شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التبرك [٢]
مسألة التبرك من أهم المسائل التي ينبغي الحديث عنها، وذلك لأن كثيرًا من الناس يتبركون ببعض الصالحين ويلتمسون البركة منهم، وهذا فيه من الخطر والبلاء ما الله به عليم، وذلك من جهتين: من جهة الشخص الصالح، فإنه قد يغتر بذلك ويؤدي إلى هلاكه، ومن جهة العامة، فإنهم قد يغلون فيه ويوصلونه إلى منزله الإلهية والعياذ بالله، كما فعل غلاة الشيعة عندما غلوا في علي بن أبي طالب ﵁.
فالتبرك لا يجوز إلا بذات النبي ﷺ وآثاره، وهذا قد انتهى بموته ﷺ وذهاب آثاره، فلا نقيس أحدًا من الصالحين أيًا كان برسول الله ﷺ.
[ ٦ / ١ ]
التبرك بذوات الصالحين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فلقد سبق أن بينا أن التبرك على ثلاثة أنواع: التبرك المشروع، والتبرك الممنوع، والتبرك المختلف فيه.
فأما التبرك المختلف فيه، فهو: التبرك بذوات الصالحين، فكثير ما تسمع من الناس يقولون: فلان هذا بركة، أو زارني اليوم بركة، أو لقد حلت علينا البركة، فهل هذا التبرك هو تبرك بذوات الصالحين، أم تبرك بأثر الصالحين؟ وهل هذا التبرك جائز أم لا؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهذا ما سنتكلم عنه بمشيئة الله تعالى.
[ ٦ / ٢ ]
حكم التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره
لا يختلف اثنان في أن النبي ﷺ هو الرجل المبارك، وأنه أكثر الناس وأعظم الناس بركةً في هذه الدنيا، فهو ﷺ أعظم الخلق أجمعين، وهو سيد البشر وسيد ولد آدم أجمعين، وهو الذي له المكانة العليا عند ربه جل في علاه، فهو أعظم الناس بركة، لأن ببركة وجوده ﷺ أشرقت شمس الإسلام على الدنيا بأسرها، وعبدت الناس لله جل في علاه، فأخرج أصحابه الناس من عبادة الناس، إلى عبادة رب الناس، وهذه بركة لا تدانيها أية بركة؛ والنبي ﷺ رجل مبارك في ذاته وفي أثره وفي علمه وفي رسالته وفي نبوته، فهو ﷺ كله بركة، ويلتمس منه البركة في ذاته وفي آثاره.
[ ٦ / ٣ ]
الأدلة على جواز التبرك بذات النبي ﷺ
من الأدلة على جواز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره: أنه جاء في الصحيحين عن أنس ابن مالك ﵁ وأرضاه قال: ولد لـ أبي موسى غلام، فجاء به إلى النبي ﷺ فحنكه النبي ﷺ، أي: أخذ تمرةً فلاكها في فمه، ثم وضعها في فم الطفل لينزل في بطنه شيء حلو، ثم دعا له بالبركة، وبعد ذلك سماه إبراهيم، فكان مجيء أبي موسى بطفله إلى النبي ﷺ يلتمس البركة منه، كما ذكر ذلك أنس ﵁.
وكذلك عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (ما ولد مولود إلا جاءوا به إلى النبي ﷺ يتبركون بريقه ﷺ، فكان يحنكهم ويدعو لهم بالبركة).
ومن الأدلة على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ: أنه ﷺ دخل على أم سليم، وكان ينام عندها، لأنه محرم لها، قيل: إنها من خالاته من الرضاعة، والله تعالى أعلى وأعلم، فنام ذات يوم عندها فعرق النبي ﷺ، وكان عرقه ﷺ أطيب من المسك، فأخذت أم سليم تجمع عرق النبي ﷺ وتضعه في قارورة، كما ورد ذلك في الصحيح، ففزع النبي ﷺ من فعلها، فسألها عن ذلك، فقالت: إني أتبرك به لي ولأولادي.
فقال لها مقرًا: (أصبت)، أي: أصبت في تبركك بهذا.
وأيضًا في الصحيح عن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ الله عنه أنه ذهب إلى النبي ﷺ في صلح الحديبية قبل أن يسلم، ثم رجع إلى أهل قريش يحدثهم بمكانة النبي ﷺ بين أصحابه، فقال: ما كان رسول الله ﷺ يتنخم نخامة فتقع على يد أحدهم إلا دلك بها جلده، ثم قال: وما توضأ وضوءًا إلا كادوا يقتتلون على وضوئه؛ تبركًا بهذا الماء.
