الرافضة من أعظم وأخطر المبتدعة، وقد قويت شوكتهم في هذا الزمان، فعلى المسلم أن يعرف أول نشأتهم، وحقيقة مذهبهم، وبحمد الله قد بين أهل العلم فضائحهم وبطلان مذهبهم.
[ ٨٢ / ١ ]
فضائح الرافضة
[ ٨٢ / ٢ ]
ادعاء بعض طوائف الرافضة ألوهية علي ﵁
مر بنا عقيدة أهل السنة في الصحابة ﵃، وما خصهم الله تعالى به، وما ميزهم به من الفضائل التي مدحهم بها، وأثنى عليهم، وما تميزوا به من السبق إلى الإسلام وإلى الأعمال الصالحة، وما تميزوا به من فضل، وأنهم أفضل قرون هذه الأمة، وهذه الأمة أفضل الأمم، وذكرنا الأسباب التي تميزوا بها، ومع ذلك فقد انتصب لهم أعداء الله الرافضة، وناصبوهم العداوة، وألصقوا بهم التهم، وحملوا عليهم كل الجرائم، ورموهم بالرذائل، ورموهم بالكفر، ووسموهم بالنفاق، كذبًا وبهتانًا، وبالغوا في ذلك أشد المبالغة، ولا شك أن هذا الفعل من الرافضة من زيغ القلوب، ومن الانتكاس والعياذ بالله إلى الحضيض.
والرفض أصله: الترك، ومنه قولهم: رفضت هذا القول، أي: تركته، وهؤلاء الرافضة خرج مقدمهم وأولهم في عهد علي ﵁ وفي حياته، وكان سبب ذلك أن يهوديًا دخل في الإسلام نفاقًا يقال له: عبد الله بن سبأ ويعرف بـ ابن السوداء، أظهر الإسلام ولكن باطنه الكفر، وأراد بذلك أن يشكك في الإسلام، وأن يدعو إلى أسباب الانحلال، فهو من الذين دعوا الثوار إلى قتل عثمان، حيث جمع الجموع، وحشد الحشود، وأثار من أثار حتى اجتمعت عصابات خرجوا من مصر ومن العراق ومن غيرها وحاصروا عثمان ﵁، وانتهى الأمر بأن قتل شهيدًا ﵁، وكان من أسباب ذلك هذا المنافق، ولما قتل عثمان وتمت البيعة لـ علي، ورأى أنه محجوز عند أهل العراق حيث استقر بينهم، أراد أيضًا أن يبطل إسلامهم وأن يوقعهم في الكفر، فدعاهم إلى أن يغلو في علي، فبدل أن يكون خليفة وإمامًا يجعلونه ربًا وإلهًا، فقال لهم: علي هو الرب علي هو الإله، وانخدع به خلق كثير، واعتقدوا هذا الاعتقاد الفاسد، فخرج عليهم مرة وهم صفوف في أعداد هائلة، فما إن رأوه حتى خروا له سجدًا، فقال: ما هذا؟! قالوا: أنت إلهنا! فعجب من ذلك، ودعا أكابرهم ليتوبوا، ولكن أقاموا على ما هم عليه ولم يتوبوا، ثم اشتهر أنه أحرقهم، حيث خد لهم أخاديد، وأظرم فيها النيران، ثم استتابهم وأمرهم بالرجوع فمن لم يتب ألقي في تلك الأخاديد، وكان علي ﵁ ينشد قوله: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرًا وقنبر هو غلامه، فما زادهم هذا الإحراق إلا تمسكًا بما هم عليه، وقالوا: الآن عرفنا أنك الرب؛ لأنك الذي تحرق بالنار، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، فتمسكوا بما هم عليه، وقتل من قتل منهم بالإحراق، وقد أنكر عليه ابن عباس ﵁ الإحراق، وقال: إن النار لا يعذب بها إلا الله، وقال: لو كنت أنا لقتلتهم لقول النبي ﷺ: (من بدل دينه فاقتلوه) وأما بقية الأمة فإنهم متفقون على أنهم يقتلون وأنهم كفار.
