بشر النبي ﷺ عشرة من الصحابة بالجنة في حديث واحد، وهم الخلفاء الأربعة وابن عوف والزبير وطلحة وأبي عبيدة وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، وقد ضل الرافضة في بغضهم لأكثر هؤلاء العشرة، وسلكوا مسلك اليهود في الجفاء والنصارى في الغلو.
[ ٨٨ / ١ ]
حب أهل السنة للصحابة ومعرفتهم لفضلهم
نحمد الله أن جعلنا مسلمين، وجعلنا متحابين في ذات الله، نحب أهل الخير متقدِّمهم ومتأخرهم، ونعترف لهم بالفضل، ونعترف لهم بالسبق إلى الخير، ونمتثل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًَّا﴾ [الحشر:١٠] أي: حقدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] .
ولا شك أن هذا وصف المؤمنين في كل زمان، فهم يعترفون لمن سبقهم من أهل الإيمان بالفضل والخير، ولا شك أن أفضل مَن سبق وأول مَن سبق هم أصحاب نبينا ﷺ، فنحبهم من كل قلوبنا، وهذا وصف أهل السنة، يقول شيخ الإسلام في عقيدته: حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسلُ ولكلهم فضل وقدر ساطع لكنَّما الصديق منهم أفضلُ نحبهم لأنهم السابقون إلى الخيرات، ونحبهم لأنهم حفظوا على الأمة دينها وشريعتها، ونحبهم لفضلهم وشرفهم، ونحبهم لقرابة أكثرهم -سيما الخلفاء الراشدون- من النبي ﷺ، وقد ثبت في الحديث أن العباس عم النبي ﷺ ذكر له أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال النبي ﷺ: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، فجعل المحبة لله مقدمةً ثم المحبة لقرابته أي: قربهم منه كعمه وبني عمه ونحوهم.
ومعلوم أننا ما أحببناهم لمجرد القرابة، فقد كان هناك من هو أقرب منهم كـ أبي لهب وأبي طالب وغيرهما ممن ماتوا على الكفر، ومع ذلك نمقتهم ونبرأ من أعمالهم، هذه هي عقيدتنا، أما من آمن به ولو كان بعيدًا من نسبه، وصدَّقه واتبعه؛ فإنه محبوب إلى كل مسلم تقي من أهل السنة والجماعة.
ومحبتنا للصحابة لا تصل إلى الغلو كعادة الذين يغلون في بعض الصالحين، فالرافضة أوصلهم الحب لآل البيت إلى الغلو بحيث اعتقدوا في أئمتهم الاثني عشر نوعًا من الألوهية، وأعطوهم شيئًا من التصرف في الكون، وصاروا يطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلَّا الله، ويصفونهم بأوصاف لا يستحقها إلَّا الله.
أما أهل السنة فأحبوا الصحابة، وأحبوا قبلهم نبيهم ﷺ، ولم يغلوا في أحد منهم، ولم يعطوه شيئًا من حق الله، بل اعتقدوا أنهم بشر، وأنهم مخلوقون، وأن فضلهم إنما هو بالأعمال الصالحة، وأن محبتهم إنما تحمل على اتباعهم، وعلى العمل بمثل أعمالهم، وهكذا محبة كل مؤمن، فإذا أحببنا الأئمة ودعاة الخير ومشايخنا وعلماء الأمة فهذه المحبة تحمل المحب على أن يقتدي بالمحبوب، وعلى أن يحرص على أن يفعل كأفعاله، وبذلك يكون صادق المحبة، فأما أن تحمله محبته على أن يعطيه شيئًا من حق الله، فإن هذا غلو وإطراء داخل في فعل النصارى، وهو منهي عنه، قال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) وصفة العبودية للنبي ﷺ صفة شرف، وكذلك صفة العبودية للصحابة صفة فضل وشرف، وكذا صفة العبودية لنا صفة شرف، فأنت تفرح إذا نُسِبت إلى أنك عبدٌ لله، وكذا أنبياء الله، قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] لا يستنكفون أي: لا يأنفون ولا يتكبرون عن العبودية، فكذا الصحابة لا يتكبرون عن العبودية، وكذا أقارب النبي ﷺ لا يتكبرون عن العبودية، بل يفتخرون بها، وهذا هو الواجب في اعتقادنا نحوهم.
