أهل السنة يرون الجماعة حقًا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثيرة جدًا.
[ ٩٨ / ١ ]
منهج أهل السنة في لزوم الجماعة وترك الفرقة
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ونرى الجماعة حقًا وصوابًا والفرقة زيغًا وعذابًا): قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًَا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًَا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩]، فجعل أهل الرحمة مستثنَين من الاختلاف.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦] .
وقد تقدم قوله ﷺ: (إن أهل الكتابَين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني: الأهواء- كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.
وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة.
وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة الشاردة القاصية، فإياكم والشعاب! وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًَا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: (أعوذ بوجهك! ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: أعوذ بوجهك! ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًَا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: هذه أهون)، فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعًا، ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول ﷺ من هذه الحال، وهم فيها في جاهلية.
ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية.
وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (ترك الناس العمل بهذه الآية) يعني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]، فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما لم يُعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية.
وهكذا مسائل النزاع التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع -إذا لم ترد إلى الله والرسول- لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن ﵏ أقر بعضهم بعضًا، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضًا، ولا يعتدي ولا يُعتدى عليه، وإن لم يُرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله، والذين امتَحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفَّروا مَن خالفهم فيها، واستحلوا منعَ حقه وعقوبتَه] .
هذا الكلام يتعلق بوقوع الاختلاف في هذه الأمة كما وقع في الأمم السابقة، ويجب على الأمة -أمة الإجابة والدعوة الاجتماع والائتلاف، يقول: إن الواجب على المسلمين جميعًا أن يأتلفوا ولا يختلفوا، وأن يكونوا إخوة كما سماهم الله تعالى.
[ ٩٨ / ٢ ]
الجماعة في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين
كان أهل المدينة قبل الإسلام مختلفين، ويقع بينهم قتال كثير، ويستمر القتال حتى يُقتل فيه أعداد من هؤلاء وهؤلاء.
ولما جاء الإسلام زال ذلك الاختلاف، وزالت تلك الفرقة، واجتمعوا على الإسلام، فذكَّرهم الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًَا﴾ [آل عمران:١٠٣] أي: تمسكوا بحبل الله الذي هو دين الإسلام.
﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أي: لا تكونوا فرقًا وأحزابًا.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًَا﴾ [آل عمران:١٠٣]: فجعلهم إخوة وهو حق، فإنهم بعد أن دخلوا في الإسلام أصبحوا مثل الإخوة متحابين، وهكذا أصبحوا يحبون كل مؤمن، لما جاءهم المهاجرون صاروا يحبونهم كما يحبون إخوانهم أولاد آبائهم وأمهاتهم، كما ذكر الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩] يحبون المهاجرين، بل يقدمون محبتهم على محبة أنفسهم، كما في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] .
وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن الله يحبهم فأحبوهم، ما دام أن الله يحب المؤمنين فإننا نحبهم، وما دام أنهم يحبون الله، ويحبون رسول الله فإننا نحب من يحب الله، نحب من يحب الرسول ﵊، وإذا ثبتت هذه المحبة فلا بد أن لها آثارها، وهي: الاجتماع، أن نكون مجتمعين غير متفرقين، أهدافنا موحدة مقاصدنا محددة كل منا على الإسلام كل منا يعبد الله ويعرف الله، ويعرف دين الله ويدين به، وكل منا على عقيدة واحدة، وعلى شريعة واحدة وهي: شريعة الإسلام.
هكذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ على هذه الشريعة، وكذلك في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر، وفي عهد عثمان، كانوا على هذه الشريعة، لم يكن بينهم أي اختلاف يسبب التقاطع والتباغض والعداوات.
[ ٩٨ / ٣ ]
من مقاصد الشريعة المحبة والاجتماع
من تأمل شرائع الأنبياء وشريعتنا خاصة، وجد أن كل المعاملات والأحكام تهدف إلى هدف واحد وهو تحصيل الأخوة بين المسلمين، الذي يكون من آثاره جمع الكلمة، إخوة في ذات الله تعالى، فعلى المسلمين أن يتركوا التقاطع والتباغض جانبًا؛ ليكونوا متحابين في ذات الله.
ومن تأمل المنهيات التي تتعلق بالمعاملات وجد أن الحكمة من تحريمها ومن النهي عنها أنها تسبب البغضاء، وتوقع العداوة والوحشة بين المسلمين.
لأجل ذلك نهى الله عن أشياء تسبب هذا، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، لماذا نُهينا عن السخرية؟ لأنها تسبب الفُرقة.
﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًَا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] .
اللمز هو العيب، قال الله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١]، وقال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] وهو الذي يتتبع العثرات، ويلصق بالإنسان ما ليس فيه، لماذا نهينا عن الهمز واللمز والعيب والثلب وتتبع العثرات وإظهار السوءات؟! لأنه يسبب الفُرقة.
وقال النبي ﷺ: (لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَهاجَروا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَنافَسوا) لماذا نهانا عن التقاطع والتهاجر؟ لا شك أن هذه الأشياء التي نهانا عنها تسبب الفُرقة، فإذا تركناها أصبحنا مجتمعين، ولا شك أن الإسلام يهدف إلى الاجتماع، ويحث عليه، وينهى عن الاختلاف.
[ ٩٨ / ٤ ]
الآيات الدالة على لزوم الجماعة
الآيات التي أوردها الشارح ﵀ دالةٌ دلالةً واضحة على النهي عن الفُرقة: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] .