وأيضًا: فعله ﷺ في غزوة الحديبية، وذلك حين ردوه عن البيت، وكان الموقف موقف إحصار، فإنه دعا الحلاق، فحلق الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر، ثم فرق هذا الشعر على أصحابه أبي طلحة وغيره من أصحابه يتبركون به، وقد بقيت شعرة واحدة مع الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وكان دائمًا يتبرك بها، ويجعلها تحت عينيه، ويجعلها على لسانه، ويجعلها على بطنه؛ لأنه يعلم أنها شعرة من شعر النبي ﷺ؛ تبركًا بأثر من آثار رسول الله ﷺ.
وأيضًا: أبو موسى الأشعري وبلال ﵁ الله عنهما جاءا إلى النبي ﷺ يطلبان البشرى، فبشرهما النبي ﷺ، ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه، ثم مج في الماء ودعا، ثم قال لهما: اشربا منه واغسلا وجهيكما به، تبركا به ﷺ.
وفوق ذلك، كانوا يتبركون ببول النبي ﷺ، بل ويتبركون بدم النبي ﷺ، وهذا هو الذي جعل بعض الفقهاء يقولون: إن بول النبي ﷺ طاهر، واستدلوا بحديث المرأة التي شربت بول النبي الله عليه وسلم، فأقرها ﷺ على ذلك، وهذا الإسناد فيه ضعف، لكن يستأنس به هنا.
وأيضًا: عبد الله بن الزبير ﵁ عندما احتجم النبي ﷺ فأعطاه دم الحجامة، فقال له: (ضعه في مكان لا يراه أحد، فأخذه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أخبأته؟ قال: نعم، وضعته في مكان لا يمكن لأحد أن يراه، فقال: أين وضعته؟ قال: وضعته في بطني)، أي: شربه، فقال له رسول الله ﷺ: (ويل للناس منك، وويل منك من الناس)، فإن صح الحديث فهذا أيضًا تبرك بأثر من آثار النبي ﷺ.
فالإجماع حاصل على أن التبرك بآثار النبي ﷺ جائز، ونقول: إن كان التبرك جائزًا بأثر من آثار النبي ﷺ فمن باب أولى جواز التبرك بذات النبي ﷺ، وبالجلوس معه، وببركة علمه ﷺ.
ويجب أن نعلم أن العلم أصبح الآن علمًا نظريًا فقط، وليس علمًا عمليًا، لأن رسول الله صلى الله عيله وسلم قد مات، وآثاره قد انتهت ولم يبق منها شيء، فلا نصدق من جاء ببعض الأشياء وقال: هذه من آثار النبي ﷺ، كالذي يقول إن معه نعال النبي ﷺ، أو الذي أتى بعصا وعمامة وقال: هذه عصا رسول الله ﷺ، فأنى لهم ذلك! فآثاره ﷺ كما قلنا قد انتهت، ولكن هذا من باب بيان جواز التبرك بآثاره ﷺ عندما كانت موجودة، وقد سبق الكثير من الأدلة على ذلك، ومنها كذلك: ما ورد عن الرجل الذي رأى النبي ﷺ وعليه إزار ورداء، فقال للنبي ﷺ: اكسونيها يا رسول الله! وكان النبي ﷺ أحوج ما يكون لهذا الرداء، وكانت إحدى النساء قد صنعته خصيصًا له ﷺ، ولما علمت من حاله ﷺ أنه ما عنده أكثر من رداء وإزار، والصحابة ﵁ الله عنهم لاموا هذا الرجل على صنيعه هذا، ولكن رسول الله ﷺ لما علم من أخلاقه وكرمه وبركته لم يكن ليرفض هذا الطلب، ولو كان حاله ما كان.
وكان النبي ﷺ لا يرد سائلًا بحال من الأحوال، فخلع رداءه وأعطاه للرجل، ثم بعد ذلك اعتذر هذا الرجل أمام الصحابة ﵁ الله عنهم وقال: أردت أن أكفن فيه، تبركًا بما مس جلد النبي ﷺ.
