شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - الشفاعة
الشفاعة من مسائل العقيدة التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، ولها شروط وضوابط، وهناك شفاعات خاصة بنبينا محمد ﷺ، وشفاعات يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون مع النبي ﷺ، ولم يخالف فيها إلا الخوارج والمعتزلة ومن سار في ركبهم من أهل زمننا، وقد تصدى العلماء رحمهم الله تعالى لرد شبهاتهم وأباطيلهم.
[ ٣ / ١ ]
بيان مفهوم الشفاعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال صاحب كتاب (الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) الشيخ الإمام العلامة الشوكاني المحدث الفقيه الأصولي: [وأما التشفع بالمخلوق فلا خلاف بين المسلمين أنه يجوز طلب الشفاعة من المخلوقين فيما يقدرون عليه من أمور الدنيا] ثم ذكر الأدلة على ذلك.
أقول: مسألة الشفاعة مسألة شائكة لابد أن نتكلم عليها من عدة وجوه: الوجه الأول: معنى الشفاعة.
الوجه الثاني: تقسيم الشفاعة.
الوجه الثالث: منكروا الشفاعة والرد عليهم.
أولًا: الشفاعة لغة: اسم مأخوذ من شفع أو يشفع شفاعة، وهو جعل الشيء أو جعل الوتر شفعًا.
في الاصطلاح: التوسط عند الغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.
والشفاعة شفاعتان: شفاعة عند الخالق، وشفاعة عند المخلوق.
أما الشفاعة عند المخلوق فهي من القربات وهي مستحبة، لقول النبي ﷺ: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء)، وكان النبي ﷺ يحجز الأمر عن الآخرين حتى يأتي الذين عندهم الوجاهة إلى النبي ﷺ ليشفعوا عنده؛ فيؤجروا بسبب هذه الشفاعة، فهي من القربات ومن المستحبات، فإذا كانت من القربات ومن المستحبات فلا يجوز أخذ الأجرة على الشفاعات، أو يأخذ على ذلك هدية، فهذا ممنوع شرعًا ولا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عن ذلك، وهو قول النبي ﷺ: (من أخذ على شفاعته هدية فقد فتح بابًا من أبواب الربا، أو قال: أتى بابًا من أبواب الربا)، وهذا الحديث متكلم فيه، لكن صححه الألباني؛ لأن المعاني العامة تعضد هذا المعنى وتشد من أزره وتصحح هذا المعنى؛ ولأن الأصل في القربات من صلاة وحج وصيام وشفاعة أو أي قربة من القربات التقرب بها إلى الله جل في علاه، ولا يجوز أخذ الأجرة أو الهدية عليها.
فمن شفع شفاعة وأخذ هدية أو أجرة فقد فتح بابًا من أبواب الربا، أو وقع في الإثم، وعليه أن يرد هذه الهدية أو هذه الأجرة.
وشفاعة البشر قد يعتريها من الأمور التي تدل على عجز الشافع والمشفوع عنده، ومنها: أولًا: أن المشفوع عنده قد يجهل بأقدار الناس؛ لأن الذي يشفع عند أمير أو عند سلطان يبين له ما جهله، فيقول: أنت ما أعطيت فلانًا وهو مستحق للعطاء، وأعطيت فلانًا وهو غير مستحق للعطاء، بل يستحق المنع، فهذا فيه دلالة على أن البشر يجهلون.
ثانيًا: أن الشافع يدخل على السلطان لوجاهته عنده دون استئذان، بل ويشفع دون استئذان، أما الله جل في علاه فإن الله لا يشفع عنده أحد إلا أن يأذن ويرضى للشافع والمشفوع؛ لأن الشفاعة كلها بيد الله وملك لله، والله هو العليم، وهو الخبير، وهو الذي ينزل الناس منازلهم، وهو الذي يعطي ويمنع لحكمة عنده.
[ ٣ / ٢ ]
ضوابط وشروط الشفاعة
ضبطت الشفاعة بضوابط واشترط لها شروطًا حتى تتم عند الله ﷿، ومن هذه الشروط: الشرط الأول: الإذن للشافع، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه، وهذا عند أهل البلاغة يسمى أسلوب حصر: (من) و(إلا)، أي: لا يشفع أبدًا (نفي)، إلا من أذن له الرحمن سبحانه جل في علاه (إثبات).