فدل على أن من ﵏ فإنهم غير مختلفين، وأن أولئك الذين اختلفوا قد فاتتهم الرحمة، ولا شك أن فوات الرحمة أمر عظيم وكبير، حيث حصل لهؤلاء رحمة، ولهؤلاء ضد الرحمة، أو نُزعت منهم الرحمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًَا﴾ [الأنعام:١٥٩] يعني: أحزابًا ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩] .
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًَا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] .
إلى آخر الآيات التي سمعتم، ولا شك أنها نهي عن التحزبات، ونهي عن الاختلافات.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: لا تتبعوا السبل المنحرفة فتتفرق بكم عن سبيله، فسبيل الله هو سبيل النجاة.
ومعلوم أن هذه الشريعة قد من الله تعالى ببقائها، وحفظها على الأمة، وأن حفظها عليهم نعمة عظيمة وكبيرة، حيث وفقهم لحفظها، ووفقهم لبقائها، وبين لهم تعاليمها، فكل شيء مما يتعلق بهذا محفوظ مبين.
[ ٩٨ / ٥ ]
خطر التفرق والتنازع والتحزب
لا مبرر للاختلاف لا موجب للتفرق لماذا نتحزب أحزابًا؟! ولماذا نتسمى بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان؟! القصد واحد، والجماعة واحدة، والتفرق -بلا شك- سبيل إلى التحزبات وإلى تفرق الكلمة، ولا شك أن المسلمين كلما تفرقوا وتباعدوا وتناءت كلماتهم ضعفت قوتهم، وإذا ضعفت قوتهم قوي أعداؤهم عليهم، فتسلطوا عليهم.
ولو تتبعنا التواريخ والوقائع التي وقعت على الأمم السابقة، بل وعلى هذه الأمة؛ لوجدنا أنهم إنما يسلط عليهم الأعداء عندما تتفرق كلمتهم، أما إذا اجتمعوا فإنهم يصيرون إخوة، وهدفهم واحد، ووجهتهم نحو العدو واحدة، وهكذا.
ذكروا في تاريخ آخر القرن الأول، أن المسلمين كانوا يقاتلون في حدود أفغانستان، فتركوا القتال في وقت من الأوقات، فظهرت بينهم أحزاب وخلافات بسبب المفاخرات، هذه القبيلة تفتخر، وهذه القبيلة تذكر نسبها، وهذه تذكر حسبها، فحصل بينهم شقاق وخلافات ومنازعات، مع أن كلهم مسلمون.
فتولى عليهم قتيبة بن مسلم الباهلي، وهو أحد القواد المصلحين، فخطبهم وقال: لماذا تتفرقون؟! ولماذا تتحزبون؟! كلكم من آدم! وكلكم مسلمون! وكلكم على شريعة واحدة! تعبدون ربًا واحدًا، وتدينون دينًا واحدًا، فاجتمعوا ووجهوا قوتكم إلى عدوكم، فإن عدوكم بحاجة إلى أن تذلوه، وعدوكم يفرح بهذه التفرقات فيكم.
فلما لَمَّهم وجمعهم قويت كلمتهم، فتوجهوا وصاروا يفتحون بلاد أفغانستان، وبلاد السند، وبلاد ما وراء النهر، وفتحوها بلدًا بلدًا إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وحصل هذا بعد أن جمع الله كلمتهم.
فعُرف بذلك أن الشياطين وأعوان الشياطين لهم أغراض في تفريق الكلمة، والنبي ﷺ قد كان يحث على الجماعة، وقد مثّل ﷺ المنفردين بالشاة القاصية والبعيدة التي تبتعد وتنعزل عن الغنم، فيأتي الذئب على حين غفلة من الرعاة، فيأخذها ويختطفها، فهكذا الشيطان للإنسان، متى وجد هذا شاذًا في قول، وهذا منفردًا بعقيدة، وهؤلاء الفرقة القليلة على نحلة وعلى مذهب؛ تمكن منهم، وأدخل عليهم البدع، وأدخل عليهم الوساوس، فإذا انتبهوا لأنفسهم، ورجعوا إلى الطريق السوي، وتمسكوا بالصراط المستقيم، واجتمعت كلمتهم مع علمائهم ودعاتهم، ومع سائر إخوانهم؛ فإنهم يكونون يدًا واحدةً، ولا يقوى عليهم الشيطان، كلما وسوس إليهم بوسوسة وألقى في قلوبهم أو في قلب أحدهم شكًا أو ريبًا أو شبهةً احترقت بنور النبوة، احترقت بأنوار الشريعة، ولم يبق له سلطان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠] .
[ ٩٨ / ٦ ]
حديث افتراق الأمة
حديث افتراق الأمة، فيه أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهو دليل على أن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على أن الأمة الذين استجابوا لدعوته سوف يقع بينهم شيء من الخلافات، وهذه الخلافات لا بد أن يكون لها آثار، فآثارها وقوع قتال ووقوع تفسيق وتكفير وتضليل فيما بينهم، وقد وقع هذا الاختلاف حتى في عهد الصحابة ﵃، فوقعت الفتنة الأولى التي هي خلاف بين علي ومعه أهل العراق، لما جاء بعض الصحابة يطالبون باستئصال قتلة عثمان، فوقعت وقعة بشعة تسمى وقعة الجمل، قتل فيها خلق كثير من هؤلاء وهؤلاء، مع أن الجميع مسلمون؛ ولكن تدخل الشيطان فأوقع هذا الاختلاف.
