كثير من النظار كابن كلاب وموافقيه كالأشعري «١» وأكثر متبعيه من أهل الكلام والرأي والحديث والتصوف من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم كالقاضي أبي يعلى «٢» وأبي المعالي الجويني «٣» وأبي الوليد الباجي «٤»، وأبي منصور الماتريدي وغيرهم يقولون إنه يعلم المعلومات كلها بعلم واحد بالعين، ويريد المرادات كلها بإرادة واحدة بالعين بل يقولون إن كلامه الذي يتضمن كل أمر أمر به، وكل خبر أخبر به هو أيضا واحد بالعين، وإن كان جمهور العقلاء يقولون إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، ثم تنازع القائلون بهذا الأصل هل كلامه معنى فقط والقرآن العربي لم يتكلم به ولا بالتوراة العبرانية، ولا تكلم بشيء من الحروف أو الحروف والأصوات التي نزل بها القرآن وغيره وهي قديمة أزلية على قولين.
ومن القائلين بقدم أعيان الحروف أو الحروف والأصوات من لا يقول هي واحدة بالعين بل يقول هي متعددة، وإن كانت لا نهاية لها ويقول ثبوت حروف أو حروف معان لا نهاية لها في آن واحد وإنها لم تزل ولا تزال، ومن القائلين بقدم معنى الكلام وأنه لم يتكلم بحروف من يقول القديم خمسة معان، ومنهم من يقول: ذلك المعنى يعود إلى الخبر ويجعل الأمر داخلا في معنى الخبر ومنهم من يرد الخبر إلى العلم ومنهم من يقول مع ذلك إن العلم ليس صفة قائمة بالعلم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) تقدمت ترجمته.
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي الأندلسي القرطبي الباجي صاحب التصانيف، ولد سنة ثلاث وأربع مائة وارتحل في طلب العلم إلى بلاد شتى فجمع من العلم الشيء الكثير حتى أصبح من كبار العلماء في زمانه. توفي في التاسع عشر من شهر رجب سنة أربع وسبعين وأربع مائة. انظر ترجمته في السير (١٨/ ٥٣٥).
[ ٦٤ ]
وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل، وما في ذلك من نصوص الكتاب والسنة فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح، ومن كتب التفسير المنقولة عن السلف مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي الشيخ الأصفهاني، وأبي بكر بن مردويه وغيرهم، من ذلك ما تطول حكايته، وكذلك الكتب المصنفة في السنة والرد على الجهمية وأصول الدين المنقولة عن السلف مثل كتاب «الرد على الجهمية» لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، وكتاب «خلق الأفعال» للبخاري، وكتاب السنة لأبي داود السجستاني ولأبي بكر الأثرم، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولحنبل بن إسحاق، ولأبي بكر الخلال، ولأبي الشيخ الأصفهاني، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي عبد الله بن مندة وأمثالهم، وكتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجري، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة، وكتاب الأصول لأبي عمر الطلمنكي، وكتاب رد عثمان بن سعيد الدارمي وكتاب الرد على الجهمية له وأضعاف هذه الكتب، وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) أي ارتفع.
وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش.
وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء، وكذلك قال الخليل بن أحمد، وروى البيهقي عن الفراء: استوى أي صعد وهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائما.
وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش.
وروى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف فأبلغ فقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) «١» فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ومثل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ١ - ٢.
[ ٦٥ ]
ينزل عن مكانه كيف؟ وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت برب ينزل، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال، والفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي، وروى الخلال، عن سليمان بن حرب، أنه سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل الله إلى السماء الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان، فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، وهذا نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبيّ ﷺ، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى:
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ «١» ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين ولا يحدثون في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «٢»، وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما قال:
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٣».
ثم قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب).
وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في السنة قال: ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول الله ﷺ وينتهوه فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله ﷿: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «٤».
وقال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال:
نعم، فقال بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال:
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٢) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
(٣) سورة ق، الآية: ١٦.
(٤) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
[ ٦٦ ]
نعم قال: كيف ينزل؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١» فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟!
وروى بإسناده عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبيّ ﷺ: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل؟ إنما ينزل بلا كيف.
وبإسناده أيضا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة، النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف أي وحدها، هو ينزل في كل ليلة فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ ألم يخل ذلك المكان؟
فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء.
قال أبو عثمان النيسابوري: فلما صح خبر النزول عن النبيّ ﷺ أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عمّا يقول المشبهة والمعطلة علوّا كبيرا.
وروى البيهقي بإسناده عن إسحاق بن راهويه قال: جمعني وهذا المبتدع- يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فثبتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم.
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني في كتابه المصنف في مسائل أحمد وإسحاق مع ما ذكر فيها من الآثار عن النبيّ ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم قال:
(باب القول في المذهب) هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب «٢»، أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن
_________________
(١) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
(٢) أي المذاهب العقدية لا الفقهية.
[ ٦٧ ]
إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم.
وذكر الكلام في الإيمان والقدر، والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول ﷺ من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد الله أعلم بحده، والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض، ويبسط ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويسخط، ويغضب ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، متكلما عالما تبارك الله أحسن الخالقين.
وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة قال أخبرني به يوسف بن موسى أن أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم ينظر إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا شاء.
وقال أيضا: أخبرني عبد الله بن حنبل أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال:
قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء.
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: قلت لأبي عبد الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ﷿ يكلم عبده ويسأله، الله متكلم لم يزل الله متكلما يأمر بما شاء، ويحكم بما شاء، وليس له عدل ولا مثل كيف شاء وأين شاء.
قال الخلال وأن محمد بن علي بن بحر أن يعقوب بن بحتان حدثهم أن أبا عبد الله سئل عمن زعم أن الله لم يتكلم بصوت. قال: بلى تكلم بصوت وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها لكل حديث وجه يريدون أن يموهوا على الناس، إن من زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر.
وأخبرنا المروزي سمعت أبا عبد الله وقيل له أن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله.
وعن عبد الله بن أحمد أيضا سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى
[ ٦٨ ]
لم يتكلم بصوت فقال أبي: بل تكلم ﵎ بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت، وحديث ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان «١» قال أبي: والجهمية تنكره، قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، إن من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر.
قلت: قد بين الإمام أحمد وغيره من السلف أن الصوت الذي تكلم الله تعالى به ليس هو الصوت المسموع، وسئل أحمد عن قوله ﷺ: «ليس منّا من لم يتغن بالقرآن» «٢» قال: هو الرجل يرفع صوته به، هذا معناه، وقال في قوله ﷺ:
«زينوا القرآن بأصواتكم» «٣»: يحسنه بصوته.
وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال: ويذكر عن النبيّ ﷺ أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وليس هذا لغير الله «٤»، قال البخاري
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١١٣) معلّقا، ووصله أبو داود في سننه برقم (٤٧٣٨) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٩٥، ٩٦) والبيهقي من الأسماء والصفات (ص ٢٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كحجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذا جاءهم جبريل فزّع عن قلوبهم، قال: فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فيقولون: الحق الحق». والحديث صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٢٩٣).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه برقم (١٤٦٩) وابن ماجه في سننه برقم (١٣٣٧) وأحمد في المسند بالأرقام (١٤٧٦ و١٥١٢ و١٥٤٩) والدارمي في سننه برقم (٣٤٨٨) وابن حبان في صحيحه برقم (١٢٠) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٩) وعبد بن حميد في مسنده برقم (١٥١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ١٢٧ - ١٢٨ و١٢٨) والطيالسي في مسنده برقم (٢٠١) والحميدي في مسنده برقم (٧٧) وأبو يعلى في مسنده برقم (٦٨٩) والبيهقي في سننه (١٠/ ٢٣١) وعبد الرزاق في المصنف برقم (٤١٧٠ و٤١٧١) وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٥٢٢) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (١٣٠٤).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه برقم (١٤٦٨) والنسائي في سننه (٢/ ١٧٩) وابن ماجه في سننه برقم (١٣٤٢) وأحمد في المسند (٤/ ٢٨٣ و٢٨٥ و٢٩٦ و٣١٤) وابن حبان في صحيحه برقم (٦٦٠) والدارمي في سننه (٢/ ٢٧٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧٢) وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٦٢) وأبو يعلى في مسنده برقم (١٦٨٦) من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (١٣٠٣) وصحيح سنن ابن ماجه برقم (١١٠٣).
(٤) علقه البخاري في صحيحه (١/ ١٩٥) ووصله في الأدب المفرد برقم (٩٧٠) وأخرجه أيضا أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥) والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٧) من حديث عبد الله بن أنيس-
[ ٦٩ ]
وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته «١» فإذا ينادي الملائكة لم يصعقوا قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا «٢» فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين.
ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول:
«يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وواحد من أهل النار يطلبه بمظلمة» «٣» وذكر الحديث الذي رواه أيضا في صحيحه في هذا المعنى في قوله:
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ «٤» عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله يوم القيامة يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار، قال: يا رب ما بعث النار؟ قال من كل ألف- أراه قال:- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» «٥».
وذكر البخاري حديث ابن مسعود الذي استشهد به أحمد وذكر الحديث الذي
_________________
(١) - ﵁ أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: «يحشر الله العباد- أو الناس- عراة غرلا بهما» قلت: ما بهما؟ قال: «ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد- أحسبه قال: كما يسمعه من قرب: أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة» قلت: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات». والحديث حسنه العلامة الألباني في تخريجه للأدب المفرد (ص ٣٤٩).
(٢) كما ثبت ذلك في صحيح البخاري بالأرقام (٤٧٠١ و٤٨٠٠ و٧٤٨١) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان فإذا فزع من قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير». وكما تقدم أيضا من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي ذكرناه قبل قليل.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٢.
(٤) تقدم تخريجه قبل قليل.
(٥) سورة سبأ، الآية: ٢٣.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٣٣٤٨ و٤٧٤١ و٦٥٣٠ و٧٤٨٣) ومسلم في صحيحه برقم (٢٢٢) (٣٨٠) وأحمد في المسند برقم (١١٢٨٤) والنسائي في سننه الكبرى برقم (١١٣٣٩) وعبد بن حميد في المنتخب برقم (٩١٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٧٠ ]
رواه في صحيحه عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله ﷺ قال:
«إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان» «١» حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ «٢».
وذكر البخاري حديث ابن عباس المعروف من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن نفر من الأنصار وقد رواه أحمد ومسلم في صحيحه وساقه البخاري من طريق ابن إسحاق عنه أن رسول الله ﷺ قال لهم:
«ما تقولون في هذه النجوم التي يرمى بها»؟ قالوا: كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، فقال رسول الله ﷺ: «ليس ذلك كذلك ولكن إذا قضى الله في خلقه أمرا يسمعه حملة العرش فيسبحون، فيسبح من تحتهم بتسبيحهم، فيسبح من تحت ذلك، فلم يزل التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، حتى يقول بعضهم لبعض: لم سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون ألا تسألون من فوقكم لم سبحتم؟ فيسألونهم فيقولون:
قضى الله في خلقه كذا وكذا الأمر الذي كان يهبط الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم منهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثهم، فيخطئون ويصيبون، فيحدث به الكهان» «٣».
قال البخاري: ولقد بيّن نعيم بن حماد «٤» أن كلام الرب ليس يخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) سورة سبأ، الآية: ٢٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٢٢٩) والبخاري من خلق أفعال العباد برقم (٤٦٩) والنسائي في سننه الكبرى برقم (١١٢٧٢) والترمذي في سننه برقم (٣٢٢٤) وأحمد في المسند برقم (١٨٨٢ و١٨٨٣) وعبد بن حميد في مسنده برقم (٦٨٣) والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٣٨) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣/ ١١٣) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٤٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) هو الإمام العلامة الحافظ نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همّام بن سلمة بن مالك، أبو عبد الله الخزاعي المروزي الفرضي صاحب التصانيف، كان شديد الرد على الجهمية وأهل الأهواء. مات سنة تسع وعشرين ومائتين في محنة القول بخلق القرآن، رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في السير (١٠/ ٥٩٥) والطبقات لابن سعد (٧/ ٥١٩) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٨) وشذرات الذهب (٢/ ٦٧).
[ ٧١ ]
له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به.
قال البخاري: وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمارق ولا مبتدع.
وقال أبو عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين: ومما يجب الإيمان به التصديق بأن الله متكلم، وأن كلامه قديم، وأنه لم يزل متكلما في كل أوقاته موصوفا بذلك، وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة، قال: وقد علم أن المذهب أن كون الكلام صفة ومتكلما به ولم يزل موصوفا بذلك ومتكلما إذا شاء وبما شاء، ولا نقول إنه ساكت في حال ومتكلم في حال من حيث حدوث الكلام. قال: ولا خلاف عن أبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- أن الله لم يزل متكلما قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات وأن الله كان فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء، إذا شاء أنزل كلامه وإذا شاء لم ينزله، فقد ذكر ابن حامد أنه لا خلاف في مذهب أحمد أنه سبحانه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء. ثم ذكر قولين هل هو متكلم دائما بمشيئته أو أنه لم يزل موصوفا بذلك متكلما إذا شاء، وساكتا إذا شاء لا بمعنى أنه يتكلم بعد أن لم يزل ساكتا فيكون كلامه حادثا كما يقول الكرامية فإن قول الكرامية في الكلام لم يقل به أحد من أصحاب أحمد؛ وكذلك ذكر القولين أبو بكر عبد العزيز في أول كتابه الكبير المسمى بالمقنع.