الشرط الثاني: الرضا، أي: لابد أن يرضى عن الشافع والمشفوع له، فرضاه سبحانه عن الشافع تأتي ضمنًا للإذن.
والرضا عن المشفوع له؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] أي: ارتضى عن المشفوع له وعن الشافع.
فهذه هي شروط وقيود وضوابط للشفاعة التي أباحها الله جل في علاه؛ لأن الله نفى نفيًا تامًا أن تكون هناك شفاعة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:١٢٣] وأيضًا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، فنفى الشفاعة، ثم استثنى من هذا النفي العام شفاعة يرضاها الله جل في علاه، ويأذن للشافع أن يشفع فيها.
[ ٣ / ٣ ]
أقسام الشفاعة
تنقسم الشفاعة إلى قسمين: شفاعة خاصة، وشفاعة عامة.
فالشفاعة الخاصة عند الله جل في علاه: هي التي أكرم الله بها أفضل الخلق عليه، وهو محمد ﷺ.
[ ٣ / ٤ ]
الشفاعات الخاصة بنبينا محمد ﷺ
لقد اختص الله نبيه محمدًا ﷺ بشفاعات لا يشاركه فيها أحد قط، وهي ثلاث شفاعات في الآخرة.
[ ٣ / ٥ ]
الشفاعة العظمى الشفاعة لفصل القضاء بين الخلائق
الأول: الشفاعة العظمى، وهذه الشفاعة تبين كرامته وعظمة مكانته عند الله ﷿، فالله رفع هذا النبي الكريم، وهذا الرسول العظيم في موقف ويوم عظيم، يوم تدنو الشمس من الرءوس ويشتد الكرب ويدلهمُّ الخطب، ويكاد الناس يموتون عطاشًا، فمنهم من يأتي العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يصل العرق إلى صدره، ومنهم من يصل العرق إلى أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا، كما في الصحيحين والروايات متعددة، (فيذهبون إلى آدم ﵇ فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر أما ترى ما نحن فيه؟ أما تشفع لنا؟ أما تتوسل لنا عند ربك جل في علاه؟ فيقول آدم: نفسي نفسي، إن الله جل في علاه قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله)، فهذا الحديث فيه بيان لصفة عظيمة من صفات الله جل في علاه، ألا وهي: صفة الغضب، وهذه الصفة صفة ثبوتية فعلية تتعلق بالمشيئة؛ لأن الله تعالى يتصف بها في بعض الأحيان ولا يتصف بها في أحيان أخرى، والدليل على ذلك التصريح من قول النبي ﷺ في كلام آدم أنه قال: (غضب اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب مثله بعده)، أي أنه ممكن تنفك هذه الصفة عن الله في بعض الأحيان.
إذًا: الغضب الذي غضبه الله جل وعلا يوم القيامة هو غضب قد اتصف به في هذا الوقت، وسينفك عنه بعد عرصات يوم القيامة، بعدما يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار.
ثم يقول: (يقول آدم: نفسي نفسي، ويذكر ذنبًا فيقول: قد أكلت من الشجرة، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى أول رسول أرسل إلى البشر، فيذهبون إلى نوح، فيقول: لست لها لست لها، نفسي نفسي، ثم يذكر ذنبًا، ثم يقول: إن الله قد غضب غضبًا لم يغضب مثله قبله ولا بعده، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، فيذهبون إلى إبراهيم فيقول: نفسي نفسي، ويذكر الكذبات الثلاث، ثم يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى كليم الرحمن، فيذهبون إلى موسى فيقول: نفسي نفسي، إن الله غضب غضبًا لم يغضب مثله قبله ولا بعده، ويذكر ذنبًا وهو القتل، فيقول: اذهبوا إلى عيسى ﵇، فيذهبون إلى عيسى، فلا يذكر عيسى ذنبًا، ويقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد ﷺ، فهو عبد قد غفر له تقدم من ذنبه وما تأخر، فيذهبون إلى النبي محمد ﷺ فيسألونه أن يشفع لهم في فصل القضاء، فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب إلى تحت العرش فيسجد تحت العرش، يقول: فأحمد الله بمحامد علمنيها في تلك اللحظة، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، فيشفع حتى يقضي الله بين العباد)، هذه الشفاعة العظمى خاصة برسول الله ﷺ، ولا يشاركه فيها أحد أبدًا، وهذا فيه بيان لفضل وعظمة ومكانة النبي ﷺ عند ربه جل في علاه، ويتجلى معنى حديث النبي ﷺ في هذا الوقت بالذات، قوله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) وذكر يوم القيامة مع أنه سيدهم في الدنيا؛ لأن السيادة يوم القيامة لا منازعة فيها، والكل سيقر بسيادة رسول الله ﷺ، فتكشف الكربات برسول الله ﷺ في ذلك اليوم.
