وقوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون)
من فروع ما يجب اعتقاده في أصحاب الرسول ﷺ هذه المسائل التي أردفها المؤلف لما قبلها، فذكر أولا: ما يجب لعموم الصحابة ﵃ من المحبة والاحترام وذكر المحاسن والكف عن المساوي إلخ، ثم قال: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا: لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁) هذا أيضا مما يقرروه، ويدين لله به أهل السنة: أنَّ الأحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، فيثبتونها له تفضيلا له وتقديما له على سائر الصحابة؛ فولايته للخلافة بعد رسول الله ﷺ كانت عن أهلية واستحقاق، وليس أثباتهم لها واقعا فقط، كما تقول الرافضة؛ فالرافضة يقولون: الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر واقعا، لكن عندهم أن خلافته بغير حق.
فقول الطحاوي: (تفضيلا له) أي: هو الأحق بتولي الخلافة بعد رسول الله ﷺ؛ لأنه أفضل الأمة، كما دلت على ذلك الأحاديث في فضل أبي بكر ﵁.
ثم اختلف الناس في خلافة أبي بكر ﵁ بعد الرسول ﷺ، هل ثبتت بالنص أو بالاختيار؟
[ ٣٦٤ ]
فمن أهل السنة من قال: إنها ثبتت بالنص الجلي.
ومنهم من قال: إنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة.
ومنهم من قال: إنها ثبتت بالاختيارـ أي ـ: باتفاق الصحابة ﵁ (^١).
وقد جاءت أدلة تدل على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ، من ذلك أنه ﷺ قال وهو في مرض موته ﷺ: «مُروا أبا بكر فليصلِ بالناس» (^٢) وكرره وأكده، وفعلا كان هو الإمام، ومات النبي ﷺ وهو الذي يصلي بهم، فتقديمه في إمامة الصلاة فيه التنبيه على أحقيته بالأمر من بعده؛ لأن هذا هو الأصل، فالرسول ﷺ كان هو إمام المسلمين عموما وخصوصا؛ فهو إمامهم في الصلاة، وهو إمامهم في تدبير أمورهم وولاية شؤونهم.
ومن ذلك أنه أراد في مرض موته أن يكتب لأبي بكر كتابا، فقال لعائشة ﵁: (لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون) (^٣).
وفي الحديث الصحيح: «أن امرأة أتت النبي ﷺ فكلمته في شيء، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ - كأنها تريد الموت - قال: إنْ لم تجديني فأتي أبا بكر» (^٤).
وما ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوٌ فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذَنُوبا أو ذَنُوبين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غَرْبا
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ٤٨٦ - ٥٢٦.
(٢) رواه البخاري (٦٦٤)، ومسلم (٤١٨) من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري (٥٦٦٦)، - واللفظ له - ومسلم (٢٣٨٧) من حديث عائشة ﵂.
(٤) رواه البخاري (٧٢٢٠)، ومسلم (٢٣٨٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁.
[ ٣٦٥ ]
فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يَنْزِع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعَطَنٍ) (^١). أي: سقى للناس، وهذا ما وقع في خلافته من استقرار الأمر، وانتشار الإسلام، وكثرة الفتوح.
فتأولها أهل العلم (^٢) على أمر الولاية والخلافة من بعده ﷺ، فأبو بكر ولي الأمر بعد الرسول ﷺ مدة قصيرة سنتين وأشهر، وحصل في ولايته خير كثير ومن أعظم ذلك تثبيت أمر الإسلام ودولته، وقتال المرتدين، ورد كثيرا منهم إلى الإسلام.
وأظهر الأقوال عندي فيما ثبت به أمر الخلافة هو أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة؛ إذ ليس هناك نص جلي يقول: الخليفة من بعدي هو أبو بكر، لكن هذه النصوص بمجموعها تدل دلالة بينة على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر، وأنه الخليفة من بعده ﷺ، ثم وفق الله أصحاب رسول الله ﷺ لاختياره عندما اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وقال قائل منهم للمهاجرين: «منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فبايِعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال: عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس» (^٣).
ولم يخالف في ذلك من يعتد بخلافه، فلا نزاع بين الصحابة في أن أبا بكر ﵁ أفضلهم، كما في حديث عمرو بن العاص ﵁، قلت يا رسول الله: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم مَن؟ قال: عمر فَعَدَّ رجالا) (^٤).
فهو أحب الناس إلى الرسول ﷺ وأَمَنِّهم عليه في صحبته وماله،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٦٤)، ومسلم (٢٣٩٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) المنهاج ١٥/ ١٥٧، وفتح الباري ٧/ ٣٨.
(٣) رواه البخاري (٣٦٦٨) من حديث عائشة ﵂، وهذا اللفظ مختصر.
(٤) رواه البخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤).
[ ٣٦٦ ]
فهو أحق بالأمر من بعده؛ فلذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ هو أبو بكر.
ولشيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضع جمع حسن، قال: «خلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه، اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا» (^١).
وأما قول عمر ﵁: «إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ» (^٢).
فقد حمل على أن الرسول ﷺ لم يستخلف بعهد مكتوب، ونص صريح كما تقدم.
