فعل العبد هو خلق الله وكسب العبد، ولكن القدرية غلوا في النفي، والجبرية بالغوا في الإثبات حتى جعلوا فعل العبد من قبيل الإجبار، وكلتا الطائفتين في طرفي نقيض، وقد هدى الله أهل السنة إلى الحق.
[ ٧٢ / ١ ]
مقدمة في فعل العبد وقدرته وأنها من الله ﷾
نحمد الله على ما أولى من النعم، ودفع من النقم، نحمد الله على أن من علينا بفضله ومنّ علينا بعطائه ومد في آجالنا، وبلغنا آمالنا، ونحمده على أن هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونحمده سبحانه أن من علينا بالفطرة الحسنة، وبالشريعة الإسلامية، وبالعقيدة السنية، وبالطريقة المحمدية، وبالهداية إلى الصراط المستقيم، الذي من سلكه فاز ونجا، ومن حاد عنه تردى وهلك، نحمد الله أن جعلنا من أهل السنة، وأن حمانا وحفظنا من البدع والمنكرات والمحدثات التي تخالف السنة وتنافي الشريعة الدينية.
لا شك أنها نعمة عظيمة، لا شك أنها من أكبر النعم، حيث وفقنا الله تعالى أن كنا من أهل السنة، أن عرفنا طريق النجاة، سبل السلام، الطريق السوي، الصراط المستقيم، وحرم ذلك خلقًا كثيرًا، هناك الكثير من الدول ومن القبائل ومن الأمم لا يعرفون الإسلام، ولا يدينون به، بل يرونه عائقًا قاطعًا لهم عن السير في هذه الحياة التي هي غاية مطلبهم، والتي هي نهاية مقصدهم.
وهناك فئام من الناس يدينون بعقائد ضالة يدعون أنها أهدى سبيلًا، وأقوم طريقًا، وأنهم على سبيل النجاة، وأنهم تفوقوا على المسلمين، ودانوا بطريقة وبسنة وشريعة أهدى من الشريعة الدينية.
وهناك فئام ودول وقبائل وخلق كثير ينتسبون إلى الإسلام، ولكن ما معهم من الإسلام إلا مجرد الاسم؛ لأن عقائدهم تخالف العقيدة الإسلامية، وكذلك أعمالهم تخالف ما يدعو إليه الإسلام، فهم على شفا جرف هار، فهؤلاء حريٌ أن يموتوا وهم على تلك البدع وتلك المعاصي والمنكرات، فيكونون من أهل العذاب والعياذ بالله.
وهناك فئام وأمم كثيرة يتسمون بأنهم مسلمون، ولكن معهم محدثات ومنكرات وبدع يصور لهم الشيطان ويملي لهم، ويزين لهم أنهم على الحق والهدى، وأنهم أهدى سبيلًا من أهل السنة والجماعة، ويفتخرون بتلك الأسماء التي ينتحلونها وينتمون إلى قادتهم وأئمتهم، وهم يعتقدون أنهم على حق، ولكنهم على باطل، ولم يقبلوا هدى الله، ولم يقبلوا الدليل، ولم ينيبوا إلى الشريعة، بل زين لهم أن تلك النحل وتلك البدع هي التي من تمسك بها فهو على السنة، فجعل السنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا والباطل حقًا.
وهذا بلا شك من انتكاس البصائر، ومن عمى القلوب والعياذ بالله.
وهناك الكثير ممن يدينون بالسنة وينتسبون إلى أهل السنة والجماعة، ولكن زين لهم الشيطان بعض الذنوب، فوقعوا في المعاصي، ووقعوا في المخالفات وإن لم تكن مكفرات ولا بدعيات، ولكنها في الحقيقة ذنوب عظيمة، أصروا واستمروا عليها، واستحلوها وأتوا بها جهارًا وإسرارًا، فقضوا أعمارهم وهم على تلك المعاصي وعلى ارتكاب تلك الكبائر، ولا شك أنهم إذا لم يتوبوا ولم يتب الله عليهم، استحقوا من العذاب بقدر ذنوبهم وسيئاتهم، وأنهم على خطر عظيم.