وقد ذكر ذلك عنه القاضي أبو يعلى في كتاب إيضاح البيان في مسألة القرآن. قال أبو بكر: لما سألوه إنكم إذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال: لأصحابنا قولان أحدهما أنه لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما أن ضد العلم الجهل قال: ومن أصحابنا من قال: أثبت لنفسه أنه خالق، ولم يجز أن يكون خالقا في كل حال بل قلنا إنه خالق في وقت إرادته أن يخلق، وإن لم يكن خالقا في كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك، وإن لم يكن متكلما في كل حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وإن لم يكن خالقا في كل حال ولا متكلما في كل حال.
قال القاضي أبو يعلى في هذا الكتاب: نقول أنه لم يزل متكلما وليس بمتكلم، ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه، نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: لم يزل الله متكلما عالما غفورا قال: وقال في رواية عبد الله: لم يزل متكلما إذا شاء، وقال حنبل في موضع آخر: سمعت أبا عبد الله يقول: لم يزل الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق.
[ ٧٢ ]
قلت: أحمد أخبر بدوام كلامه سبحانه ولم يخبر بدوام تكلمه بالقرآن بل قال: والقرآن كلام الله غير مخلوق.
قال القاضي: قال أحمد في الجزء الذي رد فيه على الجهمية والزنادقة:
وكذلك الله يتكلم كيف شاء من غير أن نقول من جوف ولا فم ولا شفتين، قال بعد ذلك: بل نقول إن الله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق.
وقال أبو إسماعيل الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام في مناقب الإمام أحمد لما ذكر كلامه في مسألة القرآن وترتيب حدوث البدع قال: وجاءت طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون كلامه حادثا، قال: وهذه أغلوطة أخرى في الدين غير واحدة، فانتبه لها أبو بكر بن خزيمة «١» وكانت نيسابور دار الآثار تمد إليها وتشد إليها الركائب ويجلب منها العلم فابن خزيمة في بيت ومحمد بن إسحاق- يعني السراج «٢» - في بيت، وأبو حامد بن الشرقي في بيت، قال: فطار لتلك الفتنة الإمام أبو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها، يصنف في ردها كأنه منذر جيش حتى دوّن في الدفاتر وتمكن في السرائر وتفسير في الكتاتيب ونقش في المحاريب:
أن الله متكلم إن شاء تكلم وإن شاء سكت، قال: فجزى الله ذلك الإمام وأولئك النفر على نصر دينه وتوقير نبيه خيرا.
قلت: لفظ السكوت يراد به السكوت عن شيء خاص، وهذا مما جاءت به
_________________
(١) هو الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي صاحب التصانيف الماتعة، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين وعني في حداثته بالحديث والفقه، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والاتقان، نصر مذهب السلف ودافع عنه ورد على أهل البدع والأهواء. قال الحاكم ﵀: فضائل إمام الأئمة ابن خزيمة عندي مجموعة في أوراق كثيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل، والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء. توفي سنة إحدى عشرة وثلاث مائة. انظر ترجمته في السير (١٤/ ٣٦٥) والبداية والنهاية (١١/ ١٤٩) وطبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٠٩ - ١١٠) وطبقات الحفاظ (٣١٠ - ٣١١) وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٢) هو الإمام الحافظ الثقة شيخ الإسلام محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو العباس الثقفي مولاهم الخراساني النيسابوري محدث خراسان وصاحب المسند الكبير على الأبواب والتاريخ وغير ذلك، ولد سنة ست عشرة ومائتين وتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة بنيسابور. انظر ترجمته في السير (١٤/ ٣٨٨) وتاريخ بغداد (١/ ٢٤٨ - ٢٥٢) وطبقات الشافعية (٣/ ١٠٨ - ١٠٩) والبداية والنهاية (١١/ ١٥٣).
[ ٧٣ ]
الآثار كقول النبيّ ﷺ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها » «١»
الحديث.
والحديث المعروف عن سلمان مرفوعا وموقوفا: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» «٢».
والعلماء يقولون: أن مفهوم الموافقة أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى منه في المنطوق به، ومفهوم المخالفة: أن يكون الحكم في السكوت مخالفا للحكم في المنطوق به «٣».
أما السكوت المنطوق به فهذا هو الذي ذكروا فيه القولين والقاضي أبو يعلى وموافقوه على أصل ابن كلاب يتأولون كلام أحمد والآثار في ذلك بأنه سكوت عن الإسماع لا عن التكليم.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه (ص ٥٠٢) والبيهقي في سننه (١٠/ ١٢ - ١٣) والخطيب في الفقيه والمتفقه (ق ١٦٠/ ٢) وابن بطة في الإبانة (٢/ ١٢٦/ ١) من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁. والحديث ضعفه العلامة الألباني ﵀ في غاية المرام برقم (٤).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه (١/ ٣٢٢) وابن ماجه في سننه برقم (٣٣٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/ ١١٥) والبيهقي في سننه (١٠/ ١٢) والعقيلي في الضعفاء (ص ١٧٦) من طريق سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان به. وسيف بن هارون ضعفه جماعة من أهل العلم، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ضعيف أفحش ابن حبان القول فيه. وأشار الترمذي إلى تضعيف الحديث بقوله: حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفا. والحديث يشهد له حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا»، وتلا: وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [سورة مريم، الآية: ٦٤]. أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٧٥) والبزار في مسنده كما في مجمع الزوائد (٧/ ٥٥) والطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع أيضا (١/ ١٧١) وحسنه العلامة الألباني في غاية المرام برقم (٢). وجملة القول أن الحديث حسن إن شاء الله، وقد حسنه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (١٤١٠) وصحيح سنن ابن ماجه برقم (٢٧١٥).
(٣) انظر روضة الناظر (٢/ ٢١٨).
[ ٧٤ ]
وكذلك تأول ابن عقيل «١» كلام أبي إسماعيل الأنصاري، ليس مرادهم ذلك كما هو بين لمن تدبر كلامهم مع أن الإسماع على أصل النفاة إنما هو خلق إدراك في السماع ليس سببا يقوم بالمتكلم فكيف يوصف بالسكوت لكونه لم يخلق إدراكا لغيره؟
فأصل ابن كلاب الذي وافقه عليه القاضي وابن عقيل وابن الزغواني وغيرهم أنه منزه عن السكوت مطلقا فلا يجوز عندهم أن يسكت عن شيء من الأشياء إذ كلامه صفة قديمة لذاته لا تتعلق عندهم بمشيئته كالحياة حتى يقال إن شاء تكلم بكذا، وإن شاء سكت عنه.
ولا يجوز عندهم أن يقال إن الله سكت عن شيء كما جاءت به الآثار بل يتأولونه على عدم خلق الإدراك لأنه منزه عن الخرس باتفاق الأمة، هذا مما احتجوا به على قدم الكلام وقالوا: لو لم يكن متكلما للزم اتصافه بضده كالسكوت والخرس، وذلك ممتنع عندهم سواء قيل هو سكوت مطلق أو سكوت عن شيء معين.
