اختلف الناس في حقيقة السحر، كما اختلفوا في حد الساحر، وقد نوقشت الأدلة في ذلك وهي على كل حال دالة على خبث السحرة وانسلاخهم عن ركب المتقين.
[ ٩٥ / ١ ]
براءة أهل السنة من السحرة والكهنة
أهل السنة بريئون من السحرة والكهنة والمنجمين، وبريئون من أفعالهم؛ وذلك لأنهم يحكمون عليهم بالحكم الشرعي، وهو: الشرك والكفر، وقد كفرهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، (من اشتراه) يعني: من تعلم السحر، وبذل فيه دينه أو بذل فيه عقيدته، فليس له عند الله من خلاق أي: من حظ ولا نصيب.
ولأجل ذلك وردت السنة بقتل السحرة والكهنة ونحوهم، ورد في الأثر: (حد الساحر ضربه بالسيف)، ومجموعة من الصحابة قتلوا الساحر، فـ عمر كتب إلى بجالة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وجندب الخير قتل الساحر، وحفصة بنت عمر أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقُتلت؛ وذلك لأن هؤلاء اعتبروا السحر كفرًا، واعتبروه ردةً، واعتبروه شركًا.
وقد استدل بهذا على أن عمل السحر كفر وردة، وأنه يقتل ولا تقبل له توبة في الدنيا، بمعنى أنه يحكم بقتله ولو قال: إني تبت، وإني ندمت، وإني سأترك العمل؛ لأن ذلك ليس بيقين حتى يصدق في قوله، فيقتل حدًا؛ لعموم الأثر: (حد الساحر ضربه بالسيف)، والحد هو العقوبة الشرعية التي لا تغير ولا تسقط بالتوبة، فإن الزاني لا تسقط عنه عقوبة الرجم أو الجلد ولو قال: إني تبت، وكذلك السارق تقطع يده ولو قال: إني تبت الآن، وكذلك بقية الحدود، وهكذا حد الساحر، وكذلك الكاهن الذي يخبر بالمغيبات، أو يخبر بما في الضمير، أو يدعي معرفة العلوم المغيبة بمقدمات يستدل بها على مكان الضالة وعلى المسروق، فيأتيه من فقد ضالة له فيقول: تجده في الشعب الفلاني، في المكان الفلاني، فيخبره شيطانه، وكذلك يأتيه من سرق منه مال، فيصف له السارق، ويقول: مالك في المكان الفلاني، وقد سرقه شخص صفته كذا وكذا، تخبره شياطينه بذلك.
فهؤلاء كفرة، وقد كفر النبي ﷺ من يصدقهم، فهم أولى بالتكفير، قال ﷺ: (من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)، وقال ﷺ: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وقد عرفنا أن هؤلاء كفرة؛ وذلك لأنهم مشركون؛ لأنا نعرف أنهم بشر مثلنا، ولا يمكن أن يعلموا الغيب، ولا يمكن أن يطلعوا على الأسرار كما لا نعرفها نحن، فلا بد أنهم يستخدمون الشياطين حتى تخبرهم بما غاب عنهم، فالشياطين تطلع على ما لا يطلع عليه الإنسان، وكذلك مردة الجن يطلعون لخفة أجسامهم على أشياء لا يعرفها الإنسان، فيقطعون المسافات الطويلة في زمن قصير لخفة أجسادهم، وكذلك يرون أشياء لا نراها، ونحن لا نراهم وهم يروننا، قال تعالى في الشيطان وجنده: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، وهم لخفتهم يجري أحدهم في بدن الإنسان، يقول ﷺ: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) أي: يجري في جسده، ويجري خلال لحمه ودمه، يجري مع عروقه، ويمشي في عروقه، ويسير فيه، وهذا هو سبب أنه يوسوس في صدور الناس، ويلقي في القلوب الوساوس للإنسان فيقول له: اذكر كذا، ويشككه في أمور الغيب، وفي أمور الساعة، وما أشبه ذلك.
