وقع الخلاف في فناء النار وبقائها، وللناس فيها مذاهب متباينة، والحق الذي عليه جمهور أهل السنة بقاؤها، وقد ذكروا أدلة ذلك وردوا على المخالفين.
[ ٦٧ / ١ ]
أدلة من قال بفناء النار
قال المؤلف: [فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦-١٠٧]، ولم يأتِ بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] .
وهذا القول -أعني: القول بفناء النار دون الجنة- منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم.
وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر ﵁ أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] .
قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد قال النبي ﷺ: (لما قضى الله الخلق: كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)، وفي رواية: (تغلب غضبي)، رواه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁] .
قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]، و﴿أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦]، و﴿عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥]، ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم.
وقد قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، فلابد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم.
وليس في حكم أحكم الحاكمين، ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقًا يعذبهم أبد الآباد، عذابًا سرمدًا لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقًا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيمًا سرمدًا فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.
قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج وأن عذابها مقيم وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
[ ٦٧ / ٢ ]
تضعيف القول بفناء النار
هذا يتعلق بقول من يقول بأن عذاب النار لا يبقى، بل ينقطع، وأن له حدًا ونهاية، وهذا قول قاله بعض العلماء عن اجتهاد، وعللوا بهذه التعليلات التي سمعنا، ونحن لا نشك أن الله تعالى رحيم بالعباد، وأن رحمته تغلب غضبه، ولكن نعرف أنه خلق للرحمة أهلًا.
وخلق للعذاب أهلًا، ولا نشك أيضًا: بأنه سبحانه جعل هذا العمل اليسير في الدنيا له ثواب عظيم مضاعف مستمر، وكذلك الكفر اليسير له عذاب دائم مستمر كثير؛ وذلك لمقتضى حكمته، فمثلًا: قول النبي ﷺ: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) يعني: أن بعض الناس قد يولد كافرًا ويحيا كافرًا أو مبتدعًا، ويمضي عليه عمره وهو على كفره، وقبل موته بيوم أو بساعة أو سويعات يمن الله عليه فيهتدي ويسلم ويموت على الإسلام؛ فتكون تلك الساعة أو ذلك اليوم مكفرًا لما مضى من عمره ماحيًا لسيئاته وكفره وشركه وذنبه وجميع ما عمله طوال حياته، وكان رجل من الأنصار يقال له: أصيرم بن عبد الأشهل مشركًا مع قومه لم يسلم، ولما حضرت غزوة أحد وحضر القتال؛ هداه الله وأسلم، ولما أسلم دخل المعركة في تلك الساعة، وقاتل مع المسلمين وقتل شهيدًا؛ فقال النبي ﷺ: (عمل قليلًا وأجر كثيرًا)، فعمله هذا القليل ثوابه لا ينقطع، ثواب دائم.
وبخلاف حاله رجل يقال له: قُزْمَان كان مع المسلمين، وقاتل قتالًا شديدًا، ولكن قبل موته أصابته جراحة فقتل نفسه، وقبل أن يموت ذكر للنبي ﷺ فقال: (إنه من أهل النار)، حبط عمله الصالح بهذه الفعلة، فنقول: العمل اليسير ساعة أو ساعات يثاب عليه العبد أبد الآباد، وكذلك الكفر اليسير الذي يختم لصاحبه به يعذب عليه أبد الآباد.
إذًا: لا مانع أن نقول: إن الله تعالى قدر هذا العذاب لمن كفر به وخرج عن طاعته، وجعل ذلك مستمرًا لمن يستحقه بلا نهاية، كما خلق النعيم والأجر والثواب المستمر الباقي ولم يجعل له نهاية، وجعل ذلك ثوابًا لمن عمل هذا العمل إلى غير نهاية، فهذا كله لا يخرج عن حكمة الله، فيعذب عذابًا مستمرًا على العمل الكفري، وينعم نعيمًا مستمرًا على العمل الصالح.
