شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - الحلف بغير الله
عظمة الله ﷾ راسخة في قلب كل مؤمن، بل هي ركن العبادة الركين، ولتعظيم الله آثار بينها الشرع الحنيف، منها: ألا يحلف إلا بالله جل في علاه؛ لأن الحلف لا يكون إلا بمعظم، ولا أعظم من الله سبحانه في قلب المؤمن الموحد، فلا يعدل عنه إلى غيره في حلفه وفي سائر شئون حياته، وإن عدل عنه إلى غيره -في الحلف ونحوه- فقد أشرك.
[ ١٠ / ١ ]
حكم الحلف بغير الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فما زلنا مع هذا الكتاب الجليل أي: كتاب: (الدر النضيد) للإمام الشوكاني رحمه الله تعالى.
وسنتكلم -إن شاء الله- على مسألة مهمة، وهي: حكم الحلف بغير الله، والمصنف هنا أتى بأمر عجب، وهو أنه يرى ويستدل بأن الحلف بغير الله لا يجوز، لقول النبي ﷺ: (من حلف بملة غير الإسلام لم يرجع إلى الإسلام سالمًا)، والعجيب في ذلك: أن الإمام الشوكاني رحمة الله عليه يرى أن الحلف بغير الله من الشرك الأكبر، أي: يخرج به صاحبه من الملة، فمن أقسم عنده باللات أو بالعزى أو بحياته أو برحمة والده أو بشرفه، فهو يرى أنه يخرج من الملة، ولذلك يقول: وفيها: أن الحلف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام، فجعله من الشرك الأكبر، قال: وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه، فعلل بهذا التعليل، أي: أنه تعظيم، والتعظيم المطلق لا يكون إلا لله، وأقول: الكلام عن القسم سيكون من أكثر وجه.
[ ١٠ / ٢ ]
تعريف القسم لغة وشرعًا
القسم أو اليمين لغة: مأخوذ من اليد؛ لأن الواحد يأخذ بيد صاحبه أو بيمين صاحبه لتعقد اليمين.
وشرعًا: ذكر معظم لتوكيد حكم مذكور على وجه مخصوص.
فقولنا: (ذكر معظم)، أي: لا يوجد أحد أعظم من الله جل في علاه، وقولنا: (لتوكيد حكم)، أي: كأن يقول: والله ما أخذت هذا المال، وقولنا: (على وجه مخصوص)، أي: يسبقه بواو أو باء أو تاء، فيقول الحالف مثلًا: والله ما أخذت الدرر، أو يقول: تالله ما فعلت كذا، وبالله لأفعلن كذا، فهو ذكر معظم ولا أحد أعظم من الله جل في علاه كما بينا، وقلنا: (ذكر معظم) فأطلقنا هذه العبارة؛ لنفرق بين من عظم الله وعظم مخلوقًا فأنزله منزلة الله، ولذلك أطلقناه، فما قلنا: (ذكر الله)، بل قلنا: ذكر معظم؛ لأن المعظم عند المؤمنين هو الله جل في علاه، والنصارى يعظمون المسيح على أنه الله أو ابن الله والعياذ بالله، واليهود يعظمون عزيرًا، وعند أهل التصوف الذين غمسوا في الشركيات يعظمون الأولياء عن الله جل في علاه كما سنبين.
وقولنا في القسم شرعًا: هو ذكر معظم، هذا فيه إطلاق حتى نبين أنها تقع على ناحيتين، أي: على الله وعلى غيره، ولا أعظم من الله جل في علاه، وقولنا: لتوكيد حكم مذكور على وجه مخصوص، أي: نحو بالله وتالله ووالله، وإن كان القسم تعظيمًا فهو عبادة، أي: إن كان القسم إشعاره وركنه وأسه وأساسه هو التعظيم، فهو إذًا عبادة، وفي الحديث: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) فهذا أمر، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله كان عبادة.