ومن الأدلة كذلك على جواز التبرك بذاته ﷺ وآثاره: ما ورد في إحدى الغزوات عندما سوى النبي ﷺ الصفوف، فإذا أحدهم خارج عن الصف فضربه بيده ﷺ على خاصرته أو على بطنه، فقال (يا رسول الله! أوجعنتي وأريد القصاص، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليقتص الصحابي منه)، ما أعظم هذا الموقف وما أروعه! عندما يتعامل القائد مع الرعية بهذا التعامل؛ فإن البركة تنزل من السماء، والنصر يأتي لا محالة، (فكشف النبي ﷺ عن بطنه، فقام الرجل فقبل بطن النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: ما حملك على ذلك، قال: قد رأيت ما نحن فيه يا رسول الله نحن في الصف، فأردت أن يكون آخر ما أمسه في حياتي هو بطن النبي ﷺ)، أي: أنه فعل ذلك تبركًا بالنبي ﷺ.
فالصحابة كانوا من أفقه الناس، وكانوا يتبركون بأثر النبي وبذات النبي ﷺ.
[ ٦ / ٤ ]
القائلون بجواز التبرك بآثار الصالحين وأدلتهم الأثرية والنظرية
نظر جمهور أهل العلم إلى الأدلة السابقة التي فيها تبرك الصحابة بآثار النبي ﷺ فقالوا: هذه الأدلة أيضًا تدل على جواز التبرك بآثار الصالحين.
والذي أعلنها صراحة النووي في شرح صحيح مسلم، ثم تعبه الحافظ ابن حجر في الفتح، ثم الإمام الشوكاني، فقالوا جميعهم: بجواز التبرك بآثار الصالحين، واستدلوا بما سبق من الأدلة التي تدل على أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بآثار النبي ﷺ، وكادوا يقتتلون على وضوءه، وتبركوا بثياب النبي ﷺ، وتبركوا بكل شيء من رسول الله، بشعر النبي، بالماء الذي نبع من أصابع النبي ﷺ.
بل قالوا: إن هناك أدلة أخرى كثيرة، منها: قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨]، فهؤلاء كانت الآية لهم أن يأخذوا آثار الأنبياء ويتبركوا بها، ولذلك قال النووي: فهذه الآية فيها دلالة واضحة على جواز التبرك بآثار الصالحين، فإذا أخذت عمامة شيخك أو عصاه أو قميصه لتتبرك بها، جاز لك ذلك.
واستدلوا أيضًا بدليل آخر: وهو حديث في الصحيحين، أن عتبان بن مالك ﵁ بعدما عمي لم يستطع أن يذهب إلى المسجد، وكان يؤم الناس، فقال لرسول الله ﷺ: إن بيني وبين قومي هذا النهر، وإن الأمطار تأتي فتعوقني عن الذهاب إليهم لأؤمهم، فصل عندي يا رسول الله! في مكان اتخذه مصلى، فهو أراد أن يتبرك بالمكان الذي سيصلي فيه رسول الله ﷺ، فذهب النبي ﷺ إليه وكان قد صنع له طعامًا، فأراد أن يطعم أولًا، فقال رسول الله ﷺ: لا، أين تريد أن أصلي؟ فأشار إلى مكان في ناحية الدار، فتقدم ﷺ إلى المكان فصلى فيه، فاتخذ عتبان بن مالك ذلك المكان مصلى؛ تبركًا بفعل النبي ﷺ.
وقد عقب الحافظ على هذا الحديث فقال: هذا فيه دلالة على جواز التبرك بآثار الصالحين.
كذلك من الأدلة التي استدل بها الجمهور على جواز التبرك بآثار الصالحين: حديث عائشة وأنس ﵁ عنهما، أن كثيرًا من الصحابة كانوا يأتون بالأطفال إلى رسول الله ﷺ ليحنكهم، ويدعوا لهم بالبركة.
قالوا: وهذه دلالة على أن المولود لا بد لمن يحنكه أن يكون صالحًا، وحتى ينزل في بطن المولود أو الطفل ريق الصالح.
واستدلوا أيضًا بما ورد عن الشافعي ﵀ أنه رأى أن النبي ﷺ جاءه في المنام وقال له: بشر أحمد بن حنبل بالرفعة، وليصبر على بلوى ستأتيه، والبلوى كانت محنة القول بخلق القرآن، فبعث بهذه البشرى لـ أحمد مع الساعي، وقال لساعيه: وائتني بغسول ثيابه، فجاءه الساعي بهذا الغسول، فأخذه الشافعي واغتسل به تبركًا بـ أحمد بن حنبل لتقواه وورعه.
