جمهورهم على الإسلام وإن كانوا ظالمين لأنفسهم بتقصيرهم في تحقيق الحق واتباعه وطلبه والاجتهاد فيه.
وإن كان يقع في بعض الطوائف من هو من أهل الزندقة كما هو حال غلاة الصوفية أو غلاة الجهمية أو الشيعة المؤلهين لـ علي، والذين قتلهم علي ﵁، عندما ظهر بعضهم في زمنه.
[ ٢١ / ١٢ ]