عمر بن الخطاب ﵁ أفضل الأمة بعد نبيها ﵊ وأبي بكر الصديق، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وفضائله كثيرة، ومناقبه عظيمة، وهذه عقيدة أهل السنة فيه، وقد صح عن علي بن أبي طالب ما هو مطابق لها.
[ ٨٥ / ١ ]
اعتراف المسلمين بفضل الصحابة وبخاصة الخلفاء الراشدين
يعترف المسلمون بفضل صحابة النبي ﷺ؛ لأنهم حفظوا على الأمة دينها، ولأنهم ورثوا نبي الأمة وبلغوا شريعته ودينه، ودعوا إلى ما دعا إليه، ونشروا الإسلام بعده، وجاهدوا في سبيل الله، وأطاعوا شريعة الله، ونفذوا حدوده، فالنبي بلغهم الرسالة التي أرسل بها، وهم قاموا بتبليغها لمن بعدهم، ودعوا إليها قاصي البلاد ودانيها، فكانوا بذلك ورثة النبي ﷺ، ولا شك أن ميراثهم هو أشرف ميراث، يقول ﷺ: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) هذا العلم الذي هو ميراث النبي ﷺ من الذي تحمله عنه؟ أليس هم الصحابة، وبالأخص الخلفاء الراشدون؟ من الذين بلغه بعده؟ إنهم صحابته، إنهم الذين بلغوه وعلموه الأمة، أليسوا هم قادة الأمة وسادتها؟ نعترف لهم بالفضل، ثم نعترف للخلفاء الراشدين بالأقدمية؛ لأنهم أفضل الأمة بعد نبيها، ونعترف لهم بأنهم أهل الولاية والخلافة والإمامة التي قاموا بها أتم قيام، فأجمعوا بعد موت نبيهم ﷺ على تقديم الخليفة الأول الراشد أبي بكر ﵁، ورأوه أهلًا للخلافة كما رآه نبيهم ﷺ أهلًا للإمامة، كذلك أيضًا رأوه سباقًا إلى الخير، ورأوه عاملًا بالأعمال الصالحة، ورأوه أهلًا للخلافة لحنكته وحذقه وقوة تفكيره ومعرفته وذكائه وصحبته للنبي ﷺ، وطول ملازمته، فلم يروا بدًا من أن يبايعوه خليفة عليهم وإمامًا وقائدًا لهم، فكان ذلك عين المصلحة، فثبته الله في وقت اشتدت فيه الغربة، إذ إنه بعد موت النبي ﷺ ارتد العرب عن الإسلام إلا ما شاء الله، وما بقي إلا أهل المدينة ومن حولهم، وهم الأعراب أن يغيروا على المدينة وأن يسلبوهم ما هم فيه، وأن يقتلوهم ويستأصلوهم، ولكن ثبت الله أبا بكر وربط على قلبه؛ فقابل أولئك الأعراب بقوة، وهزمهم شر هزيمة، ثم توالت الانتصارات على أيدي جيوشه الذين دفعهم لقتال المرتدين، فرجع العرب -في ظرف نصف سنة أو عدة أشهر- إلى الإسلام بعدما كانوا خرجوا عنه.
