يشرع للمسلم أن يتحصن من السحرة والشياطين بالأذكار والأوراد الشرعية، وقد بين العلماء علاج السحر والمس بالطرق الشرعية.
[ ٩٦ / ١ ]
سبب انتشار السحرة والكهان والمشعوذين
إن السحرة والكهنة والمشعوذين والمنجمين والعرافين هم خدمة الشياطين، أو هم رسل الشياطين، أو هم من شياطين الإنس الذين يخدمون شياطين الجن، وهؤلاء -مع الأسف- قد كثروا وتمكنوا، وبالأخص في الأزمنة المتأخرة؛ وكثرتهم سببها: ضعف الدين في القلوب، وضعف الإسلام والعاملين به في المجتمعات؛ وذلك أنهم كلما قوي المسلمون وكلما قويت العقيدة ضعفوا وضعف وجودهم، أو انقطعوا، أو كادوا أن ينقطعوا.
ولقد كانوا قبل الإسلام موجودين بكثرة، ولما بعث النبي ﷺ حُرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين الاستراق؛ حتى ينقطع وحي الشياطين، وحتى ينقطع ما تسمعه الكهنة من أوليائها، وحتى لا يلتبس الحق بالباطل، ويلتبس وحي الرحمن بوحي الشيطان، وفي بعض الأحاديث: أن بعض الصحابة كانوا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فرمي بكوكب -وهو الشهاب الذي يُرمى به- فسألهم ﷺ: (ما تقولون في هذا النجم الذي رمي به؟)، فلم يقولوا شيئًا، فأخبرهم: بأن الشياطين كانت تسترق السمع، وتنزل إلى الكهنة بما تأخذه من الملائكة، فتخبرهم بأن الملائكة تحدثت بكذا، وأنه سيحدث كذا وكذا، ولما أنزل الله وحيه على النبي ﷺ كثرت حراسة السماء، ورجمت الشياطين، واشتكوا إلى رئيسهم الذي هو إبليس، وقالوا: منعنا من السماء، ومنعنا من استراق السمع، فأرسل من يسأل ويستفصل: ما السبب؟ إذ لابد أن يكون هناك سبب، ثم إنهم وجدوا النبي ﷺ يصلي بأصحابه، فاستمعوا إليه، ورجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:٨-١٠]، ورجع الذين استمعوا القرآن إلى أوليائهم وقالوا: عرفنا السبب الذي لأجله حرست منا السماء، وهو بعث هذا النبي، فآمنوا به كما حكى الله عنهم قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣] .
وبكل حال في ذلك الوقت حرست السماء حراسة شديدة؛ لقوة الإسلام، ولحماية الوحي من السماء، ولما ضعف العمل بالشريعة، وضعف التمسك بها؛ قوي وجود الكهنة، وقوي استراق الشياطين والجن للسمع، ونزولهم إلى أوليائهم من الكهنة والسحرة، فكثروا حينئذٍ، وصار الناس يشجعونهم، حيث يأتون إليهم، ويقولون: أخبرنا بكذا وكذا، فإذا أخبرهم بما توحيه إليه الشياطين قدسوه وعظموه، وقالوا: هذا هو الذي يعرف، وهذا هو العارف، وهذا هو العرّاف، ولا يزال الناس يترددون إليه، وما ذاك إلا لضعف الإسلام، وقد مر بنا الحديث الذي قال فيه ﷺ: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ)، ولو كان ذلك الكاهن يخبر بأشياء مثل أن يخبر بمكان الضالة، ويخبر بمكان المسروق، أو بعين السارق، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا مما يستوحيه من شياطينه، والواجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله، وألا يصدق هؤلاء الكهنة.
