من عقائد أهل السنة محبة أصحاب النبي ﵊، وقد مدحهم الله في كتابه، ومدحهم رسوله ﵊ في سنته، فمحبتهم إيمان، وبغضهم نفاق.
[ ٨١ / ١ ]
عقيدة أهل السنة في الصحابة
قال الشارح ﵀: [وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرؤ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .
يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله ﷺ ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] .
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠]، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٨-١٠] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم، وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبًا بنص القرآن.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) انفرد مسلم بذكر سب خالد لـ عبد الرحمن دون البخاري، فالنبي ﷺ يقول لـ خالد ونحوه: (لا تسبوا أصحابي) يعني: عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، وهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية] .
هذا ابتداء الكلام في فضل الصحابة ﵃، وسبب الكلام في الصحابة أنه وجد طوائف يطعنون في الصحابة ويضللونهم ويبدعونهم ويرمونهم بالنفاق ويرمونهم بالردة، ويتبرءون منهم بل ويشتمونهم ويلعنونهم قديمًا وحديثًا، وهؤلاء الطوائف فرقتان: الروافض والنواصب؛ فالروافض: هم الذين يغلون في علي وذريته من أهل البيت فقط، ويزيدون في حبهم، وأما بقية الصحابة أو أكثرهم فإنهم يكفرونهم، أما النواصب: فهم الذين يضللون عليًا وذريته أو من كان قريبًا منهم، ويميلون إلى بني أمية أو إلى من والاهم، وسموا نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت، ولكن الرافضة هم الذين كثروا وظهر تمكنهم فيما هم فيه، فأصبحوا ينتشرون في الأرض وتقوى شوكتهم.
[ ٨١ / ٢ ]
ثناء الله على الصحابة
حب الصحابة ﵃ جميعًا من الإيمان، ثبت أن النبي ﷺ قال للأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) ومعلوم أن المهاجرين أقدم من الأنصار، وأفضل منهم، والله تعالى يقدم ذكرهم على الأنصار في القرآن، ومع ذلك فالأنصار لهم ميزتهم ولهم فضلهم، ولهم مكانتهم في السبق والفضل، كذلك أيضًا قد أثنى الله تعالى على جميع الصحابة كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه﴾ [الفتح:٢٩] فلم يخص الله بعضهم، بل قال: (والذين معه) أي: كل الذين يجاهدون معه، والذين يجالسونه، والذين يصلون معه، كلهم مدحهم الله بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] هذا وصف لهم، وينبغي أن يكون هذا الوصف في أتباعهم، وهو أن تكون أيها المسلم! شديدًا على الكفار رحيمًا بالمؤمنين (أشداء على الكفار) يعني: تبغضهم وتمقتهم وتحقر شأنهم وتغلظ لهم القول، وتتبرأ من طريقتهم، وتجاهدهم بما تستطيع من أنواع الجهاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة:٧٣] فوصف الله الصحابة بأنهم أشداء على الكفار، وكأنه يمدح الذين كانوا على هذه الطريقة في الشدة على الكفار، ومدحهم بأنهم رحماء بينهم، أي: يرحم بعضهم بعضًا، وما أجله من وصف أن يكون المؤمن رحيمًا بإخوانه مشفقًا عليهم، محبًا لهم؛ لأنهم مسلمون وهو مسلم.
ووصف الله الصحابة بقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح:٢٩] سيماهم التي هي علامة على وجوههم من كثرة سجودهم، (ركعًا سجدًا) دائمًا يشتغلون بالركوع والسجود، وهذا دليل على أن من أخل بهذا الوصف وترك الركوع والسجود والصلاة فإنه مخالف لطريقة الصحابة، ومخالف لطريقة الأمة.
ووصفهم الله بأنهم (يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا) أي: يطلبون فضله ورضوانه.
ووصفهم في آخر الآية بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ [الفتح:٢٩]، نقول لمن أبغضهم: إنهم قد أغاظوك، فأنت داخل في هذه الآية، فكل من أبغضهم قد صار في قلبه غيظ عليهم، وحقد وشنئان وبغضاء شنيعة لهم، لذلك نصفه بأنه داخل في هذه الآية، فمن أغاظه الصحابة فهو كافر، الله تعالى يقول: (ليغيظ بهم الكفار) فالمبغض لهم الذي أغاضه ما من الله به عليهم، من هؤلاء الكفار.