حتى قال قائلهم: أتانا رسول الله مذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبي بكر يعني: ما لنا ولطاعته؟ إنما طاعتنا للرسول حين كان بيننا! ولكن لما استخلفه الله على المسلمين كان ذلك عين المصلحة التي أيد الله بها الإسلام في ذلك الوقت العصيب، والظروف الشديدة، وقد سار فيهم السيرة الحسنة، وخلف النبي ﷺ فيما كان يفعله، فلم يترك شيئًا كان يفعله النبي إلا فعله؛ كتوزيعه للأموال وللغنائم، وتقسيمه لخمس الخمس، وإعطائه لمن كان يعطيهم النبي ﷺ من سهم ذوي القربى، وتوزيعه للصدقات، لم يأل جهدًا أن يفعل كفعل النبي ﷺ، ولكن لما لم يعط فاطمة -كما زعموا- ميراثها من أبيها نقمت عليه الروافض، وطعنوا في خلافته، وطعنوا في إمامته، وصاروا يسبونه ويشتمونه زعمًا منهم أنه خان الأمانة، وأنه خالف ما جاء من سيرة من قبله، وحاشاه من ذلك! معلوم أنه ﷺ لم يخلف تركة، فقد ثبت عنه أنه قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) يعني: لم نترك شيئًا إلا أن يكون صدقة، وثبت أيضًا عن الحارث بن أبي ضرار أنه قال: (ما ترك النبي ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة) فهذه شهادة من هذا الرجل الذي ليس من قريش بل من بني المصطلق، وهو أخو إحدى أمهات المؤمنين، وهي جويرية أم المؤمنين، ومع ذلك أخبر بهذا الخبر فدل على أنه ﵇ لم يكن وراءه تركة حتى يقول الرافضة: إن أبا بكر لم يعط فاطمة حقها، ما أعظم فريتهم! فهل هذا لشدة محبتهم لـ فاطمة؟! فالنبي ﷺ أشد حبًا لـ فاطمة منهم، فهي بضعة منه، ولو كان يعطيها لأعطاها في حياته لما جاءته تشتكي من العمل، وذكرت أن الرحى أثر في يديها، وتعبت من العمل، فطلبت منه أمة من السبي تخدمها، لكنه لم يعطها شيئًا من ذلك، بل باع ذلك السبي ووزع ثمنه على المستضعفين من أهل الصفة وغيرهم، وأرشدها وأرشد زوجها إلى التسبيح والتكبير والتحميد عند النوم وقال: (هو خير لكما من خادم) فكيف يزعم هؤلاء الرافضة أنهم يغارون لـ فاطمة والنبي ﵊ يحرمها ولا يعطيها؟ كذلك أيضًا هو ﷺ يقول لها: (سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئًا) ولو كان عنده مال لأخذت منه في حياته، فكيف مع ذلك يقولون: إنه منعها من ميراثها، ومعلوم أيضًا أن الأنبياء لا يورثون، إلا أن الرافضة يتمسكون بآيات فيها شيء من ذكر الميراث، مثل قول الله تعالى في سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد﴾ [النمل:١٦]، ويقولون: هذا دليل على أن الأنبياء يورثون، عجبًا لهم! الآية إنما فيها ذكر إرث النبوة، بمعنى أنه ورثه في ملكه، فكان ملكًا بعده، وكان نبيًا بعده، ومعلوم أن داود كان له كثير من النساء، وكذلك كان له الكثير من الأولاد، فكيف خص داود سليمان بالإرث؟ فالإرث هنا إنما هو إرث الملك، كذلك يستدلون بقول الله تعالى في سورة مريم في قصة زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٥-٦]، فيقولون: هذا دليل على أن زكريا طلب ولدًا حتى يرثه، الله أكبر! كأن المال أكبر هم الأنبياء، لا والله! إنما أراد يرثني في النبوة والعلم، أي: يرث ما عندي من العلم، ويرث العلم الذي خلفه آل يعقوب، ويعقوب ﵇ هو إسرائيل، أما أن يهتم بمن يرث ماله فحاشاه، ليست الدنيا أكبر همه حتى يطلب ولدًا لأجل أن يأخذ المال الذي بعده، من الذي أعلمكم أن زكريا كان ذا أموال حتى يطلب ولدًا ليأخذها؟ فهكذا ينقبون عن مثل هذه الآيات ليطعنوا في أبي بكر، ويدعون أنه حرمها من الميراث؛ فلأجل ذلك يكفرونه، ويضللونه، ويزعمون أنه خان الأمانة، وأنه خالف سيرة النبي ﷺ، ولم يقم بما قام به، وأنه بخس فاطمة حقها، وبخس عليًا حقه، وأن عليًا هو الإمام؛ لأنه هو الوصي، وغير ذلك من أكاذيبهم.
والصحابة ما اختاروا إلا من هو أفضلهم، ومن هو أهل للولاية، وقد مرت بنا أحاديث تدل على فضله، وأحاديث تدل على أولويته وأحقيته بالولاية وبالخلافة والإمارة بعد النبي ﷺ.
[ ٨٥ / ٢ ]
تقديم السلف لعمر على سائر الصحابة بعد أبي بكر
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁) .
أي: ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لـ عمر ﵁، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة من بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تنكر، فقد روي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: (يا أبت! من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: يا بني! أو ما تعرف؟! قلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان، فقلت: ثم أنت، فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) وتقدم قوله ﷺ: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: (وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ وذلك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما)، وتقدم حديث أبي هريرة ﵁ في رؤيا رسول الله ﷺ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبو بكر ثم استحالت الدلو غربًا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن، وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه عالية أصواتهن) الحديث وفيه: فقال رسول الله ﷺ: (إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده؛ ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك) وفي الصحيحين أيضًا عن النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم) قال ابن وهب تفسير (محدثون) أي: ملهمون] .
