شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - تحريم اتخاذ القبور مساجد
لقد جاء الدين الإسلامي بتوحيد الله ﷿ والبراءة من الشرك بكل صوره ومظاهره، فحرم كل ما هو موصل إلى الشرك، ومن ذلك اتخاذ القبور مساجد، والصلاة عندها، واتخاذ السرج عليها، والعكوف عندها، فحرم كل ذلك، لأنه داعية إلى الشرك، وهو أيضًا من سنة اليهود والنصارى الذين أمرنا بمخالفتهم.
[ ١١ / ١ ]
النهي عن اتخاذ القبور مساجد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد وصل المؤلف ﵀ في كتابه: (الدر النضيد) إلى القول: بتحريم اتخاذ القبور مساجد.
قال ﵀: [ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)].
فـ (مساجد): مفعول به، وهو ممنوع من الصرف؛ لأنه جمع على صيغة مفاعل.
وأيضًا قال النبي ﷺ: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك).
وأيضًا قال النبي ﷺ كما عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) وأيضًا احتج بقول النبي ﷺ (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) وقوله: (واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد).
وأيضًا ذكر قصة الكنيسة من حديث عائشة أن أم سلمة ذكرت للنبي ﷺ الكنيسة التي رأتها في الحبشة، فقال النبي ﷺ: (أولئك إذا مات فيهم الرجل، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله جل وعلا يوم القيامة).
[ ١١ / ٢ ]
سد الذرائع قاعدة من قواعد الشرع
إن الشرع الحنيف فيه أصول وثوابت وقواعد كلية، والشرع الحنيف عندما يحرم شيئًا فإنه يحرم كل سبيل يصل إلى هذا الشيء، وإذا سد الشرع بابًا سد كل وسيلة يصل بها المرء إلى هذا المحرم، ولذلك لما حرم الله جل في علاه الزنا حرم سبل، فحرم الكلام مع المرأة الأجنبية، وحرم لمسها، وحرم النظر إليها، فما حرم الله شيئًا إلا حرم كل الأسباب التي توصل إليه.
[ ١١ / ٣ ]
النهي عن الغلو
ومن ذلك: أن النبي ﷺ لما جاء يحذر الأمم بأسرها من الشرك، ويسد باب الشرك ويحفظ جناب التوحيد، ويسد كل طريق يصل بالإنسان إلى الشرك، فإنه عندما سمع خطيبًا يقول: ما شاء الله وشئت.
قال له النبي ﷺ (بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله ثم شئت) أي: ولا تقول: ما شاء الله وشئت، مع أن الله قد بين أن مشيئة العباد تبعًا لمشيئة الله، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
ولكن لما كانت اللفظة موهمة للتساوي قال النبي ﷺ: (بئس خطيب الأمة أنت، أجعلتني لله ندًا؟)، حسمًا لمادة الشرك، وسدًا لكل طريق يصل بالإنسان إلى تعظيم مخلوق، ورفعه إلى مكانة تعظيم الله جل في علاه، ولو كان المخلوق هو رسول الله ﷺ.
ولما دخل ﷺ على القوم فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا، أو أنت سيدنا وابن سيدنا.
فقال لهم النبي ﷺ (قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان)، أي: حتى لا تغلو.
وكان يقول: (لا تطروني)، وهذا نهى عن الغلو في الدين فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) وذلك سدًا لباب الشرك، وسدًا للذريعة.
وأيضًا: سدًا للذريعة فقد كان النبي ﷺ يمنع من اتخاذ القبور مساجد.
[ ١١ / ٤ ]
النهي عن التشبه بالكفار
ولقد منع أيضًا من التشبه بالأمم التي اتخذت القبور مساجد، وعبدت الأولياء من دون الله جل في علاه، وهم اليهود والنصارى، ولذلك كثيرًا ما كان يخالفهم رسول الله ﷺ، حتى قال قائلهم: ما بال هذا الرجل لا يرانا على شيء إلا خالفنا فيه.
وقد كانت سيرة النبي ﷺ واضحة جدًا في أنه كان يتعمد ويقصد مخالفة اليهود والنصارى، فقد كان النبي ﷺ يقول (أسبغوا، فإن اليهود لا تسبغ) ويقول: (أسبغوا وخالفوا اليهود والنصارى).
ويقول: (أوفوا اللحى، أو وفروا اللحى، وحفوا الشارب، وخالفوا اليهود والنصارى).