فهؤلاء لما أطاعوا الشياطين وخدموها وعبدوها خدمتهم، فمن خدمها خدمته، ومعلوم أن الشياطين تحرص على إضلال الإنسان، وتحرص على أن توقعه في الكفر؛ لأن الشيطان عدو للإنسان، وقد أخبر الله عن إبليس أنه التزم أن يضل الناس، وأن يصدهم عن الهدى، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢]، ويقول: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] .
فهذا التزام عدو الله، فأخبر الله عنه بأنه التزم وتهدد بأن يضل جنس الإنسان، حتى لا يبقى أكثرهم شاكرًا بل كافرًا، وهؤلاء الكهنة والسحرة ونحوهم لما عبدوا هذا الشيطان، وتقربوا إليه، وذبحوا له، ودعوه مع الله أو من دون الله، عند ذلك أطاعهم عدو الله، وأظهر لهم ما لم يظهره لغيرهم، فانخدع الجهلة بهم، واعتقدوا أنهم مكرمون، واعتقدوا أنهم على صواب، وأن هذه ميزة لهم، وخارق عادة، وأنهم أفضل من غيرهم، حيث يخبرون بأمور لم تحصل فتقع، ويخبرون عن أشياء بعيدة فتعرف حالتها وأين هي، وأشباه ذلك، وما علموا أن هذا من الشياطين، وأن الشياطين لا تطيعهم إلا إذا صرفوا لها حق الله تعالى، ومن صرف لها شيئًا من حق الله فقد عبدها مع الله تعالى.
[ ٩٥ / ٢ ]
حكم التنجيم وتعلمه
قال المصنف رحمنا الله وإياه: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير -وهو: الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القوى الفلكية الأرضية- صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت﴾ [النساء:٥١] .
قال عمر بن الخطاب ﵁ وغيره: الجبت السحر.
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان لـ أبي بكر غلام يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) .
والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين، وأصحاب الضرب بالرمل والحصى، والقرع والفالات، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك، ويكفي من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته -مع قدرته على ذلك- قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم، ويأكلون السحت بإجماع المسلمين.
وثبت في السنن عن النبي ﷺ برواية الصديق ﵁ أنه قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)] .
التنجيم من الأعمال الشيطانية، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أنه يقول: طلوع النجم الفلاني سبب لحدوث رياح، وسبب لحدوث غرق، أو لجدب أو لخصب، أو لوباء أو مرض، أو إذا غاب النجم الفلاني حدث في البلدة الفلانية فيضان أو غرق أو زلزال أو ما أشبه ذلك، وهذا فعل كثير من المنجمين، ويغلب عليهم أنهم شبه السحرة؛ وذلك لأن النجوم مسخرة مسيرة بأمر الله، ليست دليلًا على شيء مما يقولون، روى البخاري ﵀ عن قتادة قال: (خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن ادعى فيها غير ذلك فقد أخطأ، وأضاع نصيبه من الدنيا، وتكلف ما لا علم له به)، يرد قتادة على المنجمين الذين يستدلون بطلوع النجوم على الحوادث التي تحدث في الأرض من العاهات والمصائب، ومن الأمطار والخيرات، ومن العقوبات ونحوها، وما ذاك ألا أن النجوم لا تحدث شيئًا بنفسها، بل الله تعالى جعلها مسخرة كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل:١٢]، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] أي: يقتدون في طرقهم، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧] (لتهتدوا) يعني: أنكم تستدلون بها على الجهة التي تريدونها، وتعرفون أي جهة تقصدونها، فجعلها الله علامات ليهتدى بها، كما جعلها زينة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] أي: بهذه النجوم، وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦] والكواكب التي في هذه السماء هي زينة لها، فإذا كنت في ليلة مظلمة ونظرت إلى السماء ترى نجومها تزهر في كل جانب، كالسرج تضيء، فهي زينة للسماء.