والسحرة أيضًا قد تمكنوا، وقد كثروا مع الأسف، وأضروا بكثير من الناس، وكثر الذين يشتكون، وكثر الذين يقول أحدهم: إنه أصيب بكذا، أو أصيبت ابنته بكذا، بصرف أو بعطف، أو ببغض لبيتها أو ببغض لزوجها أو لأهلها، أو أصيب الرجل بضيق كلما دخل إلى بيته؛ بحيث إنه يصير محشرجًا، ويصير كأنه في سجن حتى يفارق بيته، أو حيل بينه وبين امرأته؛ بحيث إنه لا يقدر على إتيانها أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي يكثر الشكاة لها، ما أكثر الذين يشتكون أنه أصيب أحدهم بكذا وكذا، وأنه أصيب بهذا الصرف، وأصيب بهذه المصائب التي لا شك أنها من عمل الشياطين، ونقول: ما السبب في كثرة هذه المصائب؟ وما السبب في إصابة هؤلاء بهذه الأمور؟ لا شك أن السبب هو: ضعف الإيمان، فمتى كنت مؤمنًا، ومتى كنت مسلمًا متمسكًا بإسلامك فثق بأن الله يحرسك، وأنه يحميك من كيد هؤلاء السحرة ومن ضربهم.
وما يصاب غالبًا بهذه الأمور الشيطانية إلا ضعاف الإيمان، نشاهد أن أكثر الذين يشتكون إما من جن أصابه أو أصاب ابنته، وإما من صرف، وإما من سحر أو نحو ذلك هم من العصاة والفسقة، وإما من الجهلة، وإما من العامة الذين لا يتحصنون، أما أهل التحصن فإن الله يحميهم بما يتحصنون به.
[ ٩٦ / ٢ ]
كيفية التحصن من كيد السحرة والشياطين
إذا أردت أن تكون في حصن حصين من عمل وكيد الشياطين وعمل السحرة فعليك أن تتحصن بالأشياء التي تحفظك: أولها: تحقيق العقيدة السليمة، وهي: كونك تصدق بأن الله هو النافع الضار، وتصدق بأنه هو الذي يحمي العباد إذا تحصنوا به.
ثانيها: كثرة ذكر الله في كل الأحوال؛ فلا تغفل عن ذكر الله فإنه يطرد الشياطين.
ثالثها: الدعاء، فعليك أن تدعو بما يحضرك من الأدعية النافعة التي يكون فيها حفظ لك وحفظ لأهلك وحفظ لبيتك ونحو ذلك.
رابعها: قراءة كتاب الله وكثرة تدبره وتكراره، فإنه حصن لمن قرأه وتحصن به.
خامسها: حماية منزلك من آلات اللهو والملاهي كلها، وعن المعاصي ونحوها؛ فإن الشياطين تألف تلك الأماكن وتلك البيوت الممتلئة بالملاهي، والممتلئة بآلات الفساد ونحوها، فإذا كان المنزل خاليًا من هذه الأشياء فإن الملائكة هي التي تعمره، ولا تجتمع الملائكة والشياطين.
[ ٩٦ / ٣ ]
الطرق الجائزة في علاج السحر
شياطين الجن والسحرة ونحوهم قد يسلطون أولياءهم على بعض المتعففين أو على بعض المتمسكين، يريدون بذلك إضراره ورده عما هو عليه، فالحيلة في إبطال هذا الكيد علاجه، ولا شك أنه لا علاج له إلا العلاج الرحماني وهو كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ولا يجوز علاجه بإتيان السحرة، ولا بطلبهم أن يفكوا عنه، ولا العلاج بمثله من السحر، وإذا عرف الساحر فإنه يقام عليه الحد: (حد الساحر ضربه بالسيف)، فلا يجوز إقراره، فكيف يُؤتى إليه ويقال: فلان مصاب فعليك أن تعالجه! فلا يجوز ذلك، إنما نعالجه بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ، وبالأدعية النافعة، وبالأدوية المباحة.