وهناك أيضًا آخرون لم يخالفونا في المعتقد، ولم يرتكبوا كبائر الذنوب، ولكنهم استمروا على الصغائر، فاحتقروها وتهاونوا بها، واستمروا عليها طوال حياتهم، والاستمرار على الصغيرة والإصرار عليها يصيرها كبيرة.
لا شك أن هذه الأقسام كلها موجودة، ولكن أشدها الذين ليسوا على دين ولا شريعة، بل لا يعترفون بالله ربًا، ولا بالشريعة الإسلامية أو غيرها دينًا.
فإذًا ما دام أن الله قد نجانا من هذه الأخطار كلها، وهدانا إلى الحق، فليكن ذلك حافزًا على أن نتعلم الطريقة السنية، نتعلم السنة النبوية، حتى إذا عرفناها تمسكنا بها حق التمسك، وحتى نرد على كل من يخالفنا سواء كانت المخالفة في الأصول أو الفروع، وهذا هو -والحمد لله- ما نقوم به، وما نتلقاه في الخطب وفي الإذاعات وفي القراءات وفي الحلقات العلمية، وفي المحاضرات وفي الدروس اليومية والأسبوعية، كل ذلك إن شاء الله من الأسباب التي يفتح الله بها على عباده وينجيهم.
وكذلك ما يمر علينا في هذا الكتاب الذي نقرؤه على عقيدة أهل السنة الذين ألفوها واجتهدوا في تأليفها، ونصحوا بها الأمة حتى يبينوا لهم ما هم عليه وما يفعلونه وما يحذرونه.
وقد وصلنا إلى مباحث القضاء والقدر، ومباحث الأمر والنهي، والتكاليف، وقدرة العباد على أفعالهم، أو ما أشبه ذلك.
وهي لا شك من المسائل الصعبة، من المسائل العسيرة التي تحتاج إلى تعقل، والتي خالف فيها الخلق الكثير، والتي ولدوا فيها شبهًا، وولدوا فيها تشكيكات تبرر لهم بزعمهم ما هم عليه من القول بالجبر، أو من القول بإنكار القدرة الإلهية، ولكن قيض الله لهم أهل السنة فبينوا لهم ما هم فيه من الحيرة، وأجابوا عما ولدوه من الشبه، وبينوا الجواب الصحيح لمن انحرف عن السنة والجماعة.
وإذا تأمل القارئ هذه الشبهات التي يولدونها، وعرف جوابها الصحيح من أهل السنة قنع بأن الله ﷾ هو الذي أمر العباد ونهاهم، وقنع بأنه ما أمرهم إلا وهم قادرون على تنفيذ ما أمر به.
وقنع بأنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، وأنه تعالى أعطاهم ومكنهم وقواهم وجعل لهم استطاعة يزاولون بها الأعمال من طاعات ومعاص، كما يتسببون بها في تحصيل أسباب الرزق، وكل ذلك لا يخرج عن قدرة الخالق.
فله القدرة وله الاستطاعة الغالبة لكل قدرة، ولكنه سبحانه لما أعطاهم هذه القدرة نسبت إليهم، وأصبحوا هم المزاولين للأعمال، فهم الذين يصلون ويصومون ويزكون ويتصدقون، وهم الذين يؤمنون ويسلمون ويحسنون ويقبلون ويتعبدون، ويثابون عليها، كما أنهم الذين يسرقون ويزنون ويسكرون ويرابون ويرشون ويعصون ويفعلون المحرمات ويعاقبون عليها.
وإن كان الله تعالى هو الذي قدر ذلك كله في هذا الكون، وهو الذي مكن لهؤلاء وأعطاهم هذه القدرة التي زاولوا بها الطاعات، أو زاولوا بها المعاصي: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] .