فهؤلاء الغلاة من الرافضة الذين جعلوا عليًا إلهًا، هم أتباع ابن سبأ، ولا يزال كثير منهم على هذه العقيدة، ويحفظ من شعرهم قولهم: أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين ولا حاجب عليه إلا سلمان ذو القوة المتين لما كان سلمان من الفرس جعلوه هو الحاجب على الله، وجعلوا عليًا هو الله، وحيدرة هو: لقب علي؛ جاء من قوله لما كان يقاتل في خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة فصار هذا الاسم علمًا عليهم، فهم يقولون: لا إله إلا علي، لا إله إلا حيدرة، وهذا الاعتقاد مشهور فيهم، وهؤلاء السبئيون هم بقية ورثة ابن سبأ، ويقال لهم: الغلاة، ولما قتل علي ﵁ اعتقدوا أنه لم يقتل، بل قالوا: إنه رفع إلى السحاب، واعتقدوا أنه سوف يرجع، فلذلك يقال لأحدهم: فلان يؤمن بالرجعة، ولا يزال كثير منهم يؤمنون بالرجعة إلى اليوم، ولهم في ذلك كتب جديدة، ويذكر بعضهم أنه جاءه أحد علماء الرافضة وقال: إني ألفت كتابًا، قال: في أي شيء؟ قال: في الرجعة، فقال: كيف تكون الرجعة وقد قتل علي؟! وكيف يرجع وقد قال الله تعالى ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١]، ﴿أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] فقال: قد آمن بها أسلافنا ومشايخنا، وقد كتبوا فيها، فقال: كل ذلك خطأ، أتقلد في الخطأ؟! فقال: بل أنت المخطئ، فلما رأى أنه متشدد في الإنكار ذهب ذلك المؤلف وهو يقول: واإسلاماه! واإسلاماه! بمعنى: أنه لم يجد من يؤيده، أو لم يؤيده هذا الشيخ على الإيمان بالرجعة.
إذًا: فهي عقيدة لا تزال موجودة يعتنقها كثير في العراق وفي إيران، وفي كثير من البلاد التي يكثر فيها الرفض.
[ ٨٢ / ٣ ]
ادعاء طوائف من الرافضة أن عليًا رسول من عند الله
توجد طائفة منهم غلوا في علي حتى جعلوه رسولًا من عند الله، وادعوا أن الرسالة له، وأن جبريل أخطأ، كما قالوا: إنه كان مأمورًا بأن ينزل على علي، ولكنه خان ونزل على محمد، فـ علي أحق بالرسالة من محمد، ولذلك يقول قائلهم: خان الأمين وصدها عن حيدر والأمين هو جبريل، فهم يقولون: إنه خان الرسالة! والله تعالى سماه الأمين: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:٢١]، وهؤلاء المخونة موجودون أيضًا، ويعتقد هذه العقيدة كثير من الرافضة في العراق وفي إيران، بل وفي المملكة، فقد ذكر لنا بعضهم أن رافضة المدينة قبل أن يسلموا من الصلاة يضربون بأيديهم على ركبهم ويكررون: خان الأمين، خان الأمين، ثم يسلم أحدهم، فهذه طائفة منهم، وهم أيضًا من الغلاة.