ولقد تكلم العلماء على بعض العلاجات النافعة، فتكلم على ذلك ابن القيم ﵀ عندما فسر سورتي المعوذتين في كتابه (بدائع الفوائد)، فإنه فسر سورتي المعوذتين، وأتى على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، وأطال الكلام على السحر، وعلى ذكر حقيقته، وعلى ما قيل فيه، ثم تكلم عن فك السحر وحلّه عن المسحور وهو المسمى بالنشرة، وذكر الآثار في ذلك، فذكر الحديث الذي روي بلفظ: (أن النبي ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان)، وقال: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهو قسمان: حلّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل كلام الحسن البصري أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، وصفته: أن الساحر والمسحور كل منهما يتقرب إلى الشيطان بما يحب، فأما أن يدعو الشيطان، وإما أن يطيع الشيطان، حتى يبطل عمله عن المسحور، فهذا حرام، وهذه هي النشرة المحرمة؛ لأن الناشر والمنتشر يتقربان إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
الثاني: العلاج بالقراءة وبالأدعية وبالأوراد وبالآيات ونحوها؛ فهذا لا بأس به، وهو داخل في كون القرآن شفاءً كما وصفه الله؛ فإن الله تعالى وصف القرآن بأنه شفاء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، ولهذا إذا قرئ على المصاب بجن أو بسحر، وكان ذلك المصاب عاصيًا أو فاسقًا أو متصفًا بخروج عن الطاعة لم تؤثر فيه القراءة حتى يقلع عن معصيته، أو حتى يعلن التوبة وعدم الرجوع، فهنالك يشفى بإذن الله تعالى عملًا بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤]، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] فهذا هو العلاج.
وقد ذكر ابن القيم وابن كثير أنواعًا من العلاجات، وابن كثير تكلم على السحر وأطال عليه في تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى آخر الآية، وتكلم على قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: أن من السحر ما يسبب البغضاء بين الزوجين، والزوجان -غالبًا- يكونان متآلفين، فالساحر يقدر بعمله الشيطاني على أن يوقع بينهما الوحشة، وأن يسبب الفرقة بينهما، أو يعمل عملًا يحجز به الزوج عن امرأته ويحبسها فلا يقدر على جماعها، فذكروا علاجًا وصفه ابن كثير ونقله عمن نقله من السلف، وهذا بلا شك من الأشياء المجربة، ذكر أنه يؤخذ سبع ورقات من السدر الأخضر، فتضرب بين حجرين، ثم يصب عليها ماء، ويقرأ فيها سورتي الكافرون والإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، والمعوذتين، وآية الكرسي، وآيات السحر الثلاث: في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٨-١١٩]، وقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨٠-٨١]، وقوله تعالى في سورة طه: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨-٦٩]، فيكرر المصاب أو المحبوس عن امرأته قراءتها، وسيفك ذلك عنه بإذن الله إذا توافرت الشروط.
وهناك آيات أخرى غير هذه، ونقل عن ابن عباس ﵄ أن سبعًا وثلاثين آية في القرآن فيها قول: لا إله إلا الله، من قرأها فإنه يُحمى من كيد الشياطين ونحوه، وأنه لا يضره سحر في ذلك اليوم إذا قرأها كورد في الصباح أو في المساء، يعني الآيات التي فيها التهليلات، وتسمى: تهليلات القرآن.
وعلى كل حال فالقرآن كله شفاء كما وصفه الله تعالى، وإن كان فيه آيات تخص قراءتها، وتكون حرزًا للمؤمنين ودعاءً، وكذلك أيضًا الأحاديث النبوية، وقد جمع العلماء متقدميهم ومتأخريهم أدعية من الكتاب والسنة، وجعلوها كأوراد، وقراءتها قبل المرض تكون حفظًا بإذن الله، وبعد المرض تكون علاجًا.
وقد أصيب بعض الإخوان واشتكى أنه تصيبه حشرجة وضيق في صدره؛ بحيث إنه لا يستقر ولا ينشرح باله إذا دخل منزله، فعمد إلى الورد المطبوع المشتهر الذي اسمه: (الورد المصفى المختار) الذي جمعه الملك عبد العزيز ﵀، يقول: أخذت هذا الورد، وجعلت أقرأه قبل أن أنام، إذا جلست على فراشي قرأته من أوله إلى آخره، وإذا أصبحت قرأته من أوله إلى آخره في المصلى، وأنا رافع يدي ومخبت قلبي، قال: فما لبثت إلا شهرًا أو أقل من شهر حتى زالت عني تلك الوحشة، واتسع قلبي، وزال عني ما أجد من ذلك الضيق! وهذا دليل على أن كتاب الله وسنة نبيه والأدعية والأوراد سبب في الشفاء إذا وقع المرض، وسبب في الحمية والعصمة والحماية منه قبل وقوعه.