[ ٧٢ / ٢ ]
حقيقة فعل العبد لفعله مع كونه مخلوقًا لله سبحانه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد، فإذًا لا فعل للعبد أصلًا، قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧] وقال تعالى: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦] وأمثال ذلك.
وإذا ثبت كون العبد فاعلًا، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفة له ولا يكون فعلًا، كحركات المرتعش.
ونوع يكون منه مقارنًا لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفة وفعلًا وكسبًا للعبد، كالحركات الاختيارية.
والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلًا مختارًا، وهو الذي يقدر على ذلك وحده لا شريك له، ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب ولاية إجبار البكر الصغيرة على النكاح، وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة.
والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد، قادر أن يجعله مختارًا، بخلاف غيره.
ولهذا جاء في ألفاظ الشارع: (الجبل) دون (الجبر) كما قال ﷺ لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة.
قال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ قال: بل خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله) .
والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري، والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول.
وإذا قيل: خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم، كان بمنزلة أن يقال: خلق أكل السم، ثم حصول الموت به ظلم، فكما أن هذا سبب للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ظلم فيهما.
فالحاصل أن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله تعالى، ليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد)، أثبت للعباد فعلًا وكسبًا، وأضاف الخلق إلى الله تعالى، والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]] .
[ ٧٢ / ٣ ]
نسبة الأفعال بأنواعها للعبد وقدرته عليها
وهذا الكلام قد تكرر وقد اتضح معناه والحمد لله، وهو معرفة أن الله ﷾ أثبت للعباد أفعالًا، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] وأثبت أيضًا جزاءهم على تلك الأفعال، فيقول مثلًا: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، نسب الفعل إليهم، فهم الذين يفعلون، وهم الذين يعملون، وهم المؤمنون والمسلمون والمحسنون، كما أنهم إذا خالفوا وصفوا بأنهم الفاسقون، والكافرون، والخاسرون، والظالمون، فتنسب المعاصي إليهم، وتنسب الطاعات إليهم، لماذا؟ لأنهم هم الذين زاولوها؛ لأنهم الذين باشروا فعلها ظاهرًا.
فأنت تشاهد المصلي فتقول: هذا يصلي، هذا يركع ويسجد، ولا تقول: هذا مجبور على الصلاة، ولا تقول: هذا مجبور على النفقة، بل تقول: هذا ينفق أو يتصدق باختياره، فالصدقة منه تنسب إليه ويطيع ويمتثل أمر الله له في الآيات كما في قوله: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] وفي قوله: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٥٤] .
كما ينسب إليه فعل العبادات في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة:٢١] أليس ذلك دليلًا على أنهم قادرون؟! أيأمر الله العجزة؟! لا يمكن أن يأمر من لا يقدر؛ فإنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
والناس بعقولهم يعرفون الفرق بين العاجز والقادر، فلا يقال مثلًا للمقعد احمل هذا الكيس إلى البيت الفلاني؛ لأنه مقعد لا يستطيع أن يقوم فضلًا عن أن يحمل، ولا يقال مثلًا للأعمى: اكتب هذه الرسالة؛ لأنه معذور لا يستطيع، وليس في إمكانه أن يكتبها كغيره، كما لا يقال مثلًا لكل عاجز: افعل هذا الفعل وهو ليس من أهله.
إذًا فالله تعالى عندما قال: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥] لا شك أنه أمرمهم لكونهم قادرين على أن يعملوا، ولأجل ذلك يثابون على أعمالهم وعلى تنافسهم وعلى مسابقاتهم، وتنسب إليهم خلافًا للمجبرة؛ لأنهم باشروها، ويوصفون بها، الله تعالى يقول مثلًا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧]، ويقول مثلًا: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧] .
أليس ذلك نسبة للأفعال إليهم؟ هذه صفات أمر الله بها، ومدح أهلها، وجعلها مقدورة للمخاطبين.