[ ٨٢ / ٤ ]
سبب انتشار الرافضة
الرافضة يسمون أنفسهم الإمامية، وهم في الحقيقة الرافضة، وعقيدتهم أن عليًا هو الإمام، وأن الأئمة قبله مغتصبون، فـ أبو بكر عندهم مغتصب للخلافة، وكذا عمر، وعثمان، وكذا من تولى الخلافة غير علي وذريته، يعتقدون أنهم مغتصبون لما ليس لهم به حق، وأصل تكاثرهم كان في العراق، ثم انتشارهم فيما بعد سببه -والله أعلم- ما حدث من بعض ولاة بني أمية منتصف القرن الأول، لما تولى ابن زياد على العراق، وكان سببًا في قتل الحسين، واستمر في العراق إلى أن قتل، ثم مات بعده يزيد، فتولى العراق بعد ولاية آل الزبير الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان هؤلاء الولاة يميلون إلى بني أمية، وفي أنفسهم حقد على علي، كان يزين لهم أنه ممن داهن في قتل عثمان، ويقولون: إنه كان قادرًا على أن ينصر عثمان لكنه لم ينصره! فكانوا يسبونه في الخطب على المنابر في العراق، وكذلك في الشام، ولا شك أن في العراق كثيرًا من المحبين لـ علي، من الذين ألفوه في حياته، وأحبوه محبة صادقة، هؤلاء إما أن يكونوا معتدلين في حبه وإما أن يكونوا غلاة من أتباع الغلاة، فإذا سمعوا هؤلاء الخطباء يلعنونه على المنبر في العراق وفي الشام ساءهم ذلك، فإذا سمعوا ذلك أخذوا في مجالسهم يذكرون فضائل علي، فدخل بينهم الغلاة، وصاروا في مجالسهم الخاصة -التي هي مجالس أتباع علي المحبين له- يكذبون، ويغلون في الكذب، ويروجون الكذب بدلًا من أن يذكروا فضائله الصحيحة ومزاياه التي مدحه بها النبي ﷺ.
[ ٨٢ / ٥ ]
أدلة الرافضة في تفضيل آل البيت والطعن في الصحابة
ثبت لـ علي ﵁ فضائل كثيرة على لسان النبي ﷺ مثل قوله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، ولكن الرافضة بلا شك لم يقنعوا بذلك بل صاروا يزيدون، فصارت مجتمعاتهم التي يجتمعون فيها لا يتذاكرون فيها إلا فضائل علي، فلا يرون من يقتنع بقولهم فيكذبون أكاذيب، وحديث غدير خم الذي يجعلونه عيدًا لهم جاء فيه أن النبي ﷺ قال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وقال: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) هذا هو الثابت (أذكركم الله في أهل بيتي)، وقوله: (إني تارك فيكم كتاب الله وعترتي) ولكن ما اقتصروا عند هذا، بل صاروا يضيفون إليه حتى ألفوا كتبًا في هذا الحديث، وجعلوه بألفاظ عديدة، فقالوا إنه قال: (من كنت مولاه فـ علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)، وذكروا في أكاذيبهم أن عليًا مكتوب اسمه على قائمة العرش، وأنه ممن خلقه الله وقرنه باسم محمد أو فضله على خلقه، وأنه وزوجته مكتوبان في غرف الجنة كلها، وأنه وأنه إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يلفقونها، وهذه الأكاذيب التي يكذبونها ويروجونها إذا سمعها تلامذتهم وإذا سمعها أحبابهم أخذوا يروونها، وإذا سمعها الآخرون فماذا يقولون؟ لا شك أنهم يقولون: كيف تكون هذه مزاياه؟ وكيف تكون هذه فضائله؟ ومع ذلك يتقدم عليه غيره، ويكون غيره أفضل منه؟ وكيف قدم عليه أبو بكر وعمر وعثمان؟ بل كيف فضل عليه فلان وفلان؟ لابد أن يكون هو الأفضل، وهو الإمام، فلما أنهم سمعوا تلامذتهم ومن كان حولهم يتكلمون بهذا أرادوا أن يشككوهم فقالوا: هلم فلنكذب أكاذيب نشكك بها تلامذتنا حتى لا ينكروا علينا ما نحن فيه، فكذبوا أكاذيب لفقوها ورموا بها أبا بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة، وادعوا أنهم مغتصبون وخونة، وادعوا أنهم ظلمة، فامتلأت الرافضة بالسب والكذب على هؤلاء الصحابة، أكاذيب ما أنزل الله بها من سلطان، سببها ومبدأ أمرها التشكيك بأتباعهم حتى لا ينكروا عليهم، ولما اشتهرت هذه الأكاذيب فيما بينهم اعتقد تلامذتهم كفر أئمة الصحابة، واعتقدوا أن الصحابة ليسوا على هدى، حيث إنهم بايعوا غير الإمام الحق، وخلعوا الإمام الحق من إمامته وهو علي، وبايعوا أبا بكر وهو مغتصب ظالم، ثم بايعوا أيضًا عمر وهو ظالم ليس له حق، فجعلوهم بذلك مرتدين، وأبطلوا بذلك فضائلهم التي رواها أئمة الصحابة، وخرجت في الصحيحين وغيرها، وقالوا: إن فضائلهم التي وردت في القرآن بطلت بمجرد ردتهم، وأنهم ارتدوا بعد موت محمد ﷺ، فما هي ردتهم على قول هؤلاء؟ ردتهم أنهم منعوا عليًا من حقه، فمنعوه أن يكون هو الإمام، وبايعوا مغتصبًا ظالمًا هو أبو بكر، هكذا أقوالهم، وهكذا رسخت هذه العقيدة في نفوسهم، وتوارثوها، وأخذوا يتناقلون هذه الأكاذيب، فصاروا ينقلون فضائل علي ويبالغون فيها، وكذلك فضائل الحسن والحسين وابن الحنفية وزين العابدين وأولادهم وأولاد أولادهم، ويكذبون لأجل فضائلهم أكاذيب لا تليق بعاقل ولا يصدقها ذو عقل سليم، ولو قرأتم في كتبهم التي يروونها لعجبتم كيف يصدقون بهذه الأكاذيب! وكيف تروج عليهم! ولكن سلبت عقولهم، فلأجل ذلك يذكر بعض العلماء أنهم ليس لهم عقول، وأن الرافضة قوم لا خلاق لهم، فلا يصدق بتلك الأكاذيب إلا من طمست بصيرته، والردود التي ردت عليهم لو قرأتموها لعجبتم كيف يصدقون بهذه الأكاذيب! ولا يزالون على هذا المعتقد إلى هذا اليوم وللأسف؛ على الرغم من تفتح الناس وتبصرهم، ولا يزالون يروون ويتناقلون في كتبهم تلك الأكاذيب، ويؤولون عليها الآيات القرآنية.
ذكر بعض الإخوان أنه اطلع على تفسير كبير عندهم موجود في العراق وفي إيران -وهو تفسير لأحد أئمتهم- فقرأ في قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩] فذكر أن البحرين في قوله: (مرج البحرين يلتقيان) هما علي وفاطمة و(يلتقيان) يعني: في النكاح، وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] اللؤلؤ والمرجان هما الحسن والحسين اللذان خرجا من علي وفاطمة، هكذا راجت هذه الأكاذيب.
وفسروا قول الله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت﴾ [النساء:٥١] فقالوا: (الجبت) هو أبو بكر، و(الطاغوت) هو عمر، قاتلهم الله أنى يؤفكون! وفسروا قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] فقالوا: (يدا أبي لهب) هما: أبو بكر وعمر.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قالوا: البقرة التي أمروا أن يذبحوها هي عائشة بنت أبي بكر وهذه كلها أكاذيب، لكن كيف راجت عليهم؟ راجت عليهم لأنهم سلبوا المعرفة، فما زال غلاتهم على هذه العقيدة، وما زالوا مصرين عليها.