وأيضًا: تعريفنا سابقًا للعبادة، وذلك أننا قلنا: للعبادة ركنان هما: غاية الحب والذل، وغاية التعظيم، إذًا: فالتعظيم ركن العبادة الركين، والقسم لا يكون إلا بمعظم، وكذا الشق الثاني وهو: غاية الذل لله جل في علاه يظهر في امتثال أوامره بأن لا يقسم إلا به.
فالغرض المقصود يبقى إذًا هو التعظيم لله جل في علاه، فلا بد من ذكر معظم أو السكوت في القسم، وسنبين أن له قيود وشروط.
[ ١٠ / ٣ ]
أقسام القسم
ثم القسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق.
القسم الأول: القسم من الخالق، وهذا لا قيود له؛ لأنه الخالق سبحانه جل في علاه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فيقسم سبحانه بما شاء، يقسم بنفسه، وبذاته، وبصفاته، وبأفعاله، وبخلقه، وبآثار أفعاله، وبما شاء سبحانه، قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقد أقسم سبحانه بذاته فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥].
وأقسم بصفاته كما قال في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
وأقسم الله بأسرار أفعاله وبمخلوقاته فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧] والسماء مخلوقة، فهي أثر فعل لله جل في علاه؛ لأن من لوازم الربوبية الخلق، فأقسم الله بالسماء وبالليل وبالنهار وبالفجر وبالضحى وبالطور وبالبحار وبالأنهار، وغيرها من مخلوقاته.
[ ١٠ / ٤ ]
الحكمة من قسم الله بالمخلوق
والحكمة من قسم الخالق بالمخلوق مع أنه حرم الإقسام به كما سنبينه: أن قسم الله بالمخلوق فيه الدلالة على عظمة المخلوق، وعظمته تدل على عظمة الخالق، فكل كمال في المخلوق فالله أحق به، وكل عظمة في المخلوق فقد دلت على عظمة الذي خلق.
فإذًا: الحكمة من أن يقسم الله بمخلوقاته: أن في هذه المخلوقات دلائل باهرة على ربوبية الله وعظمته سبحانه جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:١ - ٢].
وقال جل في علاه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات:٧]، وقال جل في علاه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣].
و(ما) في الآية الأخيرة اسم موصول بمعنى الذي، أي: والذي خلق الذكر والأنثى، وقد تكون مصدرية، فيكون المعنى: وخلق الذكر والأنثى، أي: يبين الله أن خلق الإنسان خلق عظيم، ومن عظمة خلقه يقسم الله به.
فيكون القسم إن قلنا: إنها (موصولة) بالذات المقدسة، وإن قلنا: إنها (مصدرية) فيكون القسم بخلق الإنسان البديع، فالآية: والذي خلق الذكر والأنثى، فيها نوعين من القسم: نوع بالمخلوق، ونوع بالخالق.
ومما أقسم الله تعالى به: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢]، وقوله جل في علاه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧].
والقسم في هذه الآية الأخيرة إما أن تكون (ما) فيه (موصولة)، فيكون المعنى: والذي سواها، وهو الله جل وعلا ويكن هنا أن الله أقسم بذاته جل في علاه، وقد تكون (مصدرية) ويكون المعنى: وتسويتها، وفيه إشارة إلى عظمة تسوية النفس، ويكون قسم الله هنا بالمخلوق.
إذًا: يقسم الخالق بما شاء، بالمخلوقات، بذاته، بصفاته، وكذا أقسم الله بحياة النبي ﷺ، وذلك عندما قال: «لَعَمْرُكَ»، أي: وحياتك يا رسول الله! وحياتك يا محمد! ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
فهذا القسم من الخالق جل في علاه يكون بما يشاء.
[ ١٠ / ٥ ]
أنواع القسم من المخلوق
القسم الثاني: القسم من المخلوق، وهو على ثلاثة أنواع: قسم مباح، وقسم محرم، وقسم شرك.