وعلى هذا فالعباد أعطاهم الله تعالى هذه القوة وهذه القدرة.
[ ٧٢ / ٤ ]
دخول قدرة العبد تحت مشيئة الله وقدرته
نحن نعتقد أنه لو شاء الله لما فعلوا، لولا مشيئة الله وإعطاؤهم هذه القوة وهذا التمكن لما حصلت منهم هذه القوة، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد:٣٣] ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] .
فأخبر بأنه هو الذي هداهم ووفقهم وأعانهم، وهو الذي أمرهم ونهاهم، وهو الذي خلقهم وقواهم، وهو الذي مكن لهم وأعطاهم، وهو الذي سخر لهم وهداهم، كما أنه الذي يعاقب ويثيب، ويعطي ويمنع، ويهدي ويضل، ولكن لا يأمرهم إلا بما في إمكانهم فعله.
ولذلك يقول الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] يعني: أنه ما أمرهم إلا بما يستطيعونه وبما يقدرون عليه، ولو كان الأمر كما يقوله المجبرة، لكان أمرهم بما لا يقدرون عليه، وذلك بلا شك من تكليف ما لا يطاق.
[ ٧٢ / ٥ ]
عقيدة الجبرية في أفعال العبد بأنواعها والرد عليهم
فالمجبرة يقولون: العبد مجبور على فعله، ليس له أية فعل، ولا ينسب إليه بل حركته كحركة المرتعش.
بعض الناس مثلًا عند الكبر يكون غير قادر على إمساك يده، فترى يده تضطرب وتتحرك بدون اختياره، إلا أن يرفعها ويخفضها، لكن إذا وقف ومدها رأيتها ترتعد، هذا هو الارتعاش.
فالمجبرة يزعمون أن العباد كلهم ليس لهم أدنى قدرة ولا أدنى حركة، وإنما حركاتهم وركوعهم وسجودهم وكسبهم وعطاؤهم ومنعهم، وصلاتهم وصومهم، وحجهم وعمرتهم، وطوافهم وسعيهم، وجهادهم ونفقاتهم، كلها ليست اختيارية بل قهرية! وكذلك المعاصي يعتبرونها قهرية، فهم يعذرون من زنى، ومن سرق، ومن قتل، ومن شرب الخمر، ومن نهب، ومن سلب؛ لأنهم في زعمهم ليس لهم فعل، بل هم مجبورون على هذا الفعل! لا شك أن قولهم هذا تبطل به الأحكام، وتعطل الشرائع، ولا حاجة إلى إرسال الرسل، مادام المطيع مجبورًا على الطاعة، والعاصي مجبورًا على المعصية، إذًا فلماذا أمر الله ونهى؟! لا شك أن هذا تجرؤ على الله جل وعلا، ثم هو أيضًا مخالفة للعقول والبداهة، الإنسان بفطرته يعرف أن عنده قدرة على المزاولة، إذا رأيت مثلًا إنسانًا نشيطًا، ومع ذلك رأيته جالسًا ليس له عمل، وليس له حرفة، مع أنه مفكر وعارف وقادر وقوي البنية وقوي التركيز وقوي الأعضاء ومع ذلك لا يعمل، ألست تلومه على هذه البطالة؟ وتقول له: إن الله يبغض الفارغ البطال، لماذا هذه البطالة؟ لماذا هذا الكسل؟ أتريد أن يأتيك رزقك ويدخل عليك بيتك؟ أتريد أن ينزل عليك الطعام والشراب من السماء؟ فأنت تلومه؛ لأنه مستحق لأن يلام؛ وذلك لأن الله سبحانه كما أمر بالطاعات، أمر بالكسب وأباحه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] وفي قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] .
فمادام كذلك فإنه سبحانه أمرنا بأن نبتغي الرزق، وأن نتطلبه، وكل عاقل يتطلب ذلك بفطرته، فإذا تمكن وقويت بنيته، وكملت أعضاؤه وكمل نموه، ما بقي عليه إلا أن يتكسب كما يتكسب آباؤه وأعمامه وأجداده، ويطلب ما يطلبون، ويعف نفسه ويغني نفسه.