كذلك أيضًا أخبر الله تعالى بأنها رجوم ترجم بها الشياطين عن استراق السمع، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨] والشهاب: هو هذا الذي يرمى به في الليلة الظلماء، فإذا أبصرته منقضًا فقد رمي به شيطان أو مسترق للسمع، وقال تعالى عن الجن: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥] أي: يرجمون بها، فهذه هي الحكمة في وجود هذه النجوم، فأما الذين يدعون فيها أنها تدل على وجود خير أو زواله، أو تدل على حدث أو أمر مستقبل أو نحو ذلك، فإن هذا من التكلف.
والنجوم يعرف بها مواقيت الشتاء والصيف، والغراس والزروع ونحو ذلك؛ وذلك لأن الله تعالى قدر لها مواقيت، فهناك نجوم تطلع في الشتاء، فإذا رآها الناس عرفوا أن هذا وقت زراعة البر ونحوه، ونجوم تطلع في الصيف، فإذا رأوها عرفوا أن هذا وقت يبذر فيه كذا وكذا، ويغرس فيه كذا وكذا، أو يعرفون بها دخول الشتاء أو انسلاخه، أو دخول البرد وإقباله أو انتهاءه، أو دخول الحر أو إقباله أو نحو ذلك، فتعلم هذا لا بأس به؛ لأنها مواقيت، كما أن الليل والنهار مواقيت، وكما أن الأشهر والأهلة مواقيت، فكذلك طلوع النجوم والبروج التي جعلها الله في السماء، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر:١٦]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١]، فهذه البروج التي هي منازل الشمس، وهذه الأنواء أو النجوم التي هي منازل القمر كما في قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩] أي: ينزل في كل ليلة منزلة؛ لا شك أنها خلق الله تعالى، فتعلم منازل القمر وتعلم منازل الشمس ومعرفة أحوال كل منهما لا يدخل في التنجيم المحرم، إنما التنجيم المحرم هو أن يستدل بطلوع النجم الفلاني على أنه سوف يحدث كذا وكذا من الآفات، أو ما أشبه ذلك، فهذا من التدخل في علم الغيب، والله تعالى يقول لنبيه ﷺ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] فلا يدخل في ذلك الكهنة ونحوهم.
[ ٩٥ / ٣ ]
وجود السحرة والكهنة منذ عهد الصحابة
السحرة والكهنة منتشرون ومتمكنون منذ زمن قديم؛ فالشارح ﵀ في القرن الثامن يشتكي من كثرتهم، وأنهم قد أضروا بالناس بأعمالهم الشيطانية، ويحرض من يعرف إنسانًا يتعاطى السحر أو يتعاطى الكهانة أن يدل عليه، وأن يخبر به، وأن ينكر فعله، أو ينبه من ينكر فعله؛ فإن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ومن تغيير المنكر الواجب تغييره على كل من علمه، ويستدل بقوله ﷺ: (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة)، ويذكر أن الصحابة ﵃ كانوا ينكرون على الكهنة ويستبشعون صناعتهم، ويستشنعون أفعالهم، فهذا أبو بكر ﵁ كان له غلام مملوك لم يكن بحاجة إلى خدمته، فجعله يشتغل، فكان يقول له: اذهب واحترف واجمع لنا مالًا وخراجًا، فكان يأكل من خراجه، يعني: من كسبه وكد يمينه، فجاء ذلك الغلام مرة بمال أخذه من تكهن، وأخبره بأنه خدع إنسانًا بالكهانة في الجاهلية وقال: إني أعلم كذا، وإنك مصاب بكذا وكذا، فلقيه ذلك الرجل فأعطاه حلوانًا، يعني: مالًا عن كهانته، وكان أبو بكر ﵁ قد عرف تحريم الكهانة، وعرف أن حلوان الكاهن خبيث، فلما سمع من غلامه هذه القصة، وأن هذا المال الذي أكل منه سحت وحرام، وأنه حلوان كاهن وهو خبيث، لم يقر قراره وذلك الطعام في بطنه، بل أدخل إصبعه في حلقه فاستخرج كل ما أكله ذلك اليوم، حتى لا يكون في غذائه ولو لقمة من حرام، أو من مشتبه، ولو كان معذورًا؛ لأنه قد يقول: إثمه على من كسبه، وهو معذور لأنه قد يقول: ما شعرت حين أكلته ولا علمت أنه محرم؛ أو معذور لأنه قد يقول: إنه دفعه عن طيب نفس، ولكن لم تقبل نفسه مثل هذه التأويلات حتى استخرج ذلك الطعام، بل أخرج كل ما أكله ذلك اليوم، وهذا دليل على بعد الصحابة ﵃ عن المشتبهات وعن المحرمات، ودليل على أنهم يعرفون أن الكهنة كاذبون، وأن كسبهم حرام، وأن إقرارهم حرام؛ وذلك لأن الله تعالى كذبهم، وأخبر بأنهم يأخذون من الشياطين، فقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٣] أي: يتلقون السمع من الشياطين التي تُلقي عليهم، وأكثر الشياطين تكذب عليهم، وهم يكذبون على الناس.