وقد مر بنا في هذه العقيدة قول أهل السنة في الصحابة وفي الخلفاء، وأن أفضلهم: الخلفاء الأربعة، وأفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم هم الخلفاء الراشدون، وتكلم العلماء في خلافتهم فقالوا: إن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر، ثم بعده عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله كما قال ذلك شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية.
وكذلك تكلموا في فضلهم، فاتفقوا على فضل الشيخين أبي بكر وعمر، واختلفوا في عثمان وعلي أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وربعوا بـ علي، أي: جعلوه هو الرابع في الفضل، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، هكذا ذكر شيخ الإسلام في الواسطية، وذكر أن مسألة التقديم بين عثمان وعلي ليست من المسائل التي يُضَلَّل مَن خالف فيها، وإنما التي يُضَلَِّل فيها مسألة الخلافة، فهناك فرق بين مسألة الخلافة ومسألة الفضل، فقد اتفق أهل السنة على أنهم مرتبون في الخلافة، واتفقوا على أن ترتيبهم في الفضل أن يقدم أبو بكر ثم عمر، واختلفوا هل علي يلي عمر في الفضل ثم عثمان بعده أو بالعكس؟ وأكثر العلماء على أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وهذا هو الذي نعتقده؛ وذلك لأنهم لا يتفقون على خطأ، وقد اتفقوا على تقديم عثمان في الخلافة، فدل ذلك على أهليته وأفضليته.
[ ٨٨ / ٢ ]
اتباع الخلفاء الراشدين
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [(وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون) تقدم الحديث الثابت في السنن وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ولـ أبي بكر وعمر ﵄ من المزية أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا بالاقتداء في الأفعال إلا بـ أبي بكر وعمر ﵄ فقال: (اقتدوا باللذَين من بعدي: أبي بكر وعمر)، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين، وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنة، وتقدم قول عبد الرحمن بن عوف لـ علي ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان.
وقال أيوب السختياني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان] .
قد ذكرنا أن هؤلاء هم الخلفاء الراشدون، سماهم بذلك النبي ﷺ؛ لأنهم خَلَفوه، وواحدهم خليفة، والخليفة هو الذي يخلف مَن بعده بخير، وقد سمى الله آدم خليفة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]؛ لأنه -كما قيل- خلفٌ عمن قبله، فكل من تولى أمرًا هامًا وناب عمن قبله فهو خلف عنه، فـ أبو بكر اتفقوا على تسميته خليفة رسول الله ﷺ، كانوا ينادونه بذلك، ولما تولى عمر دعوه بقولهم: يا خليفة خليفة رسول الله ﷺ، فرأى أن هذا شيء يطول فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فاتفقوا على تسميته أمير المؤمنين؛ ولكنه في الحقيقة خليفة، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين.
هؤلاء الأربعة سماهم النبي ﷺ بالراشدين، وهذا دليل على أنهم على رُشْد، والرُّشْد ضد الغَي قال تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] والرشد هو الصلاح والخير، والغي هو الغواية والضلال، فهم راشدون على رشد، نشهد لهم بذلك كما شهد لهم نبيهم ﷺ.
ومن فضلهم أنه أمر باتباعهم في قوله: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين) أي: اتبعوها، إذا قيل: عليكم بكذا فالمعنى: خذوه، وسنتهم يعني: أعمالهم وطريقتهم التي ساروا عليها، هذه هي سنتهم، ونحن نعرف أنهم لم يبتدعوا سنة من قبل أنفسهم، بل يحرصون كل الحرص على أن يسيروا على سنة النبي ﷺ؛ ولكن نسبت إليهم لأنهم أظهروها، فقيل: هذا سنة أبي بكر، يعني: الذي رواه وأظهره، ولو لم ينسبه إلى النبي ﷺ؛ وذلك لأنهم لطول صحبتهم مع النبي ﷺ قد حفظوا منه ما لم يحفظ غيرهم، وقد عرفوا من شريعته ما لم يعرف غيرهم، فلا جرم كانت سنتهم هي سنته ﷺ.