[ ٨٥ / ٣ ]
استخلاف أبي بكر لعمر دليل على أحقيته بالخلافة
اتفق الصحابة ﵃ على مبايعة عمر، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي ﵁، الخليفة الثاني، فلما أن مرض أبو بكر وأحس بقرب الوفاة دعا عمر وقال: (أنت الخليفة بعدي، أوليك بعدي هذه الولاية) فأرشد الناس إلى مبايعته، وعهد إليه بالخلافة، فلم يختلف عليه اثنان، بل أجمعوا على مبايعته، وأجمعوا على أهليته، ولم يخالف منهم أحد، فتمت له البيعة، وتم أمره.
وفي ولايته ﵁ اجتهد في توسعة رقعة الإسلام، حيث أنفذ الجيوش وأرسلهم إلى أطراف البلاد، ففتحت بلاد الشام في عهده، وكذلك بلاد العراق ومصر وأفريقيا وخراسان، واتسعت الفتوحات وكثرت في زمانه، ووقعت في عهده وقائع كثيرة، وفتوحات كثيرة، كوقعة اليرموك، ووقعة القادسية، ووقعة نهاوند وغيرها من الوقائع المشهورة التي أعز الله فيها الإسلام والمسلمين، وانتصر فيها أولياء الله على أعدائه، وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى ثم بتحريض من عمر وتوصية منه بولاته، ولم يقف الأمر عند وصيته لهم بل سار بنفسه حتى وقف على كثير من البلاد، ففتح بيت المقدس التي هي (إيلياء) وتسمى بلغتهم (أورشليم)، هذا البلد المعروف الذي هو من أقدس البلاد لم يفتح إلا بعدما غزاه بنفسه، ووقف عليه وحاصره، فعند ذلك فتحوا له الأبواب، ودخل المسجد الأقصى وأسس فيه ما أسس.
وبكل حال فهو ثاني الخلفاء الراشدين، وقد وفق الله أبا بكر لتوليته، فكانت توليته عين المصلحة، ووافق على ذلك المسلمون، وترضى عنه أهل السنة، واعترفوا بأفضليته وبقوته وبصرامته وبشهامته وحنكته وسيرته الحسنة التي ضرب بها المثل في عدله وفي تواضعه وفي منهجه وفي سلوكه.
لا شك أن هذا من توفيق الله تعالى للأمة، حيث ظهر الإسلام وانتصر وتمكن وفشا في البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وذل للإسلام أعداؤه من اليهود والنصارى، وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومكن الله للمسلمين في بلادهم، وحقق الله لهم وعده في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، فحقق ذلك كله في عهد الخلفاء ﵃، وبالأخص في عهد أبي بكر ثم عمر.
ولا شك أن اختيار أبي بكر لـ عمر له مستند، فهو الذي قد صحب النبي ﷺ، وعرف إشاراته، وعرف محبته له، وسمع منه ما يدل على أفضلية عمر وعلى أهليته، وقد وردت إشارات نبوية إلى خلافتهما، وقد تقدم قوله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولا شك أن عمر منهم، وتقدم قوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فسماه مع من قبله باسمه الصريح، وأمر بالاقتداء به؛ وذلك أنه أهل للاقتداء، كما أنه أهل لحمل السنة، فقد حمل من الشريعة ما حمل، وفي عهده ﵁ كثرت المسائل الواقعية فأفتى فيها بما قبله منه أهل السنة؛ ولأجل ذلك يعرف فقهه وفهمه وفتاواه، لكثرة ما نقل وما وقع له.
ومن الإشارات التي تدل على أنه الخليفة بعد أبي بكر قوله ﷺ: (رأيتني على قليب أنزع منها -يعني بالدلو- ما شاء الله، فأخذها أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه حتى روي الناس وضربوا بعطن) فأشار إلى خلافة أبي بكر وأنها قليلة، حيث لم ينزع إلا ذنوبًا أو ذنوبين، يعني: دلوين، أما عمر فجعل ينزع بهذه الدلو مع كونها استحالت غربًا، والغرب هو الدلو الكبيرة التي ينضح عليها قديمًا، ومع ذلك أخذ ينزع حتى روي الناس وضربوا بعطن، إشارة إلى طول خلافته، وإشارة إلى امتداد الخلافة في عهده، وامتداد الإسلام والدولة في عهده، وانتشار الإسلام في زمانه، والانتصارات التي حصلت بواسطة تدبيراته وسيرته.
