وقوله: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي من الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الأدوات فهي قَبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًَا إِلَّا وُسْعَهَا» [البقرة: ٢٨٦]).
الاستطاعة هي: القدرة، تقول: فلان يقدر على كذا أو لا يقدر، وجاءت النصوص فيها ذكر الاستطاعة، قال ﷾: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦]، «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًَا» [آل عمران: ٩٧]، وقال ﷺ: (إذا أمرتكم بأمر فَأْتُوا منه ما استطعتم) (^١)، وقال ﷺ لعمران بن حصين ﵁: (صلِّ قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم تستطع فعلى جنب). (^٢) وقال ﷾ في الكفار: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠].
والاستطاعة نوعان (^٣):
نوع قبل الفعل.
ونوع مع الفعل.
فالاستطاعة التي قبل الفعل هي مناط التكليف، فإذا لم توجد فلا تكليف، إذ لا واجب مع العجز.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).
(٢) رواه البخاري (١١١٧).
(٣) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٦٠، ومنهاج السنة ٣/ ٤٧، ومجموع الفتاوى ٨/ ٢٩٠ و٣٧١.
[ ٣٢٦ ]
والقدرة والاستطاعة التي قبل الفعل، مثل: الصحة، وسلامة الآلات، وحصول الأسباب التي لا بد منها في الفعل، فهذه هي مناط التكليف، قال تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًَا» [آل عمران: ٩٧] السبيل: الزاد والراحلة، وكذلك القدرة البدنية لا بد منها، فلا يجب المضي للحج إلا على من توفرت له القدرة البدنية والمالية، فهذه الاستطاعة هي مناط التكليف، ويقر بها جميع الطوائف، ويستوي فيها جميع الناس: المطيع والعاصي كلهم مستطيع، فمن أمر بالصلاة - مثلا - وهو سليم العقل والحواس وقادر إن صلى أو ترك فهو مستطيع.
والنوع الثاني: الاستطاعة التي تكون مع الفعل، ويكون بها الفعل، فهذه ليست مناطا للتكليف؛ بل يمنحها الله لمن يشاء، وهي التي تحصل بالتوفيق والهداية الخاصة، وهي المنفية عن الكفار في مثل قوله تعالى: «مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ» [هود: ٢٠]، «وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًَا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًَا» [الكهف: ١٠٠ - ١٠١]، وليس المعنى أنهم صم لا يسمعون، فالأصم معذور إذا لم يسمعْ ما يجب سماعه، والأعمى معذور إذا لم يبصرْ ما يجب إبصاره؛ لأنه غير مستطيع؛ لكن الاستطاعة المنفية عنهم هي الاستطاعة التي تكون مع الفعل، وهي ليست مناطا للتكليف، فهم مستطيعون لكن صرفهم الهوى والشهوات عن الانقياد.
فمثلا: بعض الناس، يقال له: اترك شرب الدخان، فيقول: لا أستطيع! لا يستطيع بسبب غلبة شهوته، وهو في الحقيقة مستطيع.
أو قيل له: حافظ على صلاة الفجر مع الجماعة، فيقول: لا أستطيع، أهو لا يستطيع؟! لا والله، مستطيع، ولو كان عنده أمر فيه مصلحة تهمه لنهض إليها، وظهرت استطاعته!
وغلط في هذا المقام طائفتان:
من لم يثبت إلا الاستطاعة التي قَبل الفعل، وهم المعتزلة.
فقد نفوا الاستطاعة الثانية؛ لأن الله عندهم لا يقدر أن يهدي
[ ٣٢٧ ]
أحدا ولا يضل أحدا؛ بل العبد هو الذي يتصرف في نفسه.
والطائفة الثانية: حكى قولهم ابن أبي العز في الشرح فقال: إن طائفة من أهل السنة - ولم يعينهم (^١) - قالوا: (الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل) (^٢)، وهذا غلط؛ فإن قولهم هذا يقتضي أن معنى قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [التغابن: ١٦] اتقوا الله إذا اتقيتم الله، فلا تجب التقوى إلا على من اتقى، ولا يجب الحج إلا على من حج، وهذا ظاهر الفساد.
وقوله: (من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به).
التوفيق هو صفة الله تعالى يوفق ويهدي من يشاء، أما الاستطاعة فهي أثر هذا التوفيق، أما قوله: (الذي لا يوصف المخلوق به فهي مع الفعل) أي: الاستطاعة هي صفة للمخلوق لكن بمنح الله له، يمنحها من يشاء.
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من أطلق القول بأن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فإطلاقه مخالف لما ورد في الكتاب والسنة وما اتفق عليه وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها -كإطلاق القول بالجبر- وإن كان قد أطلق ذلك طوائف من المنتسبين إلى السنة في ردهم على القدرية من المنتسبين إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة: كأبي الحسن، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، وأبي الحسن بن الزغواني، وغيرهم، فقد منع من هذا الإطلاق جمهور أهل العلم كأبي العباس بن سريج وأبي العباس القلانسي، وغيرهما، ونقل ذلك عن أبي حنيفة نفسه، وهو مقتضى قول جميع الأئمة. مجموع الفتاوى ٨/ ٢٩٩.
(٢) ٦٣٣.
[ ٣٢٨ ]