وسمعنا أنه ﷺ أمر بالاقتداء بـ أبي بكر وعمر فقال: (اقتدوا باللذَين مِن بعدي: أبي بكر وعمر) ويؤخذ من هذا صحة خلافتهما، وأنهما اللذان بعده، وقدم أبا بكر في الذكر، فدل على أنه الذي يليه، والاقتداء هو التقيد بقوله وبفعله، (اقتدوا بهما) يعني: تقبلوا ما جاءا به، وتقبلوا أعمالهما وأقوالهما وطبقوها واعتبروها من الشريعة، وهذا يُرَد به على مَن رد أقوال الصحابة سيما الخلفاء الراشدين، وقد كان كثير من الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقدم قول الصحابة على اجتهاد مَن بعدهم، وكذلك إذا وقع بينهم اختلاف قدم قول الخلفاء الراشدين، وإذا وقع خلاف بين الخلفاء الراشدين قدم قول أبي بكر وعمر، ولا شك أن هذا دليل على معرفته بأنهم أهل للاتباع والاقتداء.
ونأخذ من هذا أنه ﷺ نص على خلافة هؤلاء وأنهم هم الخلفاء الراشدون، أما ترتيبهم في الخلافة فالخليفة الأول هو: أبو بكر يقول الكلوذاني: قالوا فمَن بعدَ النبي خليفةً قلت الموحد قبل كل موحد قالوا فمَن ثاني أبي بكر رضًا قلت الخلافة في الإمام الزاهد قالوا فثالثهم فقلت مجاوبًا: مَن بايع المختارُ عنه باليد قالوا فرابعهم فقلت مجاوبًا: مَن حاز دونهمُ أخوة أحمد فهؤلاء هم الخلفاء، وهكذا ترتيبهم.
[ ٨٨ / ٣ ]
ترتيب الصحابة في الفضل
قال ابن عمر: كانوا يقولون في حياة النبي ﷺ: (أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره)، وفي بعض الروايات: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان) يعني: أفضلهم وأقدمهم وأشرفهم وأولاهم هؤلاء، هذا هو القول الصحيح؛ أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ورُوي عن أبي حنيفة أنه كان يقدم عليًا على عثمان؛ ولكن الصحيح عند أصحابه أنه يقدم -مثل جمهور الأمة- عثمان، وسمعنا الأثر الذي يقول: (من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) يعني: تنقَّصهم وعابهم وثلبهم، وحطَّ من شأنهم، حيث إنهم اجتمعوا على تقديم عثمان خليفةً.
وسمعنا أيضًا أن عبد الرحمن بن عوف لما أخذ البيعة لـ عثمان قال لـ علي: إني نظرتُ في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بـ عثمان أحدًا.
وهذا يدل على أن الصحابة في ذلك الوقت يعرفون قدر عثمان ويفضلونه.
وقد ذكرنا فيما سبق متى حدث التشيُّع، وأنه أكثر ما حدث في العراق، ولا شك أن أكثر من يذكر فضائل علي أهل العراق، ولكثرة ما يروى عنه من أحاديث وآثار في العراق فمَن يسمعها يعتقد فضله على عثمان، فلعل أبا حنيفة بسبب كثرة سماعه من يطري عليًا، ويزيد من قدره، ويصفه بما ليس فيه، قال: إنه أفضل من عثمان، وإن كان القول الصحيح عن أبي حنيفة أنه يفضل عثمان كسائر أئمة السنة.
وقد ذكر ابن كثير في التاريخ في ترجمة سفيان الثوري -وهو من أهل العراق- أنه كان يميل إلى تفضيل علي على عثمان، ولعل ذلك لم يثبت عنه، وإذا رُوِي عنه شيء من ذلك فلعله كان يكثر من ذكر فضائل علي -لكونها منتشرة- في العراق، وكان أهل العراق في زمن الثوري قد ظهر فيهم شيء من الغلو ومحبة علي، وصاروا يبالغون في ذكر ما ينقلون عنه، ويتناقلون أحاديث قد يكون بعضها مكذوبًا، ويكثرون في مجالسهم من ذكرها، فلعلها التي أثرت في أبي حنيفة وسفيان الثوري، وإلَّا فهما إمامان من أئمة أهل السنة.
[ ٨٨ / ٤ ]
العشرة المبشرون بالجنة
قال الشارح ﵀: [(وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين) .
تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة، ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أَرِق رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: (ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة.
قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ: من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! جئت أحرسك.
وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام) .
وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ جمع لـ سعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد فقال: (ارمِ فداك أبي وأمي) .
وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة التي وَقَى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت) ! وفيه أيضًا عن أبي عثمان النهدي قال: (لم يبقَ مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد) .