وأكثر الصحابة أجلاء لم يدخلوها بل اعتزلوها، وإنما دخلها من لا بد منه كـ علي ومن معه وعائشة ومن معها، وقتل فيها من الصحابة الزبير وطلحة، وقتل فيها من قتل من أتباع هؤلاء وهؤلاء.
ثم وقعت فتنة أخرى في صفين بين أهل الشام وأهل العراق، أهل الشام يطالبون بدم عثمان، ويطلبون باستئصال قتلته، وأما أهل العراق فيطالبون بجمع الكلمة ويقولون: إننا سوف نستأصلهم بعدما تجتمع الكلمة، فوقعت هذه الفتنة التي حصل فيها قتل كثير يقدر بعشرات الألوف من هؤلاء وهؤلاء، وكانت فتنة عظيمة، وممن قتل فيها من الصحابة عمار بن ياسر ﵁، وأكثر القتلى من غير الصحابة.
ثم انعزلت فرقة من أصحاب علي، وكفروا عليًا ومعاوية، وسُموا بالخوارج؛ لأنهم خرجوا عن طاعة أمير المؤمنين، وعن موافقة المسلمين، وليس فيهم أحد من الصحابة، بل كلهم من غير الصحابة، فحصل أن الصحابة غزوهم وقاتلوهم، وحصل منهم ثورات وقتال استمر أكثر من سبعين سنة مع المسلمين، ولا شك أن ذلك من أسباب الفرقة، وأن الشيطان أوقع هذا الخلاف بينهم في هذه العقائد، حتى يضللهم ويوقعهم فيما أوقعهم فيه، مما له فيه هدف وقصد، ثم حدثت بعد ذلك فرق كثيرة، ومنها ما وصلت بدعتهم إلى الكفر، ومنها ما وصلت إلى الابتداع الذي هو دون الكفر.
[ ٩٨ / ٧ ]
الحث على التمسك بسنة النبي ﷺ وهدي الصحابة
أهل السنة يعتقدون أن جميع أهل الأهواء مبتدعون، ويقولون: عليكم جميعًا أن ترجعوا إلى الأصل، فلو رجعتم إلى الأصل والشريعة، وإلى طريقة الرسول ﷺ لوجدتم أنها طريق واحدة بلا تثنية، وذلك مذكور في حديث التفرق، فإنه ﷺ سئل عن الفرقة الناجية: (من هي؟ فقال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
ومعلوم أن سنة الصحابة وطريقتهم مجتمعة، وأنهم -والحمد لله- لم يكن بينهم اختلاف تضاد في الدين، ومعلوم أن ما كانوا عليه محفوظ مدوَّن قد يسر الله من العلماء من نقل عنهم أقوالهم وأفعالهم التي يتعبدون بها ويدينون بها، فعلينا أن نحرص على الاقتداء بسنتهم، وأن نترك كل المحدثات التي جاءت من بعدهم، ونعلم أنها بدع وضلالات.
النبي ﷺ كان يحث على التمسك بسنته، في آخر حياته وعظ الصحابة ﵃ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقال الصحابة: (كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة) .
فأمرهم أن يتمسكوا بالسنة بالأيدي، وكأنها شيء يُمسك بالأيدي، وإذا خافوا أن تتفلت من أيديهم عضوا عليها بالنواجذ التي هي أقصى الأسنان، وهذا أقصى شيء يمكن التمسك به، ألَّا يجد إلَّا أقصى أسنانه يُمسكه ويعض عليه به حتى لا يتفلت منه، وذلك لوجود من يحاول انتزاعه، فإن هذه السنة التي أنت متمسك بها هناك من يحاول أن ينتزعها منك، ويريد أن يبطلها، وذلك بما يلقي في قلبك من الشبهة والتشكيك والتوهمات، حتى يُضعف تمسكك، فإذا كنت متمسكًا تمسكًا قويًا فلن يستطيع أن يتغلب عليك، وأخبر بأن كل محدثة بدعة، وأن السنة طريقة واحدة.
وكان مما حُفظ عن النبي ﷺ أنه يكرر قوله: (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) هكذا كان يخطب على المنبر على رءوس الأشهاد، يحث على هديه، وعلى التمسك بكتاب ربه، وينهى عن المحدثات في دين الله.
وكذلك يخبر بأن دينه لا يجوز تغييره، ولا الزيادة فيه، ولا النقص فيه، كما في قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، والكلام في هذه المسألة معروف وطويل.
[ ٩٨ / ٨ ]
أنواع الخلاف
قال الشارح ﵀: [فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: - إما عادلون.
- وإما ظالمون.
فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره.
والظالم: الذي يعتدي على غيره.
وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩]، وإلَّا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضًا كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابًا عن الرسول، وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه.
فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه مع أنه معذور.
ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: - اختلاف تنوع.
- واختلاف تضاد.
واختلاف التنوع على وجوه: - منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقًا مشروعًا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ﵃ حتى زجرهم النبي ﷺ وقال: (كلاكما محسن) .
ومنه اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل.
ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيرًا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه؛ ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ.
- ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر؛ لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك، ثم الجهل أو الظلم يُحمل على حمد إحدى المقالتين، وذم الأخرى، والاعتداء على قائلها، ونحو ذلك.
وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد، والخطب في هذا أشد؛ لأن القولين يتنافيان؛ لكن نجد كثيرًا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقًا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلًا في البعض، كما كان الأول مبطلًا في الأصل، وهذا يجري كثيرًا لأهل السنة] .
