يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن كما يختلفون في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للميت، لكنهم لا يختلفون في المنع من أخذ الأجرة على القراءة للميت، وذلك ما سيعرفه القارئ في هذه المادة.
[ ٧٦ / ١ ]
دعاء الأحياء وصدقاتهم تنفع الأموات
تتعرض كتب العقيدة لكل شيء فيه خلاف مع المبتدعة، ولو كان من الفروع، ولو كان المخالف فيه مخالفًا لنص ظاهر، أو كان المخالفون فيه قليلين، ومن ذلك مسألة وصول ثواب الأعمال التي يعملها الأحياء إلى الأموات.
وقد ورد ما يدل على وصول بعض الأعمال، وخصها بعضهم بما تسبب فيه الميت، كقوله ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .
فالصدقة الجارية هي: الأوقاف والأحباس التي وقفها في حياته لينتفع بها كبناء المساجد والمدارس، وكذا الصدقات التي هي غلات كوقف ثمار النخيل على الضعفاء، وكوقف غلات البيوت ونحوها على الجهاد، أو على الحج وما أشبه ذلك.
وأما العلم الذي ينتفع به: فهو الكتب التي كتبها وألفها، وكذلك العلوم التي علمها من ينقلها عنه، فإنه ما دام ينتفع بها يأتيه أجر.
وأما الولد الصالح: فيعم الذكر والأنثى من ذريته وذرية ذريته الذين يدعون له.
وأصل الدعاء هو سؤال الله للميت مغفرة ورحمة وجنة وثوابًا، وتخفيف حساب ومغفرة ذنب ونحو ذلك.
والأحياء يدعون للأموات، وأول ما يدعون لهم في صلاتهم على الجنازة عندما يقدم الميت بين يدي المصلين، فيدعون له بالمغفرة والرحمة، وبإدخاله الجنة، وبتكفير الخطايا وما أشبه ذلك، ولا شك أنه ينتفع بذلك؛ لأن هذا من السنة.
وأما بقية الأعمال: فاتفقوا على أن من تبرع بصدقة عن ميته وصله أجرها، سواء كانت الصدقة عينًا -يعني: نقودًا- أو طعامًا أو لحمًا أو نحو ذلك من الصدقات، وهي داخلة في قوله: (صدقة جارية)، فهذه الصدقة تعم ما إذا كان الميت هو الذي سبل تلك الصدقة، أو تصدق بها عنه ذريته، يعني: تبرعوا بمال يتصدق بغلته فينتفع هو بتلك الصدقة التي تصدقوا بها وجعلوا أجرها لميتهم، ويعم ذلك الأضاحي إذا أوصى بها، أو ذبحت عنه وجعل أجرها له؛ فإنها من جملة الصدقات.
وأما الصدقات الأخرى: فلا شك أنه يصله أجرها، فإذا تصدق عنه ولده أو قريبه صدقة على فقير، أو على مسكين، أو على ابن سبيل، أو على ذي حاجة من قريب أو بعيد؛ نفعه ذلك، وكذلك إذا أطعم طعامًا أو كسا كسوة أو نحو ذلك، ونوى أجرها لميته؛ نفعه ذلك؛ لأن هذا كله من الصدقات التي إذا تبرع بها ونوى أجرها للميت وصل أجرها بمجرد النية.
ويدخل في ذلك الصدقات التي يتبرع بها غير أقاربه، فلو تصدق عنه أحد وليس من أقاربه، بل لإحسان إليه، أو لمحبة له لأنه نفع الإسلام والمسلمين مثلًا، فأراد أن يتصدق عنه؛ نفعه ذلك.
ولا شك أن أجر الدعاء يصل إلى الأموات، وقد علم النبي ﷺ أمته الصلاة على الميت، وأن يقولوا في الصلاة عليه: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله) إلى آخر الدعاء، وكذلك فعل ذلك بنفسه، فدعا بمثل هذا الدعاء الخاص على الجنازة، كقوله: (اللهم اغفر له وارحمه)، والدعاء العام كقوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا) إلى آخره.
ولولا أنه ينتفع بذلك لما شرع هذا الدعاء له بعد موته.
وكذلك علم النبي ﷺ الصحابة إذا زاروا القبور أن يدعوا بقولهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)، والسلام دعاء، فإذا قال: السلام عليكم، فقد دعا لهم بالسلامة من العذاب والسلامة من الآفات ونحوها.