وفي الصحيحين واللفظ لـ مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) .
وفيهما أيضًا عن الزبير ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: فداك أبي وأمي) .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لكل أمة أمينًا وإن أميننا -أيتها الأمة-: أبو عبيدة بن الجراح) .
وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلًا أمينًا.
فقال: (لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين.
قال: فاستشرف لها الناس.
قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح) .
وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته يقول: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئتُ لسميت العاشر.
قال: فقالوا: مَن هو؟ قال: سعيد بن زيد.
وقال لَمَشْهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر منه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح) رواه أبو داوُد وابن ماجة والترمذي وصححه، ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف.
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة وقدم فيه عثمان على علي ﵄.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ: (اهدأ! فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد) رواه مسلم والترمذي وغيرهما، ورُوِي من طرق] هؤلاء الستة الباقون من العشرة، وأفضل الصحابة بعد الخلفاء الأربعة هم الستة الباقون من العشرة، وقد جمعهم ابن أبي داوُد في عقيدته في بيت واحد فقال: سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهر والزبير المُمَدَّح
[ ٨٨ / ٥ ]
فضل سعيد بن زيد
العشرة المبشرون بالجنة كلهم من قريش، فـ سعيد بن زيد هو ابن عمرو بن نفيل، وأبوه زيد كان ممن وحد الله تعالى في الجاهلية، وترك عبادة الأصنام، وترك الأكل مما أُهلَّ به لغير الله، وشهد له النبي ﷺ بأنه يُبعث يوم القيامة أمةً وحده، وهو ابن عم عمر بن الخطاب بن نفيل، وقد شهد النبي ﵊ لـ سعيد بأنه من أهل الجنة، فهو من هؤلاء العشرة.
[ ٨٨ / ٦ ]
فضل عبد الرحمن بن عوف
عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ، فإن أمه ﷺ من بني زهرة، وعبد الرحمن أسلم قديمًا بدعوة أبي بكر، فإن أبا بكر كان على صلة بكثير ممن أسلم، فكلمهم وبين لهم الآيات والمعجزات التي أتى بها النبي ﷺ، فبادروا إلى الإسلام، وكان اسمه عبد عمرو ثم لما أسلم سمى نفسه: عبد الرحمن، فكان بعض قريش يدعونه: يا عبد عمرو فلا يجيبهم، فإذا دُعي بـ عبد الرحمن أجاب مَن دعاه.
وقد تقدم أنه من الذين جعلهم عمر من أهل الشورى، وأخبر بأن النبي ﷺ مات وهو عنهم راضٍ، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، فهؤلاء الستة جعل عمر الأمرَ شورى فيهم، وهو من الذين بشرهم النبي ﵊ بالجنة في هذه الأحاديث التي عدَّ فيها عشرة بأنهم من أهل الجنة.
ومن فضله: أنه من ضمن الذين كانوا على جبل أحد لما ارتجف وتحرك، وقال النبي ﷺ: (اسكن! فما عليك إلا نبي أو صدِّيق أو شهيد) فهو من الشهداء، والشهيد ليس خاصًا بمن قتل في سبيل الله، فقد قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩]، وقد قيل: إن المراد شهداء هذه الأمة، وقد ذكر الله أن كل من آمن بالله ورسوله فإنه من الشهداء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] .
ولما هاجر النبي ﷺ آخى بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال سعد: هلمَّ أقاسمك مالي، وأنزل لك عن إحدى زوجتَيَّ، فقال: بارك الله لك في مالك وفي زوجتك.
ثم قال: دلوني على السوق، فدُلَّ على السوق، فصار يتجر، حتى صار ذا مال، وكان من أثرياء الصحابة وأغنيائهم، قدمت عيرٌ له إلى المدينة، والناس في حاجة، فجاء إليه التجار فرغَّبوه بأن يبيعهم، وأعطوه فائدة في المائة -مثلًا- خمسةً أو ستةً؛ ولكن قال: قد أعطيت فيها في المائة ألفًا! فتصدَّق بها وقال: إن الله قد أخبر بأنه يضاعفها أضعافًا كثيرة في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] فتصدق بها كلها، وكان ﵁ إذا أتي بالطعام الشهي بكى حتى يتركه؛ إذا تذكر حالة الصحابة الذين كانوا في جهد جهيد.