فإذا كان ذلك جبلة وطبيعة، فكذلك في القوة الإيمانية والأوامر الشرعية يقال: إن الله أمرك بأن تطلب النجاة، وأن تعمل الأعمال التي تكون سببًا في سعادتك عاجلًا وآجلًا.
نقول بعد ذلك: لا شك أن الإنسان قد جبل على بعض الصفات، ويسمى ذلك جبلة ولا يسمى إجبارًا، كما سمعنا من الشارح أنه فرق الجبر والجبل، فقال: لا يقال: هذا مجبور على فعله، بل يقال: مجبول على هذه الأخلاق، الجبلة: هي الطبيعة والخلقة، يقال: طبيعة فلان وجبلته الصدق، طبيعته الحلم، طبيعته اللين، أو طبيعته الكرم، السخاء، الاهتداء، النصيحة، وكذلك يقال: هذا جبل على البخل، وعلى الشح، وجبل على الجبن وعلى الخوف، وجبل على الكذب وعلى الخيانة وعلى الغش، وما أشبهها، يعني: أنها صفات جبلية مغروسة في نفسه، وأن نفسه الشريرة تميل إليها، أو نفسه الخيرة تميل إلى الصفات الخيرية.
أما الجبر الذي تقول به الجبرية فإنه الإكراه والإلزام على الفعل بدون اختيار، وبدون قدرة، فيقال مثلًا: الأمير أجبر فلانًا على القتل، أو فلانًا على السكر، يعني: أكرهه وألزمه به، وفلانة أجبرت على الزنا، يعني: أجبرها هذا وفعل بها، وهكذا، ففرق بين هذا وبين هذا.
فالصفات الجبلية أخلاق وليس فيها إكراه، بل يفعلها باختياره سواء كانت طاعات أو معاصي، وأما الجبر فالله منزه عن أن يجبر أحدًا أو يكره أحدًا، بل قال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] وإنما هي بالاختيارات وبالجبلات وما أشبهها.
[ ٧٢ / ٦ ]
التكليف بحسب الطاقة والاستطاعة
قال المؤلف: [وقوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم.
وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، ولا تحول لأحد، ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره.
غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]) .
فقوله: (لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] .
وعن أبي الحسن الأشعري: أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا، ثم تردد أصحابه أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟! واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى نارًا ذات لهب، فكان مأمورًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين وهو محال.
والجواب عن هذا بالمنع، ولا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة.
ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء﴾ [البقرة:٣١] مع عدم علمه بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: (أحيوا ما خلقتم) وأمثال ذلك؛ لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز، وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦]؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفًا، بل يجوز أن يحمله جبلًا لا يطيقه فيموت، وقال ابن الأنباري أي: لا تحملنا ما يثقل أداؤه، وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك! وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب، ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها] .