وقد مدح الله تعالى الصحابة بالسبق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ﴾ [التوبة:١٠٠] والسابقون يعني: المتقدمون من المهاجرين الذين أسلموا بمكة قبل الهجرة بعشر سنين وبثلاث عشرة سنة، ومن الأنصار الذين أسلموا قبل الهجرة بسنة أو سنتين أو أسلموا بعد الهجرة، ومن الذين اتبعوهم بإحسان يعني: ساروا على نهجهم واتبعوهم إلى يوم القيامة، مدح الله الجميع بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة:١٠٠]، وهذا فضل كبير أن رضي الله عنهم ورضوا عنه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَار﴾ [التوبة:١٠٠] وما أعظمها من كرامة.
كذلك أيضًا مدحهم بالآيات التي في آخر سورة الأنفال فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [الأنفال:٧٢] آمنوا إيمانًا ثابتًا راسخًا في قلوبهم، وهاجروا من بلادهم التي هي بلاد كفر إلى بلاد الإسلام، وجاهدوا بالأموال، وجاهدوا بالأنفس، بذلوا كل ما يملكونه من الأموال، وبذلوا أنفسهم في سبيل الله، هؤلاء هم المهاجرون، ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] أي: الأنصار الذين آووا إخوانهم ونصروهم ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ [الأنفال:٧٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال:٧٤] مدحهم بأنهم المؤمنون حقًا، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال:٧٥] أي: المتأخرون الذين آمنوا في آخر الأمر وهاجروا وجاهدوا ﴿فَأُوْلَئِكَ مِنْكُم﴾ [الأنفال:٧٥] وما أعظمها من مزايا لهؤلاء الصحابة، ولكن الرافضة قوم لا يعقلون قوم لا خلاق لهم.
وقال الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَل﴾ [الحديد:١٠] يعني: السابقون الذين أنفقوا وقاتلوا -سواءً من المهاجرين أو الأنصار- قبل الفتح، يعني: قبل صلح الحديبية الذي فتح الله به على المؤمنين ﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْد وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] يعني: بعد الفتح، ولكن يقول الله تعالى ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] وعد الله المتقدم منهم والمتأخر بالحسنى، وهو الثواب الكبير والثواب العظيم.
وكذلك لما ذكر الله تقسيم الفيء في سورة الحشر، ذكر أن أول من يستحقه هؤلاء الفقراء من المهاجرين الذين هاجروا بأنفسهم وتركوا ديارهم، وتركوا أموالهم وعشائرهم وأهليهم ونجوا بأنفسهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ [الحشر:٨] لما ضيق عليهم هربوا، ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر:٨] لماذا؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم﴾ [الحشر:٩] أي: هؤلاء الأنصار يحبون المهاجرين؛ لأنهم إخوانهم ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] لو أعطي المهاجرون ما أعطوا من الفيء ومن الغنائم ما غضب أولئك الأنصار، بل يوافقون على ذلك ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر:٩] أي: يقدم الأنصار إخوانهم من المهاجرين على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أي: جوع ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم﴾ [الحشر:١٠] سواءً كانوا آخر الصحابة الذين أسلموا بعد الفتح، أو الذين جاءوا بعدهم إلى يوم القيامة، هؤلاء منهم بشرط أن يدعو لهم، وأن يقولوا: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا)، ومن كان في قلبه غل وحقد وبغض وشنئان وغضب عليهم، فإنه بريء منهم، ولأجل ذلك استنبط العلماء أن الذين في قلوبهم غل على الصحابة وحقد عليهم ولا يدعون لهم بقولهم: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)؛ فليسوا من أهل الفيء ولا يستحقون أن يعطوا من بيت المال؛ وذلك لحقدهم على المسلمين وبالأخص الصحابة ﵃.