فإذًا: الكهنة عبدة للشياطين، وإذا كانوا يعبدون الشياطين فلا يجوز أن نقرهم؛ لأن إقرارهم تمكين لهم من عبادة غير الله، وكذلك إقرار لهم على الشرك وعلى المنكر، فمتى قدرنا فإننا نحاربهم، ونحرص على أن نقضي على قوتهم، وعلى معنوياتهم.
وإذا كانوا كثيرًا في زمن المؤلف ابن أبي العز ﵀، فكيف بزماننا الذي هو القرن الخامس عشر، والذي استحكمت فيه غربة الإسلام إلا ما شاء الله، والذي كثرت فيه الكهنة والسحرة والشعوذة، وتمكن فيه الأشرار، وصاروا قادة وسادة يفعلون بالأبرياء ما يريدونه؟!
[ ٩٥ / ٤ ]
الواجب تجاه السحرة والكهنة
واجبنا تجاه السحرة والكهنة أن نحاربهم بقدر ما نستطيع، وكثيرًا ما يشتكي لنا بعض الإخوان بأنهم أصيب منهم شخص بسحر، أو أصيب بعمل شيطاني، أو تسلط عليه جني، وأخبر بأن الذي سخره ساحر متشيطن متسلط، وأشباه ذلك.
ويذكرون أن الساحر متى تمكن من السحر فإنه يسخِّر له جنودًا من الشياطين ومن الجن، فالشياطين يدلونه ويخبرون بالأمور الغائبة ونحوها، والجن يتصرف فيهم، فيسلطهم على من يريد، فيقول: -أنت يا هذا- اذهب إلى فلان فلابسه، أو إلى فلانة فتلبس بها، ولا تخرج منها أبدًا، وحاول أنك لا تخرج إلا بعد موت هذا الإنسان، فإذا نطق ذلك الجني الذي تلبس بذلك الإنسان، ذكر أنه لا يستطيع أن يخرج ولو قرأ عليه القارئ، ولو عالجه، ولو نفث عليه، ولو تضرر من القراءة؛ لأنه مسخر، من الذي سخرك؟ ومن الذي سلطك؟ فيدل عليه، ويقول: سلطني الساحر الفلاني الذي تحت سيطرته ألف جني أو خمسة آلاف أو خمسمائة من الجن، وهؤلاء كلهم تحت تسخيره، وتحت سلطته، فكيف تمكن منهم؟! وكيف استعبدهم؟! تقربوا إليه وتقرب إليهم، حتى أخذ بطاعتهم، وتعهدوا أنهم لا يخرجون عن طواعيته، ولا يستطيع أحدهم أن يعصيه، فمتى أشار إليه أن تسلط على فلان أو فلانة لم يستطع التأخر.