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول) وذكر اثني عشر إماما الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وسفيان بن عيينة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قال فيه سمعت الإمام أبا منصور يقول:
سمعت الإمام أبا بكر عبيد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الأسفرائيني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعا من الله تعالى والنبيّ ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبيّ ﷺ وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا كل
_________________
(١) هو العلامة البحر شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري الحنبلي المتكلم صاحب التصانيف ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة. وكان يتوقد ذكاء، ولم يكن في زمانه نظير على بدعته، فقد أخذ علم الكلام عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان، ومن ثم حصل فيه شائبة تجهم واعتزال وانحرافات نسأل الله السلامة والعافية. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٦١ - ٦١) نوع الزلل الذي وقع فيه العلامة ابن عقيل ﵀. انظر ترجمته في السير (١٩/ ٤٤٣) وطبقات الحنابلة (٢/ ٢٥٩) والكامل في التاريخ (١٠/ ٥٦١) وميزان الاعتدال (٣/ ١٤٦) وشذرات الذهب (٤/ ٣٥ - ٤٠).
[ ٧٥ ]
حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين.
قال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام وقال: لم تزل أئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينتسبوا إلى الأشعري ويتبرءون مما بنى مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم من الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن ابن أحمد الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد بن طاهر الأسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرخ إلى الجامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالروزي المحاذي للجامع، يقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قال أحمد بن حنبل لا كما يقول الباقلاني، ويتكرر ذلك منه، فقيل له في ذلك فقال: حتى تنتشر في الناس وفي أهل البلاد ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه- يعني الأشعرية- وبرئ من مذهب أبي بكر الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرءون عليه فيعتنون بمذهبه فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته.
قال: وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن العجلي سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلاني يخرج إلى الحمام مبرقعا خوفا من الشيخ أبي حامد الأسفرائيني «١» والكلام على ما وقع من إنكار أبي حامد وغيره من أئمة الإسلام على القاضي أبي بكر مع جلالة قدره وكثرة رده على أهل الإلحاد والبدع بسبب هذا الأصل الذي بنى عليه مذهبه طويل ولبسطه موضع آخر.
وإنما المقصود هنا التنبيه على بعض من أثبت هذا الأصل ولم يوافق على النفاة، والحارث المحاسبي قد ذكر القولين عن أهل السنة المثبتين الصفات والقدر فقال في كتاب «فهم القرآن» لما تكلم على ما لا يدخل فيه النسخ وما يدخل فيه النسخ، وما يظن أنه متعارض من الآيات وذكر عن أهل السنة في الإرادة والسمع
_________________
(١) تأمل كيف كان أهل البدع يهابون من أهل السنة، وقارن ذلك بزماننا هذا، فإلى الله المشتكى!
[ ٧٦ ]
والبصر قولين في مثل قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١» وقوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها «٢» وقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٣» وكذلك قوله: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقوله تعالى:
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٥» ونحو ذلك فقال: ذهب قوم من أهل السنة إلى أن لله استماعا حادثا في ذاته، وذكر أن هؤلاء وبعض أهل البدع تأولوا ذلك في الإرادة على الحوادث قال: فأما من أدى السنة فأراد إثبات القدر فقال:
إرادة الله تحدث من تقدير سابق للإرادة.
أما بعض أهل البدع فزعموا أن الإرادة هي خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها كون الله المخلوقين قال: وزعموا أن الخلق غير المخلوق وأن الخلق هو الإرادة، وإنها ليست بصفة لله من نفسه قال: وكذلك قال بعضهم أن رؤيته تحدث.
قال محمد بن الهيصم في كتاب «حمل الكلام» لما ذكر الكلام وأنه مبني على خمسة فصول:
أحدها: أن القرآن كلام الله، وقد حكي عن جهم بن صفوان أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وإنما هو كلام خلقه الله فنسب إليه كما قيل: سماء الله وأرض الله، وكما قيل: بيت الله وشهر الله.
وأما المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما في المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا عنه.
وقال عامة المسلمين: إن القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه تكلم به.
والفصل الثاني: أن القرآن غير قديم فإن الكلابية وأصحاب الأشعري زعموا أن الله لم يزل متكلما بالقرآن، وقال أهل الجماعة إنما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبريل، وكذلك سائر الكتب.
والفصل الثالث: أن القرآن غير مخلوق فإن الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا إنه مخلوق، وقال أهل الجماعة: إنه ليس بمخلوق.
_________________
(١) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٦.
(٣) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
[ ٧٧ ]
والفصل الرابع: أنه غير بائن منه فإن الجهمية وأتباعهم من المعتزلة قالوا: إن القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه، وزعموا أن الله خلق كلاما في الشجرة فسمعه موسى، وخلق كلاما في الهواء فسمعه جبريل، ولا يصح عندهم أنه وجد من الله كلام يقوم به في الحقيقة.
وقال أهل الجماعة: بل القرآن غير بائن من الله وإنما هو موجود منه وقائم به.
وذكر محمد بن الهيصم في مسألة الإرادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق التي ليست أعيانها قديمة ولا مخلوقة، وهو يحكي ذلك عن أهل الجماعة.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف بنقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد قال: وادعى المعارض أن قول النبيّ ﷺ: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي من الليل الثلث، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من داع؟» «١».
قال: فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته وهو على العرش وكل مكان من غير زوال لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول.
قال: فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان لأن أمر الله ورحمته تنزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبيّ ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار، ويوقت في الليل شطره أو الأسحار أفأمره ورحمته تدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه؟ فيقولا: «هل من داع فأجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟» فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان إلى الإجابة والاستغفار بكلامهما دون الله وهذا محال عند السفهاء فكيف عند الفقهاء.
وقد علمتم ذاك ولكن تكابرون، ما بال أمره ورحمته ينزلان من عنده شطر الليل ثم لا يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان لأن رفاعة يرويه ويقول في حديثه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٢٨٩ و٤/ ١٩٠ و٤٧٩) ومسلم في صحيحه (٢/ ١٧٥) ومالك في الموطأ (١/ ٢١٤/ ٣٠) وأبو داود في سننه برقم (١٣١٥) والترمذي في سننه (٢/ ٢٦٣) وابن ماجه في سننه برقم (١٣٦٦) والدارمي في سننه (١/ ٣٤٧) وأحمد في المسند (٢/ ٢٦٤ و٢٦٧ و٤٨٧) والبيهقي في سننه (٣/ ٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٧٨ ]
حتى ينفجر الفجر، وقد علمتم إن شاء الله أن هذا التأويل أبطل باطل ولا يقبله إلا كل جاهل.
وأما دعواك أن تفسير القيوم: الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منك هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن النبيّ ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء لأن ذلك أمارة ما بين الحي والميت، لأن كل متحرك لا محالة حي، وكل ميت غير متحرك لا محالة.
ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة ورسول رب العزة؟ إذ فسر نزوله مشروطا منصوصا ووقت له وقتا موضوحا لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لبسا ولا عويصا.