فهذا الدليل الذي ورد عن الشافعي ظاهر في جواز بالتبرك بآثار الصالحين، أما الأدلة الأولى فكلها وردت في التبرك بآثار النبيين، كموسى وهارون ﵉، ونبينا محمد ﷺ.
قال المجيزون للتبرك: ونحن نقيس الصالحين عليهم، فهم ما تبركوا بهم إلا لصلاحهم وتقواهم وقربهم من الله جل في علاه، فهذا تبرك بالصالحين.
هذا قول الجمهور وأدلتهم من الأثر ومن النظر، وكما قلنا التماس البركة يكون في الصلاح وأهل التقى والورع، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وأيضًا ما من مترجم يترجم لعلمائنا، إلا ويقول: فلان بركة، فـ السخاوي في ترجمته للنووي قال: إنه بركة.
وهذا صحيح، فإن النووي بركة، لكن سنبين ماذا يعني هذا القول.
وقالوا أيضًا: إن من الأدلة كذلك: أن الصلاح إذا وجد في مكان وجدت معه البركة، قال رسول الله ﷺ: (من سعادة المرء أربع، وذكر منها: المرأة الصالحة)، فالمرأة الصالحة بصلاحها في بيت زوجها تأتي له بالبركات، وقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]، فإن البركة موجودة في هذا البيت بسبب الصلاة.
إذًا: أهل الصلاح يكون معهم البركة، لكننا نقول: هذا الكلام فيه نظر وإن كان قول الجماهير، وقول الفحول من الشافعية كـ النووي وابن حجر وإمام الحرمين بل هو قول كثير من الشافعية قد توسعوا كثيرًا في مسألة التبرك، فهم حين يصنفون في مسائل الحج يقولون: ومن آداب الحج أن يسافر من مكة إلى المدينة ليتبرك بتراب قبر النبي ﷺ، والخطيب الشربيني صاحب كتاب (الإقناع) و(معنى المحتاج) من الأئمة في هذه المسألة.
[ ٦ / ٥ ]
القائلون بعدم جواز التبرك بآثار الصالحين غير النبي وأدلتهم
وقد خالف بعض المحققين من جماهير أهل العلم في التبرك، وقالوا: لا يجوز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره، ولا يجوز بحال من الأحوال قياس غير النبي ﷺ عليه، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: الدليل الأول: قول النبي ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، وقوله ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، فالصحابة تبركوا بذات النبي ﷺ وآثاره، بالجلوس معه وغير ذلك، ولكن بعدما مات رسول الله ﷺ ما رأينا عمر يأتي ويتبرك بـ أبي بكر، مع أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، بل هو أفضل الناس بعد النبيين والمرسلين على الإطلاق، ومع هذا لم يؤثر عن عمر ولا عثمان ولا علي أنهم تبركوا بـ أبي بكر ﵃ أجمعين، مع أنهم كانوا يعلمون ما لـ أبي بكر من البركة، فقد كانوا يجلسون معه فيأكلون الطعام، فكان الطعام يكثر في أيديهم ولا ينقص من بركة أبي بكر، بل أسيد بن حضير ﵁ يقرر بركة أبي بكر وبركة آل أبي بكر، وذلك عندما ذهبت عائشة ﵂ وأرضاها في سفر مع رسول الله ﷺ وانفرط العقد عليها، وكانت قد استعارت هذا العقد من أسماء لأجل أن تتزين به لرسول الله ﷺ، وكان الناس ليس معهم ماء، وليسوا على ماء، ففي الليل قالت: يا رسول الله! انفرط العقد، أي: ضاع، والنبي ﷺ كان خير الناس مع أزواجه، فهو القائل: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، فأمر الناس بالمكوث، فذهب الناس يكلمون أبا بكر في عائشة، وقالوا: أما رأيت ما فعلت عائشة؟ قال: وما فعلت؟ قالوا: أجلست رسول الله ﷺ وأجلست الناس وليسوا على ماء ومن المعلوم أن آية التيمم لم تنزل بعد، فماذا يفعلون وكيف يصلون؟ فذهب أبو بكر ﵁ وأرضاه إلى عائشة ﵂، تقول وهي تقص هذه القصة: (دخل أبو بكر - ولم تقل: دخل أبي، وكانت معذورة- ورسول الله ﷺ نائم على فخذي، فقال لها: يا لكع! -أي: يا لئيمة- أجلست رسول الله ﷺ وأجلست الناس وليسوا على ماء، قالت: فغمزني، أو قالت: وكزني في خاصرتي وما تحركت؛ لمكان رسول الله ﷺ مني، ثم خرج أبو بكر بعدما عنفها وشد عليها، وفي الفجر أنزل الله وحيًا يتلى إلى يوم القيامة؛ آية التيمم في سورة المائدة، فقال أسيد بن حضير لـ أبي بكر: ليست هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر).