وبكل حال فهو من أجلاء الصحابة ﵃، مات سنة اثنين وثلاثين، في السنة التي مات فيها العباس ﵁.
[ ٨٨ / ٧ ]
فضل طلحة بن عبيد الله
طلحة بن عبيد الله من العشرة، ومن المهاجرين، وهو من قريش، يجتمع مع النبي ﷺ في مُرَّة، فهو من بني تيم بن مرة الذين منهم أبو بكر، وكان من الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ففي غزوة أحد كان ممن ثبت مع النبي ﷺ، وكان يصيب في رميه، فكان إذا جاء أحد من المسلمين ومعه سهام قال النبي ﷺ: (ألقِها وانثرها لـ طلحة) فيأخذها طلحة فيرمي بها المشركين، وكان ملازمًا للنبي ﷺ، فكان إذا أراد النبي ﵇ أن ينظر إليهم ويرفع قال له: لا ترفع رأسك فيصبك شيء، نحري دون نحرك وكان يقيه بيده السهام التي يُرمَى بها النبي ﷺ حتى شُلَّت يده، أصابتها سهام فصار فيها عيب، وذلك بلا شك من حبه للنبي ﷺ.
[ ٨٨ / ٨ ]
فضل الزبير بن العوام
الزبير بن العوام قال فيه النبي ﷺ: (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير)، ولما ندب أصحابه في ليلة من ليالي الخندق فقال: من يذهب فينظر إلى المشركين ما فعلوا، فلم ينتدب إلا الزبير فبعثه وفدَّاه بقوله: فداك أبي وأمي.
والزبير من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين ﵂، وهو أيضًا من المهاجرين الأولين، وله قرابة أخرى بالنبي ﷺ، فهو ابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وقد كان من المجاهدين الذين بذلوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وكان من الذين ثبتوا مع النبي ﷺ في غزوة أحد، حتى فدَّاه بقوله: (ارمِ فداك أبي وأمي) .
قتل هو وطلحة في سنة ست وثلاثين في وقعة الجمل، لما خرجوا مع أهل الجمل وحصلت الوقعة التي حصلت بينهم وبين علي، فتبرأ علي ممن قتلهما.
وبكل حال فهم مجتهدون وإن حصل منهم هذا الاختلاف؛ لأنهم أرادوا بخروجهم تتبع قتلة عثمان -كما تقدم-، ولا شك أن هؤلاء الستة من أجلاء الصحابة ﵃، وممن شهد لهم ﷺ بالفضل وبالجنة.
[ ٨٨ / ٩ ]
فضل أبي عبيدة بن الجراح
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح من المهاجرين، وقد أسلم قديمًا وهاجر، خرج أبوه مع المشركين في بدر، ولما رآه أبوه مع المسلمين حاول أن يقتل ابنه؛ لأنه مسلم، ولما لم يجد بُدًا قتل أباه؛ لكونه مع المشركين، ولكون أبيه يريد قتله، ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] إلى آخرها، فهو من الذين لم يوادوا المشركين ولو كانوا آباءً أو أبناءً أو إخوةً، وهو من الذين ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [المجادلة:٢٢] .
وذكر النبي ﷺ أنه أمين فقال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) .
مات ﵁ سنة ثماني عشرة في خلافة عمر، بطاعون عمواس، وقد كان عمر أمَّره على الغزاة بعد موت أبي بكر، عزل خالدًا وجعل أبا عبيدة هو القائد؛ لأن أبا عبيدة هو أسبق من خالد بن الوليد، وهو أفضل منه، فقدَّمه وجعله هو الأمير القائد لتلك الجيوش، وحصلت فتوحات عظيمة بقيادة أبي عبيدة.
فهؤلاء هم الخلفاء، وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين ساعدوهم، والذين كانوا معهم، فنشهد للجميع بأنهم من أهل الخير، وبأنهم من أهل الجنة كما شهد لهم بذلك نبيهم ﷺ.