[ ٨٢ / ٦ ]
أول نشأة الرافضة
في آخر ولاية بني أمية خرج رجل من ذرية علي اسمه زيد بن علي، ولما خرج دعا الناس إلى بيعته؛ فجاءه الرافضة الذين في العراق فقالوا: نبايعك على أن تتبرأ من أبي بكر وعمر؛ وذلك لأنهم قد ارتسم في أذهانهم أنهما أكفر من أبي جهل وفرعون، فلابد أن يتبرأ منهما، ولكنه ﵁ امتنع من ذلك وقال: هما صاحبا جدي فلا أتبرأ منهما، قالوا: إذًا نرفضك، فرفضوه؛ فمن ثم عرفوا بالرافضة، هذا هو اسمهم الذي ينطبق عليهم منذ ذلك الوقت، وهم الآن لا يعترفون به، بل يشنعون على من سماهم بهذا الاسم، مع أن الذي سماهم هو زيد، وهو ابن أحد أئمتهم، وهو زين العابدين علي بن الحسين أحد الأئمة الاثني عشر، أما الذين بايعوه فهم من سموا بالزيدية، والزيدية يوالون أبا بكر وعمر وأكثر الصحابة، ولكنهم يتبرءون من بني أمية، أما الذين خالفوه فهم المعروفون بالرافضة.
أما تسميتهم بالشيعة فهم الذين يطلقون هذا على أنفسهم وذلك ليتمدحوا به فيقولون: نحن من شيعة علي، ومعنى شيعته أي: أنصاره، والشيعة في الأصل هم: الأنصار والأعوان، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، وقوله تعالى ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه﴾ [القصص:١٥] يعني: أتباعه؛ لأن الشيع هم: الفرق الضالة الذين ذمهم الله تعالى بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢] فالأصل أنهم فرق كثيرة متشعبة، ومنهم الباطنية.
[ ٨٢ / ٧ ]
علاقة الباطنية بالرافضة
كان أول ظهور الباطنية في أوائل القرن الرابع، وقد استولوا على شطر هذه البلاد، فاستولوا على منطقة القصيم والأحساء والبحرين وما اتصل بها، وكان لهم قوة ونفوذ، وهم الذين قتلوا الحجاج في الحرم في سنة ثلاثمائة وسبعة عشر وهم يطوفون بالبيت، حيث قدموا في صورة حجاج ومعهم أسلحتهم ولما توسطوا في المسجد الحرام سلوا سيوفهم وأخذوا يقتلون الحجاج وهم في نفس الحرم، فجعل الحجاج يلوذون بالكعبة ويتعلقون بأستارها، ولكنهم جعلوا يقتلونهم، حتى كان يقول قائدهم: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا وأخذ سترة الكعبة وشققها بين أصحابه، وقلع الحجر الأسود، وذهب به معه إلى بلاده التي هي القطيف، وبقي عندهم إلى سنة ثلاثمائة واثنين وثلاثين حيث ضعفت دولتهم، وقويت دولة الإسلام، وهددوا بأن يردوه وإلا غزاهم المسلمون وقتلوهم، فردوه وهم كارهون والحمد لله، وأعيد الحجر الأسود إلى مكانه، فهذه الطائفة من أكبر الطوائف ومن أكثرها ومن أخبثها؛ وذلك لأن بعض العلماء يقولون: إنهم يظهرون الرفض، ولكنهم كذبة، فظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فهؤلاء طائفة منهم، ولا شك أن هؤلاء من ورثتهم الذين يظهرون أنهم مع المسلمين، وأنهم بين المسلمين، ويظهرون أنهم إخواننا كما يقولون، ويدعوننا إلى التقارب، ويدعون أنهم على الحق، وأن مذهبهم الذي يذهبون إليه هو مذهب كسائر المذاهب الفرعية وهي: مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد، وكذبوا بذلك؛ لأنهم مخالفون للمسلمين في العقيدة التي هي الأصل والأساس، فكيف يجمعون مع المسلمين؟! وكيف يأمنهم المسلمون؟! ولا شك أنهم يظهرون للمسلمين العداوة والبغضاء، ولعلكم تحفظون من الحكايات عنهم أكثر مما أحفظ، وبلغكم وبلغ أفرادكم أكثر مما بلغني.
إذًا: فهم أعداء لله وأعداء للإسلام والمسلمين، فلا يغتر بدعوتهم إلى ما يسمونه بالتقريب، ولا شك أن هذا كله كفر وضلال، فعلى المسلم أن يعرف أعداء الله ولا ينخدع بدعاياتهم وبأقوالهم وبما هم عليه، بل نأخذ حذرنا منهم.