وكذلك قوله: (نسأل الله لنا ولكم العافية) هذا دعاء لهم بالعافية، وكذلك قوله: (واغفر لنا ولهم) دعاء لهم بالمغفرة، وكل ذلك دليل على أنه يصلهم الدعاء؛ وذلك لأنه سؤال من الله، يسأل العبد ربه أن يرحم هذا الميت وأن يتجاوز عنه، فالله تعالى إذا استجاب هذا الدعاء وصل أجره ووصل أثره إلى ذلك الميت، وانتفع بهذا الدعاء واستفاد منه، فكان للميت أجر، وللحي الداعي أجر، كما إذا دعا للغائب، يقول في الحديث: (إن المسلم إذا دعا لأخيه المسلم فإن ملكًا يقول: آمين؛ ولك بمثل) .
فكذلك الدعاء للميت.
وكذلك بقية الأعمال ولو كانت بدنية فالراجح أنه يصله أجرها، وقد تستثنى من ذلك بعض الأشياء التي يكون العمل فيها غير خالص لله.
[ ٧٦ / ٢ ]
لا تعطى الأجرة لمن قصد بحجه المال
وننبه إلى مسألة الحج عن الغير، هل يصل المحجوج عنه الأجر أم لا؟ نقول: يكثر التساهل في إعطاء الإنسان أجرة على أن يحج، فهل يصل الثواب إلى ذلك المحجوج عنه أم لا يصل إليه؟
الجواب
يختلف ذلك باختلاف حالة الحاج الذي أخذ هذا المال ليحج به، فننظر في حالته: إن كان قصده المال فلا حج له، وإن كان قصده الحج فله حج.
وكيف يكون قصده المال؟ إذا كان يريد أن يأخذ هذا المال ليتاجر به، أو ليتملكه وينفقه في أموره الخاصة، لا أنه يريده لينفقه في الحج حتى يتيسر له الحج، فالذي يقصد بأخذه المال الحج، ويقول: أنا عاجز عن الحج، عاجز عن تكلف السفر والنفقة وأجرة الركوب، وأحب أن أحج، وأتمنى أن أقف مع الحجاج، وأن تعمني معهم الرحمة، وأن تنزل علي المغفرة معهم، وأن أكون ممن يباهي الله بهم الملائكة، وأتذلل لله تعالى بإظهار الافتقار، وبإظهار الضعف بين يديه؛ ولكن يعوقني المال، فلا أجد كفاية ذهابي وإيابي، ولا أجد في مالي ما أتمتع به إلى أن أصل إلى تلك المشاعر؛ وذلك لفقري وفاقتي، فأنا آخذ هذا المال وأنفق منه، أو أعطي منه ولدي أو أهلي ما يكفيهم مدة غيبتي، حيث إني أنشغل عنهم بهذا السبب، وقد كنت أكفيهم بكسبي، وأما الآن فقد غبت عنهم، فأنا آخذ هذا المال لأنفق منه عليهم، ولأنفق منه على نفسي، ولأدفع منه أجرة الركوب، ولا أجعل الباقي زيادة، ولا آخذ إلا قدر الكفاية.
فمثل هذا يقبل حجه، ويكون له أجر على حجه، ويكون للمحجوج عنه أجر الحجة التي حجها عنه.
أما إذا كان قادرًا على أن يحج بماله، وليس له رغبة في الحج، ولكن ما أراد إلا أن يأخذ هذا المال ليزيد به ماله إن كان له مال، ولم يكن من الذين يشتاقون إلى الحج، ولم يكن من الذين يحبون أن يقفوا في المشاعر، ويتمنون أن يشاركوا في تلك المناسك، لا همة له في ذلك، إنما همته هذا المال الذي بذل له، والذي أخذه، فتراه -مثلًا- يكفيه مدة ذهابه وإيابه ألفان، ولكنه يطلب أكثر، ويقول: فلان يعطي خمسة آلاف، فلان يعطي أربعة آلاف، فلان يدفع ثمانية آلاف أو نحو ذلك؛ فكأنه والحال هذه ما حج إلا لأجل الدنيا ولأجل هذا المال، فيدخل فيمن يريد الدنيا بعمل الآخرة، ويدخل فيمن يعبد الدنيا، ويدخل في قول النبي ﷺ: (تعس عبد الدنيار، تعس عبد الدرهم) أي: أنه عبد لهذا المال؛ حيث إنه عمل عملًا صالحًا يبتغى به وجه الله، ولم يعمله إلا لأجل هذا الكسب وهذا المال، فمثل هذا لو أعطيته ولو عشرة آلاف أو ثمانية آلاف فأجر حجته ناقص؛ لأنه يدخل في الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] .
