ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]؟ قالوا: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان»، فبيَّن أن الاستواء معلومٌ، وأن كيفية ذلك مجهولةٌ.
ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو.
وقد قال النبي ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وهذا في صحيح مسلم، وغيره، وقال في الحديث الآخر: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». وهذا الحديث في المسند، وصحيح أبي حاتم.
[ ٣٩٥ ]
وقد أخبر فيه أن لله مِنْ الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
الشاهد من هذين الأثرين (^١) قوله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) أي: أن معنى الاستواء معلوم لنا؛ لأن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، ومعناه - كما تقدم (^٢) -: الاستقرار، والارتفاع، والعلو، ونحو ذلك.
وأما الكيف فهو مجهول؛ وهو: التأويل الذي لا نعلمه، فصار قول الأئمة هنا؛ كمالك وربيعة رحمهما الله تعالى شاهدًا للقاعدة: «أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه»، فالاستواء معلوم لنا من وجه دون وجه، فقوله تعالى: (﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾) له تأويل نعلمه؛ وهو: «التفسير»، وتأويل لا نعلمه؛ وهو: «كيفية هذا الاستواء وحقيقته»، لأن الاستواء صفة فعلية من صفات الله تعالى، و«القول في الصفات كالقول في الذات»، فكما أنه لا يعلم كيف هو إلا هو، فلا يَعلم كيفيةَ استوائه إلا هو تعالى.
_________________
(١) تقدم تخريجهما في ص ٩٣.
(٢) ص ٣٣٦.
[ ٣٩٦ ]
وقوله: (والإيمان به واجب)؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وكل ما أخبر الله به عن نفسه يجب الإيمان به؛ لأنه تصديق لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ.
قوله: (ومن الله البيان) أي: أن الله تعالى قد بيَّن لعباده، وعرَّفهم بنفسه، ووصف نفسه لعباده، فنعرف ربنا بأنه استوى على العرش، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يجيء يوم القيامة.
قوله: (وعلينا الإيمان) أي: ويجب علينا الإيمان بذلك.
قوله: (ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة ينفون علمَ العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو)، يشبه هذا قولهم ﵏ في نصوص الصفات «أمروها كما جاءت بلا كيف» (^١) يعني: أثبتوا ما دلت عليه النصوص بلا بحث عن الكيفية، ولا تكييف لتلك الصفات، لا بالقول، ولا بالاعتقاد، والتفكير، فالله «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام» (^٢).
قوله: (وقد قال النبي ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك …») الحديثَ، جاء هذا الحديثُ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قاله في سجوده (^٣)، وجاء عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقوله في الوتر (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٩٣.
(٢) «العقيدة الطحاوية» ص ٤.
(٣) تقدم تخريجه في ص ٣٩.
(٤) رواه أحمد ١/ ٩٦، وأبو داود (١٤٢٧)، والترمذي (٣٥٦٦) - وحسنه -، والنسائي ٣/ ٢٤٨، وابن ماجه (١١٧٩)، وصححه الحاكم ١/ ٣٠٦، والضياء في «المختارة» ٢/ ٢٥١، وابن حجر في «نتائج الأفكار» ٣/ ٢٦، وانظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٣٢٨) و«العلل» للدارقطني ٤/ ١٤.
[ ٣٩٧ ]
وقوله: («لا أحصي») أي: لا أبلغ ولا أقدر على ما تستحق من الثناء؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم كلَّ ما لله تعالى من المحامد، ولا يدرك مدى وكمال صفاته على ما هي عليه، فلله مِنَ المحامد وصفات الكمال؛ ما لا يعلمه أحدٌ حتى الرسول ﷺ، ولهذا إذا جاء ﷺ يوم القيامة ليشفع؛ يسجد، ويفتح الله عليه من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبله (^١).
فهذا الحديث يدل على أننا لا ندرك حقائق صفات الله تعالى وكمالها، كما أننا لا نعلم كلَّ ما لله من الأسماء ومن الصفات، فله أسماء وصفات لم يطلعنا عليها، أما الصفات التي أخبرنا بها؛ فنحن نعلمها، ولكننا - أيضًا - لا ندرك كمالها، وكنهها، وحقائقها.
ومن الدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما قال عبدٌ قط إذا أصابه هم أوحزن …» الحديثَ، وفي آخره: («أسألك بكلِّ اسم هو لك …») الحديثَ (^٢)، والشاهد من هذا: قوله: («أو استأثرت به في علم الغيب عندك») فهذا نصٌ في أن لله تعالى أسماء اختص بعلمها وطوى علمها عن العباد، وهذا الحديث يدل على أن لله تعالى أسماء كثيرة، وكل اسم متضمن لصفة كمال، وفي هذا الحديث توسل بأسماء الله تعالى.
_________________
(١) تقدم تخريجه في ص ٣٩.