وكان أيضًا يقول: (تسرولوا واتزروا، فإن اليهود تتزر ولا تتسرول).
وهذا كله مخالفة لليهود والنصارى، وقال منكرًا على الأمم المتأخرة التي تتشبه باليهود والنصارى، وتحذوا حذوهم: (والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم حذو القذة بالقذة)، وفي رواية قال: (شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبًا لدخلتموه).
وهذا إنكار منه عليهم هذا السير على نهج السابقين.
وأيضًا لما مر النبي ﷺ بالمؤمنين على أقوام ينيطون أسيافهم على أشجار، -أي: يعلقونها بها ويتبركون بذلك- فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ قاطعًا لدابر التشبه بهؤلاء: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم مثل ما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة).
وذلك حسمًا لهذه المادة، ومنعًا للتشبه بهؤلاء، الذين كان فيهم أول الكفر والشرك أنهم عظموا أولياءهم وصالحيهم، وبنو على قبورهم المساجد، وجعلوا عليها السرج، وجعلوا الورود والزهور على هذه القبور، فعبدوهم من دون الله جل وعلا بعدما انطمس العلم.
[ ١١ / ٥ ]
براعة الاستهلال عند المؤلف
وقد جاء المصنف ببراعة الاستهلال في الترتيب، فحسم المادة أولًا، وبين حكمها، ثم بين سد ذرائعها؛ لأن المرء إذا عظم القبر فإنه يعظم من في القبر، وإذا عظم من في القبر ارتقى به تعظيمه إلى أن يتجاوز به فوق منزلته البشرية، إلى أن يجعله في منزلة الخالق سبحانه جل في علاه.
ولذلك نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فقال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن هذا).
ومنع النبي ﷺ من الصلاة في المسجد الذي فيه قبر.
[ ١١ / ٦ ]
حكم زيارة القبور
والكلام على هذه المسألة بإيجاز من وجهين: الوجه الأول: الزيارة، وكان الأصل في الزيارة الحرمة، ثم نسخ هذا الحكم، وأصبح الأصل في الزيارة الحل والإباحة، بل الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ قال: (فزوروها، فإنها تذكركم بالموت).
[ ١١ / ٧ ]
أنواع زيارة القبور
والزيارة ثلاثة أنواع: زيارة مستحبة، وزيارة بدعية، وزيارة شركية.
[ ١١ / ٨ ]
الزيارة المستحبة
فأما الزيارة المستحبة: فهي الزيارة المطلقة التي تذكرنا بالموت، وهي التي قال فيها النبي ﷺ: (ألا فزورها، فإنها تذكر الموت).
ففيها تدمع العين، ويرق القلب، ويتذكر الإنسان الآخرة، ويعلم أنه سينزل في هذا المحل، وأنه سيسأل عند ربه جل في علاه، فيجتهد في عبادة الله.
[ ١١ / ٩ ]
الزيارة البدعية
وأما الزيارة البدعية فهي: التعبد لله إخلاصًا عند قبور الأولياء.
أي: أن يزور القبر للدعاء أو للصلاة أو للصدقة هناك، فهذه الزيارة بدعية، وتعتبر وسيلة للشرك، أما كونها بدعية: فلأن العبادات توقيفية، وقد قال النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد).
وأما كونها شركًا أصغر فلأنها وسيلة للشرك الأكبر، ونوع من المحادة لله ولرسوله.
[ ١١ / ١٠ ]
الزيارة الشركية
وأما الزيارة الشركية: فهي: زيارة القبور من أجل الاستغاثة بأصحابها ودعائهم، وذلك كما يحدث في زيارة البدوي الآن، فإنهم يحجون للبدوي، ويزورون قبره للطواف حوله، وسؤاله تفريج الحاجات والكربات، وإنزال الحاجات، وإغاثه المستغيثين.
وأيضًا من الزيارة الشركية: زيارة الأولياء للذبح لهم، وهي من الشرك الأكبر.
فلما منع النبي ﷺ البناء على القبور، أو بناء المساجد على القبور، منع أيضًا الوسيلة إلى هذا، فمنع الزيارة للقبور، ومنع الزيارة للمساجد التي فيها قبور، وذلك إن كانت من هذه الأنواع.
[ ١١ / ١١ ]
حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور
المساجد التي فيها قبور لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون القبر خلف القبلة، أي: في خلف المسجد.