وقد اشتهر أن هؤلاء الرافضة يبغضون الصحابة ويدعون عليهم ويشتمونهم، ولكن ذلك لا يضر الصحابة بل فيه خير لهم؛ لأنهم قد ختم على أعمالهم وانتهت أعمارهم، وحصلوا على ما حصلوا عليه من الثواب، وتستمر لهم الحسنات من هؤلاء الذين يسبونهم، روي عن بعض السلف أنه قال: ما أرى الناس ابتلوا بسب الصحابة إلا ليجري عليهم عملهم، أي: ليكون عمل الصحابة مستمرًا غير منقطع، فيأخذون من حسنات هؤلاء الذين يسبونهم، وكأنهم لما حقدوا عليهم ورأوا أنهم ضلال وكفار عاد الضلال والكفر على هؤلاء والعياذ بالله، ودخلوا في قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
[ ٨١ / ٣ ]
تفاضل الصحابة رضوان الله عليهم
الفضل يعم المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولكن بلا شك أن الصحابة ﵃ يتفاوتون كما في قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ [الحديد:١٠] يعني: صلح الحديبية ﴿وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فنحن نفضل السابقين الذين أدركوا بيعة الرضوان التي رضي الله بها عنهم، وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ [الفتح:١٠] وذلك في صلح الحديبية تحت شجرة، حيث قال لهم النبي ﷺ: (بايعوني)، وكانوا نحو ألف وأربعمائة وزيادة، وكلهم بايعوه على أن يقاتلوا ولا يفروا حتى ولو ماتوا، وجاء عن بعضهم قوله: إننا بايعناه على الموت، وقيل: بايعوه على ألا يفروا، وكلها متلازمة، يعني: أنا لا نفر، بل نقاتل إلى أن ينصرنا الله أو نقتل دونك، هكذا بايعوه، وصدقوا في ذلك، قال الله تعالى في وصفه لهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] صدقوا في النصرة، ووفوا بهذه البيعة، وحصل أن الله رضي عنهم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، ولا شك أن من ﵃ فإنهم يثبتون على هذا الرضا، ولا يمكن أن يسخط الله عليهم وقد علم أنهم أهل للرضا، إذ كيف يرضى عنهم وهو يعلم أنهم سيرتدون أو سيكفرون فيما بعد؟ فالله لم يستثن أحدًا من أهل البيعة، ولهذا ثبت أنه ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) أي: كلهم من أهل الجنة، وسمعنا أنه ﷺ قال للمتأخرين من الصحابة كالذين أسلموا بعد صلح الحديبية أو في سنة ثمان وما بعدها: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) المد: ربع الصاع، والنصيف: نصف المد، أي: لو أن أحدكم أنفق نفقة من الذهب مثل هذا الجبل الذي يضرب به المثل في عظمه وضخامته ما بلغ مد أحدهم، سواءً من طعام أو نحوه، فكيف بمن أنفقوا أكثر أموالهم أو كلها في سبيل الله ﵃ وأرضاهم.
[ ٨١ / ٤ ]
تزكية الله ﷿ لسائر الصحابة
زكى الله تعالى الصحابة بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] كل الذين معه، يعني: على الإسلام ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآيات.
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] .
وزكاهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة:١١٧] .
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] .
فعلم الله أن قلوبهم مؤمنة الإيمان الصادق.
وزكاهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] والآيات كثيرة كما تقدم، وإذا كان الله تعالى هو الذي زكاهم فلابد أن هذه التزكية لها أثرها، بمعنى: أنهم عدول، وأنه لا يطعن فيهم طاعن، فمن طعن فيهم فقد كذب خبر الله، ولا شك أن من كذب خبر الله تعالى وكذب ما جاء من عند الله يعتبر كافرًا، حيث إنه خالف كلام الله، وطعن فيما أخبر الله به، فالله تعالى يعلم ما كان وما يكون، ويعلم بإيمانهم ويطلع على ما في قلوبهم، ولهذا قال: «فعلم ما في قلوبهم» علم الله أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فإذًا: الذين طعنوا فيهم يطعنون في الله تعالى وأنه لم يعلم أنهم سوف يرتدون، وهذا هو معتقد الرافضة، فهم يقولون: إن هذه الفضائل التي ذكروا بها كانت قبل أن يرتدوا، وبطل مفعولها بعد أن ارتدوا، فهم بذلك يكفرون أجلاء الصحابة، وعليه فهم يطعنون فيما أخبر الله به، ولازم قولهم أن الله لم يعلم ما في قلوبهم.