[ ٩٦ / ٤ ]
الكرامات والخوارق الشيطانية
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم.
وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثَّم في الباطن طريقًا إلى الله غير طريقة الأنبياء! وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليًا خارجًا عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممدًا للطائفتين.
فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه.
والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، وإلا فالإنس يؤنسون، أي: يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحيانًا، لا يكون دائمًا محتجبًا عن أبصار الإنس، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله.
وسبب الضلال فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة: عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، ويقول بعض الناس: الفقراء يُسلّم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قُبِل، وما خالفها رُد، كما قال النبي ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنًا وظاهرًا، ومن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر ملتزمًا لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمنًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنًا وظاهرًا ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعًا لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين -مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله- أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله إما أن يكون شيطانًا زنديقًا، أو زوكاريًا متحيلًا، أو مجنونًا معذورًا، فكيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به؟! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعًا في الباطن، وإن كان تاركًا للاتباع في الظاهر، فإن هذا خطأ أيضًا، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا.
قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: (إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي ﵀: قصّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب.
وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله) فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ، ولا ينبغي نسبته إليه؛ فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البَلَه الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي ﷺ: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء)، ولم يقل: البله] .
هذا الكلام حول هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث، وهم ممن ينصبون أنفسهم لهذا الأمر، ولا شك أن الغوث إنما هو من الله تعالى، فمعلوم أن الغوث الذي هو إزالة الشدة وتفريج الكربات من الله، وأما الإنسان فلا يقدر أن يزيل شدة، ولا أن يفرج كربًا، ولا أن يسد حاجة إنسان بدون أمر وإعانة من الله تعالى، فذكر أن هناك من يقول: إن هؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحالة تفوقوا على الأنبياء، وأن الله يمدهم بعطاء من عنده، ويفتح عليهم، وينزل عليهم ملائكته أو ينزل عليهم وحيه بواسطة أو بغير واسطة، وأنهم قد استغنوا عن الوحي وعن شرائع الأنبياء، وهذه مقالة بعض العوام أو من يقلدهم.
والجواب عليها: أن هذا كفر، ولا يجوز لأحد أن يستغني عن الشريعة الإسلامية مهما كانت حالته، بل الشريعة المحمدية هي خاتمة الشرائع، والنبي محمد ﷺ آخر الأنبياء، ولا يسع أحد الخروج عن شريعته، ومن نواقض الإسلام أن يعتقد أحد أن إنسانًا يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى! ثم هناك طائفة اعتقدت أن هؤلاء الذين يسمون أهل الغوث أو نحوهم كذبة، وأنه ليس هناك ما يسمى بغوث أو ما يسمى بفتح أو إلهام أو نحو ذلك، وقد تقدم في كرامات الأولياء: أن الله قد يفتح على بعض أوليائه وينطقهم بكلمات هي حكمة، أو يكون فيها شيء مما يسمى بخرق العادة، ويكون ذلك كرامة لهم، فلا يجوز إنكار ذلك.
[ ٩٦ / ٥ ]
أنواع الخوارق
خوارق العادة ثلاثة أنواع: النوع الأول: هو الذي يجري على أيدي الرسل والأنبياء، وهذه تسمى معجزات، ولا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثل معجزات الأنبياء.
النوع الثاني: يجري على أيدي الصالحين من عباد الله، وهذه تسمى كرامات، بأن يفتح الله عليهم ويلهمهم، أو يعطيهم كرامات ظاهرها أنها تعجز البشر، ولكنها فتح من الله ومنّة منه؛ لتقوية الإيمان، أو لإمدادهم، أو لغير ذلك.