وأهل السنة يثبتون الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁، وهذا موضع اتفاق، وكانت خلافته بعهد من أبي بكر، فانتقل أمر ولاية المسلمين إلى عمر ﵁، ولم يكن هناك أي اختلاف، ولا ريب أن عمر ﵁ هو الأحق بالأمر من بعده، فهو قرينُه في النصوص الدالة على فضل أبي بكر ﵁، فقد كان رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (^٣) وكذلك في حديث الرؤيا المتقدم (^٤).
فأهل السنة يثبتون الخلافة لأبي بكر ثم عمر ولا ينازع في هذا إلا الرافضة، فالرافضة ينازعون في خلافة الخلفاء الثلاثة كلهم، وعندهم أن خلافتهم باطلة وظلم، واغتصاب للحق؛ لأنهم يزعمون أن الوصي
_________________
(١) منهاج السنة ١/ ٥٢٤.
(٢) رواه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣) من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه البخاري (٣٦٧٧)، ومسلم (٢٣٨٩) من حديث ابن عباس عن علي ﵃.
(٤) ص ٣٦٥.
[ ٣٦٧ ]
بعد رسول الله ﷺ هو علي ﵁، وأن الصحابة ﵃ ظلموه واغتصبوا حقه وجحدوا وصية الرسول ﷺ!
ولا نزاع بين أهل السنة في أن الأحق بالأمر بعد الرسول ﷺ الثلاثة على مراتبهم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ﵃، ثم علي ﵁ هو الأحق بالأمر بعد عثمان، فإن عمر ﵁ جعل الأمر شورى بين الستة الذين قال: «إن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض» (^١)، فبعدما تشاورا وشاور عبدُ الرحمن الناسَ قال: «لم أرهم يعدلون بعثمان، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون» (^٢)، فتم الأمر واستقرت الخلافة لعثمان من بعد عمر ﵄، وبعد الفتنة ومقتل عثمان لا أحد ينافس عليا ﵁ في الفضل، ولا أحد يدعي أنه أحق بالأمر منه.
وأهل السنة والجماعة يرتبون الخلفاء في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فيقولون: أفضل هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «كنا نُخَيِّرُ بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (^٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: «بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يُضَلَّل المخالِف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن
_________________
(١) رواه البخاري (٣٧٠٠)، ومسلم (٥٦٧).
(٢) رواه البخاري (٧٢٠٧) من حديث المِسْوَرِ بن مخرمة ﵄.
(٣) رواه البخاري (٣٦٥٥) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٣٦٨ ]
طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضل من حمار أهله» (^١).
وجاء عن بعض السلف أنه قال: «من قدَّم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار» (^٢).
أي: تنقصهم واستخف بعقولهم وسفه رأيهم؛ لأنهم أطبقوا على تولية عثمان، من طعن في خلافة عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون، وإذا أطلق الخلفاء الراشدون؛ فإنه ينصرف إليهم، فخلافتهم خلافة نبوة، وهذا لا ينفي أن يقال في بعض من ولي أمر المسلمين إنه خليفة راشد، كما قيل ذلك في عمر بن عبد العزيز ﵀.
وعلي ﵁ وإن لم يتم له الأمر على جميع المسلمين فهذا لا ينفي اعتباره من الخلفاء الراشدين، ولا ينفي أن تكون خلافته خلافة نبوة، لكن لا ريب أن خلافته ليست كخلافة مَن قبله في أثرها على الإسلام والمسلمين، كما أن عثمان ﵁ دون عمر ﵁.
ولكن على كل حال هم الخلفاء الراشدون المهديون كما في الحديث المعروف أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعَضَّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) (^٣).
واعتمد أهل العلم في اعتبار ما سنه الخلفاء على هذا الحديث.
وقال ﷺ في أبي بكر وعمر: (اقتدوا بالذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر) (^٤).
_________________
(١) الواسطية ص ٢٦٠.
(٢) روي هذا عن أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني ﵏. السنة للخلال ٢/ ٣٩٢، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤٢٦ و٤٣٥ ومنهاج السنة ٢/ ٧٣.
(٣) تقدم تخريجه في ص ٢٧٣.
(٤) رواه أحمد ٥/ ٣٨٢، والترمذي (٣٦٦٢) - وقال: حسن ـ، وابن حبان (٦٩٠٢) والحاكم ٣/ ٧٥ من حديث حذيفة ﵁.
[ ٣٦٩ ]
فأمر ﷺ بالاقتداء بهما، واتباع سنة الخلفاء الراشدين، فكل ما سنُّوه مما لا يخالف ما جاء عن الرسول ﷺ؛ فإن على الأمة أن يتبعوهم في سنتهم، فهم أحرى بالصواب من غيرهم، حتى قال بعض أهل العلم: «إن إجماع الخلفاء الأربعة حجة» (^١)؛ لأنهم لا يكادون يجمعون على خطأ، ولا أذكر أنهم أجمعوا في مسألة وكان الصواب في خلافها.
_________________
(١) روضة الناظر ٢/ ٤٧٤، وأصول الفقه ٢/ ٤١٢.
[ ٣٧٠ ]