[ ٨١ / ٥ ]
الصحابة خير الناس بعد الأنبياء
لم يزل المسلمون يعترفون بهدي الصحابة ويروون فضائلهم ويعرفون أن الله تعالى هو الذي زكاهم، وهو الذي طهرهم، وهو الذي اختارهم لصحبة نبيه ﷺ، ويعلمون أنهم خيرة الأمة وصفوتها، وهذه الأمة خير الأمم وأزكاها عند الله تعالى، قال ﷺ: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) الآخرون وجودًا، والسابقون يوم القيامة، فأخبر بأن هذه الأمة تسبق غيرها من الأمم، أي: الأمم السابقة، ولا شك أن خير هذه الأمة هم صحابة النبي ﷺ، روي عنه ﷺ أنه قال: (أنتم خير من أبنائكم، وأبناؤكم خير من أبنائهم) وقال ﷺ: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (خير الناس) أي: خير جميع الناس من الأولين والآخرين؛ القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ، يعني: من المؤمنين، وهذه بلا شك تزكية من النبي ﷺ.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، ولما قال لأصحابه: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، قالوا: الله أكبر! فقال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة) .
وقد زكاهم الله بقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣-١٤] يراد بالأولين -على الصحيح- الأولون من هذه الأمة، أي: الصحابة، فذكر أن الأكثر من السابقين الأولين هم من القرن الأول الذين هم الصحابة، وكذلك من تبعهم وسار على نهجهم.
[ ٨١ / ٦ ]
عقيدة الرافضة في الصحابة ولازم قولهم فيهم
لم تزل عقيدة المسلمين أن الله ﷾ فضل هؤلاء الصحابة، وذكر ميزتهم وذكر فضلهم، فقبلوا خبر الله تعالى، وقبلوا ما جاء عن رسوله ﷺ، واعتقدوا ميزة هؤلاء الصحابة، وفضلوهم؛ لأنهم الذين حملوا هذه الشريعة الإسلامية إلينا، فهم الذين بلغوا القرآن كلام الله، وهم الذين حفظوا سنة النبي ﷺ وبلغوها لمن بعدهم، وعملوا بقول النبي ﷺ: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب)، وعملوا بقوله: (بلغوا عني ولو آية) فإذا كانوا -كما تقول الرافضة- كفارًا مرتدين فكيف يقبل خبرهم؟ وكيف يقبل تبليغهم؟ ومعنى كلام الرافضة أن دين الله مغير، وأن كلام الله مبدل، وأن شريعة الله غير محفوظة، وأن الله ما صدق في كلامه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولم يحفظ دينه وكتابه، بل وكله إلى كفرة فجرة -في زعم أولئك الرافضة- غيروا فيه وكتموا وكذبوا، وزادوا ونقصوا وحرفوا، وقالوا ما يشتهونه، وولوا من يريدونه، وعزلوا من يبغضونه، هذا مقتضى قول هؤلاء الرافضة.
إذًا: فينبني على قول الرافضة أن الله ما حفظ شريعته، وأن هذه الشريعة ليست هي الإسلام؛ لأن طعنهم في الصحابة ليس طعنًا في ذواتهم خاصة بل هو طعن في الشريعة، وطعن في الإسلام، وطعن في الدين، وطعن في القرآن، وطعن في السنة، وطعن في الأحاديث النبوية، وطعن في الأحكام، وطعن في الأوامر والنواهي، وطعن في الوعد والوعيد، وطعن في الخبر والأمر، وطعن في كل ما جاء في هذه الشريعة، هذا لازم طعن هؤلاء الرافضة، لكن الله تعالى قيض هؤلاء الصحابة حتى حفظوا الشريعة وبلغوها، وقيض لهم تلامذة يتقبلون منهم، ويأخذون عنهم السنة، وقيض للتلامذة آخرين من تلامذتهم إلى أن حفظت الشريعة الإسلامية في الأقوال والأفعال، وصدق الله في حفظ شريعته من الضياع لتقوم الحجة على الآخرين كما قامت على الأولين، فإن الله تعالى له الحجة ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] وليست الحجة لأحد من خلقه، فإذا كنت الحجة لله سبحانه؛ فإن كلامه لم يتغير، فيكون حجة علينا وحجة على آبائنا وعلى أبنائنا، وعلى الخلق كلهم إلى أن تقوم الساعة، ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩]، ولئلا يقول الناس: ﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧] .
فإذًا: قد جاءهم الرسول، وقد بلغ الرسول الشريعة، وقد حفظت شريعته التي بلغها، وقد قيض الله له صحابة أتقياء أنقياء ليس فيهم طعن، اعترفت الأمة بفضلهم، ورأوا فضائلهم التي في القرآن والتي في السنة، وأقروها في شروحهم وفي كتبهم ومؤلفاتهم، فتجدون مؤلفات أهل السنة مليئة بذكر فضائلهم، فقد ألف الإمام أحمد كتابًا مطبوعًا في مجلدين سماه: فضائل الصحابة ﵃، وكذلك في صحيح البخاري كتاب الفضائل، ذكر فيه فضائل الصحابة بدءًا بالخلفاء الراشدين، وهكذا صنع مسلم ﵀ في كتابه الصحيح، فجعل كتابًا في فضائل الصحابة روى فيه فضائلهم بدءًا بالخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، وهكذا أكثر المؤلفين ذكروا فضائلهم، ورووها بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي لا مطعن فيها؛ اعترافًا منهم بأن هؤلاء الصحابة ﵃ هم أزكى هذه الأمة، وهم الذين حازوا هذه الفضائل، وهم الذين أجمعت الأمة على فضلهم، وأجمعت على تقديمهم، ومع تفاوتهم في الفضل، فأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهكذا بقية الصحابة، ولم تزل الأمة تترضى عنهم كما ﵃، والله تعالى ذكر الرضا عنهم في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾ [الفتح:١٨]، وإذا ﵃، فمتى علمتم -يا رافضة! - أنه سخط عليهم بعد الرضا؟ وكيف يسخط عليهم وقد رضي عنهم؟! يقول الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَار﴾ [التوبة:١٠٠] أعدها لهم، وكذلك لمن اتبعهم بإحسان ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِين﴾، ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]، فإذا تاب عليهم فكيف يعذبهم؟ فعلى المسلم أن يعرف فضلهم، وأن يعترف بفضائلهم، وأن يصدق ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﵊، وأن يترضى عنهم ويحبهم، وينشر بين المسلمين فضائلهم، وأن يحذر من الرافضة الذين يطعنون فيهم ويكفرونهم، وينزلون عليهم الآيات التي جاءت في المنافقين، ويجعلونهم منافقين أو مرتدين بعد موت النبي ﷺ، وبذلك تعرف طريقة أهل السنة وطريقة الرافضة الذين سموا أنفسهم شيعة، ولعله يأتينا كلام أوسع من هذا على هؤلاء الصحابة في الشرح إن شاء الله.
[ ٨١ / ٧ ]
لا يعدل فضل الصحبة شيء
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يسب من له صحبة أولًا؛ لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ أجمعين؟ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف؛ فإن الصلاة إلى القبلة منسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة.
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: (قيل لـ عائشة ﵂: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! قالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر) .
وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة -يعني مع النبي ﷺ- خير من عمل أحدكم أربعين سنة) وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم عمره) .
وفي الصحيحين من حديث عمران بن الحصين وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة)، الحديث.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧]، ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفه حيث قال: (إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد؛ فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء) وفي رواية: (وقد رأى أصحاب محمد ﷺ جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر) وتقدم قول ابن مسعود: (من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات) إلى آخره عند قول الشارح: ونتبع السنة والجماعة.
فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المسلمين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين، بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أصحاب ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة.
وقوله: (ولا نفرط في حب أحد منهم) أي: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين، قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُم﴾ [النساء:١٧١]] .
[ ٨١ / ٨ ]
لا يكون أحد بعد الصحابة أفضل منهم
فضائل الصحابة ﵃ أكثر مما سمعنا، ولو لم يكن إلا هذا الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وكذلك هذا الأثر عن بعض الصحابة: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة خير من عبادة أحدكم عمره -وفي رواية- خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) وما ذاك إلا لأنهم آمنوا في وقت أزمة وشدة، وفي وقت كفر وضلال، وفي وقت شرك وعبادة أوثان، فآمنوا واهتدوا، واعتنقوا الإسلام، وفارقوا الأهل والبلد والمال، وأخلصوا دينهم لله، ووقرت محبة الله ومحبة رسوله في قلوبهم، وثبت الإيمان ورسخ في قلوبهم حتى كان أرسى من الجبال، ثم ظهرت عليهم آثار ذلك ففدوا رسول الله ﷺ بآبائهم وأمهاتهم، وبأنفسهم وبأموالهم، وأنفقوا كل ما يملكونه طاعة لله وطاعة لرسوله، واجتهدوا في العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه، فتفوقوا على من جاء بعدهم بأضعاف مضاعفة، من الذين ولدوا في الإسلام، والذين نشئوا فيه ولو كانوا أكثر منهم عملًا، ولو كانوا أطول منهم أعمارًا، ولو كانوا أكثر منهم جهادًا، أو أكثر منهم نفقات، لكن النفقة من أولئك مضاعفة أضعافًا كثيرة كما في هذه الآثار، فهذا من جهة.