لا شك أن التفرق والاختلاف من حيث هو فيه ضرر على الأمة، وفيه سبب لتفرقة الكلمة، ومما يسببه أيضًا كثرة المنازعات والمجادلات بين الأمة وبين الأفراد والجماعات ونحو ذلك، ومما يسببه أيضًا كثرة التحزبات والانتصار من هؤلاء لقولهم، ومن هؤلاء لقولهم، ويوقع في التعصب والتشدد، ورد الأقوال المخالفة بنوع من التعسف والتكلف في رد الأدلة وما أشبه ذلك.
وهذا بلا شك مذموم، ويعرفه المتخصصون الذين قرءوا في كتب الخلاف، وأما الذين لم يقرءوا فنحن ننصحهم بألَّا يقرءوا في مثل هذه الخلافات التي تحصل بين المختلفين، وفيها كثير من المماحكات والمنازعات والمُجادلات.
[ ٩٨ / ٩ ]
اختلاف التنوع وكثرته في المسائل الفقهية
ذكر الشارح أن الاختلاف نوعان: - اختلاف تنوع.
- واختلاف تضاد.
اختلاف التنوع هو من طبيعة البشر، ومن طبيعة المجتهدين، فلا عجب أن يقع خلاف في المسائل الفرعية بين التلميذ وشيخه، فيكون هذا له رأي وهذا له رأي، هذا يختار قولًا وهذا يختار قولًا؛ ولكن لا يصل إلى التضليل والمقاطعة.
فمثلًا نقول: إن الإمام مالك بن أنس ﵀، إمام دار الهجرة، تلقى العلم عن أهل المدينة الذين هم أولاد الصحابة، وسمع ما سمعه بالمدينة، وأثبته في مؤلفه الموطأ، وتتلمذ عليه الشافعي فقرأ عليه، وأخذ من علمه، وروى أحاديثه، ومع ذلك خالفه في كثير من الأمور الاجتهادية؛ ولكنه لم يخطئه، بل قال: أنا مجتهد وهو مجتهد، ولكل مجتهد نصيب، فلما قيل له: هل نصلي خلف من يقلد مالكًا؟ غضب وقال: ألستُ أصلي خلف مالك؟! أي: مالك شيخي، وأنا أصلي خلفه، ولو خالفته في بعض الأشياء التي هي أمور اجتهادية، مثلًا: كان الإمام مالك لا يجهر بالبسملة لا في الفاتحة ولا في السورة، والشافعي يجهر بالبسملة في السورة وفي الفاتحة؛ ولكن لا يعيب على من أخفى البسملة، كما لا يعيب مالك وأحمد على من جهر بها وأعلن، فهذا الخلاف لم يؤدِّ إلى تهاجُر ولا تقاطُع.
كذلك الإمام الشافعي يرى أنه يتورك في كل تشهد عقبه تسليم، وأحمد لا يتورك إلا في الصلاة التي فيها تشهدان في الأخير منهما، ومع ذلك لم يقع بينهما بسبب هذا الاختلاف تقاطُع.
وقد وقع هذا الاختلاف زمن الصحابة، فمرة سمع عمر ﵁ في عهد النبي ﷺ هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، واستنكر عليه حروفًا وكلمات زادها أو نقصها أو غيَّرها، فعند ذلك رفعه إلى النبي ﷺ وقال: (إنه يقرأ على خلاف ما أقرأتني! فأقر النبي ﷺ عمر على قراءته، وهشامًا على قراءته وقال: لا تختلفوا فإن القرآن أُنزل على سبعة أحرف) فأخبر بأن كلًا منهما مصيب، ونهاهم عن الاختلاف.
كذلك أيضًا ورد الاختلاف في الاستفتاحات، فتارةً كان النبي ﷺ يستفتح بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك)، وتارةً يستفتح بقوله: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب إلخ)، وكان يستفتح تارةً بقوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلخ)، وتارةً يستفتح بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل إلخ) .
واختار هذا قوم، واختار هذا قوم، ولم يخطئ أحد الآخر.
كذلك أيضًا ورد الاختلاف في الأذان والإقامة، فالأذان بعضهم يجعل التشهدات فيه ثمانية، وبعضهم يجعلها أربعًا، وكلمات الإقامة بعضهم يجعلها سبع عشرة، وبعضهم يجعلها إحدى عشرة، وذلك من باب الاجتهاد أيضًا، وذلك لأن هذا رُوي، وهذا رُوي؛ مما يدل على التوسعة.
كذلك مثلًا تكبيرات الجنازة، رُوي أنه كبر أربعًا، وأنه كبر خمسًا، وأنه كبر ستًا، ولم يقل أحد: إن من كبر خسمًا فقد أخطأ.
كذلك أيضًا التسليم في صلاة الجنازة، روي أنه كان يسلم تسليمتين، وتارةً يسلم تسليمة واحدة، ولا يُخطَّأ من فعل هذا، ولا يُخطَّأ من فعل هذا؛ لأن هذا مروي، وهذا مروي أيضًا.
كذلك عدد التكبيرات في صلاة العيد، منهم من قال: يكبر في الأولى سبعًا، ومنهم من قال: تسعًا، وليس أحدهما بمخطئ، بل هذا مروي وهذا مروي.
وأنواع الاختلافات في مثل هذا يسمى اختلاف تنوع.