[ ٣ / ٦ ]
شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب
هذه شفاعة أخرى خاصة برسولنا لا ينازعه ولا يشاركه فيها أحد، هذه الشفاعة هي الشفاعة للكافرين، كيف تكون الشفاعة للكافرين مع أن الأصل الأصيل والركن الركين عند أهل السنة والجماعة: أن الشفاعة للكافرين منفية، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] ووجه الدلالة من الآية: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾: أن قوله: (شافعين) نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذه عامة في كل أحد حتى الرسول ﷺ تقبل شفاعته للكافرين، إلا في حالة واحدة مع عمه أبي طالب، عندما قال له العباس ﵁ وأرضاه لرسول الله ﷺ: (ماذا فعلت لعمك وكان يحوطك وكان يناصرك وكان يفعل ويفعل؟ فقال له النبي ﷺ: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، يلبس نعلين تغلي بهما دماغه)، فهذه الشفاعة خاصة به ﷺ، وهي شفاعة ناقصة؛ لأن الشفاعة الكاملة أن يخرجه من النار ويدخله الجنة، لكنه فقط خفف عنه العذاب، فهو يقف يلبس نعلين يغلي بهما دماغه، وهذه هي الشفاعة الثانية الخاصة به ﷺ.
[ ٣ / ٧ ]
شفاعة النبي ﷺ في دخول أهل الجنة الجنة
الشفاعة الثالثة الخاصة برسول الله هي: دخول أهل الجنة الجنة من لدن آدم إلى آخر الخليقة، وذلك عندما يحاسب الله العباد، فيقضي على أهل النار بأنهم من أهل النار، ويقضي على أهل الجنة بأنهم من أهل الجنة، فيتساقط أهل النار؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] فلا يحتاجون إلى الاستئذان، وإنما يتساقطون فيها من غير استئذان، أما بالنسبة للجنة فقال: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧٣] فزاد الواو، إلماحًا وإشعارًا بأنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد الاستئذان، فقد قد منع الله جل في علاه أحدًا -يستحق الجنة- أن يدخلها إلا برسول الله، ولذلك قال بعض علمائنا: كل الأبواب مغلقة إلا بابًا يفتحه رسول الله ﷺ، أي: لابد أن تأتي من خلف النبي ﷺ (فيأتون خلف رسول الله ﷺ فيستأذن، فيقول الملك: من؟ فيقول رسول الله محمد بن عبد الله، فيقول: لِك أمرت، فيفتح لأهل الجنة فيدخلون الجنة).
فهذه الشفاعات الثلاث خاصة برسول الله ﷺ لا يشاركه فيها أحد بحال من الأحوال، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.
[ ٣ / ٨ ]
الشفاعات العامة التي يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون
هناك ثلاث شفاعات أيضًا، لكنها عامة يشترك فيها الملائكة والنبيون والمرسلون والمؤمنون مع رسول الله ﷺ.