فيتفطن لمن يدفع أجرة الحج، ويسأل ذلك الحاج: ماذا تريد من هذه الحجة؟ أتريد المال أم تريد الحج؟ إن كنت تريد الحج مشتاقًا إليه ولكنك عاجز؛ فلك أجر، أما إذا كنت لا تريد الحج ولا رغبة لك إلا في المال؛ فلا حج لك ولا أجر لك، ولو أعطيتك مالًا كثيرًا فلن يكون هناك أجر لهذه الحجة، فخير لي أن أتصدق على الضعفاء والمساكين فإنه أولى من أن أعطي المال هذا الذي يجعله زيادة في رأس ماله أو نحو ذلك.
ولكن إذا كان هذا الذي يريد أن يحج من الفقراء، ونويت بإعطائه الصدقة عليه؛ لكونه مسكينًا وفقيرًا، ونويت بالزيادة أنها بأجرها، وأنها صدقة عليه؛ لكونه من الذين تحل لهم الصدقة؛ فلك أجر على هذه النية، ولو كانت نيته غير الحج، يعني: لو كانت نيته المال لكونه بحاجة إلى المال، فأنت إذا نويت أنها صدقة، وأنه إذا حج فربما ينتفع الميت بحجته، فإذا كان قصده المال وهو من أهل الاستحقاق كان للميت أجر الصدقة، فينتفع الميت، سواء كان أجر صدقة أو أجر حجة، ويقال كذلك في بقية الأعمال.
[ ٧٦ / ٣ ]
الجواب على أدلة المانعين من وصول ثواب الأعمال إلى الأموات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] قد أجاب العلماء بأجوبة: أصحها جوابان: أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس؛ فترحموا عليه ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.
يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سببًا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.
الثاني -وهو أقوى منه-: أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه.
وقوله سبحانه: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] آيتان محكمتان، مقتضيتان عدل الرب تعالى، فالأولى: تقتضي أنه لا يعاقب أحدًا بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا.
والثانية: تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:١٣٤]، وقوله: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤] .
وأما استدلالهم بقوله ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فاستدلال ساقط؛ فإنه لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفى به الدين.
وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي ﷺ الصوم عن الميت -كما تقدم- مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة، وكذلك حديث جابر ﵁، قال: (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: باسم الله، والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: (اللهم هذا عن أمتي)، وفي الآخر: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) رواه أحمد.
والقربة في الأضحية: إراقة الدم، وقد جعلها لغيره.
وكذلك عبادة الحج بدنية، وليس المال ركنًا فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات من غير شرط المال.
وهذا هو الأظهر، أعني: أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين.
وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذا إهداء ثواب، وليس من باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته لمن شاء] .
قد تقدم أن مذهب الجمهور: أن الميت ينتفع بأعمال الحي إذا أهداها إليه، وأن هناك بعض المبتدعة أنكر الانتفاع كليًا، وأن هناك من فرق بين الأعمال البدنية والأعمال المالية والأعمال القولية، فأوصل أجر الأعمال القولية: كالدعاء، والمالية كالصدقات، ومنع وصول الأعمال البدنية: كالحج، والجهاد، والصلاة، والصوم.
وأما الجمهور: فإنهم يجيزون وصول الجميع، وانتفاع الميت بالجميع.
والذين منعوا استدلوا بقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٦-٣٩]، فقالوا: معنى قوله (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) أي: لا ينفعه إلا سعيه وعمله، فأما سعي غيره وعمله فلا ينتفع به.
هكذا قالوا.