فآل أبي بكر كلهم بركة، فـ أبو بكر بركة، وعائشة وأسماء بركة، وعبد الله، وكل أبناء أبي بكر بركة، ومع هذا لم نجد أحدا ًمن صحابة رسول الله ﷺ ذهب يتبرك بأثر من آثار أبي بكر ﵁ وأرضاه.
فهذا عمر، وهو أفضل الصحابة أجمعين بعد أبي بكر، لم نر أحدًا فعل ذلك معه بعد موت أبي بكر، ولم نر أحدًا فعل ذلك مع عثمان ولا مع علي ﵁.
إذًا: من هنا تأتي القاعدة المهمة «لو كان خيرًا لسبقونا إليه».
الدليل الثاني: قالوا: من مقاصد الشريعة: سد الذرائع، والقاعدة الفقهية المتفق عليها تقول: الوسائل لها أحكام المقاصد، فقالوا: والتبرك بذوات الصالحين وسيلة للغلو فيهم، ومعلوم بينا أن أول شرك حدث في البشرية كان بسبب الغلو في الصالحين، وذلك عندما غلا قوم نوح ﵇ في ودٍ وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، وقالوا: هؤلاء رجال صالحون، فلا بد أن نجعل لهم تماثيل حتى نتذكرهم ونقتدي بأفعالهم وعبادتهم وصلاحهم وورعهم، ثم تدرج الغلو حتى اعتقدوا فيهم ما لا يعتقد إلا في الله، ثم عبدوهم من دون الله جل وعلا، وهذا الذي قرره ابن عباس ﵁ وأرضاه.
فإذًا: الغلو في الصالحين ذريعة كبيرة لاعتقاد الشرك فيهم، وللاعتقاد فيهم ما لا يُعتقد إلا في الله جل في علاه، ولذلك النبي ﷺ حذر الأمة من الوقوع في مثل هذا أيما تحذير، فقد قال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).
وأيضًا لما دخل عليه القوم، فقالوا له: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا.
فقال النبي ﷺ: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان) أي: لا يجري بكم الشيطان، فيجعلكم تغلون فيَّ وترفعوني فوق درجتي.
أو كما قال قائلهم في رسول الله ﷺ: ومن جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم.
فهذا غلو في أعظم الخلق ﷺ، بأبي هو وأمي، ولذلك عقب المحققون وقالوا: هذا الرجل من الجنون بمكان؛ فلانه ما ترك لله ﷾ شيئًا، بل أعطى رسول الله ﷺ كل شيء.
إذًا: التبرك بذوات الصالحين هو وسيلة للغلو فيهم، وقد غلا بعضهم في الإمام أبي حنيفة، حتى أصبح بعض أصحابه يسبون أبا هريرة ﵁، لينافح عن مذهبه، وعن أقواله التي فيها من الخطأ الكثير، والمصادمة لحديث النبي ﷺ، فيأتون إلى الحديث ويقولون: هذا من رواية أبي هريرة، وقد كان يروي ما لا يعقل، فهذا سب في أبي هريرة ﵁ بسبب الغلو في بعض الصالحين.
والغلو هذا قد يكون سببًا في هدم الإسلام، وذلك كما حدث لغلاة الشيعة، فإنهم غلوا في علي بن أبي طالب ﵁ حتى أوصلوه إلى مرتبة الإلهية، وحتى أنه بعدما حرقهم بالنار قالوا له: لا يحرق بالنار إلا رب النار، أي: أنت إلهنا، والعياذ بالله، ووضعوا الأحاديث على النبي ﷺ بسبب الغلو في آل البيت، والنبي ﷺ يقول: (إنما أوليائي المتقون)، أي: لو كان الواحد من آل البيت من الفسقة، فإنه ليس من أولياء النبي ﷺ، وليس له التوقير ولا التعظيم ولا الاحترام، ولذلك قال النبي ﷺ: (لا أغني عنكم من الله شيئًا).