[ ٧٢ / ٧ ]
التكليف والأمر الشرعي عند أهل السنة
يدين أهل السنة بأن الله أمر القادرين ولم يأمر العاجزين، أمرهم بما هو في وسعهم ولم يأمرهم بما ليس في وسعهم، وإذا قيل: لماذا سميت العبادات تكاليف؟ نقول: سميت بذلك لكون الذي يفعلها يوصف بأنه مكلف، أي: مأمور ومنهي، ومع ذلك فليس في فعلها كلفة ولا مشقة، صحيح أن الكلفة هي الشيء الثقيل، كما في قول بعضهم: يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا يعني: يأمرونه بما يدفع عنهم المصائب فيقوم بذلك ولو كان أصغرهم، فدل على أنه يفعل شيئًا في إمكانه وشيئًا في قدرته، فنحن نعتقد أن الله تعالى ما أمر إلا بما هو في الإمكان، ولم يكلف الإنسان إلا بما يستطيعه، فمثلًا: الصيام قد يقال فيه كلفة، سيما في الأيام الطويلة وشدة الحر، ولكن هو في الإمكان وهو في الاستطاعة، غالبًا أنهم يقدرون على الإمساك إلى أن يذهب النهار ويدخل الليل، والقدرة على ذلك معتبرة، فإذا كان هناك مشقة فإنهم يضجرون؛ فلأجل ذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] وإذا قلت: إن هناك بلادًا يطول فيها النهار، بحيث يكون مثلًا ثمانية عشرة ساعة أو عشرين ساعة أو نحوها، فإمساكها فيه كلفة وفيه صعوبة، أجاب العلماء: بأنه يمكنهم إذا عجزوا أن يفطروا ويقضوه من أيام أخر إذا قصر النهار؛ لأنه أحيانًا يقصر عندهم النهار حتى يكون أربع ساعات أو ست ساعات أو ثمان ساعات أو عشرًا أو نحو ذلك.
فإذًا ليس في الأمر مشقة.
وإذا قلت مثلًا: إن الوضوء فيه صعوبة، فلماذا كلف به؟ نقول: ليس فيه صعوبة، وإن كان الإنسان قد يجد برودة في الماء مثلًا؛ فلأجل ذلك إذا كان مريضًا لا يستطيع أن يتطهر فإنه يعدل إلى التيمم، وإذا كان مسافرًا لا يستطيع حمل الماء معه فإنه يعدل إلى التيمم؛ لرفع الحرج.
إذًا فليس في الشريعة شيء من الكلفة الشاقة على العباد، بل المشقة تجلب التيسير، فالله سبحانه ما كلف العباد إلا بما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، لا يطيقون الشيء الزائد على ذلك، صحيح أنهم قد يطيقون أكثر، يعني: قد يقول القائلون: الله ما أمر إلا بصوم شهر واحد ونحن نطيق صوم شهرين، أو صوم ستة أشهر، أو نحو ذلك، ف
الجواب
أن القدرة العامة التي يشترك فيها الناس عمومًا: هي صوم هذا الشهر، فأما القدرة الخاصة فالإنسان يفعل الشيء بقدر قدرته، ومعلوم أنه لو فرض شهرين أو ثلاثة أشهر لشق على كثير من الناس، وإن كان آخرون لا يشق عليهم.
كذلك مثلًا لو فرض عليهم أن يحملوا الماء في الأسفار الطويلة لشق على كثير، وإن كان آخرون لا يشق عليهم.
ويقال هكذا في سائر العبادة، فالعبادة إنما كلف الإنسان منها بما يستطيعه، ولأجل ذلك فالمصلي مأمور بأن يصلي قائمًا، ولكن قد يكون مريضًا فيصلي جالسًا؛ لأن المشقة تجلب التيسير، وكذلك قد يشق عليه أن يصلي جالسًا فينتقل إلى صلاته على جنب، كما ورد ذلك في الأحاديث.
فليس في الشريعة كلفة ولا مشقة، بل لم يأمر الله إلا بما هو مقدور للعباد.
والأدلة واضحة كما سمعنا فإن قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٣٣]، ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢] (وسعها) بمعنى: أنها لا تكلف إلا بقدر طاقتها وقدرتها وتمكنها، فلا تكلف فوق ذلك مما يشق عليها.
لو فرض الله على العباد أن يخرجوا زكاة أموالهم النصف في كل عام، لكان في ذلك شيء من الكلفة، قد يقول قائلهم: أنا جهدت في جمع هذا المال وتعبت فيه، وما حصلته إلا بعرق الجبين، فكيف أعطي هذا الذي ما تعب فيه النصف مثلًا أو الثلث؟! لكن لما علم الله أن هناك من الضعفاء والعجزة والفقراء ونحوهم جعل لهم حقًا في أموال الأغنياء، وجعل ذلك الحق يسيرًا لا يكلفهم، يعني: ليس فيه كلفة، وهو ربع العشر، هذا دليل على أن الشريعة إنما أمرت بما يستطاع، لم يأت أمر فيه مشقة على النفوس.