[ ١٠ / ٦ ]
القسم المباح
القسم المباح هو: الذي أباحه الشرع تعبدًا لله جل في علاه، بأن تقسم وتذكر المعظم لأمر عظيم، وتريد منه: أن ينتبه الناس لك، وأن يستقر في قلوبهم أنك صادق، وتؤكد بالقسم ليقتنعوا به، كما أقسم النبي ﷺ في بعض الأحيان دون أن يستقسم، فقال: (والذي نفسي بيده إن في الجنة) كذا وكذا، فأقسم دون أن يستقسم؛ ليؤكد قوله، فهذا القسم مباح.
ولا يكون القسم إلا بالله جل في علاه، أو بصفاته ﷾ وأسمائه، أو بأفعاله وآثاره جل في علاه.
وكل هذه أنواع للقسم المباح.
وكان النبي ﷺ يقسم كثيرًا بربه جل في علاه، إما بذاته وإما بأسمائه وصفاته وإما بأفعاله، فكان يقول: (والذي نفسي بيده) وهذا قسم بالذات.
وكان ﷺ يقسم ويقول: (لا ومقلب القلوب) وهذا قسم بأفعال الله.
وكان يقسم أيضًا بقوله: لا والله وبالله وتالله، وأيضًا صحابة رسول الله ﷺ كانوا ينتهجون هذا النهج بعدما تعلموا من النبي ﷺ أن القسم المباح هو القسم بالله أو بأسمائه وصفاته جل في علاه، فكانوا يفعلون ذلك، وذلك كحال الأعرابي الذي دخل على النبي ﷺ وله دوي بعدما أسلم، فقال: (آلله أرسلك؟)؟ كأنه يستحلفه بالله.
وأيضًا: أبو موسى الأشعري عندما دخل عليه امرؤ وقال له: (إني أحبك في الله، قال: آلله؟ أو قال: والله تحبني في الله؟ -أي: يقسم بذات الله جل في علاه- قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كذا وكذا).
وأيضًا: عائشة ﵂ وأرضاها كانت تقسم بذات الله أو بأسمائه وصفاته، وكانت تحب محمدًا ﷺ بأبي هو وأمي حبًا جمًا، لكنها امرأة، وتعرفون النساء، فتغضب تارة وتسعد وتسر تارة، فإذا غضبت من النبي ﷺ، وذلك عندما تغار عليه غيرة شديدة، فتغضب إن أشار إلى زوجة من زوجاته، أو إن أكل المغافير عند زوجة من زوجاته، وكانت في أوقات اليسر والسعادة والسرور مع رسول الله ﷺ تقسم وتقول: لا ورب محمد، فتذكر محمدًا ﷺ على أنه من أعظم المخلوقات، فتقسم بالرب سبحانه، لكن ذكرت النبي ﷺ لأنه أعظم مخلوق عند الله جل في علاه.
وكان إذا أكل المغافير عند زينب أو ذهب إلى أم سلمة قالت: لا ورب إبراهيم، وتركت اسم محمد، ولذلك قال لها النبي ﷺكما في الصحيح-: (إني لأعلم متى تكونين عني راضية ومتى تكونين غاضبة؟ عندما تكونين راضية عني تقولين: لا ورب محمد، -أفرس الناس هو رسول الله ﷺ- وعندما تكونين غاضبة عني تقولين: لا ورب إبراهيم.
قالت: نعم يا رسول الله! والله ما أهجر إلا اسمك فقط، لكن المحبة كلها تنعقد في القلب).
فالغرض: أنها كانت تقسم بذات الله وبصفاته وأفعاله.
وأيضًا: كان ابن عمر ﵁ وأرضاه يطوف حول الكعبة فسمع رجلًا يقول: والكعبة.
فأوقفه ابن عمر وقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: لا ورب الكعبة.