[ ٦ / ٦ ]
ردود المانعين من التبرك بالصالحين على المجيزين له
لقد رد المحققون على أدلة القائلين بجواز التبرك بذوات الصالحين، فقالوا: إن الأدلة واردة في جواز التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره، ونحن لا نخالفكم في هذا، وإنما نقول: أنتم جعلتم الصالحين أو آحاد الناس من هذه الأمة في منزلة سيد الأمة رسول الله ﷺ، وقستم الناس عليه.
قال المجيزون: نعم، لأن الصالحين يقتدون ويقتفون أثر النبي ﷺ، وهم ورثة علمه ﷺ كما قال ﵊: (إنما العلماء ورثة الأنبياء)، فلم لا نفعل بهم ذلك وهم على خطى رسول الله ﷺ، والأصل عندنا عدم التخصيص؛ لأن الله جل وعلا إذا شرع شرعًا ووضع أحكامًا كانت على العموم لا على الخصوص، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٣١]، للناس عمومًا، فقد قال الرجل: (يا رسول الله! ألي خاصة؟ قال: بل للأمة عامة)، فالأصل في الأحكام أنها على العموم، فكذلك لا نخصص رسول الله ﷺ في هذه المسألة.
ثم قالوا: إن قلتم: إن الأدلة وردت في الأنبياء، فعندنا قصة الشافعي، ولا مدخل للأنبياء فيها.
قال المانعون: أما الكلام على الأنبياء فنحن نقول بالخصوصية، وبعد الاتفاق معكم على أن الأصل في الأحكام العموم، لكن التبرك بآثار الأنبياء خاص بالأنبياء فقط لا بالصالحين؛ لأن رسول الله ﷺ هو أفضل البشر أجمعين، وموسى ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وعيسى ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وإبراهيم ﵇ في عصره هو أفضل البشر أجمعين، وهذا لا سبيل إلى إنكاره.
من الأدلة على أن الأنبياء والرسل هم أفضل الناس أجمعين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ووجه الدلالة: أنه قدم ذكر النبيين على غيرهم في قوله ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:٦٩]، فدل هذا التقديم على أفضليتهم، ومعلوم أن الله ﷾ إذا ذكر النبيين ولم يذكر الرسل فإنهم يدخلون في هذا الذكر.
ومن الأدلة كذلك: شفاعة النبي ﷺ للناس أجمعين، فهذا يدل على أنه أفضل الخلق أجمعين، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).
وأيضًا من الأدلة: قول الله تعالى عن الأنبياء: ﴿الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٧]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] و(من) هنا تبعيضية.
فهذه الأدلة على أن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، فإذا كانوا كذلك فهذه دلالة على الخصوصية التي كانت لهم؛ لأن البركة كل البركة مع هؤلاء الذين هم أفضل البشر.
فإذًا: لا يقاس غيرهم عليهم.
قال المجيزون: إن الشافعي تبرك بغسول ثياب أحمد بن حنبل، وأحمد ليس بنبي.
قال المانعون: هذه القصة لا تثبت عن الشافعي بحال من الأحوال؛ لأن إسنادها مظلم.
ثم إذا سلمنا ذلك جدلًا، وقلنا: إنها حدثت من الشافعي -مع أنها لم تثبت عنه ولله الحمد والمنة- فإننا والله لا نقبل منه هذا الفعل، ولا نقبل منه هذا القول، فهو القائل: إن صح الحديث فهو مذهبي، وهو القائل: إذا خالف فعلي فعل النبي ﷺ، أو قولي قول النبي ﷺ فاضربوا بقولي أو فعلي عرض الحائط، وهو الذي قال: قول الصحابي حجة ما لم يخالفه أحدًا من الصحابة، ودائمًا يحتج بقول النبي ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)، فنقول: هذا فعل الشافعي، ولكن فعل عمر يخالفه، وفعل أبي بكر يخالفه، وفعل عثمان يخالفه، وفعل علي يخالفه، وفعل ابن عباس -البحر- يخالفه، وفعل ابن عمر التقي الورع الأثري يخالفه، فبمن نقتدي؟ نقتدي بـ الشافعي، أم نقتدي بهؤلاء الأكارم الأماجد الأخيار؟ نقتدي بالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ لأنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، والعلم إنما جاء عنهم.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه فإذًا: ليس لهم حجة في ذلك بحال من الأحوال.