وقد سئل الإمام أحمد عن صلاة الخوف، وقد رويت بست روايات مختلفة، فقال: من صلاها على صفة ثابتة من الصفات المروية فلا أعيب عليه؛ ولكن أختار رواية سهل بن أبي حثمة، وهي صلاة النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وقال: إنها أقرب إلى نص القرآن، أي: الآية التي في سورة النساء، فلم يخطئ غيره؛ وذلك لأنه ﷺ صلاها هكذا وهكذا.
كذلك صلاة الكسوف رُوي أنه ركع في الركعة ركوعًا واحدًا، ورُوي أنه ركع في الركعة ركوعين، ورُوي أنه ركع في الركعة ثلاثة ركوعات، ورُوي أربعة ركوعات، ورُوي خمسة ركوعات، وهو أقصاها، وحملوه على أن ذلك وقع تكرارًا؛ تارةً اقتصر على ركعة، وتارةً ركع ركوعين، وتارةً ثلاثة إلى خمسة، أي: أن ذلك وقع منه متكررًا، وذلك دليل على الجواز، وكأنه لاحظ طول الوقت، كأنه يقول: إذا كان الوقت يحتمل أن يتمادى الكسوف أطال وأكثر الركوعات إلى خمسة ركوعات في كل ركعة، أي: عشرة ركوعات في الركعتين، وإن كان الكسوف سهلًا فإنه يقتصر على ركوع أو ركوعين، وذلك أيضًا من باب الاجتهاد أو من باب التوسعة.
وقد اختلف الصحابة ﵃ في أشياء كثيرة؛ ولكن لم يصل بهم هذا الاختلاف إلى أن يضلل بعضُهم بعضًا، بل كل منهم يرى أنه على صواب، وأن صاحبه مجتهد ومعذور، ولم يكن أحد يخطِّئ صاحبه.
[ ٩٨ / ١٠ ]
اختلاف التضاد
تفرق أهل الخير بقوتهم وبسيطرتهم من مفاسد التحزب، الواجب عليهم كلهم أن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، هذا هو الحكم فليس لنا إلا مرجع واحد، ونحن أمة واحدة كما أمرنا الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] فإذا كانت الأمة واحدة فليكن منهجها واحدًا، وليتركوا هذه التحزبات والاختلافات، قد حصل هذا التفرق الذي أخبر به النبي ﷺ؛ ولكن لنعرف ما هو الحق وما هو الصواب من تلك الفرق، فقد أخبر النبي ﷺ أن (هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلَّا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وأخبر بأن الذين تمسكوا بسنته وبما كان عليه أصحابه هم أهل النجاة، وما سواهم فإنهم أهل الهلاك، ولقد وقع هذا التفرق في الأمة فتفرقت وصاروا أحزابًا وشيعًا، وسُموا بأسماء مبتدَعة ما أنزل الله بها من سلطان، فهناك فرقة الرافضة، وهناك فرقة الجهمية، وهناك فرقة الجبرية، وفرقة المرجئة، وفرقة كذا وفرقة كذا من الفرق القديمة.
وهكذا أيضًا الفرق الجديدة: فرقة الشيعة، وفرقة الإباضية مثلًا، وفرقة البعثية، وفرقة الحداثية، وفرقة العلمانية، وأشباهها.
هؤلاء كلهم أو جلهم يقولون: نحن أهل الحق والصواب في جانبنا، ونحن على حق، وأنتم الذين خالفتمونا ضالون مضلون، وأشباه ذلك.
ولا شك أن هذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ، ونحن نقول: المرجع كتاب الله، هذا كتاب الله ينطق بيننا بالحق، فنجعله حكمًا ونترك ما سواه، ولا نتعصب لأقوالنا، فنرد ما خالف قولنا بأنواع من التكلفات كما تفعله الجهمية والجبرية ونحوهم.
ذلك لأن هؤلاء الذين خالفوا الحق قد أخبر الله تعالى بأنهم زائغون، يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فهؤلاء يتمسكون بظواهر لا دلالة فيها، ويتتبعون آيات ويقولون: إنها في جانبنا، وهي عليهم لو تأملوا؛ ولكنهم يأخذون منها جانبًا ويتركون البقية، ويتركون الآيات الصريحة الواضحة الدلالة، التي تخالف منهجهم ومعتقدهم، ويسلطون عليها التأويلات، وكذلك يتركون صريح السنة وصحيحها، ويردونها بأنها لا تفيد إلَّا الظن، وبأنها آحاد، وبأنها وبأنها فيقعون في رد السنة، وفي رد الدليل الواضح من حيث لا يشعرون.
نقول: لا شك أن هذا الفعل فعل شنيع مستبشع، وهو أخذهم ببعض من الآيات وترك بعض الآيات، فهذا هو الذي سلكه أهل الزيغ الذين يتتبعون المتشابه منه، يقول النبي ﷺ: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم) يعني: فأولئك هم الزائغون، لا شك أن زيغ القلوب من أشد الأمراض، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، والزيغ: هو الميل والانحراف يعني: أن في قلوبهم مرض، وفيها انحراف عن الحق وعن قبوله، فدل على أن مثل هؤلاء زائغون.
فمثلًا الرافضة اليوم يقولون: نحن على الحق، ويتمسكون مثلًا بحديث أن النبي ﷺ يقول: (ليردن علي أقوام، فإذا عرفتهم حيل بيني وبينهم، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتَهم) يستدلون بهذا الحديث على أن الصحابة كلهم ارتدوا، وأنهم لم يبق منهم أحد على الحق إلا علي وذريته، ويستدلون على فضيلته وأفضليته بحديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي)، وبحديث: (من كنت مولاه فـ علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) ويتركون الأحاديث الصريحة الصحيحة التي وردت في فضل الصحابة وفي فضائلهم وهي مشهورة، ويتركون أيضًا الآيات الواضحة التي تنص على فضائلهم، وعلى مدائحهم، فيتركون الصحيح الواضح ويتمسكون بأشياء لا دلالة فيها.