[ ٨٥ / ٤ ]
موقف آل البيت من أبي بكر وعمر ومخالفة الرافضة لهم في ذلك
يعترف جميع أهل السنة بأفضلية عمر، ومن أهل السنة علي بن أبي طالب الذي تعظمه الشيعة، وترفع من قدره، وتعلي شأنه، وتغلو فيه الغلو الزائد، ومنهم من يدعوه من دون الله، فيزعمون أنه عدو لهؤلاء الخلفاء، وأنهم أعداء له، وأن من والى عليًا فلابد أن يعادي أبا بكر وعمر فإنهما ضدان، ويقولون: لا ولاء إلا ببراء، بمعنى أنك إذا واليت عليًا فتبرأ من أبي بكر وعمر؛ لأنه لا يمكن أن توالي هذا وهذا في آن، فإنهما ضدان مفترقان، فنقول: كذبتم، بل هما صاحبان، بل هما أخوان، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة كلهم إخوة، وعلي واحد منهم، يحبهم ويحبونه، ويصلي خلفهم ويتولى ولايتهم، ويأخذ أعطياتهم، ويجالسهم، ويؤانسهم، ويكلمهم، ويصحبهم، ولم يظهر لهم عداوة، ولم يقاطعهم، ولم يهجرهم، ولكنكم أنتم -أيها الشيعة- نكست فطركم، وتغيرت أفهامكم، ورأيتم الحق باطلًا والباطل حقًا، وصوبتم ما كان خطأً، وزعمتم عداوة بين الصحابة لم تكن، وإنما العداوة والبغضاء منكم، فأنتم أهل الحقد وأهل البغضاء، كيف تجعلون بين الصحابة بغضاء وهي لم تحصل ولم تكن؟ ما هي العلامات التي تدل على أنها حصلت بينهم؟ يذكر العلماء أن الآثار شبه متواترة عن علي ﵁ أنه كان يقول على المنبر (أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) فيعترف بذلك ويصرح به على المنبر، سبحان الله! أين صرفت عقول هؤلاء الرافضة من هذا الأثر الذي يعتبر مشهورًا غاية الشهرة؟! ومع ذلك يخالفونه، فيكفرون ويشتمون ويسبون هذين الخليفتين اللذين يعترف إمامهم وقدوتهم -في زعمهم- بفضلهما.
وهذا ولده محمد ابن الحنفية وهو أيضًا ممن يغلون فيه؛ لأنه من أولاد علي، ولكن ليس كغلوهم في الحسن والحسين، فيسأل ابن الحنفية أباه ويقول: يا أبت! من أفضل الناس بعد النبي ﷺ؟ فيقول مستغربًا: يا بني! أما تعرف؟! فيقول: لا، فيقول: أبو بكر، فيعترف علي بأن أفضل الأمة هو أبو بكر، ولفضله اتخذ واليًا وخليفة عليهم، ولفضله سموه خليفة رسول الله ﷺ، ثم يسأله: ثم من أفضل بعد أبي بكر؟ فيقول: عمر، وعلى هذا فـ عمر ﵁ هو ثانيه في الخلافة، وهو ثانيه أيضًا في الفضل، يقول محمد بن الحنيفة: قلت: ثم أنت يا أبتي! خشي أن يقول: ثم عثمان، وأحب أن يكون أبوه له الفضل، ولكن عليًا ﵁ تواضع غاية التواضع، وقال: ما أنا إلا واحد من أفراد المسلمين أو كما قال، مع أن له الفضل، وقد اختلف العلماء من أهل السنة في تفضيل عثمان وعلي، والخلاف في ذلك ليس مخرجًا من الملة ولا يضلل به.
[ ٨٥ / ٥ ]
الأدلة العقلية والنقلية على أحقية عمر بالخلافة
فضائل عمر ﵁ أكثر من أن تحصر، وقد أفردت بالتأليف قديمًا وحديثًا، فـ ابن كثير ﵀ صاحب التاريخ ذكر أنه كتب في فضل أبي بكر وعمر كتابًا أتى في ثلاثة مجلدات.