ومن جهة ثانية: ما جاء في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [المائدة:١١٩]، لا شك أنه مدح لهم وإخبار بأن الله قد رضي عنهم، وفي قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة:١٠٠] إخبار بأنهم من أهل الجنة، وخبر الله تعالى صادق: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وفي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة:١١٧] يعني: غزوة تبوك، وكانوا حينها أربعين ألفًا أو نحو ذلك، فذكر الله تعالى أنه تاب عليهم كلهم، فلم يستثن منهم أحدًا، وكذلك ما أخبر الله ﷿ من أنه رضي عن طائفة منهم وهم أهل بيعة الرضوان في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وأخبر بأن بيعتهم كأنها بيعة مع الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِم﴾ [الفتح:١٠]، وحاشاهم أن ينكثوا بيعة الله، وحاشاهم أن يكذبوا في مبايعتهم، سواءً كانت مبايعتهم على الموت أو مبايعتهم على ألا يفروا، روي أنه لما نزل أول سورة الفتح وفيها قول الله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:٢] قالوا: (هنيئًا لك يا رسول الله! فما لنا؟ فقرأ عليهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٤] إلى قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الفتح:٥] إلى قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]) كل هذا اختص بأولئك الصحابة، ولكن الرافضة طمس الله تعالى على قلوبهم، وأعمى بصائرهم؛ فصدوا عن هذه الآيات، ولم يتفكروا فيها، وأخذوا ينقبون الآيات التي وردت في المنافقين، ويطبقونها على الصحابة ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] .
ونقول لهم: متى سخط الله عليهم بعد الرضا؟! ومتى لم يتب عليهم بعد أن تاب عليهم؟! لا شك أن الله تعالى لا يخلف وعده، وأنه قد صدقهم ما وعدهم، لما صدقوا الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] هذه صفات الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ.
وجاء في كلام ابن مسعود ﵁ أنه قال: (إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار قلب محمد ﷺ، ونظر في قلوب الأمم فوجد قلوب أصحابه أبر وأزكى وأطهر فاختارهم لصحبته) اختارهم الله لصحبة هذا النبي، فدل هذا على أن الصحابة ﵃ هم خلاصة الأمة وهم صفوتها.
وتقدم قول ابن مسعود ﵁: (من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ: أبر هذه الأمة قلوبا، ً وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ولحمل دينه؛ فاعرفوا لهم حقهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) شهادة منه ﵁ بأنهم كانوا على الهدى، وأن من خالفهم وخرج عن طريقتهم فليس على الهدى، بل هو على الضلال.
فالأدلة الواضحة من الكتاب والسنة الشاهدة بأن الله رضي عنهم أكثر من أن تحصر، ولكن كما قالت عائشة ﵂ في الأثر الذي تقدم: (لما انقطع عملهم بموتهم، أجرى الله لهم حسنات غيرهم)، فهؤلاء الذين يسبونهم ويحقدون عليهم، إنما يهدون إليهم حسناتهم وأجور أعمالهم، فهم يعملون ويتصدقون ويصلون ويقرءون ويركعون، ولكن يذهب ثواب أعمالهم إلى أولئك الصحابة الذين سبهم هؤلاء.
وروي ذلك أيضًا عن الإمام أحمد أنه قال: (ما أرى الناس ابتلوا بسب الصحابة إلا ليجري الله لهم عملهم)؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، ولكن إذا كان هناك من يسبه فإنه يأخذ من حسنات الذين يسبونه، وتضاف إلى حسناته كما ورد ذلك في الأحاديث، فيكون ذلك رفعة له، وزيادة في درجاته، وزيادة في أعماله.
كذلك تقدم قول ابن مسعود: (فما رآه المسلمون حسنًا -يعني: الصحابة- فهو عند الله حسن) وقد رأى المسلمون -يعني: الصحابة- أن أبا بكر ﵁ أولى بالخلافة فاتفقوا عليه، وولوه أمر المسلمين، فذلك بلا شك اتفاق منهم على أهليته، وعلى أفضليته، وعلى أحقيته بالخلافة، ولهذا سموه خليفة رسول الله ﷺ، وهو بلا شك أهل لهذه الخلافة، ولهذا قام بها أتم قيام، وصمد فيها وصبر، وعمل بما كان يعمله رسول الله ﷺ.