قال له ذلك لأنه لو أقسم بالكعبة فقد أقسم قسمًا شركيًا كما سنبين، لكن إن كان لا بد من القسم فليقل: لا ورب الكعبة، فانظروا إلى الصحابة رضوان الله عليهم بعدما أتقنوا العقيدة الصحيحة كيف ابتدءوا يعلمونها للناس تطبيقًا واقعيًا بعد العلم والعمل، ولذلك قال لي بعض الأفاضل: نريد من الإخوة أن يتعايشوا العقيدة ويتعبدوا بها، ولا نسرد لهم الأصول والفروع وغيرها، قلت: نعم، هذا جيد جدًا، لكن هو جيد للعوام لا لطلبة العلم، العوام يريدون العقيدة للتطبيق فقط، فيتعلمونها لاعتقادها والتعبد بها، أما طالب العلم فيتعلمها ليتعبد بها وليعلمها وليناظر من أجلها، وهذا الذي كان يفعله صحابة رسول الله ﷺ.
صلى ابن عباس على جنازة فسمع رجلًا يقول: اللهم رب القرآن ارحم هذا الميت، أفسح له في قبره، فلما انتهى ابن عباس من الصلاة وسلم أخذه فقال: ماذا تقول: قال قلت: ورب القرآن، قال: ما معنى ورب القرآن؟ أي: ليس لك أن تقول: ورب القرآن، فكانت الإجابة من الرجل إجابة معينة والإجابة من ابن عباس إجابة معينة.
وللتوضيح نقول: المضاف إلى الله نوعان: أعيان، ومعان، فـ ابن عباس أوقف الرجل؛ لأنه أضاف الربوبية للقرآن، بقوله: ورب القرآن، فإن كان الرجل يقصد أن القرآن كالشجرة، وهذا هو الذي أخذ على الشيخ سيد قطب عندما قال: والقرآن كالسماء والأرض والأنهار، والمأخذ في هذه الجملة: إذا قال: القرآن كالسماء، فكأنه قال: القرآن مخلوق، كما تقول المعتزلة.
إذًا: فـ ابن عباس استوقفه وكأنه يقول له: أنت الآن أضفت، وهذه الإضافة أتقصد بها إضافة معنى أم إضافة عين؟ فإن قصدت إضافة العين فهو قسم بمخلوق، وكأنك قلت: إن القرآن مخلوق، وهذا لا يصح، وإن قصدت أنها إضافة معنى، فقد أضفت القرآن الذي هو كلام الله لله، إضافة صفة للموصوف.
إذًا: فـ ابن عباس استوقفه لا للقسم ولكن للإضافة، أي: هل هذه الإضافة إضافة معنى أم إضافة عين، وهذا النوع من القسم في القرآن كثير، أي: إضافة المعاني للرب الجليل، نحو قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣].
ومنه أيضًا قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] فهنا أضيف الموصوف لصفته وهي العزة، رب العزة، في قوله «رَبِّ الْعِزَّةِ»، وقد سمع ابن عباس من يحلف بذلك فقال: إن أقسمت فاقسم بالله جل في علاه، أو إن حلفت فاحلف بالله جل في علاه، ثم سأله عن مسألة الكلام، وسمع أحدًا يحلف بحياة أهله أو أقربائه فقال: الشرك بالله أن يقول: وحياتي وحياتك.
إذًا: فالقسم المباح قسم من المخلوق، وهو القسم باسم الله، أو بصفة من صفاته، أو بفعل من أفعاله جل في علاه.
[ ١٠ / ٧ ]
القسم المحرم
القسم المحرم وهو: القسم بالله على أمر دنيوي كاذبًا، وهذا القسم الممنوع لا يدخل فيه الشرك، وإنما هو قسم محرم.
ودليل هذا القسم وأساسه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:٧٧]، وأيضًا ورو في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (اليمين الفاجرة)، واليمين الفاجرة هذه غير الغموس، فالفاجرة: هي المنفقة للسلعة الممحقة للبركة، وهي كأن يقول: أقسم بالله أني اشتريتها بكذا، وهي نوع من أنوع الغموس، لكن على خلاف، اشتريتها بكذا ليبيع سلعته، أو هو يجعل الله عرضة ليمينه، كما في الطبراني بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم) وذكر منهم: من اتخذ الله جل وعلا سلعة أو اتخذ يمينه سلعة، فلا يبيع إلا بقسم ولا يشتري إلا بها، ولا يجلس إلا بقسم ولا يقوم إلا بها، فأصبح القسم سلعة في لسانه، فهذه أيضًا من اليمين الفاجرة.