ونقول لهم: هذا الحديث يختص بأهل الردة الذين ارتدوا وماتوا وهم مرتدون بعد النبي ﷺ، وقاتلهم أبو بكر، وقاتلهم علي، وقاتلهم الخلفاء، أما هؤلاء الخلفاء فلم يغيروا بعد موته، بل تمسكوا بسنته غاية التمسك.
وأما قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) فالمراد القرابة والأخوة، لا أنه يُفضل بهذا على غيره.
ومثلًا الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب وبالسيئات، ويُخرجون العاصي أو المذنب من الإسلام ويُدخلونه في الكفر، ويستحلون دمه، ويخلدونه في النار إذا مات على ذلك، قد يتشبثون ببعض الأدلة وببعض الآيات في تخليد العصاة في النار كقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠]، وينكرون الشفاعة، وينكرون خروج العصاة من النار.
ويغفلون عن الآيات التي فيها مغفرة الله، وسعة رحمته وفضله، ويتركون الآيات الصريحة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، ومثل قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًَا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، ومثل أحاديث الشفاعة التي تعم كل من قال: لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبه، وأشباه ذلك.
ونقول لهم: الآيات التي ذكرتم خاصة بالكفار الذين كُتب عليهم الخلود؛ وذلك لأن في أولها ذكر الكفر، وذكر الشرك، فهؤلاء هم الذين لا يخرجون من النار، وإذا أرادوا الخروج منها أعيدوا فيها، وأما الذين من أهل التوحيد ودخلوها عقوبة على ذنوب مؤقتة فإنهم يخرجون منها، إذًا: فلا دلالة لكم فيما تمسكتم به من العمومات، بل الأدلة واضحة في أنكم خاطئون ومائلون وزائغون عن الحق والصواب.
كذلك مثلًا المرجئة الذين يعتقدون أن المعاصي لا تضر، ويستدلون بآيات الوعد، ويتركون آيات الوعيد، فيستدلون بقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًَا عَظِيمًَا﴾ [النساء:٤٠] ويقولون: إن الشرك يحبط الأعمال، فإذا كان الشرك يحبط الأعمال، فكذلك الإيمان يمحو السيئات، فلا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل.
ونقول لهم: هذا قياس فاسد، وذلك لأن الله توعد العصاة بأنواع من الوعيد، وجعل هذا الوعيد خاصًا بأنهم يعذبون في النار على قدر ذنوبهم، فنحمل على ذلك الآيات التي تمسك بها الوعيدية.
وعلى كل حال: فإذا أردنا أن نجمع هؤلاء الخوارج وهؤلاء المرجئة والمعتزلة والأشعرية والكَرَّامية والكُلَّابية والخَطَّابية وأشباههم من المبتدعة، وكذا الرافضة والزيدية والإمامية والشيعة وما أشبه ذلك، لا بد أنهم إذا تليت عليهم الأدلة الواضحة لم يستطيعوا أن ينفصلوا عنها.
وكذلك نقول للمخالفين في هذا العصر وفي هذه الأيام؛ الذين تمذهبوا وتحزبوا نقول: لا شك أن خلافاتكم هذه صريحة في مخالفة الحق والصواب، إذا رجعتم إلى كتاب الله وسنة رسوله وجدتم أنها تقدح في معتقدكم، وأن الأدلة ترد أقوالكم، وتنص على خلاف ما تقولونه، وأنكم متى فضلتم رأيًا أو نظرًا أو ميلًا فقد أبطلتم الأدلة، وعدلتم عن السنة، وفضلتم اتباع الأهواء والشهوات، وملتم إلى ما تمليه عليكم نفوسكم، فأصبحتم بذلك مخالفين لدينكم الذي تنتمون إليه، وهو دين الإسلام، وأصبحتم بذلك خارقين لإجماع الأمة في أن المرجع إلى كتاب الله.
ولكن هؤلاء الذين خالفوا في هذه الأزمنة، وهؤلاء الذين تمذهبوا بهذه المذاهب الجديدة، في الغالب أن انتماءهم إلى الإسلام مجرد انتماء لا حقيقة له، وإلا فلو نظرنا في مناهجهم التي يسلكونها لوجدناها تخالف الإسلام، تخالفه مخالفة كلية.
فهذا ما يتعلق بأحد النوعين من الاختلاف، وهو اختلاف التضاد الذي كل واحد من الصنفين يضلل الآخر ويُبَدِّعه، وهو مثل الاختلاف الذي وقع بين اليهود والنصارى، حتى اختلفوا اختلاف تضاد، حكى الله عنهم هذا الاختلاف بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] .
فكذلك هؤلاء المختلفون فإن اختلافهم أيضًا اختلاف تضاد، كل منهم يدعي الحق في جانبه.
فالخوارج يقولون مثلًا: ليست الجبرية على شيء، وكذا يقول المجبرة.
والأشاعرة يقولون: ليست المعتزلة على شيء، وكذا تقول المعتزلة.
وأهل السنة يقولون في الجميع: لستم على شيء، وكذلك أهل السنة مع الرافضة، كل منهم يقول: إنكم لستم على شيء، هؤلاء يقولون: الحق معنا وأنتم ضالون خاطئون، وهؤلاء يقولون كذلك أيضًا.