وتقدم أيضًا ما ذكر عن اليهود والنصارى مما يبين أن اليهود خير من الرافضة، والنصارى خير من الرافضة؛ لأن اليهود يقولون: أفضل بني إسرائيل أصحاب موسى، والنصارى يقولون: أفضل أتباع عيسى أصحابه الذين هم معه، وهم الحواريون، أما الرافضة فهم يقولون: شر هذه الأمة أصحاب محمد، فتفوقوا على اليهود، يعني: صاروا بذلك أشر من اليهود؛ لأن اليهود فضلوا أصحاب موسى، والنصارى فضلوا أصحاب عيسى، والرافضة تفوقوا عليهم في الكفر وجعلوا أشر قرون هذه الأمة وأكفرها وأضلها وأدناها وأبعدها عن الحق هم أصحاب محمد، ولم يستثنوا من أصحاب محمد ﷺ إلا أفرادًا قليلين كـ علي وأولاده، وعمار وسلمان وخباب ونحوهم، وكذلك الذين هم أقارب النبي ﷺ القدامى كـ حمزة ونحوه، أما بقية الصحابة فإنهم عندهم ضلال وكفار! قاتلهم الله أنى يؤفكون، فلا يغتر بقولهم، وبذلك يعرف أفضلية هؤلاء الصحابة، وأما أهل السنة والحمد لله فلا يشكون في ذلك، ولكن من باب التأكيد والتقرير حتى يعرف كفر وضلال هؤلاء الرافضة.
[ ٨١ / ٩ ]
إيمان من أحب الصحابة وكفر ونفاق من أبغضهم
قال الشارح ﵀: [وقوله: (ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الرافضة) فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي: لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄، وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإقساط، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ [الجاثية:١٧]، وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وغيرهم، ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله له به.
وقوله: (وحبهم دين وإيمان وإحسان) لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص، وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) .
وتسمية حب الصحابة إيمانًا مشكل على الشيخ ﵀؛ لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه أن الإيمان هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازًا.
وقوله: (وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكلام نظير الكفر المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقد تقدم الكلام في ذلك] .
نقول: إن حبنا للصحابة ﵃كما سمعنا- إيمان، فحب الصحابة من الإيمان، وبغضهم من النفاق، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق)، وكذلك الحال في المهاجرين: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، والمهاجرون أقدم من الأنصار وأفضل، فبغضهم كفر ونفاق، وحبهم زيادة في الإيمان وقوة في الإيمان، وباعث على الأعمال الصالحة التي تنبعث من القلب.
[ ٨١ / ١٠ ]
بعض الأسباب الباعثة على حب الصحابة
من أسباب حب الصحابة: لسبقهم لمن بعدهم حيث إنهم سبقونا بالإيمان، فنقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] أي: طهر قلوبنا من أن يكون بها حقد وبغض لأولئك الصحابة الذين تقدمونا وكانوا مؤمنين.
ونحبهم لأن لهم المنة علينا؛ وذلك لأنهم حفظوا الشريعة، وبينوها وبلغوها.
ونحبهم لأنهم دعوا إلى الله وجاهدوا في سبيل الله، ونصروا الله ورسوله، وانتشر بواسطتهم الإسلام.
ونحبهم لأنهم أهل الأعمال الصالحة، وأهل النفقات في سبيل الله.
ونحبهم لأنهم أهل التصديق القوي وأهل الإيمان القوي.
ولا شك أن هؤلاء هم أولى بالمحبة ممن سموا أنفسهم شيعة، وادعوا أنهم يوالون ويعادون ونحو ذلك.