فنقول: التبرك خاص برسول الله ﷺ، فأما دليلهم الأول فهو خاص بأنبياء بني إسرائيل: موسى وهارون وآثارهما، فإن سلمنا ذلك جدلًا وقلنا: قد جاءت آثار موسى وهارون وتبركوا بها، فنقول: هذا شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا على الصحيح الراجح أصوليًا أنه شرع لنا ما لم يأت من شرعنا ما يكون ناسخًا له؛ وقد جاء من شرعنا النسخ، فقد نهى النبي ﷺ عن الغلو في الصالحين؛ لأن الغلو يوصل الإنسان إلى أن يعتقد في الشخص ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه.
وأما صلاة النبي ﷺ في بيت عتبان بن مالك ﵁، وأنه ﵁ أراد أن يتبرك بهذا المكان الذي صلى فيه رسول الله ﷺ، فنقول: أولًا: لم يرد عنه ﵁ الله عنه أنه أراد التبرك، وإنما أراد أن يأخذ إقرارًا من النبي ﷺ بأن يصلي في بيته؛ لأن النبي ﷺ قال للأعمى: (تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب).
ثانيًا: أن التبرك بفعل النبي ﷺ، وبالمكان الذي صلى فيه النبي ﷺ جائز، وحق له أن يتبرك بذلك؛ لأنه تبرك بفعل النبي ﷺ، وبمكان صلى فيه النبي ﷺ، وليس لأحد أن يصل إلى منزلة النبي ﷺ، بحيث نقول له: صل في المكان الفلاني حتى تحل فيه البركة، بل إن هذا العمل يؤدي إلى هلاك الشخص والعياذ بالله، لأنه قد يرى في نفسه أنه من أتقى الناس وأورع الناس، فيدخله العجب والكبر، فيؤدي هذا إلى هلاكه، فليس لأحد أن يداني النبي ﷺ في منزلته، فلذلك لا يجوز التبرك بآثار الصالحين.
أما استدلالهم بحديث تحنيك المولود، فنقول: إن كان المقصود من التحنيك هو التبرك بريق النبي ﷺ فهي خاصة به، ولا يجوز التحنيك بعد ذلك؛ لأن هذه السنة قد انقطعت بموته ﷺ، وإن كان المقصود من التحنيك غير التبرك فلا حجة لهم فيه، وهذا هو الصحيح الراجح، وهو الظاهر من الحديث؛ لأن أنسًا قال: (وبرك)، أي: دعا له بالبركة.
إذًا: الصحيح الراجح كما بين ابن القيم: أن الإنسان عند خلو معدته من الطعام فإن أفضل ما ينزل إلى معدته حتى يرطبها هو الشيء الحلو، ولذلك نجد النبي ﷺ إن لم يحنك بتمر فعلى حسوات من الماء.
فهذه دلالة واضحة في أن المقصود من التحنيك هو: أن يدخل الشيء الحلو في معدة الطفل، ولذلك نحن لا نشترط أن يكون بالتمر فقط، بل ممكن أن يكون بعسل أو سكر أو أي شيء حلو، وإنما التمر أولى من غيره.
فالخلاصة أننا نقول: إن كان المقصود من التحنيك التبرك، فهذه سنة قد انقطعت وانتهت بموته ﷺ، ولا يجوز لأحد أن يعملها مرة أخرى، لأنها خاصة بالنبي ﷺ، وإن كان المقصود بالتحنيك هو دخول الشيء الحلو إلى معدة الطفل حتى يرطب معدته، فنقول: هذه سنة إلى يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، وليس في ذلك دليل على جواز التبرك بآثار الصالحين ولا بذواتهم.
[ ٦ / ٧ ]
حكم التبرك بدعاء الصالحين وعلمهم وعبادتهم
لا يجوز بحال من الأحوال التبرك بذوات الصالحين، وإنما يجوز التبرك بدعائهم وعلمهم وعبادتهم وهذا ليس فيه تناقض؛ لأن التبرك بدعاء الصالحين وعلمهم وعبادتهم يعتبر من التوسل المشروع، وإليك بعض الأدلة: فمما يدل على جواز التبرك والتوسل بدعاء العبد الصالح، ما ورد في الحديث عندما قال النبي ﷺ: (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال له عكاشة بن محصن: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال: أنت منهم)، فإنه توسل وتبرك بدعاء النبي ﷺ.