و
الجواب
تقدم أن العلماء أجابوا بجوابين: الأول: أن الإنسان إذا اكتسب بأفعاله وبحسن معاملته الأصدقاء فكأنهم له، فينتفع بدعائهم؛ لأنهم من سعيه وكسبه، وكذلك إذا تزوج، فالزوجة قد اكتسبها، وكذلك إذا ولد له الأولاد، فالأولاد يعتبرون من كسبه ومن سعيه، فأصدقاؤه الذين اكتسبهم في حياته يدعون له، فينتفع بدعائهم، ويتصدقون عنه فينتفع بصدقاتهم، وكذلك يقال في أولاده الذين ولدهم، فهم يدعون له، ويتصدقون عنه مقابل تربيته وتنشئته لهم، ومقابل عمله معهم، ونفقته وحنانه وعطفه عليهم، وكذلك زوجاته وبناته ونحو ذلك، فلما أسدى إليهم معروفًا، وفعل فيهم خيرًا، فإن عملهم يكون مقابل ما عمله، فذلك يدخل في سعيه وفي كسبه، ويدخل في قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .
والجواب الثاني: أن الآية ليس فيها نفي الانتفاع، وإنما فيها نفي الملك، والمعنى: ليس الإنسان يملك إلا سعيه، أما سعي غيره فإنه ملك لذلك الغير، فالغير هو الذي يملك عمله، فنقول: أنت الذي تملك صدقتك، وأنت الذي تملك دعاءك، وأنت الذي تملك مالك، وتملك بدنك، فإذا أهديت لذلك الميت الذي بينك وبينه قرابة، وتبرعت له بعملك أو بدعائك أو بذكرك أو بصدقتك؛ فقد أهديته له، فينتفع به، وليس في الآية إلا نفي الملكية، لا نفي الانتفاع، فلم يقل: ليس ينتفع الإنسان إلا بما سعى، بل قال: (لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، أي: لا يملك إلا سعيه.
هذا هو مقتضى هذه الآية، وبذلك يعرف أن الآية ليس فيها نفي انتفاعه بعمل غيره.
أما قوله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) فالمراد: عمله البدني والقولي، يعني: انقطع ذكره بلسانه، انقطعت صلاته ببدنه، انقطع صومه ببدنه، ولكن لا ينفي أن غيره إذا أهدى له شيئًا من الأعمال أنه ينتفع بذلك.
وقد ذكروا أن الأعمال إما أن تكون بدنية محضة كالصلاة والصوم، وحج أهل مكة إلى عرفة على أقدامهم، فهذا يعتبر عملًا بدنيًا محضًا.
وهناك عمل مالي محض: كالكفارات، والصدقات، والزكوات -وما أشبهها- فهذا عمل كله مالي.
وهناك أعمال قولية: كالأذكار، والأدعية، والقراءة، والأوراد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك من العمل الذي هو قول باللسان.
وهناك أعمال مركبة من القول والبدن كالصلاة؛ فإن فيها قراءة وذكر، وفيها ركوع وسجود، فهي قولية وبدنية.
وهناك أعمال مركبة من المال والبدن كالحج؛ فإنه مركب من العمل البدني الذي هو الإحرام والطواف والسعي والوقوف والرمي، والمالي: الذي هو نفقته على نفسه، وأجرة ركوبه، وذبح فديته وما أشبه ذلك من النفقات المالية.
وكذا الجهاد؛ فإنه مركب من النفقة ومن العمل البدني، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٢] فهذا من العمل البدني المالي.
والأصل أن الجميع سواء في إهدائها للميت، وقد دل على إهداء المالي هذه الأحاديث التي فيها ذكر الأضاحي، وأن النبي ﷺ ضحى بكبشين، أحدهما: عن محمد وآل محمد، والثاني: عمن لم يضح من أمة محمد، وهذا دليل على أنهم ينتفعون بأجر هذه الأضحية التي ذبحها عنهم نبينا ﷺ، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، وعلى هذا: فما المانع من أن تكون الأضحية للميت من جملة الصدقات التي يصل إليه أجرها، كما يصل إليه أجر الصدقة التي أجراها هو أو أوصى بها؟! فإذا تبرع له قريبه بأضحية أو ببعض أضحية جاز ذلك.