وأفرد بعضهم عمر بالتأليف، وأشهر من كتب فيه ابن الجوزي (مناقب عمر) وهي رسالة مشهورة مبوبة منتشرة، ذكر فيها أبوابًا تدل على حنكة عمر وفضله، وذكر فيها فضائله وأحواله، وذكر فيها ما بشره به النبي ﷺ ونحو ذلك.
وقد تقدم أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، وفي حديث أبي موسى لما كان بواب النبي ﷺ في يوم من الأيام، يقول: فجاء رجل فأراد أن يدخل فقلت: من أنت قال: أبو بكر، فقال النبي ﷺ: (ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) .
كذلك أيضًا من فضائله ما جاء في الحديث الذي أشار إليه الشارح ﵀، وفيه أن عمر ﵁ طرق باب النبي ﷺ وعنده نساء قد رفعن أصواتهن، فلما سمعن صوت عمر ابتدرن الحجاب، وألقين الستر بينهن وبينه، ودخل والنبي ﷺ يضحك، فأخبره بأنهن كن رافعات أصواتهن، فلما دخل عمر احتجبن عنه وتسترن، فقال عمر: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ؟! فعند ذلك قال ﷺ: (والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك) والفج هو: الطريق، بمعنى: أن الشيطان إذا لقيه في طريق هرب منه وذهب إلى طريق آخر، وما ذاك إلا لصرامته بحيث إن الشيطان يهرب منه! كذلك شهد النبي ﷺ له بأنه من المحدثين، يعني: من الملهمين، يقول: (إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في هذه الأمة فإنه عمر -أو فإن منهم عمر -) ولأجل ذلك يكثر موافقته للسنة وموافقته للقرآن، يقول ﵁: (وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليهن البر والفاجر؟ فأنزل الله قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب﴾ [الأحزاب:٥٣]) بمعنى: أنه أشار على النبي ﷺ أن يبقين محجبات في البيوت، ولا يخرجن إلا لحاجة ضرورية، فنزل القرآن موافقًا له، يقول: والمرة الثانية قلت له: (لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]) والمرة الثالثة يقول: (إنه قال لزوجات النبي صلى عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة عليه: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت الآية موافقة لما قاله) .
كذلك أيضًا في قصة أسارى بدر لما أشار بقتلهم، والنبي ﷺ وأبو بكر اختارا أن يمكنوا من الفدية، فجاء حكم الله موافقًا لقول عمر، حيث قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض﴾ [الأنفال:٦٧] إلى آخر الآيات، فذلك دليل على أنه ﵁ كان من المحدثين الملهمين.
ومن أشهر فضائله أنه دفن مع النبي ﷺ وأبي بكر، وذلك دليل على اعتراف الصحابة بفضله، حتى قال بعض العلماء في أبي بكر وعمر: إن منزلتهما من النبي ﷺ في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته، فهما قريناه في حياته، وكذلك بعد مماته جعلا معه في طرف الحجرة النبوية، أوليس ذلك دليلًا على أفضليتهما، وأنهما صاحباه وحبيباه والمقربان إليه؟ وقد شهد بذلك علي ﵁ في الحديث الذي سبق حين مات عمر ﵁، حيث قال: (ما تركت أحدًا كنت أتمنى أن ألقى الله بمثل عمله إلا أنت) يقول: إنني لا أغبط أحدًا وأرجو أن أكون مثله إلا أنت، أما البقية فأنا أقول: إني خير منهم، يعني: من كان بعد عمر ﵁، فـ علي ﵁ يغبط عمر، ويقول: لا أحد أغبطه وأتمنى أن ألقى الله بمثل عمله سوى أنت يا عمر! يقوله بعد موته.
ثم يشهد بأن النبي ﷺ كان يحبه ويحب أبا بكر، ومن آثار تلك المحبة أن جمعا معه في المكان الذي قبر فيه، يقول: كنت أسمع النبي ﷺ كثيرًا يقول: (جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر) يجعل ذلك من المبررات في أن يكون ﵁ أهلًا لأن يجعل إلى جانب أبي بكر، وإلى جانب النبي ﷺ، وهذا ما حصل، وعلى ذلك فنعترف بأنه هو الخليفة الراشد الذي امتدت خلافته بعد أبي بكر عشر سنين، وهو الذي ظهر من آثاره ومن فضائله الاقتداء التام بالنبي ﷺ، وله أوليات كثيرة، فهو الذي أشار بجمع القرآن في عهد أبي بكر حين كثر القتل واستحر في القراء في وقعة اليمامة، حيث قتل فيها خمسمائة من حملة القرآن، فخشي ﵁ أن يذهب شيء من القرآن، فأشار بأن يكتب في صحف، ووافقه أبو بكر على ذلك، فكتب في صحف حتى يحفظ ولا يضيع منه شيء، ووافقهما الصحابة على ذلك، كذلك هو الذي وضع التأريخ، واختار أن يكون تقييد التأريخ بهجرة النبي ﷺ؛ لأنه بعد الهجرة بدأ الإسلام يظهر وينتشر، فجعل التاريخ من أول الهجرة، وأجمعت الأمة بعده إلى يومنا هذا على التأريخ بهجرة النبي ﷺ.