أما اليمين الغموس: فهي اليمين الكاذب فيها صاحبها على شيء مضى، وهذا تعريفها عند الجماهير.
وسميت غموسًا؛ لأن صاحبها لا كفارة له، وإنما يغمس في جهنم، وهذا خلافًا للشافعية، وذلك أنهم قالوا: لها كفارة، والجماهير قالوا: اليمين الغموس ليس لها كفارة، لكن الشافعية يرون أن لها كفارة بقياس الأولى.
فالمقصود: أن اليمين الغموس يراه الجمهور يمينًا مطلقًا، أي: أن يقسم بالله كذبًا على شيء مضى، مثلًا: سرق رجل مالًا، فلما عاودوه وقالوا: أنت أخذت هذا المال، فأقسم بالله -وهو مستيقن أنه كاذب- أنه لم يأخذ هذا المال، فهذا اليمين عند جماهير أهل العلم يمين غموس ليس له كفارة، بل لا بد أن يغمس صاحبه في نار جهنم.
وقال بعض العلماء -وهذا أدق-: اليمين الغموس ليس مطلقًا الذي يقسم صاحبه به كاذبًا ليستقطع مال امرئ مسلم، واستدلوا على ذلك بحديث صحيح، وفيه أن النبي ﷺ بين اليمين الغموس بالذي يقسم به صاحبه ليقتطع مال امرئ مسلم زورًا، فيبقى اليمين الغموس هو أن يكون بينه وبين الآخر حق، فيقول صاحبه: هذا حقي، وهو يقول: لا، هو حقي، فيقول: تقسم بالله، فيقسم بالله متجرئًا ليأخذ منه هذا المال، فيأخذه منه ظلمًا، فهذه هي اليمين الغموس.
أما لو فعل شيئًا في الماضي وأقسم أنه لم يفعله -وهو يعلم أنه كاذب- فلا تدخل في اليمين الغموس، وهذا هو الراجح الصحيح، أي: أن الراجح هو: أن المطلق يحمل على المقيد، والجمهور يرون أن هذا فرد من أفراد العموم لا يخصصه.
وعلى كل فالمسألة خلافية، إما على الإطلاق أو التقييد، ونحن لا نقول هذا التفصيل للعوام، وإنما نقول لهم: من أقسم كاذبًا في شيء مضى -وهو يعلم أنه كاذب- فهذا يمين غموس لا كفارة له.
والحاصل: أنه يمين محرم، وهو اليمين الذي يتخذ الله فيه سلعة حتى يبيع ويشتري به، أو اليمين التي هي منفقة للسلعة ممحقة للبركة، أو التي يكون فيها صاحبها كاذبًا على شيء مضى، وهو متأكد أنه كاذب فيه.
[ ١٠ / ٨ ]
القسم الشركي
القسم شركي وهو: القسم بغير الله جل في علاه، كأن يقسم ببشر أو بصنم أو بحجر أو بشجر أو بملك أو بنبي، فهذا القسم قسم شركي، وهذه هي التي حذر منها النبي ﷺ وحث الأمة أن يبتعدوا عنها بقوله ﵊: (من كان حالفًا فليحف بالله)، وهذا أمر يدل على الوجوب، أي: من أقسم بغير الله فقد وقع في الإثم؛ لأنه خالف النبي ﷺ، بل يقع في الشرك لصريح قول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وأيضًا لقول النبي ﷺ: (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله).
فالمراد: أن هذا قسم شركي، ثم هل هو شرك أكبر أم أصغر؟ على تفصيل والأصح: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر؛ لأمور: أولًا: أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، ودلت القرائن بأن النبي ﷺ أراد بقوله: (فقد أشرك) أي: الشرك الأصغر؛ لأنه جعل له كفارة، والشرك الأكبر لا كفارة له، أما الشرك الأصغر فله كفارة، وهي ما في قول النبي ﷺ: (من حلف باللات فليقل: لا إله إلا لله)، فجعل له كفارة، فهذه دلالة أولى.