معلوم أن هناك نفوسًا ضعيفة قد تتثاقل عن الأشياء الخفيفة، وقد لا تصبر عن الشهوات المحرمة، وهذه ليست عبرة، فإذا قلت مثلًا: إن هناك أناسًا يستثقلون الصلاة، يستثقلون الإمام إذا قرأ عليهم مثلًا في الركعة الواحدة بورقة أو ورقتين فيقولون: قد شق علينا، وكلفنا، وأتعبنا، وكادت أرجلنا أن تتحطم، وكادت ظهورنا أن تنفصل، وما أشبه ذلك! نقول: هؤلاء ليسوا صادقين، لأنا نشاهدهم أقوياء، نشاهدهم أشداء في أبدانهم، نشاهد أحدهم إذا لعب مثلًا في المباريات، أو إذا سار فيها لم يكسل.
إذًا فقولهم هذا كلفة! هذا مشقة! هذه إطالة لا تطاق! نقول: ليسوا كذلك أيضًا.
كذلك هناك نفوس ضعيفة يقولون: إن منعنا عن شهواتنا تكليف بما لا يطاق! فمثلًا يقولون: نفوسنا لا تصبر عن أن تفعل هذا الفعل، ومثلًا إذا اشتدت في أحدهم الشهوة قال: لا أصبر عن الزنا، وتكليفي بالعفاف تكليف بما لا يطاق، وكذلك تكليفي مثلًا بالصبر عما أشتهيه وتندفع إليه نفسي تكليف بما لا يطاق، وتكليفي بمنعي مثلًا عن الشراب الروحي -كما يعبرون عن الخمور ونحوها- تكليف بما لا تستطيع النفس أن تصبر عنه، بل تندفع إليه اندفاعًا ولا يقدر على كبحها.
سبحان الله! هل هذا تكليف بما لا يطاق، إذا منعنا الله تعالى من الزنا، ومنعنا من المسكرات، هل هو تكليف بما لا يطاق؟! الله تعالى ما حرم علينا شيئًا إلا وجعل له بدلًا يقوم مقامه، فأحل لنا النكاح الذي يقوم مقام الزنا، يقول تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ويقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] فكيف يقول هذا: إن تكليفي بالتعفف وبالامتناع منه من تكليف ما لا يطاق؟! نقول: هذا كذب، بل الإنسان يقدر أن يقنع نفسه ويمنعها عن المحرمات، وليس عليه مشقة.
على كل حال نقول: إن هذه قاعدة مطردة: وهي أن التكاليف الشرعية ليس فيها مشقة، سواء كانت أفعالًا أو سلوكًا، فأشق ما فيها الجهاد، الذي فيه تعرض للقتل، ولكن لما علم المؤمنون بعاقبتهم الحميدة من كونهم يناصرون الإسلام وفي سبيل الله هانت عليهم نفوسهم، لما علموا أيضًا بأن الرب سبحانه يمدهم ويقويهم وينزل عليهم الملائكة لتقاتل معهم ويخذل أعداءهم، كان ذلك دافعًا لهم إلى أن يستميتوا، لما علموا بأنهم إذا قتلوا في سبيل الله فهم أحياء عند ربهم يرزقون، كان ذلك أيضًا دافعًا لهم إلى التفاني في سبيل الله، لما علموا أيضًا أن أعداء الله من الكفار يقاتلونهم على كفرهم وتهون عليهم أنفسهم وهم كفار، كانوا أولى منهم بذلك أن يفدوا دينهم الصحيح، إذا كان هؤلاء يفدون دينهم الباطل فنحن نفدي ديننا الصحيح، ولأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] .
[ ٧٢ / ٨ ]