وأما الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ فهؤلاء إما أن يعفو الله عنهم ويمحو عنهم السيئات، وإما أن يعذبهم بقدر سيئاتهم، فيدخلون في النار، ويبقون فيها مدة طويلة أو قصيرة بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها بعدما يمكثون فيها المدة التي قدر الله، فقد يمكثون ألف سنة أو ألفين أو ألوفًا، وقد لا يمكثون إلا قليلًا ثم يخرجون.
فأما أن النار تخمد وينقطع عذابها فهذا -على القول الصحيح- لا يكون، بل الله تعالى يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا﴾ [النساء:٥٦]، وقال الله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، يقول العلماء: كلما انقضى حقب ابتدأ حقب، إلى غير نهاية، فالقول الصحيح أنها دائمة ومستمرة.
[ ٦٧ / ٣ ]
أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها
قال المؤلف ﵀: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]، وقوله تعالى: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]، وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، وقوله تعالى: ﴿لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، وقوله تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]، أي: مقيمًا لازمًا.
وقد دلت السنة المستفيضة أنه (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله)، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وهذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم،ولم يختص الخروج بأهل الإيمان، وبقاء الجنة والنار ليس بذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.
وقوله: (وخلق لههما أهلًا) .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وعن عائشة ﵂ قالت: (دعي رسول ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار؛ فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال: أوغير ذلك يا عائشة؟! إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢-٣]، والمراد: الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]] .
[ ٦٧ / ٤ ]
ترجيح القول ببقاء النار وعدم فنائها
ذكر المؤلف ما يتعلق بأبدية النار، وهذه الآيات صريحة أو ظاهرة الدلالة في أن النار باقية لا فناء لها، فقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧] المقيم: هو الذي لا يزول، ولا يتحول، ولا ينقطع، وكذلك التعبير بالخلود والأبدية: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:٥٧] يدل على أن الخلود مستمر، وكذلك الأبدية.
وكذلك قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] هذه الآيات صريحة بأنه ليس لهم خروج، بل بقاؤهم مستمر، وكذلك لما قالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] تمنوا أن يقضى عليهم فيموتوا، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، وكذلك قوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]، أي: لا يقضي عليهم فيستريحون من هذا العذاب، ولكنهم دائمًا ماكثون فيه.
وهذه الأدلة وغيرها واضحة الدلالة في أن الجنة والنار باقيتان دائمتان، وأن نعيم الجنة وعذاب النار مستمر، وهذه عقيدة أهل السنة، ولا شك أن القول بدوامهما هو القول الذي تؤيده الأدلة، وبكل حال هذا من الأمور التي يؤمن بها المسلمون، ويدل إيمانهم بها على أنهم يؤمنون بالغيب وإن لم يروه.
أما أن الله تعالى علم أهل الجنة وأهل النار، فلا شك أنه سبحانه قدر من يعمل للجنة، ومن يعمل للنار قبل أن يخلقهم، بل قبل أن يخلق الخلق، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولا شك أن خلقهم ابتدأ منه، وهو بكل شيء عليم، فهو يعلم من هم أهل الجنة ومن هم أهل النار.
وهذه الآية صريحة في أنه خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، إلى آخرها (ذرأنا): خلقنا لجهنم أهلًا.
وكذلك قوله في الحديث: (إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، بل وهم في صلب آدم، ففي بعض الأحاديث أنه لما أخذ الله الميثاق من بني آدم من ظهر آدم، وهو الميثاق المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أن الله مسح ظهر آدم فاستخرج ذريته كالذر، فقال: (خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون)، فلا يتجاوز أحد ما خلق له، ومع ذلك فإنهم مأمورون ما داموا في هذه الحياة بأن يستعدوا وأن يعملوا.