النوع الثالث: ما يجري على أيدي السحرة والمشعوذين والكهنة ونحوهم، وقد ذكرنا أن هذا يسمى بالأحوال الشيطانية، وأن الشيطان قد يلابس بعض الناس، ويظهر منه أفعال قد يتعجب منها، كما يحدث أناس بأفعالهم وبعجائب أمورهم، حتى ذُكر أن أحدهم لما لابسه شيطانه أتى إلى نار موقدة وفيها جمر أمثال الحجارة، وجعل يأخذ الجمر بيده ويأكلها، ويُسمع لها حس إذا دخلت في ريقه وانطفأت به، ثم يبتلعها، حتى ابتلع الجمر كله، ويقولون: كانت النار تتقّد لكثرة جمرها، فانطفأت من كثرة ما أكل، ولا شك أن هذا من الشيطان الذي لابسه، والشيطان مخلوق من النار، ولا يتأثر بالنار، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧]، فلا ينكر أن تجري مثل هذه الأشياء على أيدي هؤلاء المشعوذين ومن أشبههم.
كذلك أيضًا لا شك أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أو يسميهم بعض الناس أهل الغوث، ليس لهم طريق يسلكونه إلا سلوك الطريق النبوية، وليس لأحد أن يخالف الشريعة، بل الأمة مكلفة باتباع هذه الشريعة مهما كانت، ولو خالفت الأهواء، ولو صعبت في بعض الأحوال؛ إذ لا يجوز لأحد الخروج عن العقيدة قيد أنملة، بل يتقيد بها، والله تعالى سدّ الطرق إلا طريق النبي محمد ﷺ، وكلف الأمة باتباعه وبتقليده مهما كانت الأحوال، وجعل طاعته سببًا للسعادة، ومعصيته سببًا للشقاوة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤] .
[ ٩٦ / ٦ ]
لا يُصدق أصحاب خوارق العادات حتى يُعرضوا على الكتاب والسنة
ذكر العلماء ﵏ أن ما يقوله هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث من تسويل الشيطان غالبًا، وأنه يلابسهم حتى ينخدع بهم من ينخدع، فلا بد أن نعرض أمرهم على الكتاب والسنة.
وذكر المؤلف كلام الليث بن سعد، وهو عالم مصر ﵀، فنقل إلى الشافعي أنه يقول: إذا رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة، والشافعي ﵀ يقول: قصر الليث، بل إذا رأيته يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة؛ وذلك لأنه يُشاهد.
ونقل أيضًا متقدمون ومتأخرون أن السحرة ونحوهم قد يرفعون بعض الناس حتى يخيل للناس أنه بين السماء والأرض، فيتحرك ويضطرب ويتكلم، فيقولون: سبحان الله! يطير في الهواء بدون أن يمسكه شيء، وليس هناك شيء يرفعه، ولا يدرون أن الشياطين هي التي حملته!! وذكر شيخ الإسلام في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) أن الشياطين أو الجن تحمل بعض أوليائها من مكان بعيد مسيرة شهر أو أشهر على الرواحل، وأنه يصل إلى الناس في عرفة، ويقف معهم، ويجلس معهم ساعة أو ساعات، ثم يردونه إلى مكانه في يومه أو في ليلته، وأنه يحدث الناس، ويقول: رأيت فلانًا وفلانًا، وسلمت على فلان، وقابلت فلانًا وهو راكب في كذا وكذا، وحدث كذا وكذا، إذا قدم الحجاج سألوهم، فقالوا: صحيح، هذا شيء وقع، وقد رأينا فلان حج معنا في عرفة، ولكن ما رأيناه في غير عرفة، ويتكلمون بما يطابق ما قال، فكيف حصل هذا؟! يقول: إن الجن حملته، والشياطين لها قدرة على الطيران لخفتها، فإذا كانت تصل إلى السماء كما قال الله عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) فكيف لا تحمل هذا الشيء الثقيل وتوصله إلى مكان تقدر عليه إلى حيث تشاء ثم ترده؟!! ولكن لا تخدمه إلا إذا كان من أوليائها الموالين لها، والمتقربين إليها.
فكيف نقول في هؤلاء؟ نعرض أمرهم كما قال الشافعي والليث على الكتاب والسنة.