قال: ثم أجمل المعارض جميع ما أنكره الجهمية من صفات الله تعالى وذواته المسماة في كتابه وآثار رسوله ﷺ فعد منها بضعا وعشرين صفة نقشا، وأخذ يتكلم عليها ويفسرها بما حكى المريسي وفسرها وتأولها حرفا حرفا خلاف ما عنى الله ورسوله، وخلاف ما تأولها الفقهاء والصالحون لا يعتمد في أكثرها إلا على المريسي فبدأ منها بالوجه ثم بالسمع والبصر والغضب والرضا والحب والبغض والفرح والكره والضحك والعجب والسخط والإرادة والمشيئة والأصابع والكف والقدمين وقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» وقوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «٢» وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٣» لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ «٤» وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «٥» يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٦» وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «٧» وقوله: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا «٨» وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ «٩» وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٠» الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ «١١» وقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ «١٢» وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١٣» وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٨٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٥.
(٣) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٤) سورة ص، الآية: ٧٥.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٦٤.
(٦) سورة الفتح، الآية: ١٠.
(٧) سورة الزمر، الآية: ٦٧.
(٨) سورة الطور، الآية: ٤٨.
(٩) سورة البقرة، الآية: ٢١٠.
(١٠) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
(١١) سورة غافر، الآية: ٧.
(١٢) سورة آل عمران، الآية: ٢٨.
(١٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
[ ٧٩ ]
الرَّحْمَةَ «١» قال تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ «٢» وإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ «٣».
قال: عمد المعارض إلى هذه الصفات فنسقها ونظم بعضها إلى بعض كما نظمها شيئا بعد شيء ثم قررها أبوابا في كتاب وتلطف بردها بالتأويل كتلطف الجهمية معتمدا على الرابع الجهمي بشر بن غياث المريسي عند الجهال بالتشنيع بها على قوم يؤمنون بالله ويصدقون بالله ورسوله فيها بغير تكييف ولا تمثيل، فزعم أن هؤلاء المؤمنين بها يكيفونها وينسبونها بذوات أنفسهم، وأن العلماء بزعمه قالوا ليس في شيء منها اجتهاد رأي لندرك كيفية ذلك أو يشبه فيها شيء مما هو في الخلق موجود.
قال: وهذا خطأ، كما أن الله ليس كمثله شيء فكذلك ليس ككيفيته شيء.
قال أبو سعيد عثمان بن سعيد: فقلنا لهذا المعارض المدلس بالتشنيع أن قوله: كيفية هذه الصفات وتشبيهها مما هو في الخلق خطأ، فإنا لا نقول إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر، ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو في الخلق موجود أشد أنفا منكم غير أنّا كما لا نشبهها ولا نكيفيها لا نكفر بها ولا نكذبها ولا نبطلها بتأويل الضّلّال كما أبطلها إمامك المريسي.
قال: وأما ما ذكرت من اجتهاد الرأي في تكييف صفات الله فإنا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا ونسمعها بآذاننا فكيف في صفات الله التي لم ترها العيون وقصرت عنها الظنون؟ غير أنا لا نقول فيها كما قال المريسي: إن هذه الصفات كلها شيء واحد وليس السمع منه غير البصر، ولا الوجه منه غير اليد، ولا الذات غير النفس، وإن الرحمن ليس يعرف- بزعمكم- لنفسه سمعا من بصر، ولا بصرا من سمع، ولا وجها من يدين، ولا يدين من وجه، وهو كله- بزعمكم- سمع وبصر ووجه، وأعلى وأسفل ويد ونفس وعلم ومشيئة وإرادة، مثل خلق السموات والأرض والجبال والتلال والهواء التي لا يعرف لشيء منها شيء من هذه الصفات والذوات، ولا يوقف لها منها على شيء فالله تعالى عندنا أن يكون كذلك فقد ميز الله تعالى في كتابه السمع من البصر، وذكر
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٤.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
[ ٨٠ ]
الآيات الواردة في ذلك فقال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «١» قال تعالى:
إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٢» وقال: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ «٣» ففرق بين الكلام والنظر دون السمع فقال عند السمع والصوت قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) «٤» لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «٥» ولم يقل رأى الله قول التي تجادلك في زوجها، وقال تعالى في موضع الرؤية قال تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) «٦» وقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٧» ولم يقل يسمع الله تقلبك ويسمع الله عملكم فلم يذكر الرؤية فيما يسمع ولا السمع فيما يرى لما أنهما عنده خلاف ما عندكم وذكر كلاما طويلا في الرد على النفاة.
[مذهب أهل الحديث في الصفات وذكر الآيات الدالة على ذلك]
قلت: وكلام أهل الحديث والسنة في هذا الأصل كثير جدّا.
وأما الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل فكثيرة جدّا يتعذر أو يتعسر حصرها، ولكن نذكر بعضها، وقد جمع الإمام أحمد كثيرا من الآيات الدالة على هذا الأصل وغيره مما يقوله النفاة، وذكرها عنه الخلال في كتاب السنة وذلك كقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) «٨» وقوله تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٩».
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) «١٠» وقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) «١١» فوقت النداء بقوله: «فلما» وبقوله: «إذ» فعلم أنه كان في وقت مخصوص لم يناداه قبل ذلك، وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) «١٢».
_________________
(١) سورة طه، الآية: ٤٦.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
(٤) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.
(٦) سورة الشعراء، الآيتان: ٢١٨ - ٢١٩.
(٧) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
(٨) سورة طه، الآيات: ١١ - ١٣.
(٩) سورة الشعراء، الآية: ١٠.
(١٠) سورة القصص، الآية: ٣٠.
(١١) سورة النازعات، الآيتان: ١٥ - ١٦.
(١٢) سورة القصص، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.
[ ٨١ ]
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ «١» فأخبر سبحانه أنه قال لهم ذلك بعد أن خلق آدم وصوره لا قبل ذلك، وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) «٢» وقال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ «٣» وقال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) «٤» وقال تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) «٥» وإذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، وأن الفعل المضارع للاستقبال.
وقال تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ «٦» وقال تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ «٧» وقال تعالى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ «٨» وقال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٩» وقال تعالى:
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «١٠» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ «١١» وقال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ «١٢» وقال تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) «١٣» وقال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ «١٤» وقال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦) «١٥» قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ «١٦» وقال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١٧» وقال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا «١٨» وقال إسماعيل: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١٩» وقال صاحب مدين لموسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ «٢٠» وأدوات الشرط تخلص الفعل للاستقبال.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١١.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٥٩.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١١٧.
(٥) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٣٠.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.
(٨) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
(٩) سورة فصلت، الآية: ١١.
(١٠) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.
(١١) سورة البقرة، الآية: ٢١٠.
(١٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(١٣) سورة الفجر، الآية: ٢٢.
(١٤) سورة يونس، الآية: ١٤.
(١٥) سورة الإسراء، الآية: ١٦.