لما قال الصحابة: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال ﷺ: (اعلموا فكل ميسر لما خلق له)، الله تعالى أمرنا بالعمل مع أنه علم من يعمل ومن لا يعمل، وكذلك أمرنا بالدعوة إليه، وأمرنا بأن نعلم، وأمرنا بأن نبشر وننذر، بل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، مع أنه قد علم من يطيع ومن يعصي، وعلم من هم أهل الجنة ومن هم أهل النار، ولكنه جعل لذلك أسبابًا، فجعل رسالة الرسل سببًا من أسباب معرفته والدعوة إليه والإيمان به، وكذلك جعل ورثة الرسل الذي يدعون إليه أيضًا من الأسباب في العمل الصالح، حيث يهدي الله على يديهم وبواسطتهم من جعله الله من أهل الجنة.
[ ٦٧ / ٥ ]
أنواع الموجودات
قال المؤلف ﵀: [فالموجودات نوعان: أحدهما: مسخر بطبعه.
والثاني: متحرك بإرادته، فهدى الأول بما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره، وعلمه بما ينفعه ويضره.
ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: - نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالملائكة.
- ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه كالشياطين.
- ونوع يتأتى منه إرادة القسمين كالإنسان.
ثم جعله ثلاثة أصناف: - صنف يغلب إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته فيلتحق بالملائكة.
- وصنف عكسه فيلتحق بالشياطين.
- وصنف تغلب شهوته البهيمية عقله فيلتحق بالبهائم.
والمقصود: أنه سبحانه أعطى الوجودين العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده، فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته ﷾.
وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا إلخ): مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا من منع سببه وهو العمل الصالح، فإنه ﴿َومَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، وكذلك لا يعاقب أحدًا إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] .
وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، لكن إذا من على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح لا يمنعه موجب ذلك أصلًا، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه وهو العمل الصالح.
ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله، وأما المسببات بعد نزول أسبابها فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسبابًا صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضى أو لوجود المانع.
وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك ابتداءً حكمة منه وعدلًا، فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإنه تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] ونحو ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان إن شاء الله تعالى] .
[ ٦٧ / ٦ ]
الملائكة كلهم خير
الكلام الأول يتعلق بخلق الله تعالى لأهل الجنة وأهل النار وتقسيمهم؛ وذلك لأنه سبحانه خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا، وكل موفق وميسر لما خلق له، ولا يتجاوزون ما قدر لهم، ولكنه سبحانه جعل بعض الخلق شرًا محضًا، وبعضهم خيرًا محضًا، وبعضهم فيه مادتان: مادة خير ومادة شر، فالملائكة كما سمعنا كلهم خير، ليس فيهم نفوس شريرة، بل كلهم يعبدون الله، يقول النبي ﷺ: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد)، وأخبر أن هناك ملائكة سجود منذ خلقهم الله إلى أن تقوم الساعة، ثم يوم القيامة يقولون: (سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، غير أنا لم نشرك بك شيئًا) .
وقد ذكر من عبادتهم ومن اجتهادهم في الطاعات وأنواع القربات، مع أنهم ليس لهم شهوة تحملهم على المعاصي؛ فلأجل ذلك فكلهم خير، وأخبر الله بأنهم يخدمون أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤]، وقال: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥] .
[ ٦٧ / ٧ ]
الشياطين كلهم شر
القسم الثاني: الشياطين، لا شك أنهم خلقوا للشر، وأنهم خلقوا للنار، وأنهم مستعدون لدخول النار ومقدمون عليها؛ وذلك لأنهم خلقوا من النار، ولهذا لا يتألمون بالنار في الدنيا.
ومنهم شياطين الجن، فإنهم أيضًا خلقوا من النار كما قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، ولكن الشياطين الذين هم إبليس وذريته كلهم شر محض، ليس فيهم خير أصلًا، هؤلاء هم أهل النار، وهم الذين لا خير فيهم.