[ ٣ / ٩ ]
الشفاعة لمن يستحق دخول النار ألا يدخلها
أولًا: الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخل النار ويدخل الجنة من أول وهلة، أي: هم قوم بعدما ناقشهم الله الحساب، وبين الموازين، وثقلت موازين السيئات على موازين الحسنات فاستحقوا النار، فيؤمر بهم إلى نار جهنم، فيقف رسول الله ﷺ ويقف المؤمنون: ربنا إن إخواننا يصلون معنا ويسجدون معنا ويحجون معنا، فيأتي رسول الله ﷺ فيشفع لهم فيدخلون الجنة من أول وهلة، وإن كانت النار هي أحق بهم من الجنة، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها: أولًا: صلاة الجنازة؛ لأن النبي ﷺ قال عن الميت: (ما صلى عليه من أهل التوحيد إلا شفعهم الله فيه).
وهذا الحديث يدل على الشفاعة الأخروية التي تكون لمن يستحق النار، فيشفع له النبي والمؤمنون ألا يدخل النار، بل يدخل الجنة من أول وهلة.
ووجه الدلالة من هذا الحديث عموم قول النبي ﷺ: (فيشفعهم) أي: إذا كان من أهل الجنة فسيشفعهم فيه، بأن يرتفع بالدرجات، وإن كان من أهل النار واستحق النار فسيقبل شفاعتهم ألا يدخل النار ويدخل الجنة.
إذًا وجه الدلالة: أنهم يشفعون فيه، وقد يكون من الفسق بمكان، من ارتكاب الزنا وشرب الخمر، لكن قدر الله أنه قبل أن يموت قال: لا إله إلا الله، وقال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء الذين يحجرون رحمتك يقولون: إنك لا تغفر لي، اللهم خالفهم واغفر لي، فمات على التوحيد، فيقدر الله له أن يصلي عليه أربعون من أهل التوحيد الخلص، فإذا صلوا عليه ودعوا له وشفعوا له يقبل الله شفاعتهم فيه، سواء كان فاسقًا أو فاجرًا؛ وسواء استحق النار من أول وهلة، أو كان مؤمنًا تقيًا، فالعموم يدل على أن هذه الشفاعة مقررة؛ لأنه يمكن أن يكون من أهل النيران فيشفع فيه الأربعون فيشفعهم الله ويجعله من أهل الجنان.
[ ٣ / ١٠ ]
الشفاعة لقوم دخلوا النار أن يخرجوا منها
من أنواع الشفاعة التي يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون: الشفاعة لأهل التوحيد الذين دخلوا النار؛ لأنهم مستحقون العذاب، وهم قوم قد امتحشوا من النار وصاروا حممًا، فيأتي النبي ويأتي الرسل ويأتي المؤمنون ويقولون: يا ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويزكون معنا ويحجون معنا، فيقول الله جل في علاه: اذهبوا فأخرجوا منها من تعرفون، فيعرفون إخوانهم الذين كانوا يصلون، فهم يقولون: يصلون معنا ويحجون معنا ويزكون معنا، أي: أدوا أركان الإسلام، ومع ذلك هم من أهل النيران؛ لأن سيئاتهم غلبت على حسناتهم، لكن كلمة التوحيد مانعة من الخلود في لنار، فيعرفونهم بمواضع السجود، فيخرجونهم، ثم يقبض الرحمن قبضة يخرج فيها من لم يعمل خيرًا غير الصلاة، فيلقيهم في نهر الحياة، فيحيون ثم يدخلون الجنة.
[ ٣ / ١١ ]
الشفاعة لأهل الجنة في زيادة درجاتهم
آخر نوع من أنواع الشفاعة التي يشترك فيها الملائكة والمرسلون والمؤمنون: الشفاعة لأهل الجنة بأن يرتفعوا درجات في الجنة، فهناك أناس يحبون رسول الله، وصحبوا رسول الله، ولكن نزلوا عنه درجة، فهؤلاء يشفع لهم النبي ﷺ ليرتقوا هذه الدرجة.
ومن الأدلة على ذلك: حديث مولى رسول الله ﷺ الذي قدم له الوضوء، فقال له: (تمن، قال: أتمنى مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال له النبي ﷺ: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، وأيضًا في حديث أبي سلمة أن النبي ﷺ لما دخل عليه فقال: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة وارفع درجته في عليين) ووجه الدلالة من الحديث قوله: (وارفع درجته في عليين)، فهذا فيه دلالة على أن النبي ﷺ يشفع لأهل الجنان أن يرتقوا درجات في الجنة، وهذه الشفاعة أيضًاَ يمكن أن يشترك فيها مع النبي ﷺ غيره.