(١٦) سورة الرعد، الآية: ١١.
(١٧) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
(١٨) سورة الكهف، الآية: ١٠.
(١٩) سورة الصافات، الآية: ١٠٢.
(٢٠) سورة القصص، الآية: ٢٧.
[ ٨٢ ]
ومن هذا الباب قوله ﷺ: «من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك» «١» رواه أهل السنن، واتفق الفقهاء على ذلك، وكذلك ما في الصحيحين من قول النبيّ ﷺ عن سليمان أنه قال: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل امرأة بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق ولد، قال النبيّ ﷺ: فلو قال: إن شاء الله لقاتلوا في سبيل الله فرسانا أجمعين» «٢».
وقال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «٣» وقال تعالى: فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ «٤» وقال تعالى لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى «٥» وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) «٦» وقال تعالى:
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ «٧» وقال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها «٨».
وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ «٩» وقال تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) «١٠» وقال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا «١١» وقال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «١٢» وقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) «١٣».
وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «١٤» وقال
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه برقم (١٥٣١) وأبو داود في سننه برقم (٣٢٦٢) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٤٧٣٥) وفي الصغرى (٧/ ١٢) وابن ماجه في سننه برقم (٢١٠٥) وأحمد في المسند بالأرقام (٤٥١٠ و٥٣٦٢ و٥٣٦٣ و٦٤١٤) والبيهقي في سننه (١٠/ ٤٦) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٤٢) من حديث ابن عمر ﵄. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٢٧٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٢٨١٩ و٣٤٢٤ و٥٢٤٢ و٦٦٣٩ و٦٧٢٠ و٧٤٦٩) ومسلم في صحيحه برقم (١٦٥٤) وأحمد في المسند برقم (٧١٣٧ و٧٧١٥) وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٣٨) والنسائي في سننه (٧/ ٢٥ - ٢٦) البغوي في شرح السنة برقم (٧٩) والبيهقي في سننه (١٠/ ٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٢٩.
(٤) سورة الشعراء، الآية: ١٥.
(٥) سورة طه، الآية: ٤٦.
(٦) سورة الزخرف، الآية: ٨٠.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.
(٨) سورة المجادلة، الآية: ١.
(٩) سورة الزمر، الآية: ٢٣.
(١٠) سورة الأعراف، الآية: ١٨٥.
(١١) سورة النساء، الآية: ٨٧.
(١٢) سورة الزخرف، الآية: ٥٥.
(١٣) سورة محمد، الآية: ٢٨.
(١٤) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
[ ٨٣ ]
تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ «١» فأخبر أن طاعته سبب لمحبته ورضاه، ومعصيته سبب لسخطه وأسفه، وقال تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٢» وجواب الشرط مع الشرط كالسبب مع مسببه.
ومثله في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ومن تقرّب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» «٣».
وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣) «٤» وأما أفعاله المتعدية إلى المفعول به الحادثة وذكرها في القرآن العزيز فكثير جدّا، كقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) «٥» وقوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) «٦» فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) «٧» وقوله تعالى: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) «٨» وقوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) «٩».
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «١٠» وقوله تعالى: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) «١١» وقوله ﵎:
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٥) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) والترمذي في سننه برقم (٣٦٠٣) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٧٧٣٠) وابن ماجه في سننه برقم (٣٨٢٢) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٤٢٢، ٩٣٥١، ١٠٢٢٤، ١٠٦٨٤، ١٠٧٠٤، ١٠٧٨٢، ١٠٩٠٩) والبغوي في شرح السنة برقم (١٢٥١) وابن حبان في صحيحه برقم (٨١١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) سورة النساء، الآية: ٩٣.
(٥) سورة الضحى، الآية: ٥.
(٦) سورة الليل، الآية: ٧.
(٧) سورة الليل، الآية: ١٠.
(٨) سورة الانشقاق، الآية: ٨.
(٩) سورة عبس، الآيات: ١٩ - ٢٦.
(١٠) سورة الروم، الآية: ٢٧.
(١١) سورة المرسلات، الآيتان: ١٦ - ١٧.
[ ٨٤ ]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) «١».
وقال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) «٢».
وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) «٣».
وقوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها «٤» وقال تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٥».
قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) «٦» وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا «٧».
ومثل هذا كثير في القرآن والاحتجاج به ظاهر على قول الجمهور الذين يجعلون الخلق غير المخلوق وهو الصواب فإن الذين يقولون: الخلق هو المخلوق قولهم فاسد.
وقد بينا فساده في غير هذا الموضع وشبهتهم أنه لو كان غيره لكان إن كان قديما لزم قدم المخلوق وإن كان محدثا احتاج إلى خلق آخر فيلزم التسلسل وإن كان قائما به فيكون محلّا للحوادث.
وقد أجابهم الناس عن هذا كل قوم بجواب يبيّن فساد قولهم، وطائفة منعت قدم المخلوق كالإرادة فإنهم سلموا أنها قديمة مع حدوث المراد، وطائفة منعت قيامه به وقالت: لا يقوم به الخلق فلأن يكون محلّا للحوادث، فإذا قالوا: إن الخلق هو المخلوق ولا يقوم به فلأن يجوز أن يكون غير المخلوق ولا يقوم به
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيات: ١٢ - ١٤.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦.
(٣) سورة النازعات، الآيات: ٢٧ - ٣١.
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٤٤.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٥٤.
(٦) سورة الجاثية، الآية: ١٨.
(٧) سورة فاطر، الآية: ٣٢.
[ ٨٥ ]
أولى، وطائفة قالت: لا نسلم أنه إذا افتقر المخلوق المنفصل إلى خلق أن يفتقر ما يقوم به من الخلق إلى خلق آخر بل يكتفي فيه القدرة والمشيئة فإنكم إذا جوزتم وجود الحادث الذي يباينه بمجرد القدرة والمشيئة فوجود ما لا يباينه أولى بالجواز وهؤلاء وغيرهم يمانعونهم في قيام الحوادث به، وطائفة منعت امتناع التسلسل في الآثار والأفعال وقالت: إنما يمتنع في الفاعلين لا في الفعل كما قد بسط في موضع آخر.
[ذكر الأحاديث الدالة على الصفات]
وأما الأحاديث الدالة على هذا الأصل التي في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها عن النبيّ ﷺ فأكثر من أن يحصيها واحد، كقوله في الحديث المتفق على صحته عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فقال: «أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي؛ فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب» «١».
وفي الصحيحين في حديث الشفاعة يقول كل من أولي العزم من الرسل مع آدم:
«إن ربي قد غضب اليوم غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» «٢».
وقوله في الحديث الصحيح: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجرّ السلسلة على الصفوان» «٣».
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء وممّا أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة» «٤».