[ ٨٨ / ١٠ ]
الشهادة بالجنة لكل من شهد له النبي ﵊ بذلك
هناك جماعة آخرون من الصحابة شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، ونحن نشهد لمن شهد لهم بذلك، ونترضى عن الجميع كما ﵃ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، فالله تعالى أخبرنا أنهم أهل لرضوانه، ويقول النبي ﷺ: (إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) فهذا دليل على أنه غفر لهم ولو عملوا ما عملوا، وإذا صدر منهم ذنب على تقدير أنه ذنب فإنه مغفور لهم بهذا الوعد الكريم من الله تعالى، فكيف -مع ذلك- تتصدى لهم الرافضة وتسبهم وتضللهم أو تزعم أن فضائلهم التي فضلوا بها كانت قبل ردتهم؟ فالرافضة يدَّعون أنهم ارتدوا بعد موت النبي ﷺ حيث منعوا عليًا حقه من الولاية، فلما منعوه أصبحوا بذلك مرتدين، هكذا تدعي الرافضة! ومتى منعوه حقه من الولاية، والنبي ﷺ هو الذي أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولم يأمر عليًا، وأقر أبا بكر بأن يصلي بالناس، وأبو بكر هو صاحبه في كل الحالات والأوقات؟! فكيف اتفق الصحابة -كما تزعم الرافضة- على أن حرموا عليًا من الولاية فأصبحوا بذلك مرتدين؟! كيف يرتدون وقد زكاهم الله بقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وسماهم السابقين الأولين، وسماهم أهل البيعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح:١٠]؟! وهكذا غيرهم من بقية الصحابة الذين لهم سابقة وفضل، نعترف بفضلهم، ونؤمن بسابقتهم، وننزلهم منزلتهم، ونعرف لكل منهم حقه وسبقه، ونتبرأ ممن ثلبهم وعابهم وقدح في دينهم وعبادتهم وتسلط عليهم؛ كما تفعله الرافضة الذين نصبوا عداوتهم لأصحاب النبي ﷺ دون غيره، والله ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:١١٣] ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] .
[ ٨٨ / ١١ ]
ضلال الرافضة في بغضهم لأكثر العشرة المبشرين بالجنة
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم لما اشتُهر من فضائلهم ومناقبهم، ومَن أجهلُ ممن يكره التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون عشرة؛ لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم عليًا ﵁، فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وكانوا ألفًا وأربعمائة، وقد ﵃ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وفي صحيح مسلم أيضًا عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ (كذبت! لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية)، والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل يتبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ إلا من نفر قليل نحو بضعة عشر نفرًا! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يُهْجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل:٤٨] لم يجب هجر اسم التسعة مطلقًا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١-٢]، وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقال في ليلة القدر: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، وقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر) يعني: عشر ذي الحجة، والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة اثني عشر إمامًا: أولهم: علي بن أبي طالب ﵁، ويدعون أنه وصي النبي ﷺ دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن ﵁، ثم الحسين ﵁، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويغالون في محبتهم ويتجاوزون الحد! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم وتُبْطله وهو ما خرَّجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ فسمعته يقول: (لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا.
ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليَّ فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ؟ قال: كلهم من قريش.
وفي لفظ: لا يزال الإسلام عزيزًا باثني عشر خليفة.
وفي لفظ: لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة)، وكان الأمر كما قال النبي ﷺ، والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال.
وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدًا منغَّصًا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود! وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزًا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر] .
قد ذكرنا من فضائل الصحابة سيما العشرة أنهم اجتمعت فيهم الثلاث البشائر: البشارة الأولى: أنه ﷺ قال: (عشرة في الجنة)، وذَكَرَهم كما تقدم.
البشارة الثانية: أنهم من أهل بدر، وقد قال الله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) .
البشارة الثالثة: أنهم من أهل البيعة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، وقال النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) .
فهذه البشارات الثلاث كلها داخل فيها هؤلاء العشرة، بل هم أولى بها وأقدم، وغيرهم من الصحابة الذين حضروها لهم فضل ولهم سابقة، فأهل بدر الذين شهدوا وقعة بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، هؤلاء قد قال الله لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) والرافضة تدعي أنهم ارتدوا وكفروا إلا علي ونفر قليل، والذين بايعوا تحت الشجرة هم ألف وأربعمائة وزيادة، بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان، وأخبر الله بأنهم بايعوا ربهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وفي هذا شرف لهم وشرف للنبي ﷺ، حتى قال بعض المتأخرين في مدحهم ومدح النبي ﷺ: كيف السبيل إلى تقضي مدح مَن قال الإله له حسبك جاها إن الذين يبايعونك إنما حقًا يقال يبايعون الله فأي مدح أشرف من هذا المدح؟!
[ ٨٨ / ١٢ ]