ثانيًا: أن النبي ﷺ نهى عن الحلف فقال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)، ولم يبين ويفصل أن هذا شرك يخرج من الملة.
أما إذا جاءنا الإيراد على أنه ذكر في حديث آخر الشرك، قلنا: قد فسره بذكر الكفارة أنه شرك أصغر.
فالحاصل إذًاَ: أن الأصل في القسم بغير الله أنه شرك أصغر، وهذا يعد اتفاقًا لأهل العلم من المتقدمين، لكن خالف الشوكاني كل أهل العلم وقال: إن الأصل فيه أنه شرك أكبر.
ولو قلنا بقوله لكفر وخرج من الملة ثلاثة أرباع أهل الاسكندرية أو أكثر؛ لأن كل واحد منهم يقول في قسمه: بشرفي، بشرف امرأتي، بشرف أمي، بشرف كذا، أي: أن الشرف عندهم أغلى ما يقسمون به، فلو قلنا بقول الشوكاني فجل أهل مصر كفروا.
والصحيح الراجح: أن القسم بغير الله شرك أصغر لا شركًا أكبر، لكنه يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب؛ لأن القاعدة عند العلماء تقول: كل معصية أو كل شرك أصغر يمكن أن يرتقي إلى الشرك الأكبر بفعل القلب، وذلك أننا قلنا: القسم أصله وركنه التعظيم، فمن عظم غير الله تعظيمه لله فقد أشرك شركًا أكبر.
إذًا: فيكون القسم شركًا أكبر إذا أقسم المرء بغير الله معظمًا له كتعظيمه لله، أو معتقدًا تعظيمه كتعظيم الله جل في علاه، وإن قال قائل: وكيف تعرف هذا؟ فأمر التعظم مضمر، فهلا شققت عن قلوبهم لتعرف وجود التعظيم من عدمه، فنقول: يمكن بالقرائن المحتفة أن يظهر الشرك الأكبر، وأن يظهر ما كان مستورًا بالقلب، فإن قال: كيف ذلك؟ قلنا: يأتي الرجل فيقف أمام القاضي فيقول له: أقسم بالله، فيقسم بالله كيفما شاء، مرة ومرتين وثلاثًا وأربعًا، ثم يقول له القاضي: أقسم بالبدوي أنك لم تفعل ذلك، فماذا يحدث؟ يقول: لا، ويرتجف أمامه ولا يقسم بالبدوي، فهذه الحالة فيها دلالة وقرينة على أنه يخشى البدوي أشد من خشيته لله، ويلزم منه أنه يعظم البدوي أكثر وأعظم من تعظيمه لله جل في علاه.
إذًا: فإذا عظم غير الله فقد أنزل غيره منزلته فيكون مشركًا شركًا أكبر.
[ ١٠ / ٩ ]
أنواع القسم الشركي
القسم الشركي نوعان: شركٌ أصغر، وهذا هو الأصل في القسم بغير الله، وقد يرتقي للشرك الأكبر بالتعظيم، أي: بفعل القلوب، وذلك إذا عظم مخلوقًا تعظيمه لله، فيكون حينها قد جعل لله ندًا، فخرج من الملة ووقع في الشرك الأكبر.
[ ١٠ / ١٠ ]
حكم الكفارة على القسم الشركي
بعد أن عرفنا أن الحلف بغير الله شرك أصغر، فهناك سؤال يسأله البعض وهو: من أقسم بغير الله، كأن يقسم بحياته، أو بشرفه، أو بمحمد ﷺ، أو بجبريل، أو بملك، فهل له كفارة أم لا؟ نقول: أولًا: قسمه لا ينعقد، أي: إذا أقسم بغير الله فلا ينعقد يمينه ابتداءً، فإذا لم ينعقد يمينه فلا نلزمه بما أقسم به.