وكذلك الفرق التي حدثت في هذه الأزمان، وتسمت بأسماء جديدة، كل فرقة تجعل الحق في جانبها، وتفضل نفسها على الأخرى، وتقدح فيما يتمسك به الآخرون.
ولكن المرجع واحد، فإذا رجعنا إلى الأصل الذي هو الشريعة الإسلامية، وتركنا ما سواهما، عرفنا أن الحق واحد لا يتعدد، وحينئذ نقول: ليس لمن خالفه عذر، بل هو ملوم، وليس بمصيب، خلافًا للمعتزلة الذين جعلوا الاجتهاد يتعدد، والحق في جانب كل من المجتهدين وقالوا: إن كل مجتهد مصيب، ونحن نقول: الاجتهاد له حدود، ثم أيضًا النبي ﷺ أخبر بأن المجتهد واحد، والمصيب واحد، والمجتهد المخطئ معذور إذا أخطأ، وله أجر على اجتهاده، وخطؤه معفوٌّ عنه.
وهذا إذا كان الاجتهاد له مجال، وأما الذين قامت عليهم الحجة
[ ٩٨ / ١١ ]
حقيقة الاختلافات الواقعة في صدر الإسلام
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر، ومن جعل الله له هدايةً ونورًا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا؛ لكن نور على نور.
والاختلاف الأول الذي هو اختلاف التنوع: الذم فيه واقعٌ على مَن بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥]، وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًَّا آتَيْنَا حُكْمًَا وَعِلْمًَا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩] فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم.
وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة.
وكما في قوله ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
والاختلاف الثاني هو: ما حُمد فيه إحدى الطائفتين، وذُمت الأخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] .
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] الآيات.
وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]؛ لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرةً لهذه الأمة، وقريبٌ من هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللًا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية.
ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يقرون به على نوعين: أحدهما: اختلاف في تنزيله.
والثاني: اختلاف في تأويله.
وكلاهما فيه إيمانٌ ببعض دون بعض.
فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته، لكنه مخلوق في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق؛ لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: (أبهذا أمرتم؟! أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا) وفي رواية: (يا قوم! بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض؛ ولكن نزل القرآن يصدِّق بعضُه بعضًا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به)، وفي رواية: (فإن الأمم قبلكم لم يُلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر) وهو حديث مشهور مخرج في المسانيد والسنن، وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرت إلى النبي ﷺ يومًا فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يُعرف في وجهه الغضب فقال: (إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) .
وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات؛ وما يخالفه إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ما أنزله الله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًَا﴾ [الجمعة:٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوةً من غير فهم معناه، وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه، فوكَل علمه إلى الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالِمه) فامتثل ما أمر به نبيه ﷺ] .
في هذا الكلام يبين الشارح أن الاختلاف جنسه مذموم، وما ذاك إلا لأنه يسبب الوحشة والعداوة والبغضاء بين المسلمين، ويفرق الكلمة، ويوقع الفرقة المعنوية، بحيث تكون كل فرقة وكل حزب ينتصر لمحنته ولمعتقده ولمذهبه، ويضلل الآخر، فلا يكون المسلمون جميعًا مجتمعين، بل فرقًا وأحزابًا.
وأما الاختلاف الذي هو واقعي ولا يصل إلى حد الذم ولا التضليل فهذا اختلاف في فروع، أو يسمى اختلاف تنوُّع، ليس اختلاف تضاد، وذلك لأنه من طبيعة المجتهدين أن اجتهادهم يصيب تارةً ويخطئ تارة، وأن الذي يخطئ قد يخيل إليه أن الصواب معه، وأن الخطأ مع الآخر، فيستمر على خطئه الذي يظنه صوابًا وهو معذور والحال هذه.
[ ٩٨ / ١٢ ]
الاختلاف الواقع بين الصحابة في عهد النبي ﷺ
سمعنا ما نقله الشارح من الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في عهد النبي ﷺ، وأقرهم الله تعالى، وأقرهم رسوله ﵊.
ففي غزوة بني النضير -وهم يهود بجوار المدينة- حاصرهم الصحابة، وكانت نخيلهم محيطة بهم، فجعل بعض الصحابة يقطع من النخل ليكون غيظًا للكفار، وبعضهم يقول: لا تقطعوها فإنها في مآلها سترجع غنيمة للمسلمين، وكل منهم مجتهد، فأقر الله هؤلاء وهؤلاء فقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] .
وكذلك الاختلاف الذي حصل في غزوة بني قريظة، وهم أيضًا طائفة من اليهود، لما نقضوا العهد قال النبي ﷺ: (اخرجوا إليهم، لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة)، وهم بمكان بعيد، لا يمكن أن يصلوه في الوقت القريب، فبعض الصحابة صلوا في الطريق، وبعضهم أخروا الصلاة حتى وصلوا بني قريظة بعد غروب الشمس، فأقرَّ هؤلاء وهؤلاء، الأولون قالوا: إنما أراد منا الإسراع، والآخرون قالوا: نمتثل أمره ولو فات وقت الصلاة، فكلهم مجتهد، ويسمى هذا اختلاف تنوع، ولم يُخَطَّأ أحد منهم لاجتهادهم.