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٨٤٦ و١٠٣٨ و٤١٤٧ و٧٥٠٣) وفي الأدب المفرد برقم (٩١٠) ومسلم في صحيحه برقم (٧١) وأبو داود في سننه برقم (٣٩١٦) والنسائي في سننه (٣/ ١٦٤ - ١٦٥) وفي سننه الكبرى برقم (١٧٦٠ و١٠٧٦) وأحمد في المسند بالأرقام (١٧٠٣٥ و١٧٠٤٩ و١٧٠٦١) وابن حبان في صحيحه برقم (١٨٨ و٦١٣٢) والبغوي في شرح السنة برقم (١١٦٩) ومالك في الموطأ (١/ ١٩٢) والبيهقي في سننه (٣/ ٣٥٧ و٣٥٨) والحميدي في مسنده برقم (٨١٣) والطبراني في معجمه الكبير بالأرقام (٥٢١٤ - ٥٢١٦) وأبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٦ - ٢٧) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٥٦٥) ومسلم في صحيحه (٣/ ٥١ نووي) وغيرهما من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٩٢٤) والنسائي في سننه برقم (١٢١٩) وأحمد في المسند (١/ ٣٧٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٨١٧).
[ ٨٦ ]
وقوله ﷺ في حديث التجلي المتفق على صحته من غير وجه: «ويقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» «١».
وقوله في الحديث المتفق عليه: «لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن ممن أضل راحلته بأرض دوية مهلكة عليها طعامه وشرابه، فنام تحت شجرة ينتظر الموت فلما استيقظ إذا بدابّته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من فرح هذا براحلته» «٢».
وقوله في الحديث الصحيح: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» «٣» وقوله في حديث الرجل: «هو آخر من يدخل الجنة» وهو حديث أبي هريرة ﵁ الذي يقول الله فيه: «أولست قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟
فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة» «٤».
وفي حديث ابن مسعود وهو حديث آخر قال النبيّ ﷺ: «فيقول الله: يا ابن آدم أترضى أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ بي وأنت رب العالمين»؟ وضحك رسول الله ﷺ فقال: «ألا تسألوني ممّا ضحكت؟» فقالوا: لم ضحكت؟ فقال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٥٧٣، ٧٤٣٧) ومسلم في صحيحه (٣/ ٢١ نووي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٧٤٤) وأحمد في المسند برقم (٣٦٢٧، ٣٦٢٨) والترمذي في سننه برقم (٢٤٩٧ و٢٤٩٨) وأبو يعلى في مسنده برقم (٥١٠٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٩) والبغوي في شرح السنة برقم (١٣٠٢) والبيهقي في سننه (١٠/ ١٨٨) من حديث ابن مسعود ﵁، وفي الباب عن عدد من الصحابة ﵃.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٢٨٢٦) ومسلم في صحيحه برقم (١٨٩٠) ومالك في الموطأ (٢/ ٤٦٠) والنسائي في سننه (٦/ ٣٨ - ٣٩) وفي الكبرى برقم (٧٧٦٧) وعبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠٢٨٠) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٣٢٦ و٨٢٢٤ و٩٩٧٦ و١٠٦٣٦) وابن حبان في صحيحه برقم (٢١٥) والبغوي في شرح السنة برقم (٢٦٣٢ و٢٦٣٣) والآجري في الشريعة (ص ٢٧٧) والبيهقي في سننه (٩/ ١٦٥) وفي الأسماء والصفات (ص ٤٦٧) وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٧٠) والحميدي في مسنده برقم (١١٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) جزء من حديث أبي هريرة في الرؤية الذي تقدم تخريجه قبل قليل.
[ ٨٧ ]
العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر» «١».
وفي حديث أبي رزين عن النبيّ ﷺ قال: «ينظر إليكم أذلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرحكم قريب؟» فقال له أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال:
«نعم»، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا «٢».
وفي الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) قال الله ﷿: هذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) قال الله: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل» «٣».
وقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» «٤».
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ٤١ نووي) وأحمد في المسند (١/ ٣٩) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه برقم (١٨١) وأحمد في المسند (٤/ ١١) والطيالسي في مسنده برقم (١٠٩٢) والطبراني في معجمه الكبير (١٩/ ٢٠٧) وابن أبي عاصم في السنة برقم (٥٥٤) من حديث أبي رزين ﵁. والحديث ضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه برقم (٣١) وفي ظلال الجنة (ص ٢٤٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٣٩٥) والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧٢) ومالك في الموطأ (١/ ٨٤) وأبو داود في سننه برقم (٨٢١) والترمذي في سننه برقم (٢٩٥٣) والنسائي في سننه (٢/ ١٣٥ - ١٣٦) وفي الكبرى برقم (٨٠١٢) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٤٠٦ و٧٨٣٦ و٧٨٣٧ و٧٨٣٨ و٩٩٣٢) وعبد الرزاق في المصنف برقم (٢٧٦٧ و٢٧٦٨) وابن خزيمة في صحيحه برقم (٥٠٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٧٨٤) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٥) وفي شرح مشكل الآثار برقم (١٠٨٩) وأبو عوانة في صحيحه (٢/ ١٢٦ - ١٢٧) والبيهقي في سننه (٢/ ٣٨ - ٣٩ و١٦٦ - ١٦٧) والبغوي في شرح السنة برقم (٥٧٨) - وعند بعضهم مختصرا- من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٨٨ ]
وقوله في الحديث الصحيح حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه وأهله فلما أصبح الرجل غدا على النبيّ ﷺ فقال: «لقد ضحك الله الليلة- أو قال- عجب من فعالكما- أو قال:- من أفعالكما الليلة» وأنزل الله تعالى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «١»» «٢».
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» «٣».
وفي الصحيح عنه أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» «٤».
وفي الصحيحين عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في أصحابه إذ جاءه ثلاثة نفر فأما رجل فرأى في الحلقة فرجة فجلس فيها، وأما رجل فجلس خلفهم، وأما رجل فانطلق فقال النبيّ ﷺ: «ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟
أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل آوى إلى الله فآواه الله، وأما الرجل الذي جلس في خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الرجل الذي انطلق فأعرض فأعرض الله عنه» «٥».
وفي صحيح البخاري عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٩٨ و٤٨٨٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٤٢) وأحمد في المسند برقم (١١١٦٩) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٩٢٦٩) وابن حبان في صحيحه برقم (٣٢٢١) والبيهقي في سننه (٧/ ٩١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم (٤٣٢٦) والقضاعي في مسند الشهاب برقم (١١٤٢) والبغوي في شرح السنة برقم (٢٢٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٦٤) وأحمد في المسند برقم (٧٨٢٧، ١٠٩٦٠) وابن ماجه في سننه برقم (٤١٤٣) والبغوي في شرح السنة برقم (٤١٥٠) وابن حبان في صحيحه برقم (٣٩٤) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٢٤) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (١١١٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٦ و٤٧٤) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٧٦) من حديث أبي واقد الليثي ﵁.
[ ٨٩ ]
يبطش وبي يمشي، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» «١».
وفي الصحيحين عن البراء عن النبيّ ﷺ أنه قال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» «٢».