ثانيًا: إذا لم ينعقد يمينه فعليه كفارة، وهي أن يقول: لا إله إلا الله، وليست كفارة مادية، بل كفارة قولية، ولذلك يقول النبي ﷺ: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، وقد سمع معاذًا يقسم بغير الله، يقسم باللات، فقال: (لا تقل ذلك، قل: لا إله إلا الله)، فهذه كفارة جعلها النبي ﷺ لمن أقسم بغير الله.
[ ١٠ / ١١ ]
حكم الحلف بالطلاق
لو قال قائل: علي الطلاق، فهل هذا قسم أم لا؟
الجواب
كأنه قال: يلزمني الطلاق، فهذه صورة نذر، وأنزلوها منزلة اليمين؛ لأنه أتى بنتيجة اليمين، وذلك أن المقصود الأسمى من اليمين هو: الحض على الفعل أو الامتناع عنه، فلو قلت: والله لتأت، أو والله لأفعلن، أو والله لا أفعل، فالمفاد والمقصود الأعظم من اليمين هو: الحض على الفعل أو المنع، فلو فعل ما أقسمت على المنع منه فعليك أن تكفر عن يمينك، وإن كان قصده من قوله: يلزمني الطلاق، إن ذهبت لأمك مثلًا، أن يمنعها من أن تذهب إلى أمها، فإن كان المقصود الأسمى عنده هو المنع أو التهديد فينزل منزلة اليمين في هذه الصورة.
أما إذا كان مقصوده: تهديدها لمنعها عن الذهاب، فالقسم إذًا يفيد ما أفاده النذر، كيف ذلك؟ مثلًا: لو قال لها: والله لن تذهبي إلى أمك، ولو ذهبت فأنت طالق، فنقول له: ما نيتك؟ إذا قال: نيتي في ذلك أن أمنعها أو أحضها على عدم الذهاب لا غير، فنقول: مقصودك إذًا اليمين، فحكمه حكم اليمين، وقلنا: إن التهديد مفاده أو نتيجته من اليمين لما في الآية، وهي قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] وهذه الآية متعلقة بقصة زينب لما كان يأكل عندها العسل أو المغافير، فقالت: عائشة: أكلت مغافير، فقال النبي ﷺ لا آكل، أو قال: حرام علي، أو قال: يلزمني أن لا آكل، هذا يعتبر ماذا؟ يعتبر نذرًا، وسماه الله في الآيات يمينًا بالنية، أي: أن نية النبي ﷺ الحض على عدم الأكل لا تحريمه حقيقة، فنزل هذا منزلة اليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فنزله منزلة اليمين.
فالحاصل: أن قوله (علي الطلاق)، الأصل فيها النذر، وتنزل منزلة اليمين بالنية، أي: بنية الحالف بها.
[ ١٠ / ١٢ ]
الاستثناء في اليمين
عند وجود الاستثناء في اليمين لا تكون على المرء كفارة إن حنث، والاستثناء في اليمين أن يقول المقسم: إن شاء الله، بعد أن يقسم على شيء يفعله أو يمتنع عنه، فهذا معنى الاستثناء في اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فمن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، وحنث فلا كفارة عليه، وهذا لما جاء في الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر مرفوعًا للنبي ﷺ: (من حلف على شيء فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)، ومعنى: لا حنث عليه، أي: لا كفارة عليه، ولذلك قال ابن عباس: من قال: إن شاء الله فقد استثنى في اليمين، ومن استثنى في اليمين فلا كفارة عليه.
وقال ابن مسعود بسند صحيح: من حلف على شيء فاستثنى فلا كفارة عليه، فمثلًا: لو قال محمد لزيد: يا زيد! تتغدى عندي غدًا، فقال زيد: والله لأتغدين عندك غدًا إن شاء الله، فجاء الغد فعرضت له مسألة عويصة ومهمة جدًا فلم يذهب، فقال له محمد: عليك كفارة يمين، فقد أقسمت بالله أنك تتغدى عندي ولم تأت، فقال زيد: لا، أنا أفقه منك، فإني أعلم من ابن مسعود، بل وأرقى من ابن مسعود من الصادق المصدوق أن من قال: إن شاء الله على شيء وكان عازمًا على الوفاء، وهذه هي التي تخرج صاحبها من قول النبي ﷺ: (آية المنافق ثلاث، ومنها: وإذا وعد أخلف)؛ لأنه وعد وهو عازم على أن يفي -وقال: إن شاء الله، فلم يف لمانع حقيقي فليس بمنافق ولا كفارة عليه.