[ ٨١ / ١١ ]
اعتقاد الرافضة أن تولي آل البيت لا يتم إلا بالبراءة من سائر الصحابة
الرافضة يقولون: لا ولاء إلا ببراء، ومعنى ذلك: أن من تولى أهل البيت لزمه أن يتبرأ من غيرهم من الخلفاء الثلاثة وبقية الصحابة، ونحن نقول: صحيح أنه لا ولاء إلا ببراء، ولكن من الذي نتولاه؟ نتولى المؤمنين كلهم وهم الصحابة ومنهم أهل البيت، ومن الذين نتبرأ منهم؟ نتبرأ من المنافقين، ونتبرأ من الكافرين عمومًا، ونتبرأ ممن أمرنا بالبراءة منه ولو كانوا أقارب، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [الممتحنة:٤] هؤلاء هم الذين نتبرأ منهم، فلا ولاء إلا ببراء، فيكون ولاؤنا للمؤمنين ومن جملتهم الصحابة، وبراؤنا من الكافرين ولو كانوا أقارب، ولاؤنا لأولياء الله الذين قال فيهم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُو﴾ [البقرة:٢٥٧] وبراؤنا وتبرؤنا من أعداء الله ومن جملتهم أولياء الشيطان الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة:٢٥٧] .
أما الرافضة فعندهم أن الولاء هو ولاء أهل البيت خاصة الذين هم علي وذريته وزوجته وأم زوجته التي هي خديجة ومن كان معهم من المقربين عنده أو نحوهم، وأما البراء فإنه البراء من غيرهم، كالبراء من أبي بكر وعمر، والبراء من جابر وأنس، والبراء من ابن عمر وابن عباس وسائر أجلاء الصحابة، والبراء من أبي هريرة وغيره من الصحابة، ولماذا البراء منهم؟! يقولون: نتبرأ منهم؛ لأنهم مرتدون وخارجون عن الإسلام!
[ ٨١ / ١٢ ]
وسطية أهل السنة في حب الصحابة
أهل السنة يقولون: نحن نحب الصحابة، ولكن لا نغلو في حب أحد منهم؛ لا الخلفاء الثلاثة، ولا أهل البيت، فحبنا لهم حب متوسط ليس فيه غلو وليس فيه جفاء، الرافضة غلوا في أهل البيت حتى رفعوهم عن طورهم وأعطوهم شيئًا من حق الله، بل صاروا يعبدونهم من دون الله، ويدعونهم في الشدائد، ويدعونهم في الكربات، وينسون الله تعالى، وأما بقية الصحابة فجفوا في حقهم وضللوهم وبدعوهم وتبرءوا منهم، فقد جمعوا بين الغلو والجفاء، ولم يتوسطوا في واحد منهما توسط أهل السنة، فخير الأمور أوسطها، فلا غلو ولا جفاء، ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال لـ علي: (تهلك فيك طائفتان) يعني: طائفة غلوا، وطائفة جفوا، فالطائفة الذين جفوا هم النواصب والخوارج؛ فإن الخوارج خرجوا على علي وكفروه وقالوا له: حكمت الرجال، وقالوا له: لا حكم إلا لله، وقاتلوه إلى أن قتله أحدهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم، حيث زعم أنه مرتد بقبوله قول الحكمين، واشترطوا في توبته أن يعترف أنه كفر، ويعترف بأن عمله وجهاده كله باطل، وأن يعتبر نفسه يستقبل عملًا جديدًا، فهؤلاء ماذا نسميهم؟ نسميهم جفاة، جفوا في حق أهل البيت، بل نسميهم هالكين؛ لأنهم هلكوا حيث كفروا من هو من أجلاء الصحابة، وضللوا عليًا ومن كان في بيت علي ممن ﵁، وقد كثر مذهب أولئك الخوارج الذين يكفرون عليًا، بل ويمدحون من قتله، كما روي أن عمران بن حطان كان من أهل السنة، وروى أحاديث عن عائشة وعن غيرها من الصحابة، ثم تزوج امرأة من النواصب - أي: من الخوارج- ورجا أن يؤثر عليها حتى ترجع وتكون من أهل السنة، ولكن أثرت عليه، ولقنته مذهب الخوارج، فأصبح من الخوارج إلا أنه ليس من المتعصبين، لكنه من قعدتهم الذين يقعدون ولا يخرجون، وهو الذي مدح ابن ملجم في أبيات مشهورة يقول فيها: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يومًا فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا يعني: ابن ملجم الذي قتل عليًا، فهؤلاء بلا شك طرف هالك حيث أبغضوا هذا الصحابي ﵁ الذي هو من أجلاء الصحابة، أما الطرف الثاني فهم الشيعة، ومذهبهم معروف بالغلو في آل البيت.
[ ٨١ / ١٣ ]