كذلك هو الذي سن هذه الأوقاف، وهي الأرض المفتوحة عنوة، إذ إنه لما فتحت أرض مصر وأرض الشام وأرض العراق الزراعية جعلها وقفًا على بيت المال، فكانت تزرع وتعاد إلى بيت المال لتموله عند انقطاع الفتوحات ونحوها، وأقره على ذلك الصحابة ومن بعدهم، فلا شك أن ذلك دليل على معرفته بمهام الأمور ومستقبلها.
وقد كان في حياة النبي ﷺ جريئًا على إنكار ما رآه منكرًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولكن الرافضة يتتبعون ما يظنون أن فيه شيئًا من العيب والقدح فيه، فيجمعون أكاذيب، ويجمعون وقائع لا مطعن فيها، ويجعلونها طعنًا في خلافته، وطعنًا في أهليته للخلافة بل في إيمانه، فيجعلونه مرتدًا عن الإسلام أو نحو ذلك، وأكبر ما يطعنون به فيه أنه لما مرض النبي ﷺ وقال: (ائتوني بأوراق أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده) وكان ذلك في يوم الخميس، وكان النبي ﵊ قد ثقل، عند ذلك قال عمر: (إنه ﷺ قد شق عليه فلا تكلفوه، وعندكم كتاب الله) فعند ذلك قام الرافضة يقولون: إن عليًا كان هو الخليفة، وإن أبا بكر ليس بخليفة، وإن عمر خاف أن يكتب النبي ﷺ بالخلافة لـ علي فعند ذلك قال: لا تكتبوا، فحرم الكتابة ومنعها وتجرأ بقوله: عندنا كتاب الله، هذا مطعن يطعنون به في عمر ﵁، مع أنهم غائبون لم يحضروا ذلك الوقت، ولم يعرفوا الإشارات، ولم يعرفوا القرائن، وعمر ﵁ عرف القرائن المختصة به، وكذلك علي ﵁ كان حاضرًا ولم يخطر بباله أنه يكتب له بالولاية، ولا أن عمر حرمه من الولاية أو من الخلافة، فأين في هذا إشارة ولو من بعيد إلى أنه حسد عليًا فقال: لا تكتبوا، وعندنا كتاب الله؟ والدليل على ذلك أن ابن مسعود ﵁ لما ذكر له أن النبي ﷺ أراد أن يكتب كتابًا قال: (من أراد أن يقرأ وصية النبي ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] إلى آخر الآيات الثلاث التي في كل واحدة منها ﴿ِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١]، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٢]، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] .
فالصحابة فهموا أن وصية النبي ﷺ ليست هي وصية بولاية ولا بخلافة، ولكنها وصية بديانة وبأمانة ونحو ذلك، وليس فيها إشارة إلى خلافة علي ولا غير ذلك، بل قد تقدم في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: (ادعي أباك وأخاك أكتب لهما كتابًا، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) فهذا دليل على أنه لو كتب لولى أبا بكر الخلافة، فكيف يزعمون أن عمر هو الذي حال بين علي وبين الخلافة، فيوجهوا الطعن عليه؟ ولهم مطاعن عليه كثيرة لا تحصى، وينشرونها في كتبهم، وكذلك يجعلونها في خطبهم، وفيما يذيعونه فيما بينهم، ويرمونه بالفظائع والعظائم، والله حسبهم، ولكن ذلك لا يضره، بل يكتب أجره عند الله وافيًا.
فنعتقد أنه ﵁ خليفة الأمة بعد أبي بكر، وأن له الفضل وله الميزة، فهو أفضل الأمة بعد أبي بكر، وهو خليفة الأمة بعد أبي بكر، وهو أحد الخلفاء الراشدين ﵃ وأرضاهم.
[ ٨٥ / ٦ ]