لكن إذا قلنا بهذا التأصيل -أي: بأن الاستثناء يمنع الكفارة وأن المرء لا يأثم بذلك إلا أن يبيت النية بالخلف- فـ ابن عباس قال: عندي تفصيل في هذه المسألة: وهو أنه يجب على من أراد الاستثناء أن يصله بالكلام.
فلو قال: والله لأتزوجن هندًا إن شاء الله، فهذا يصح فيه الاستثناء، أما لو قال: والله لأتزوجن هندًا، وسآتي بالمهر آلافًا مؤلفة، وسآتي بأثاث البيت من كذا وكذا، وسآتي بالبناء ليبني كذا وكذا، ثم قال: إن شاء الله، فنقول له: قطعت الكلام، وإذا قطعت الكلام فلا يصح هذا الاستثناء كما قال ابن عباس: شرط أن يعمل الاستثناء عمله أن يكون متصلًا.
والجمهور على أنه لا يشترط ذلك، وهذا هو الراجح والصحيح، أي: أنه حتى لو انقطع في الكلام ثم قال: إن شاء الله، بل لو تذكر وقال: إن شاء الله، فإن هذا يعمل عمل الاستثناء ولا كفارة عليه، بل ورد هذا عن ابن عباس عندما فسر قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، قال هو في الاستثناء، أي: إذا نسي في الكلام وتذكر الاستثناء فقال: إن شاء الله، إذًا: فمن أقسم على شيء فلم يفعله وقد استثنى بقوله: إن شاء الله، فلا كفارة عليه ولا حنث.
[ ١٠ / ١٣ ]
حكم الحلف بـ: (لعمري)
إذا قلنا بأن القسم بغير الله لا يجوز، وأنه من الشرك بمكان، فكيف نجيب عن إشكال مشكل جدًا، وهو: أنه قد أقسم الذي رفع راية التوحيد بهذا القسم، فقد قال ﷺ لرجل يسأله: (أكلت برقية رقيت أحدهم وأخذت قطيعًا من الغنم، آكل من هذا الغنم؟ فقال له النبي ﷺ: كل فلعمري)، فما معنى لعمري؟ أي: حياتي، قال له: (لعمري لمن أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق)، فهذا حلف بغير الله، فما الجواب؟
و
الجواب
أنه قد اختلف أهل العلم في ذلك، فبعض العلماء كإسحاق وغيره قالوا: لا يجوز أن تقسم وتقول: لعمر الله، وذلك تأدبًا مع الله، فالله ليس له عمر، فحياته أبدية أزلية ﷾، فقالوا: إن من سوء الأدب أن تقول: لعمر الله، قالوا: والأفحش منه أن يقول: لعمري؛ لأن هذا شرك.
والصحيح الراجح -كما رجحه النووي وغيره-: أن هذا من كلام العرب ولا يدخل في القسم، فليس (لعمري) من القسم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قالها في أكثر من حالة، وقالتها عائشة وقالها غير واحد من الفقهاء، على أنها قد درج العرب عليها فأصبحت كاليمين اللغو، فلا تعتبر يمينًا كقول القائل: والله لتأكل، والله لتجلس، والله لتشرب، فإن لم يجلس، ولم يأكل، ولم يشرب، فلا كفارة؛ لأن هذا لغو، كما قالت عائشة في تفسير اللغو: هو كقول الرجل: لا والله، نحو: لا والله لتأخذ، لا والله لتأكل، لا والله لتشرب، فالقسم بـ (لعمري) ينزل منزلة اللغو.
إذًا فالراجح أن (لعمري) لغو، درج العرب على قولها فلم تنزل منزلة اليمين.
[ ١٠ / ١٤ ]