[ ٨٢ / ٨ ]
استغلال الرافضة لما في تاريخ ابن جرير للترويج لمذهبهم
كان العلماء الأولون منتبهين للرافضة في القرون الأولى، وقد كانوا يتسترون في تلك الفترة -القرن الأول والقرن الثاني والثالث- ولا يظهرون أمرهم، ولكن مع الأسف تولوا ولايات، ووثق بهم أكثر العامة، وصاروا يروون عنهم تلك الأخبار، وصار منهم أخباريون، وإن لم يكونوا من غلاتهم، فلذلك دخل الكذب في كتب التاريخ؛ بسبب الرواية عنهم أو عن كثير منهم، فتجدون مثلًا أن كتب التاريخ -حتى فيما يكتبه أهل السنة- مملوءة بما يدل على أنه من الرافضة، فمن المشهورين في نقل الأخبار وحفظها رجل شيعي يقال له: لوط بن يحيى، ويشتهر بـ أبي مخنف، يروون عنه في كتب التاريخ، ويقول ابن جرير: قال أبو مخنف وذكر أبو مخنف، هذا الراوي يُذكر أنه من أهل السنة، ولكنه يميل إلى الشيعة، دليل ذلك أنه يتتبع أخبار أهل البيت، ويبالغ في نقلها، ويطيل فيها، ويتابعها المتابعة الزائدة، ويستقصي أخبارها، فمثلًا: في تاريخ ابن جرير ذكر واقعة قتل الحسين، وهي حادثة واحدة، حيث قتل ومعه من أهل بيته نحو الأربعين، وهذه الواقعة كان يكفيها ثلاث صفحات أو أربع صفحات، ولكن استغرقت نصف مجلد -أي: أكثر من مائتين وخمسين صفحة- في تاريخ ابن جرير، وذلك بسبب اعتماده على نقل كلام هؤلاء الأخباريين، وابن جرير ﵀ من أهل السنة، ولكن بلاده طبرستان بإيران كانت مليئة في زمانه بهؤلاء الرافضة، فكانوا يدخلون عليه شيئًا من أخبارهم -وإن كان محدثًا ومفسرًا وإمامًا- فينخدع بهم، وقد ألف بعضهم كتابًا يقع في مجلدين في غدير خم، يقول ابن كثير: ذكر فيه ما لا يصلح أن يذكر، وحشد فيه الطيب والخبيث، والغث والسمين، والصحيح والسقيم، واستوفى فيه كعادة المؤلفين في ذلك الوقت، فكثرت عنده تلك الأخبار، كدليل على أن أخبار الرافضة في ذلك الزمان قد كثرت، وفي القرن الثالث استولى على العراق -بل وعلى مصر وعلى إيران ونحوها- بنو بويه، فأسسوا دولة رافضية، وقد تسلطوا في زمن خلافة بني العباس، وأعلنوا مذهب الرافضة، وزادوا في التوغل فيه، ونشروه النشر الزائد، وانتشر في زمانهم وتمكن، فتمكن في العراق؛ لأنها وطنهم، وتمكن في إيران وفيما بعدها، وصاروا يدعون إليه بالقول وبالفعل، ويشجعون كل من يعتنقه، ويولونه الولايات، ولا شك أن هذه من الدعايات في تمكين هذا المذهب، وإلا فهو مذهب باطل خبيث، ولما تمكن وكثر معتنقوه صار لهؤلاء مراجع ومؤلفات، فصاروا يؤلفون الكتب لتقرير مذهبهم، ويدرجون فيها ما لا يصدقه العقل، فانتشر هذا المذهب، وانتشرت كتبهم، حتى صار عندهم الآن من الكتب في العراق وفي إيران ما لا يحصيه العباد، وكلها تركز على تأييد هذا المذهب.