وهذا مثل الاختلاف الذي وقع بين الصحابة لما توفي النبي ﷺ، فبعضهم أنكر موته وقالوا: إنما هو إغماء، وبعضهم قال: إنه قد مات، فاختلفوا، ثم بعد ذلك اجتمعوا لما سمعوا أبا بكر يتلو قوله تعالى: ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] .
وكذلك لما ارتد المرتدون من الأعراب قال بعضهم: نقاتلهم، وقال بعضهم: إنهم يقرون بالشهادة، وإنما منعوا الزكاة فاختلفوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك على قتالهم، قال عمر: (ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) .
فهذا يبين أنهم متى علموا أن الحق مع أحدهم رجعوا إليه، ولم يتعصب أحد منهم لرأيه ولا لمذهبه، ولا شك أن هذا هو الصواب والفعل الصحيح، كون الإنسان يرجع إلى الحق متى عرفه، فإن الحق قديم كما قاله عمر ﵁، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
ومن هذا أيضًا الاختلاف الذي وقع بين الأئمة، وقع بين الصحابة خلاف في بعض الفروع، فخالف ابن عباس في أشياء ولكن لم يضلله غيره، فرُوي عنه أنه خالف حتى في مسائل فرضية، خالف في حجب الأم بأخوين، ورأى أنها لا تُحجب إلا بثلاثة أي: تحجب من الثلث إلى السدس، وقال: إن الأخوين ليسا بإخوة، والله يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] .
وخالف في العول وقال: إن الفرائض ليس فيها عول، يعني: زيادة في السهام، ونقص في الأنصباء، فقال: إن الذي علم عدد رمل عالج لم يجعل في المال نصفًا ونصفًا وثلثًا.
والصحابة الذين عملوا بالعول اتفقوا على العمل به؛ ولكن لم يضللوه، وقالوا: هذا اجتهاده، ولبقية الصحابة اجتهادهم.
وخالف في تحريم الحمر الأهلية، وقال: إن النبي ﷺ ما نهى عنها إلا أنها حمولة الناس، فرد عليه الصحابة الذين قالوا: إنه نهى عن الحمر وقال: (إنها رجس أو ركس) أو نحو ذلك، ولكن مع ذلك لم يعادوه، ولم يقاطعوه، ولم يكن بينهم وبينه عداوة وقالوا: هذا اجتهاده وللآخرين اجتهادهم.
[ ٩٨ / ١٣ ]
الاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة
الأئمة الأربعة الذين هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد اختلفوا اختلافًا كثيرًا، وتعرفون الكتب المؤلفة بحيث إن هناك أربعة أقوال في المسألة الواحدة؛ ولكن بعضهم يصلي وراء بعض، ولم يضلل بعضُهم بعضًا.
فمثلًا الإمام مالك يقول: لا تُقرأ البسملة في الصلاة لا سرًا ولا جهرًا.
والإمام الشافعي يقول: يُجهر بها، ومع ذلك هو يروي عن مالك ويقول: هو شيخي أروي عنه، ولو كنت قد خالفته في هذا.
والإمام أحمد يقول: تقرأ سرًا ولا يُجهر بها، والبسملة في الفاتحة وفي السورة.
وهذا الاختلاف لم يسبب تقاطعًا بينهم، بل كل منهم يروي عن الآخر، فالإمام أحمد يروي عن الشافعي، فيأخذ من آرائه ومن اجتهاداته، والشافعي يروي عن مالك، فيعترف به ويروي عنه في مسنده، وكذلك بقية العلماء.
وهكذا الخلاف الذي وقع بين أبي حنيفة ومالك، فمثلًا اختلفوا في تقدير الصاع، فقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال، وقال مالك: الصاع خمسة أرطال وثلث، ومع ذلك كل منهما يرى أن له اجتهاده.
واختلافهم في الزكاة، واختلافهم في مسائل كثيرة من الحج، واختلافهم في علة الربا وما أشبه ذلك.
ولا نضللهم في هذه الاختلافات، بل نقول: إن هذا مما أدى إليه اجتهادهم، وهم في ذلك كله بذلوا وسعهم فيدخلون في قوله ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
الذي أصاب لا شك أنه بذل جهدًا وتوسع في البحث والتنقيب، أو كان أمكن وأقوى وأفهم وأقدر؛ فوفقه الله فأصاب الحق، فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة.
أما الذي أخطأ وقد بذل وسعه في البحث فله أجر الاجتهاد، يفوته أجر الإصابة، ويُعذر إذا أخطأ؛ ولكن ليس كل أحد يكون أهلًا للاجتهاد، بل إنما يجتهد في المسائل ويبحث فيها من يكون عنده القدرة والاستطاعة على البحث، وعلى الوصول إلى الصواب، وعلى عين المسألة المطلوبة، فأما إذا كان قاصرًا في مثل هذه الأشياء فلا يليق أن يُمكن من الاجتهاد، ولا يقال: إنه من أهل الاجتهاد وإنه أصاب.
وبكل حال: الخلاف في فروع المسائل مشهور ومدون -والحمد لله- في الكتب الفقهية، وكل يأخذ مما تيسر منه، فإن وجدت المسألة فيها خلاف بين الشافعي وأحمد مثلًا أو بين مالك وأبي حنيفة فإنك تنظر أيها أقرب إلى الصواب، وأيها أمكن في نفسك، وأقرب إلى الإصابة والدليل، فتأخذ بها، ولا تأخذ بمجرد الميل، ولا بما تهواه النفس، بل ترجع إلى ما هو الأولى والصواب، وبذلك تكون موفقًا إن شاء الله.
[ ٩٨ / ١٤ ]