[ ٦٧ / ٨ ]
الإنس والجن فيهم خير وشر
القسم الثالث: الإنسان، وقيل: الثقلان -الجن والإنس- فهؤلاء فيهم خير وفيهم شر، فمنهم من يغلب خيره، أو يكون كله خيرًا، وهم الأنبياء وورثة الأنبياء والأتقياء والعباد والزهاد، والمؤمنون صادقو الإيمان؛ فهؤلاء يحميهم الله عن السيئات وعن الكبائر والآثام فلا يقربونها، ويحفظون أوقاتهم كلها بالطاعة، ويتقربون إلى ربهم بأنواع العبادة، فهؤلاء يلحقون بالملائكة.
ومنهم من يكون بضد ذلك، فهم أشرار وكفرة وفجرة وفساق خارجون عن الطاعة، لا يألفون العبادة ولا يحبونها، ويألفون الكفر والفسوق والعصيان، ويتلذذون بالمعصية وينفرون عن الطاعة، فهؤلاء لا شك أنهم يلحقون بالشياطين، ويكونون منهم ومن أتباعهم، ويدخلون في قول الله تعالى لإبليس: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]، وفي قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤-٩٥]، فهذا القسم ملحق بالشياطين.
وأيضًا: هناك قسم ثالث تغلب عليهم الحياة البهيمية، وهم الذين يجعلون عقولهم تبعًا لما يشتهونه، فيسخرون عقولهم للشهوات البهيمية الدنيئة؛ فهؤلاء ملحقون بالبهائم، ولكنهم أقرب إلى من عبد هواه، والله تعالى قد أخبر بأن هناك من يعبد الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، وفي الأثر: (ما تحت أديم السماء إله يعبد شر من هوى متبع)، والذي يعبد هواه هو الذي لا يشتهي شيئًا ولا يهوى شيئًا إلا ركبه.
فانظر أي الأقسام أحسن؛ فاختر أن تكون منهم.
[ ٦٧ / ٩ ]
نفوس البشر ثلاثة أقسام
يقول بعض العلماء: إن نفوس البشر ثلاثة أقسام: - نفوس علوية ملكية، وهذه نفوس الأتقياء الأصفياء، عباد الله المخلصين.
- ونفوس بهيمية، بمعنى أنها ليس لها همٌّ إلا هواها وشهواتها، وما تميل إليه بطباعها، فهؤلاء ملحقون بالبهائم، وهم أشبه ما يكونون بمن لا عقول لهم، وهم داخلون في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] إلخ الآية.
- ونفوس سبعية: وهم الذين من طبعهم الاعتداء والظلم والتجبر والتكبر والتسلط على الغير، وحب السلطة والسيطرة والتعدي؛ فهؤلاء أشبه ما يكونون بالسباع الضارية المعتدية.
ولا شك أن خير الأقسام الذين نفوسهم ملكية علوية همتهم عالية رفيعة، ليست همتهم دنيئة.
وحكمة الله اقتضت تقسيم الخلق إلى هذه الأقسام الثلاثة: الملائكة، والشياطين، وبني آدم، وجعل الله لبني آدم هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى هو الذي يخلق ما يشاء ويختار.
[ ٦٧ / ١٠ ]
تقدير الله لأهل الجنة وأهل النار بحكمته وعدله ورحمته
قدر الله تعالى أهل الجنة وأهل النار، فمعلوم أنه سبحانه حكيم في أمره وفي تدبيره، وأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه؛ لم يكن ظالمًا لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، فإنهم ما عملوا ولا آمنوا ولا اتقوا إلا بفضله: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع فهو سبحانه خلق الجنة وخلق لها أهلًا وقدر أعمالهم، ويسر لهم السبل والوسائل التي تجعلهم من أهلها، وتلحقهم بالعباد الصالحين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكذلك قدر للنار أهلًا؛ وذلك لأن هاتين الدارين -دار الثواب ودار العقاب- قد وعدهما الله تعالى بأهل؛ فقال تعالى مخاطبًا الجنة والنار: (ولكل واحدة منكما علي ملؤها)، فلابد أن يدخلهما الله من يستحقهما، فبفضله ينعم على أهل الجنة، وبعدله يعذب أهل النار، ولا يظلم أحدًا: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] .
[ ٦٧ / ١١ ]