وأيضًا: تبرك الرجل الأعمى بدعاء النبي ﷺ له، فرد الله عليه بصره، فهذا تبرك بدعاء الصالحين، ولا نقول: إن هذا خاص بالنبي ﷺ؛ لأن هناك الكثير من الأدلة التي تدل على أن الصحابة كان بعضهم يسأل بعضًا أن يدعو له، بل النبي ﷺ قال: (يأتي رجل مع إمداد أهل اليمن يقال له: أويس القرني من مراد ثم من قرن، له والدة هو بها بر، فمن رآه منكم فليستغفر له)، أي: يسأله أن يدعو له بالمغفرة، فقال عمر: (أنت أويس؟ قال نعم، قال: استغفر لي، قال: أنا يا أمير المؤمنين! قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول عنك: كذا وكذا).
فهذه الأدلة تدل على جواز التبرك بدعاء الصالحين، وما من عالم من العلماء إلا كان يتبرك بدعاء الصالحين من العلماء في عصره.
أيضًا: نتبرك بعلم الصالحين، فإن العلم بركة، فنتبرك بمجالسه أهل العلم لما فيها من الخير، ففيها تحفنا الملائكة، ونُذكر بأسمائنا وأسماء أبائنا وأمهاتنا عند ربنا جل في علاه، ويثني الله على أهل المجلس خيرًا، ويقول الله جل وعلا: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فالبركة كل البركة أن تسمع حديثًا للنبي ﷺ فتنتفع به وتعمل، فيكون سبب نجاتك في هذا الحديث، فهذا تبرك بعلم الصالحين.
ويكون التبرك كذلك بعبادة الصالحين، ويكون ذلك بأمرين: الأمر الأول: أننا نتأسى بهم في هذه العبادة، ونحاول أن نعمل مثل عملهم.
الأمر الثاني: أن المكان الذي تكون فيه العبادة تحفة الملائكة، وتنزل منه الخيرات والبركات، فالله ﷾ يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، ولذلك نحن نقول للمرأة: لا تشددي على زوجك وتكثري عليه من الطلبات، بل أكثري من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ومن الاستغفار، ومن العبادات في بيتك، وعندها تجدين الخير يأتي مع زوجك؛ لأن البركة كل البركة في الصلاح، وفي عبادة المرأة في بيتها، فهذا أيضًا من التبرك بعبادات الصالحين.
فإذًا نقول: لا يجوز التبرك بذوات الصالحين وآثارهم، ويجوز التبرك بما يكون متعديًا من الصالحين، كدعاء وعلم وعبادة وذكر واستغفار وقراءة قرآن، وكل فعلٍ متعدٍ منهم، ولنا في ذلك أسوة بالصالحين الذين كانوا سلفًا لنا.
ومن التبرك المشروع: التبرك بسير العلماء الصالحين، وهذا ليس تبركًا بذات العلم، وإنما تبرك بسيرته لنتأسى به؛ كيف عَبَدَ الله جل في علاه، وكيف جاب الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، فنتبرك بالتأسي بفعل هؤلاء الصالحين، لا بذواتهم.
[ ٦ / ٨ ]
حكم التبرك بقبر النبي ﷺ
إن التبرك بقبر النبي ﷺ مسألة من المسائل المشكلة على العلماء وطلبة العلم؛ لأن كثيرًا من كتب الفقه عند الحنابلة والشافعية تعج بهذا الكلام، لكن الحمد لله أن القاضي حسين وإمام الحرمين أنكروا ذلك إنكارًا شديدًا، فالذين يرون جواز ذلك يقولون: إن القبر يُعتبر أثرًا من آثار النبي ﷺ، وأثر النبي ﷺ موجود فيه، فلهذا يجوز التبرك بقبره ﷺ.
نرد عليهم ونقول: هل كان القبر ثوبًا لبسه النبي ﷺ قبل أن يموت؟
الجواب
لا، هل كان القبر شرابًا يشربه النبي ﷺ قبل أن يموت؟ الجواب: لا، هل مج النبي ﷺ في قبره وبقي الماء على فوهة القبر حتى نتبرك به؟ الجواب: لا.
إذًا: القبر ليس أثرًا من آثار النبي ﷺ حتى نتبرك به، فلا يجوز بحال من الأحوال التبرك بقبر النبي ﷺ، بل هذا من الشرك بمكان.
[ ٦ / ٩ ]