كذلك لما انتشرت تلك المؤلفات فيما بينهم، وكثر المؤلفون، تمكن هذا المذهب وظهر وقوي، وانخدع به من انخدع، ولا يزالون يخدعون الناس إلى هذا اليوم، ولا يزالون يسعون لجر الناس إلى اعتناق واعتقاد هذا المذهب الباطل إلى هذا اليوم، وينخدع كثير من الناس بحسن معاملتهم وبملاطفتهم وبحسن كلامهم وبمدحهم لأنفسهم، فيظهرون شيئًا من الأخلاق ومن الأدب ومن الصدق في الوعد، ومن كذا وكذا، فيجتذبون الناس بمثل هذه المعاملة الحسنة، وإلا فالأصل أنهم كفرة، وعقائدهم سيئة، نقول هذا بموجب ما يحكى لنا عنهم، ولا أتجرأ أن أذكر تلك الحكايات التي يذكرها لنا بعض الإخوان الذين اشتغلوا معهم في المنطقة الشرقية في شركة (أرامكو) وغيرها من احتيالهم على أهل السنة، ومقتهم وبغضهم لهم، وحقدهم عليهم، وحرصهم على أن يوصلوا إليهم كل ضلال وكل شر، ورغم ذلك ينخدع الكثير بإعلاناتهم وبدعاياتهم أنهم مسلمون، وأنهم على مذهب متبع ومعترف به، وأنهم وأنهم يذكر لنا بعض المشايخ الذين جاءوا إلى الأحساء أنهم وجدوا أهل الأحساء يعتقدون أنهم مسلمون، وليس بينهم من الفرق إلا كما بين من يقول: إني شافعي وإني مالكي، ولم يدروا أنهم ضلال وكفار حتى ظهر لهم الحق.
لا شك أن هذا هو المعتقد السيئ عندهم، نقول: لما كان كذلك اهتم العلماء ﵏ بذكر فضائل السلف وفضائل الصحابة ﵃، وذكروا ذلك في عقائدهم، كما ذكر ذلك صاحب هذه العقيدة الذي هو الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وكما ذكر ذلك أهل العقائد نظمًا ونثرًا، فيقول مثلًا أبو الخطاب الكلوذاني في عقيدته: قالوا فمن بعد النبي خليفة قلت الموحد قبل كل موحد حاميه في يوم العريش ومن له في الغار مسعد يا له من مسعد يعني: أبا بكر، ثم ذكر خلافة من بعده من الخلفاء إلى أن وصل إلى خلافة علي ﵁، وهو رابعهم: قالوا فرابعهم فقلت مجاوبًا من حاز دونهم أخوة أحمد يعني: علي ﵁، فعلى هذا اهتم السلف بذكر فضائل الصحابة في العقيدة؛ لأن الكتاب ما جاءنا إلا بواسطتهم، والأحاديث النبوية ما وصلنا إلا عن نقلهم، فإذا كانوا كفارًا -كما يقولون- فإن أخبارهم لا تقبل!
[ ٨٢ / ٩ ]
طريقة الرافضة في الاستدلال بآيات القرآن للطعن في الصحابة
شبه الرافضة في الطعن في الصحابة، أن الآيات التي ذكرت في المنافقين يحملونها على الصحابة ﵃، فمثلًا: قول الله تعالى في قصة بدر: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال:٥-٦] قالوا: هؤلاء جادلوا الرسول كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فهم كفروا بذلك، بينما الله تعالى ما كفرهم به، وإنما سماهم مؤمنين (وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) فكيف يكفرونهم والله سماهم مؤمنين؟! نعم كرهوا مقاومة ومقابلة الكفار مخافة أنهم يقضى عليهم وهم عدة من المسلمين، ومعهم الرسول، ومعهم خيار الصحابة، ولكن الله تعالى نصرهم وأيدهم، هذه هي الكراهية والمجادلة، يعني: كأنهم يقولون: لو ذهبنا إلى العير لكان أفضل، فهل يخرجهم ذلك من الإيمان؟ ما يخرجهم، ولكن الرافضة جعلوها كدليل على أنهم كفار، فكفروهم بمثل ذلك.