[ ٩٦ / ٧ ]
حقيقة من يُسمون بالبله
اشتهر أناس في الزمان الأول كانوا يسمون بالبله، وقد يسمون بالمجانين، وكان يقال لأحدهم: المجنون فلان، والمجنون فلان، ثم ينقلون عنهم أفعالًا ويقولون: إنهم ممن رفع عنهم القلم، وسقطت عنهم التكاليف وأشباه ذلك.
فنقول: ليس الأمر كذلك، والحديث الذي يتناقلونه وفيه: (أن أكثر أهل الجنة البله) لا يصح، بل الله تعالى ذكر أن أكثر أهل الجنة على لسان نبيه هم العاملون، وهم أولو الألباب، والله تعالى يذكر دائمًا أولي الألباب -يعني: أهل العقول- ولا يذكر البله، ولا ناقصي العقول ولا المجانين ونحوهم؛ بل هؤلاء أقل أحوالهم أن تسقط عنهم التكاليف، ولا يكلف أحدهم إذا فقد العقل، كما قال النبي ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- المجنون حتى يفيق)، فالأبله ضعيف العقل، قريب من المجنون، فكيف يكونون أكثر أهل الجنة؟! بل هم إذا دخلوا الجنة فإنهم يعاملون على أنهم ممن أثيبوا لأجل أنهم لم يستطيعوا أن يعملوا لقلة فهمهم وعقلهم.
وبكل حال فهؤلاء الذين يسمون بالبله، قد انخدع بهم خلق كثير من المتقدمين والمتأخرين؛ بل وإلى زماننا، كما ذكر لنا أن هناك من المتأخرين في مصر وفي سوريا وفي كثير من البلاد الإفريقية من يعظمون هؤلاء الضعفاء، ويدعون أنهم أولياء، وأنهم ممن سقطت عنهم التكاليف، وأنهم ممن يأخذون الوحي بدون واسطة الأنبياء وأنهم وأنهم! ويقولون: إن من كراماتهم أن أحدهم إذا مات فإن الملائكة تحمله على النعش، والذين يحملونه فوق متونهم لا يحسون بثقله، فيخيل إليهم هذا، حتى قيل: إنه لما مات واحد من أولئك المجانين أراد أولياؤه أن يوهموا العامة أن هذا ممن حملته الملائكة، فصاروا يسرعون به سرعة زائدة، مع أنهم يحسون بثقله، ولكن كأنهم يقولون: انظروا -أيها العامة- أننا نحمله، وكأننا لا نحمل شيئًا؛ فالملائكة تحمله فوقنا، ونحن لا نحس به، فنحن الآن نسعى سعيًا شديدًا حتى كأننا لم نحمل شيئًا! وكل هذا لأجل إيهام هؤلاء العامة أنه من الأولياء، حتى يغلوا فيه، مع أنه مجنون لم يُعرف إلا بكلام ساقط.
والمتقدمون ترجموا لهؤلاء فيقولون: قال المجنون سحنون، قال المجنون بهلول! وهذه أسماء موجودة في كتب التراجم التي تتكلم عن كرامات الأولياء ونحوهم، ومع ذلك يعتدون بكلامه وهم يسمونه مجنونًا! وكذلك أيضًا يذكرون أنهم في بعض البلاد من جهلهم أو بلههم أن أحدهم يمشي عريانًا، فيقولون: هذا ممن سقط عنه التكليف! وهذا كان حتى في الزمن المتوسط في عهد الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب (سبل السلام)، ففي قصيدته البائية يقول فيها: كقوم عراة في ذرى مصر ما على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب مع أنهم يمشون عراة ليس على عوراتهم ثياب، ومع ذلك يقولون: هؤلاء هم المجانين الذين سقطت عنهم التكاليف، وهؤلاء هم البله الذين لا حرج عليهم، ونقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم.
فعلى كل حال: لا يُغتر بمثل هؤلاء؛ بل يُرد أمر الجميع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ، فما وافق ذلك فهو الصواب.
[ ٩٦ / ٨ ]