(٢) رواه أحمد ١/ ٣٩١، وصححه ابن حبان (٩٧٢)، والحاكم ١/ ٥٠٩، وابن القيم في «الصواعق المرسلة» ٣/ ٩١٣، وحسنه ابن حجر؛ كما في «الفتوحات الربانية» ٤/ ١٣، وقال الدارقطني في «العلل» ٥/ ٢٠٠: «إسناد ليس بالقوي».
[ ٣٩٨ ]
أنواع التوسل الجائز
والتوسل الجائز أنواع:
أولها: التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، فقولك: «يا الله»، «يا رحمن»، «يا رب»، هو توسل بأسماء الله، وهذا التوسل قد يكون بصيغة الدعاء، وقد يكون بالباء؛ كقولك: «أسألك باسمك العظيم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت»، «أسألك بأنك الله لا إله إلا أنت»، وهكذا.
قوله: («سميت به نفسك») هذا هو شأن كلِّ أسماء الله تعالى، فهو الذي سمى بها نفسه، ولا يجوز لأحد من العباد أن يخترع له اسمًا.
قوله: («أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك») عطفُ هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، وما أنزله تعالى فيما شاء من كتبه داخل فيما علَّمه، فما يعلمه بعض عباده قد يكون في شيء مِنْ كتبه، وقد لا يكون، فقوله ﷺ: «أو علمته أحدًا من خلقك» أعمُّ من قوله: «أو أنزلته في كتابك» فكل ما أنزله في كتابه؛ فإنه قد علمه بعض عباده.
ولكن قد يعلم بعض عباده مِنْ أسمائه ما لم يكن في كتابه، ومثال هذا أنه جاء في السنة من أسماء الله تعالى ما لم يأتِ في القرآن الكريم، مثل: «الشَّافي» (^١)، و«الحَكَم» (^٢)، ولكن أكثر الأسماء التي علمنا الله تعالى هي في القرآن.
_________________
(١) عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «أذهب الباس رب الناس، واشفِ أنت الشافي». رواه البخاري (٥٦٥٧)، مسلم (٢١٩١).
(٢) عن أبي شريح الحارثي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله هو: الحَكَم، وإليه الحُكْم» رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٨١٣)، وأبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي ٨/ ٢٢٦، وصححه ابن حبان (٥٠٤)، والحاكم ١/ ٢٤.
[ ٣٩٩ ]
وفي هذا الحديث أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في تسعة وتسعين، كما قد يتوهم ذلك بعض الناس من قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (^١)، فالتحقيق أن هذا الحديث لا يدل على حصر الأسماء في هذا العدد (^٢)، لكن فيه الإخبار عن بعض أسماء الله تعالى، وأن من أسماء الله تسعة وتسعين من شأنها، ومن فضلها أن من أحصاها دخل الجنة.
وهذا الأسلوب لا يدل على الحصر، كما إذا قيل: «إن لله اسمًا إذا دُعي به أجاب»؛ فإنه لا يدل على أنه ليس له إلا هذا الاسم، فالله تعالى له أسماء كثيرة سمى بها نفسه، فمنها ما أنزله فيما شاء من كتبه، ومنها ما علمه بعض عباده، ومنها ما اختص به واستأثر به في علم الغيب عنده، ولا تنحصر الأسماء التي في كتبه، أو أنزلها في القرآن، أو علمها لمن شاء؛ في تسعة وتسعين، والحديث لا يدل على الحصر.
وخبر «إنَّ» في الحديث؛ هو قوله ﷺ: «مَنْ أحصاها دخل الجنة»، وعلى هذا يكون قوله: «لله» - الجار والمجرور - حالًا من هذه الأسماء.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصواب الذي عليه جمهور العلماء … ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا؛ فإنه في الحديث الآخر … قال: «أو استأثرت به في علم الغيب عندك» … وثبت أن النبي ﷺ كان يقول … «لا أحصي ثناء عليك» فأخبر أنه ﷺ لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه؛ لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه؛ لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه». «درء تعارض العقل والنقل» ٢/ ٣٣٢، باختصار، وانظر: «بدائع الفوائد» ١/ ٢٩٣، و«فتح الباري» لابن حجر ١١/ ٢٢٠.
[ ٤٠٠ ]
ويحتمل أن يكون خبر «إنَّ» هو قوله: «لله»، فيكون خبرًا مقدمًا (^١).
وعندي: أن الأول أظهر. والله أعلم.
وإحصاء هذه الأسماء على مراتب (^٢)؛ فإنه يكون ب:
* معرفةِ ألفاظها.
* وعَدِّها.
* ويكون بفهمِ معانيها.
* ومِن إحصائها أيضًا: القيام بمقتضاها.
وليس المقصود هو الإحصاء العددي فقط، ولكنه نوع إحصاء، فلا شك أن معرفة كون أسماء الله: «كذا وكذا»، من العلم النافع.
_________________
(١) «شأن الدعاء» ص ٢٤.
(٢) «شأن الدعاء» ص ٢٦، و«بدائع الفوائد» ١/ ٢٨٨.
[ ٤٠١ ]