أما الآية الثانية التي استدلوا بها، فهي الآية التي في آخر سورة الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] قالوا: هؤلاء الذين انفضوا عن الرسول وهو يخطب وتركوه قائمًا ارتدوا بذلك، والله تعالى لم يكفرهم بذلك، بل عفا عنهم، ثم نقول: من هم الذين بقوا ومن هم الذين انفضوا؟ معلوم أنهم خرجوا ينظرون إلى هذه الإبل فرجعوا وأتموا صلاتهم؛ لأنه لا يليق أن يتركوا الصلاة مع النبي ﷺ، ثم قد يكون معهم بعض أهل البيت، وقد يكون معهم سلمان، وقد يكون معهم أحد الذين يمدحونهم كـ عمار وصهيب ونحوهم، فما دام كذلك فلا حجة لهم بمثل هذه الآيات التي يستدلون بها، ثم لو قدر أنهم صادقون وأن تلك الأشياء التي وقعت منهم حقيقية فهل يليق أن نكفرهم بها؟ لا يليق ذلك، خاصة وأن لهم من السوابق ما يعفى عنهم إذا صدر منهم أي ذنب من الذنوب، ولابد أنه قد تاب منه، والتوبة تجب ما قبلها، أو محيت عنه بسوابقه وبحسناته التي عملها، فسوابقهم وأعمالهم مضاعفة (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فالحسنات يذهبن السيئات، فكيف مع ذلك ننسى حسناتهم ونتذكر أشياء طفيفة وسيئات خفيفة، على حد قول بعضهم: ينسى من المعروف طودًا شامخًا وليس ينسى ذرة ممن أسا ينقبون الذرات والأشياء الصغيرة عليهم، وينسون فضائلهم وجهادهم، ولكنهم قوم لا يفقهون.
فعلى المسلم أن تكون عقيدته نحو الصحابة سليمة محبتهم، والترضي عنهم، والثناء عليهم، والاعتراف بما لهم من المزية، وبما لهم من السبق، ومعرفة أنهم خير قرون هذه الأمة، لا كان ولا يكون مثلهم، وأن فضائلهم لا يدركها غيرهم، فإذا اعترفنا بذلك عرفنا عندها كفر من كفرهم، وضلال من ضللهم، وبعد الذين عادوهم وناصبوهم وناصبوا كل من والاهم من أهل السنة والجماعة العداء، فما علينا إلا أن نشهر ونعلن فضائل الصحابة كما أعلنها وكما أشهرها الأئمة قبلنا، وقد تقدم أن العلماء أظهروا فضائلهم؛ فـ البخاري جعل كتابًا في صحيحه ذكر فيه فضائل الصحابة، وبدأه بفضائل الخلفاء الأربعة، وهكذا فعل مسلم ﵀، وهكذا فعل الترمذي، وهكذا ألف الإمام أحمد كتابه المعروف فضائل الصحابة، والكتب المؤلفة في ذلك كثيرة، وكل ذلك في الثناء على هؤلاء الصحابة ﵃، وعلى أتباعهم.
فإذا قرأ المسلم تلك الأخبار وعرف صحتها؛ عرف بذلك أن من عاداهم فهو ضال مضل خارج عن الإسلام، طاعن في عقيدة الإسلام، بل في أصل الإسلام الذي هو الكتاب والسنة.
أما ما يتعلق بأحوال هؤلاء الرافضة وأعمالهم فهم وأعمالهم والعياذ بالله في ضلال، نبرأ إلى الله منهم ومن عقائدهم ومن أعمالهم السيئة، ونتمسك بما نحن عليه إن شاء الله، ونسأل الله أن يحيينا على محبة الخير وأهله، وأن يميتنا وإخواننا المسلمين على الإسلام والتمسك بالسنة.
[ ٨٢ / ١٠ ]