قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ، وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة الزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين).
بعدما ذكر الطحاوي ﵀ اعتقاد أهل السنة والجماعة في الخلفاء الراشدين، وأنهم خير هذه الأمة وأفضلها، وهم في الفضل على مراتب على ترتيبهم في الخلافة، ويليهم في الفضل بقية العشرة؛ ولهذا أردف الطحاوي الكلام في الخلفاء الراشدين بذكر فضل بقية العشرة فيقول: إن العشرة المبشرين بالجنة الذين شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة نشهد لهم بشهادته ﷺ إيمانا وتصديقا له ﷺ، وأن ما أخبر به هو الحق، فقد ثبت من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عشرة في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد) (^١).
وقد ورد لكل منهم فضيلة، بل فضائل، جاءت في الأحاديث كفضائل أبي بكر وعمر خاصة، وفضائل لعثمان ولعلي، والزبير، وهكذا، ومن ذلك ما أشار إليه الطحاوي من قوله: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة) ففي حديث حذيفة ﵁: «جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا، فقال: لأبعثنَّ إليكم رجلا أمينا حَقُّ أمين،
_________________
(١) تقدم في ص ٢١٩.
[ ٣٧١ ]
فاستشرف له الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح» (^١). فهذا يدل على فضيلةٍ له، وأن له تميزا في هذا الشأن، وإلا فالأمانة صفة كل مؤمن.
وقد ثبت تبشير أبي بكر وعمر وعثمان بالجنة في غير هذا الحديث ففي حديث أبي موسى ﵁ في الصحيحين (كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي ﷺ: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ، فحمد الله ثم قال: الله المستعان) (^٢).
وقد وقع كما أخبر ﷺ فقد ابتلي عثمان بأهل الفتنة الذين ثاروا عليه، وطعنوا في ولايته، وحاصروه في داره حتى انتهى أمرهم إلى قتله.
فهؤلاء العشرة ﵃ لهم فضيلة على سائر الصحابة، وأفضلهم الخلفاء وترتيبهم في الفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، وأما بالنسبة للستة فلا يفضل بعضهم على بعض، هذا هو ظاهر هذه الأحاديث؛ لأن التفضيل موقوف على الدليل.
وقد تقدمت هذه المسألة (^٣)، لكن هنا بمناسبة ذكر الخلفاء الراشدين وبقية العشرة، فهم من جملة من يشهد له بالجنة، وليست هذه الفضيلة مختصة بهم، بل شهد الرسول ﷺ لثابت بن قيس، والحسن والحسين، وعكاشة بن محصن؛ بل نشهد بالجنة لكل من شهد بيعة الرضوان؛ لقوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٨١)، ومسلم (٢٤٢٠).
(٢) رواه البخاري (٣٦٩٣)، ومسلم (٢٤٠٣).
(٣) تقدم في ص ٢١٩.
[ ٣٧٢ ]
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ» [الفتح: ١٨]؛ ولقوله ﷺ: (لا يدخلُ النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة) (^١).
والرافضة يبغضون العشرة إلا عليا ﵁، فهم يبغضون التسعة من العشرة، ومن حماقاتهم أنهم صاروا يكرهون رقم العشرة، ويتشاءمون به، ويتجنبونه مبالغة في بغض أولئك العشرة، مع أن العدد ليس متعلَقا لمدح ولا ذم، فقد يكون لمحمود ومذموم، وطرد هذا أن يبغض رقم تسعة بسبب التسعة الذين هم من قوم صالح «وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» [النمل: ٤٨] أفيصح في عقل عاقل أن يهجر عدد التسعة، وأن يتشاءم به؛ من أجل أنه عدد أولئك الرهط؟!
هذه جهالة وحماقة، وهذه الحماقة من الرافضة ذكرها شيخ الإسلام ﵀ في أول منهاج أهل السنة، في معرض ذكر حماقات الرافضة وناقشها فقال: «بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]» (^٢) إلخ كلامه.
_________________
(١) انظر تخريج هذه الأحاديث في ص ٢١٩ و٢٢٠ و٣٥٧.
(٢) ١/ ٤٠.
[ ٣٧٣ ]