وقد أخذوا من هذا الحديث جواز الاشتراك في الأضحية، حيث جعلها ﷺ عمن لم يضح من أمته ولو كانوا مئات أو ألوفًا، فجعل ذلك مشتركًا بينهم، وكذلك التشريك بين الأحياء، يعني: أنه إذا ذبحها عن أهل بيته وصل لهم أجرها، ولو كانوا كثيرين، فدل على أنهم ينتفعون بعمل غيرهم وبمال غيرهم، هذا بالنسبة إلى الأعمال المالية.
أما بالنسبة إلى البدنية: فقد تقدم قول النبي ﷺ: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ومعلوم أن الصيام عمل بدني، ليس فيه مال، فالصائم لا يخسر مالًا ولا ينفق مالًا، فهو ليس كالحاج الذي يخسر مالًا، فعمله كله بدني، وهو الإمساك.
وقد يقال: إن المصلي يخسر مالًا إذا استأجر ما يركبه إلى المسجد ويرده، أو إذا اشترى الوضوء كالماء ونحوه، أو احتاج إلى سترة يستر بها عورته في الصلاة، فيكون محتاجًا إلى مال، وهذا بخلاف الصوم، فإذا صح الصوم عن الميت مع كونه بدنيًا محضًا صح أن يصوم ويهدي صيامه للميت، أو يقضي الصيام عن الميت إذا كان على الميت صيام ككفارة ونذر وما أشبه ذلك، فبطريق الأولى أن تصح بقية الأعمال البدنية إذا تبرع بها.
ويقال هكذا في الأعمال القولية؛ قياسًا على الدعاء، فإذا ذكر الله، وأهدى ثواب هذا الذكر لميت، أو دعا الله للميت وصل إليه هذا الأجر.
فإذا تبرع الحي للميت سواء لقرابة بينهما أو صداقة أو لأنه له عليه منة يريد أن يجازيه عليها فيهدي له ثواب عمله من ذكر أو دعاء أو حج أو أضحية؛ أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه ينتفع بذلك ولو كان عمل غيره.
[ ٧٦ / ٤ ]
حكم دفع الأجرة مقابل قراءة القرآن أو تعليمه
[ ٧٦ / ٥ ]
المنع من الاستئجار على القراءة للميت
قال ﵀: [وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت! فهذا لم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه.
والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف.
وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير، والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون له من ثوابه ما يهدي إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت؛ لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، فيجوز.
وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى الأجرة انتهى.
وذكر الزاهدي في الغنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره، فالتعيين باطل.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: هذا لم يكن معروفًا في السلف، ولا أرشدهم إليه النبي ﷺ! ف
الجواب
إن كان مورد هذا السؤال معترفًا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام؟ فإن قيل: فرسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون قراءة القرآن! قيل: هو ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟] .
يقع في بعض البلاد التي يغمرها الجهل، أو تكثر فيها البدع، أنه إذا مات الميت فإنهم يجمعون عشرة من القراء مثلًا في اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث أو الأسبوع الأول، أو الشهر الأول، ويقولون لهم: اقرءوا القرآن، وأهدوا ثوابه لأبينا أو لأخينا، ولكم بكل جزء تقرءونه كذا وكذا ريالًا، فأولئك القراء ما قرءوا لله، وإنما قرءوا للدراهم، وإذا كانوا قرءوا للدراهم، فهل لهم ثواب؟ من قرأ لأجل تحصيل الدنيا لا ثواب له، فإذا لم يكن له ثواب فما الذي يهدونه إلى الميت؟! لا يصل إلى الميت شيء؛ لأن هذه القراءة قراءة لأجل الدنيا، وليست قراءة لأجل الله، ولا قراءة لأجل الثواب، فلأجل ذلك يقال: هذا من البدع.
ثم هو من إقرار الشرك، حيث إن هذا الذي قرأ للدنيا عمل عملًا أخرويًا لأجل أمر دنيوي، فيدخل فيمن أراد الدنيا بعمل الآخرة، فهذا لا يجوز، ولو كان القارئ واحدًا، فلو جاءك وقال لك: خذ هذه المائة أو هذه العشرة واقرأ بها ختمة، واجعل ثوابها لوالدي.
فلا تفعل؛ وذلك لأنك تكون قد قرأت القرآن لأجل هذا المال، لا لأجل الله، ولا لأجل الحسنات، فعلى هذا تكون قد عملت عملًا أخرويًا لأجل مصلحة دنيوية.