[ ٣ / ١٢ ]
منكرو الشفاعة والرد عليهم
من الذين أنكروا الشفاعة مصطفى محمود، ومصطفى محمود من المعتزلة، لأن المعتزلة هم الذين أنكروا الشفاعة، وقالوا: لا شفاعة، لكن مع ذلك أثبتوا الشفاعة العظمى ولم ينكروها، وإنما أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، فصاحب الكبيرة عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، أي: أنه في الدنيا لا كافر ولا مؤمن، أما في الآخرة فهو مخلد في النار.
أما الخوارج فقالوا: صاحب الكبيرة كافر في الدنيا والآخرة، وهو مخلد في النار، ولما ناظرهم ابن عباس رجع بثلثي الخوارج.
إذًا: فالمعتزلة كانوا أجبن عند اللقاء من الخوارج، قالوا: لا نقول كافرًا؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، لكن هو في منزلة بين المنزلتين، ويسمى فاسقًا في الدنيا، لكن حكمه في الآخرة حكم الكفرة، ولا يمكن أن يكون من أهل الجنان، ولا يمكن أن يشفع له أحد؛ لأن الله نفى الشفاعة عن الكافرين، وهم قد استحقوا الخلود في النار.
فإذًا قول المعتزلة وقول الخوارج ينبثق عن قولهم واعتقادهم بأن أهل الكبائر من الكفار وليسوا من المسلمين، وهذا منهج فيه العطب، فقد ضيع كثيرًا من الشباب في مصر والجزائر والسعودية؛ لعدم انضباطهم الفكري، وعدم تعلمهم علم الدين الصحيح على أصله وأسسه.
إذًا: نقول: إن الشفاعة التي أنكرها المعتزلة ثابتة بالسنة الناصعة، وقد أجمع عليها أهل السنة والجماعة، وأهل الاعتزال وأهل الخوارج من المبتدعة لا يخرمون ولا يخرقون هذا الإجماع بحال من الأحوال.
ويبقى لنا فقط ما قاله المؤلف حيث أتى بحديث عن النبي ﷺ يختم به جواز شفاعة المخلوق للمخلوق بما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنهم قالوا له: (إنا نستشفع بك على الله، وإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ: ويحكم! شأن الله أعظم من ذلك، أو قال: إنه لا يستشفع بالله على أحد) أي: لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، فهم عندما قالوا: (يا رسول الله! إنا نستشفع بك على الله) أقرهم، ولما قالوا: (إنا نستشفع بالله عليك، قال: شأن الله أعظم، إنه لا يستشفع بالله على أحد) فوجه الدلالة كأنهم يقولون: إنا نستشفع بدعائك في حياتك، وبشفاعتك في عرصات يوم القيامة عند البعث، وهذا فيه رد على الذين يستشفعون بالنبي وهو ميت.
إذًا: وجه الدلالة أنهم يستشفعون بدعاء النبي ﷺ، وهناك آية تثبت ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء:٦٤] أي: يستشفعون بدعائك؛ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، فاستشفعوا باستغفار ودعاء النبي ﷺ.
أما إنكار النبي ﷺ قولهم: (وإنا نستشفع بالله عليك) فلعظم حق الله جل في علاه؛ لأنهم بذلك كأنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق، وأما المخلوق فممكن أن يذهب زيد ليشفع لمحمد عند عمرو، وقد يقبل عمرو شفاعة زيد أو يردها، لكن لا يمكن أن يشفع الله عند أحد، ثم هذا المشفوع عنده يقبل كلام الله أو يرده، هذا لا يمكن؛ لأن هذا سوء أدب مع الله؛ ولأن الله هو الحاكم والكل محكوم، والله هو الرب والكل مربوب، والله هو الخالق والكل مخلوق، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
إذًا: الشفاعة كلها يملكها الله جل في علاه، وعباد الله ملك لله جل في علاه، وإذا قضى أمرًا فلا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله جل في علاه.
[ ٣ / ١٣ ]