ومتى يبرأ هذا الذي أصيب بهذا المس؟ ومتى يبرأ هذا الذي أصيب بهذا الجنون؟ الغالب أنهم لا يبرءون حتى يموت ذلك الجني الذي لابسه، وكثير من القراء الذين يقرءون على أولئك المصابين يقرءون بشدة، وينفثون بشدة، ويستعملون أدعية وآيات من القرآن فيها شيء من القوة، فذلك الجني الذي لابس ذلك الإنسي يكاد أن يحترق ولا يستطيع الخروج، فأحيانًا يموت وهو ملابس لذلك الإنسي، وبعد موته يفيق الإنسي بإذن الله سليمًا، ويقول: أين أنا؟! لأنه لا يدري أين هو قبل ذلك، وإذا قيل لذلك الجني: لماذا لا تخرج؟ يتعذر ويقول: إني لا أستطيع حتى تقتلوا ذلك الساحر الذي سلطني عليه، ولو متُ ولو خرجت فإنه سيسلط عليه مثلي آخر وآخر؛ لأن تحت طواعيته هذا العدد الكثير، فاذهبوا فاقتلوا ذلك الساحر، حتى تريحوا أنفسكم، وحتى أخرج أنا براحة بدون أن تكرهوني، وأتخلص منكم وتتخلصون مني، هكذا يتكلم كثير من الجن على ألسنة من لابسوه.
ونقول: لا شك أن هذا الساحر الخبيث الذي سخر هؤلاء الجن ما سخرهم إلا بعد ما استعبدهم، وبعد ما تقرب إليهم، وبعد ما أخذ عليهم العهد، وبعد ما عبدهم مع الله، أو عبد الشياطين حتى ذللتهم لطواعيته.
إذًا: ما واجبنا نحو هؤلاء السحرة الذين يعيثون في الأرض فسادًا، والذين يسلطون الجن على الأبرياء من الرجال والنساء؟ وقد يتظاهرون بأنهم لا يعملون ذلك، وربما يأتي أحد ضعفاء الإيمان إلى الساحر فيقول: أريد أن تسلط على فلان أو فلانة كذا وكذا! لا شك أن مثل هؤلاء يجب أن يحاربوا؛ حتى يخف شرهم، وحتى يُقطع دابرهم، وأما إذا بقوا فإنهم يزيدون ويزيد شرهم ويتمكنون، ويصعب بعد ذلك التخلص من شرهم.
ونحن نعرف أن هناك من وفقهم الله تعالى من أهل الخير ومن أهل الدين وأهل المعرفة يعالجون مثل هذه الإصابة الشيطانية، فيعالجون من إصابة المس، ويعالجون من إصابة السحر والصرف والعطف ونحو ذلك، ويشفي الله على أيديهم خلقًا كثيرًا، ولكن هناك أحوال شيطانية تستعصي، ويصعب تخليصها إلا بقتل الجان، أو بقتل الساحر، فلو تعاون الأهالي على كل من عرفوا أنه ساحر، أو أن أنها ساحرة، وقضوا عليهم وقتلوهم؛ لاستراح منهم العباد والبلاد.
[ ٩٥ / ٥ ]
أنواع السحرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع: نوع منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء الكاذبين، والطرقية المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة، ونحو ذلك.
ونوع: يتكلم في هذه الأمور على سبيل الجد والحقيقة بأنواع السحر.
وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو المأثور عن الصحابة كـ عمر وابنه وعثمان وغيرهم.
ثم اختلف هؤلاء: هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر بالسحر أو يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ وقال طائفة: إن قتل بالسحر يُقتل، وإلا عُوقب بدون القتل إذا لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد.
وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه: والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه.
وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل.
واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك؛ فيجب غلقه، بل سده، وهو من جنس فعل قوم إبراهيم ﵊؛ ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨-٨٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] الآيات إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] .
واتفقوا كلهم أيضًا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم فيه شرك بالله فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف، ولهذا قال النبي ﷺ: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا) .
ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني: الإنس للجن باستعاذتهم بهم، (رهقًا) أي: إثمًا وطغيانًا وجراءة وشرًا؛ وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرًا إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١]، فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما تنزّل عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات ونحو ذلك، واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته، وخضوعه له.
ونوع منهم: يتكلم بالأحوال الشيطانية والكشوف، ومخاطبة رجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله، وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا!! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين] .
[ ٩٥ / ٦ ]
قتل الساحر
ذكر المؤلف الخلاف في عدة مسائل منها: هل يقتل الساحر مطلقًا أو لا يقتل إلا بعد أن يستتاب؟ الأكثرون على أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا هو قول الجمهور.
والشافعية ﵏ رأوا أنه يستفصل عن سحره ويستتاب، أو أنه لا يقتل إلا إذا قتل بسحره، لكنه لما ثبت عن الصحابة أنهم قتلوا الساحر ولم يستتيبوه دل ذلك على أن هذا هو حكمه، وأنه لا تقبل توبته، وأن توبته إنما تكون بينه وبين ربه.
[ ٩٥ / ٧ ]
الخلاف في حقيقة السحر
هل للسحر حقيقة أم أنه خيالات؟ أنكرت المعتزلة أن يكون للسحر حقيقة، وأنكر ذلك أيضًا كثير من المتأخرين الذين ينكرون من العلوم غير ما تصل إليه إحساساتهم.
والصحيح أن له حقيقة؛ ولولا ذلك لم يحتج إلى الاستعاذة من السحرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:١-٤] النفاثات: السواحر، وورد في الحديث قوله ﷺ: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك)، ويذكر العلماء أن الساحر أو الساحرة إذا أراد أحدهما عمل سحر فإنه يأخذ خيطًا أو حبلًا، ثم يعقد فيه عقدة، ثم تكون نفسه قد امتزجت بها الصفات الشريرة، وتلبست بها الشياطين، وأصبحت ذات شر وذات أذى، فإذا تمثلت فيها تلك الصفة نفثت نفثًا من ذلك الريق المسموم، فأوقعتها في ذلك الحبل أو الخيط، وعقدت عليها، وتكلمت بكلام سيئ، بأن تقول: يُعقد فلان، أو يُضر فلان أو نحو ذلك، فهذا من عمل السحرة؛ فمن عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ولو كان السحر ليس له حقيقة لما استعيذ من شره؛ لأنه لا يضر، وكذلك قد أخبر الله تعالى بشيء من ضررهم فقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فهم يفرقون بين المرء وزوجه، وهذا يُسمى بالصرف، وهناك أيضًا ما يُسمى بالعطف، فالسحرة من أعمالهم الصرف وهو: وقوع البغضاء بين المتحابين، والعطف وهو: جلب المودة بين المتقاطعين والمتباغضين، وهذا الذي يُسمى الصرف أو العطف كله عمل شيطاني، وتوصلهم إلى ذلك بأدوية أو بعلاجات لا شك أنها من وحي الشياطين، فهي التي تدلهم على أن النفث في الدواء الفلاني يسبب فرقة، ويسبب بغضاء بين فلان وفلانة، فإذا رأى زوجين بينهما عشرة طيبة حاول أن يفرق بينهما، فعمل ذلك السحر الذي يوقع عداوة من كل منهما للآخر، وهذا مشاهد كثيرًا، وقد اشتكى إلينا كثير من الرجال بأنه إذا دخل بيته أو رأى امرأته وجد نفرة، ووجد ضيقًا، ووجد حشرجة، ووجد تكتمًا؛ بحيث يكون في غم، وفي ضيق، وكأنه في سجن أشد ما يكون، ولا تستريح نفسه حتى يفارق بيته، أو يصد عن امرأته.