فمثل هذا -أولًا- لم يفعله السلف، ولم ينقل عن الصحابة والتابعين، ولا عن الأئمة الأربعة ونحوهم، وثانيًا: فيه هذا المقصد السيئ الذي هو العمل لأجل الدنيا، مع أن العمل من الأعمال الصالحة، فلا يكون للميت أجر على هذا.
[ ٧٦ / ٦ ]
حكم التبرع بإهداء ثواب القراءة للميت
وهذا بخلاف ما إذا قرأت ختمة من القرآن، أو جزءًا، أو أجزاءً، وقلت: اللهم اجعل ثوابها لوالدي، أو لوالدتي، أو لأخي، أو لجدي، أو لعمي؛ فلا مانع من وصول الأجر؛ لأنك ما قرأت لأجل الدنيا، إنما قرأت لأجل الآخرة، ثم تبرعت بذلك العمل الأخروي لقريبك المتوفى.
ويدل على ذلك: أنه ﷺ سئل عن الحج عن الميت أو عن العاجز فأقر ذلك، ففي حديث الخثعمية أنها قالت: (إن أبي أدركته فريضة الإسلام شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: حجي عنه)، فهذا دليل على جواز الحج للأب ونحوه.
وكذلك المرأة التي قالت: (إن أمي ماتت وعليها صيام نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)، فأمرها بأن تقضي الصوم عن والدتها؛ لأنه حق لله ودين لله، فيقضى كما يقضى الدين المالي للعباد، فدين الله أحق بالوفاء.
كذلك: حديث الرجل الذي جاءه وقال: (إن أمي افتلتت عليها نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم)، فأقره على أن يجري صدقة عن أمه.
فهذه الأعمال أقرها، ولكنه لم ينف غيرها، بل ظاهره أن ما يشبهها يلحق بها، فيلحق بذلك بقية الأعمال بدنية أو مالية.
[ ٧٦ / ٧ ]
حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن
وتقدم أنهم اختلفوا في تعليم القرآن بأجرة، فإذا استأجر من يعلم ولده فلا مانع من ذلك، وذلك لأن هذا أجرة على التلقين، وأجرة على التعب، فالذي يجلس يعلم الأطفال لا شك أنه يبذل جهدًا، ويقطع وقتًا، ثم يتعب نفسه في تلقين هذا الولد هذه الآية، وفي تصويب الخطأ وما أشبه ذلك.
فالتعليم يعتبر عملًا؛ ولهذا أقر النبي ﷺ الذين أخذوا الأجرة على الرقية، لما جاءه قوم من الصحابة قرءوا على الملدوغ الذي لدغته عقرب، فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه، فرقاه أحد الصحابة، وأخذ جعلًا على ذلك، فقال ﵊: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله)، فأقرهم على ذلك وقال: (اقسموا، واضربوا لي معكم بسهم) تطييبًا لنفوسهم.
فيعتبر أخذ الأجرة على تعليم القرآن كسائر أنواع التعليم، وقد ثبت أنه ﷺ جعل تعليم القرآن قائمًا مقام المهر في قوله: (زوجتكها بما معك من القرآن، فعلمها عشرين آية) أو نحو ذلك.
وكذلك يقال في تعليم بقية العلوم: يجوز أخذ الأجرة على التعليم؛ لأنه مقابل التلقين وما أشبه ذلك، بخلاف العمل الذي يعمله لله ﷾، والذي يبتغى به وجه الله، ولأجل ذلك تقدم أنه ﷺ نهى عن أخذ الأجرة على الأذان، فقال: (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) .
ومنعوا أخذ الأجرة على الأعمال التي يختص صاحبها أن يكون من أهل القربة، وإنما رخصوا فيما يبذل من بيت المال مقابل الالتزام بتلك الأعمال: كالتعليم -مثلًا-، وعمل الحسبة، وعمل الإمامة والخطابة والدعوة وما أشبه ذلك، فلا يدخل ما يبذل لهم من بيت المال في أنهم عملوا عملًا صالحًا يبتغى به وجه الله، ولم يعملوه إلا للدنيا.
وبكل حال: فإهداء الأعمال التي يتبرع بها ينتفع بها الموتى إن شاء الله، إذا تبرع بها صاحبها ولم يكن أخذ عليها أجرًا.
[ ٧٦ / ٨ ]