الحالة الثانية: أن يكون القبر أمام القبلة.
[ ١١ / ١٢ ]
حكم الصلاة في المسجد الذي في مؤخرته قبر
الحالة الأولى: وهي: التي يكون فيها القبر خلف المصلين، حتى لو كان هناك جدار حاجز له، فاختلف العلماء فيها اختلافًا ضعيفًا.
والصحيح الراجح في ذلك: أنه لا يجوز الصلاة في هذا المسجد؛ لعموم قول النبي ﷺ: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك).
ولو كان هناك تفصيل لفصله النبي ﷺ، وترك التفصيل في مقام يحتاج إليه الناس دلالة على أن العموم هو المراد.
[ ١١ / ١٣ ]
حكم الصلاة في المسجد الذي في قبلته قبر
الحالة الثانية: وهي: أن يكون القبر أمام القبلة.
فبالإجماع لا يجوز الصلاة؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تتخذ القبر سترة، ونهى عن اتخاذ القبور في المساجد، ونهى عن الصلاة إليها، فإن كان القبر أمام القبلة فهو يصلي إليه، فيحرم بالإجماع، ولا يجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر في قبلته، ولا يجوز دخول هذا المسجد إلا لحاجة أو ضرورة.
[ ١١ / ١٤ ]
حكم إدخال القبور في المساجد
فإن قال قائل: فماذا نفعل؟ أنهجر هذا المسجد وهو بيت الله؟ ونمنع الناس من الصلاة فيه؟ أم كيف نستفيد منه؟ فنقول: إن الاستفادة من هذا المسجد تتفرع عن أصل، وهو: معرفة الذي بني أولًا، المسجد أو القبر؟ فإن كان المسجد بني أولًا، ثم أدخل فيه القبر كما يحدث الآن في كثير من الأمصار، من أن باني المسجد إذا كان رجلًا طيبًا صالحًا تقيًا خيرًا متصدقًا، فإن مات فإنه يدفن في المسجد الذي بناه.
فالصحيح الراجح في هذه الحالة: أن ينبش القبر ويهدم وجوبًا.
ولكن بشرط إذن ولي الأمر، فإن لم يفعل بعد ما علم فحسابه على الله، وتبرأ ساحتنا بالتبيين فقط.
إذًا: إذا ادخل القبر إلى المسجد وجب هدمه، ونبش القبر، وإخراج العظام، ووضعها في مقابر المسلمين، وتصح بعد ذلك الصلاة في هذا المسجد؛ لأن الأصل صحة الصلاة؛ لقول النبي ﷺ: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا).
[ ١١ / ١٥ ]
حكم بناء المساجد على القبور
وإن بني المسجد على القبر، فيجب هدم المسجد، وإتلاف ماله، وإبقاء القبر.
ومن الأدلة على ذلك: أن النبي ﷺ لما دخل المدينة واشترى أرضًا؛ ليبني عليها المسجد، فلما علم أن فيها قبورًا نبشها، ثم بنى المسجد؛ لأنه لو بناه على القبور لكان يجب عليه أن يهدم المسجد.
وأيضًا من الأدلة على هدم المسجد إذا بني على القبر: أن بناء المسجد على القبر ليس من عمل المسلمين، وقد قال رسول الله ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: فهو باطل.
فلا بد أن يهدم لأنه ليس من عمل المسلمين بحال من الأحوال.
والدليل على أنه ليس من عمل المسلمين قوله ﷺ: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا إني أنهاكم).
وأما الدليل العملي على ذلك: فعل النبي ﷺ عندما دخل المدينة فوجد قبورًا، فنبشها أولًا؛ حتى يبني المسجد.
فإذًا: إذا بني المسجد أولًا نبش القبر، وإذا بني المسجد على القبر هدم المسجد، وإن كان فيه إتلاف مال المسجد، ولا نقول: إنه تعارضت مفسدتان، نرتكب الصغرى من أجل دفع الكبرى؛ لأن الهدم ليس فيه إلا إتلاف المال، وأما البناء فيكون فيه ضياع الدين، وفيه وسيلة للشرك بالله جل وعلا، وعبادة غير الله جل في علاه، وتعظيم غير الله جل في علاه، وتعظيم الأولياء، ودعائهم وعبادتهم من دون الله جل في علاه، وحفظ الدين مقدم على حفظ المال.
[ ١١ / ١٦ ]