وكذلك أيضًا يقع كثيرًا حبس الرجل عن امرأته؛ بحيث إنه لا يستطيع إتيانها، ويفعل ذلك أيضًا السحرة، فيكون الرجل على هيئته وقوته، فإذا قرب من امرأته لوطئها بردت همته، وهو على خلاف ذلك، ولا يدري ما السبب، إلا أنه من عمل هؤلاء السحرة! إذًا: فهذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يؤثر ويضر، وأما ما روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵁ قالت: (سحر النبي ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، ثم إنه سأل ربه وسأله، فقال: يا عائشة! أشعرت أن الله شفاني؟ إني قد أتاني ملكان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال: ما بالرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر في بئر ذروان، فذهب إلى تلك البئر فاستخرج السحر منها، وإذا ماؤها مثل نقاعة الحناء، وإذا نخلها كرءوس الشياطين) فشفاه الله تعالى.
يقول العلماء: هذا العمل الذي عمله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر عمل خفي فيما بين النبي ﷺ وبين امرأته، بمعنى: أنه حبس عنها، ولأجل ذلك في بعض الروايات تقول: (حتى أنه يخيل إليه أنه يأتي النساء وما يأتيهن)، وأما في مجال الرسالة وفي مجال تبليغ الرسالة فلم يتغير شيء من عقله؛ وذلك لأن الله تعالى حفظه عن أن يناله السحرة بشيء يضر فيما يتعلق برسالته، فهذا أيضًا دليل على أن السحرة قد يؤثرون في بعض الأمور، فأثر هذا الساحر، ولكن أبطل الله كيده، كما أن اليهود أرادوا أن يقتلوه بسم جعلوه في شاة لهم، ولكن الله حماه عن أن يضره ذلك السم.
وبكل حال فهذه أدلة على أن للسحر حقيقة، وأنه يضر، وأن الساحر قد يتمكن من سحره، ويقلب الإنسان حيوانًا، أو الحيوان إنسانًا، ولكن كيف يقلب الإنسان دابة، أو وحشًا، أو وعلًا، أو سبعًا أو نحو ذلك؟ نقول: يسلط عليه جنيًا، ومعلوم أن الجني يتشكل بأشكال، فتارة يظهر بصورة سبع، وتارة يظهر بصورة إنسان، وتارة يظهر بصورة كلب، وتارة يظهر بصورة هامة، وتارة يظهر بصورة بقرة؛ لأن الله أعطاه من القدرة على التشكل في هذه الأجسام ما أعطاه، فإذا سلط الساحر شيطانًا على ذلك الإنسان، وقال له: اخرج بصورة حمار، أو بصورة كلب، أو بصورة كذا، لابسه ذلك الشيطان، وانقلبت هيئته إلى ما يريده ذلك الساحر، ولا يبطل عمله إلا بعدما يشفى -بإذن الله- بالقراءات والتعوذات التي تبطل عمل السحرة.
وبعد ذلك نقول: هذا يبطل قول من قال: إن السحر شعوذة، كالمعتزلة الذين يقولون: إن السحر ليس له حقيقة، وإنما هو تخيلات، ويستدلون بما حكى الله عن السحرة الذين جادلوا موسى، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فقوله: (يخيل إليه) أي: أنهم جاءوا بعصي فألقوها فإذا هي تتحرك كأنها حيات، وكذلك ألقوا حبالًا فإذا هي تتحرك، ولما أن ألقى موسى عصاه فانقلبت حية قالوا: نحن نلقي عصينا وتنقلب حيات، ونلقي حبالنا وتنقلب حيات، فيقولون: ذلك خيال، ولكن قد يتمكنون من أن يسخروا بعض الشياطين التي تتحرك أمام الناظرين، ولكن بطل كيدهم لما جاء الحق، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٧-١١٩] أي: أن موسى ألقى عصاه فالتقمت عصيهم وحبالهم كلها، وعادت عصًا كما كانت، فعرف السحرة أن هذا ليس عملًا شيطانيًا، وأنه أمر رحماني، فعند ذلك أُلقي السحرة ساجدين، فبطل سحرهم، وعرفوا أحقية ما جاء به موسى.
[ ٩٥ / ٨ ]