وفي الصحيحين عن عبادة عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة ﵂: إنا نكره الموت قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكرامته فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بشّر بعذاب الله وسخطه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» «٣».
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قالوا: أنزل علينا ثم كان من المنسوخ: «أبلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنّا وأرضانا» «٤».
وفي حديث عمرو بن مالك الرواسي قال: أتيت النبيّ ﷺ فقلت يا رسول الله أراض عني؟ قال: فأعرض عني ثلاثا.
فقلت: يا رسول الله: إن الله ليرضى فارض عني فرضي عني «٥».
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٣١) برقم (٦٥٠٢) والبغوي في شرح السنة برقم (١٢٤٨) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤) والبيهقي في الزهد (ق ٨٣/ ٢) وفي الأسماء والصفات (ص ٤٩١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٨٣) ومسلم في صحيحه (٢/ ٢٥١ نووي) والترمذي في سننه برقم (٣٨٩٩) وابن ماجه في سننه برقم (١٦٣) من حديث البراء ﵁.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٥٠٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٨٣) وأحمد في المسند برقم (٢٢٦٩٦ و٢٢٧٤٤) والترمذي في سننه برقم (٢٣٠٩) والدارمي في سننه برقم (٢٧٥٦) والنسائي في سننه (٤/ ١٠) وعبد بن حميد في مسنده برقم (١٨٤) والبغوي في شرح السنة برقم (١٤٤٩) وأبو يعلى في مسنده برقم (٣٢٣٥ و٣٢٣٦) والطيالسي في مسنده برقم (٥٧٤) والبزار في مسنده برقم (٢٦٧٩) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٨٤) وأحمد في المسند بالأرقام (٢٤١٧٢ و٢٤٢٨٤ و٢٥٧٢٨ و٢٥٩٨٩) والترمذي في سننه برقم (١٠٦٧) والنسائي في سننه (٤/ ١٠) وفي الكبرى برقم (١٩٦٤) وابن ماجه في سننه برقم (٤٢٦٤) وابن حبان في صحيحه برقم (٣٠١٠) والحميدي في مسنده برقم (٥٢٥) والبغوي في شرح السنة برقم (١٤٥٠) من حديث عائشة ﵂. وفي الباب عن عدد من الصحابة ﵃.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٦٤) ومسلم في صحيحه برقم (٦٧٧) من حديث أنس ﵁.
(٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٣١٢).
[ ٩٠ ]
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله» وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، وقال: «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» «١».
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبيّ ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «٢».
وفي الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» «٣»، وفي رواية:
«سبقت».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟.
قالوا: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون» «٤».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفّت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده» «٥».
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٠٧٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٩٣) والبغوي في شرح السنة برقم (٣٧٥٠) وأحمد في المسند برقم (٨٢١٣) وأبو يعلى في مسنده برقم (٥٩٣١) والبزار في مسنده برقم (١٧٩٣ كشف) والطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم (٤٩١٥) وفي شرح معاني الآثار (١/ ٥١٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٤٨٦) والنسائي في سننه (١/ ١٠٢ - ١٠٣) وفي الكبرى برقم (١٥٨) وابن ماجه في سننه برقم (٣٨٤١) وأحمد في المسند برقم (٢٥٦٥٥) وابن خزيمة في صحيحه برقم (٦٥٥ و٦٧١) وابن حبان في صحيحه برقم (١٩٣٢) والدارقطني في سننه (١/ ١٤٣) والبيهقي في سننه (١/ ١٢٧) من حديث عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٣١٩٤، ٧٤٢٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٧٥١) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٧٧٥٠) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٥٠٠ و٧٥٢٨ و٨٧٠٠ و٨١٢٧ و٨٩٥٨ و٩١٥٩ و٩٥٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٥٥٥ و٣٢٢٣ و٧٤٢٩ و٧٤٨٦) ومسلم في صحيحه برقم (٦٣٢) (٢١٠) والنسائي في سننه (١/ ٢٤١) وأحمد في المسند برقم (٧٤٩١ و١٠٣٠٩) وابن حبان في صحيحه برقم (١٧٣٧) والبغوي في شرح السنة برقم (٣٨١) وأبو يعلى في مسنده برقم (٦٣٣٠) والبيهقي في سننه (١/ ٤٦٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٧٠٠) والترمذي في سننه برقم (٣٣٧٨) وأحمد في المسند-
[ ٩١ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟» «١».
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن لم يجد فبكلمة طيبة» «٢».
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم.
قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟
قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك.
قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك.
قال: فيقول: كيف لو رأوني؟
قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد تمجيدا، وأكثر تسبيحا.
قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة.
قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها.
قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة.
قال: فمما يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟
_________________
(١) - بالأرقام (١٢٨٧ و١١٤٦٣ و١١٨٧٥ و١١٨٩٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٤٨١٢ و٦٥١٩ و٧٣٨٢، ٧٤١٣) ومسلم في صحيحه برقم (٢٧٨٧) والنسائي في سننه الكبرى برقم (٧٦٩٢ و١١٤٥٥) وابن ماجه في سننه برقم (١٩٢) والدارمي في سننه برقم (٢٧٩٩) وأحمد في المسند برقم (٨٨٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٦٥٣٩ و٧٥١٢ و٧٤٤٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٠١٦) والترمذي في سننه برقم (٢٤١٥) وابن ماجه في سننه برقم (١٨٥ و١٨٤٣) وأحمد في المسند (١٨٢٤٦، ١٨٢٤٨، ١٨٢٥٢، ١٨٢٥٣، ١٨٢٥٤، ١٨٢٧١، ١٨٢٧٢، ١٨٢٧٤) والطبراني في معجمه الكبير (١٧/ ١٨٤ - ١٩٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٤) والبيهقي في سننه (٤/ ١٧٦) من حديث عدي بن حاتم ﵁.
[ ٩٢ ]
قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها؟
قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة.
قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم.
قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة.
قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» «١».
وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ليدنوا أحدكم من ربه حتى ليقفه عليه فيقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم يا رب، فيقرره ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ «٢» وأما الكافر والمنافق فينادون: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» «٣».
فأخبر ﷺ أنه سبحانه يقول قولا ثم يقول العبد ثم يقول الرب تعالى قولا آخر.
وهذا الأصل العظيم دلت عليه الكتب المنزلة من الله- القرآن والتوراة والإنجيل- وكان عليه سلف الأمة وأئمتها بل وعليه جماهير العقلاء وأكابرهم وجميع الطوائف حتى من الفلاسفة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٨٩) والترمذي في سننه برقم (٣٦٠٠) وأحمد في المسند بالأرقام (٧٤٢٤ - ٧٤٢٦) والبغوي في شرح السنة برقم (١٢٤١) وابن حبان في صحيحه برقم (٧٥٦، ٨٥٧) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١١٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) سورة الحاقة، الآية: ١٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه بالأرقام (٢٤٤١، ٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤) ومسلم في صحيحه برقم (٢٧٦٨) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩٣ ]