» [التوبة: ٢١] وقال تعالى: «وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ» [الحجر: ٤٨].
وكذلك النار جاء فيها ما يدل على الدوام، قال تعالى: «يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ» [المائدة: ٣٧]، وقال تعالى: «كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًَا» [الإسراء: ٩٧]، «كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا» [الحج: ٢٢].
وذهبت الجهم بن صفوان ومن تبعه إلى فناء الجنة والنار، فعندهم أن المخلوقات يمتنع دوامها في الماضي، وكذلك دوامها في المستقبل.
وأجمع أهل السنة إجماعا قطعيا وسائر الفرق ما عدا الفرقة الضالة الجهمية إلى دوام الجنة، وأما النار فجمهور أهل السنة وسائر الطوائف على دوامها كذلك، وفيها قول آخر ذكره ابن القيم، فقد عُني ﵀ بالكلام على هذه المسألة (^١) كعادته في البحث إذا بحث مسألة أبدع فيها، وأتى بكل ما يمكن من الاستدلال والحوار، والجواب والمناقشات في سائر المسائل الخلافية التي يتعرض لها، يذكر كل ما للطائفتين من حجج واستدلالات وتوجيهات، ويقابل بينهما ويناقشهما، فتارة يرجح ترجيحا ظاهرا وبقوة، وتارة يعرض ويقف، وإذا عرض لأحد القولين يقول القائل: إنه يختار هذا، فإذا عرض القول الآخر قال: كأنه يختار الثاني، والذي يظهر أنه هكذا وقع له في
_________________
(١) «حادي الأرواح» ٢/ ٧٣٠ - ٧٩٢، و«شفاء العليل» ص ٢٥٤ - ٢٦٤، و«مختصر الصواعق» ٢/ ٦٣٧ - ٦٨٥، وقبله شيخ الإسلام في كتابه «الرد على من قال بفناء الجنة والنار».
[ ٣١٦ ]
هذه المسألة، فلما ذكر حجج القولين يظن الظان إذا قرأ استدلالاته للقول الآخر يظن أنه قائل به (^١).
وأكثر ما نقوله هنا: إن القول بفناء النار قول مرجوع، ولكن لا يقال: إنه بدعة، ولا يُبدَّع من قال به، ومن الناس من بدَّع من قال به، ومنهم من رمى ابن تيمية بالقول به، وجزم بأنه قال: بفناء النار، وقالوا: إنه له اعتقادات فاسدة، وهذا يقوله المتجنون على شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه الذين خالفهم في كثير من مسائل الاعتقاد، وقد ذكر ابن القيم أنه سأل شيخ الإسلام عن مسألة فناء النار، فقال: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ثم ذكر فيها القولين، (^٢) ولم يذكر عن شيخه أنه ذهب إلى القول بفناء النار خلافا لمن ينسب إليه ذلك. (^٣)
وقال أفاض شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير القول بدوام الجنة والنار والجواب عما استدل به للقول بفناء النار كقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ» [هود: ١٠٧]، وقوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» [الأنعام: ١٢٨] ذكر هذه المسألة عند هذه الآية في سورة الأنعام من كتابه «دفع إيهام الاضطراب
_________________
(١) وقال في آخر البحث في حادي الأرواح ٢/ ٧٩١: فإن قيل إلى أين انتهى قدمكم في هذه المسالة العظيمة الشأن؟ قيل: إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، ونحوه في شفاء العليل ص ٢٦٤، ومختصر الصواعق ٢/ ٦٦٣، وله كلمة مختصرة عابرة في «الوابل الصيب» ص ٤٢، صرح فيها ببقاء النار وعدم فنائها.
(٢) السؤال في شفاء العليل ص ٢٦٤، وجوابه: فقال شيخ الإسلام: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ولم يجب فيها بشيء، فمضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد الكشي بعض تلك الآثار التي ذكرتُ، فأرسلت إليه الكتاب وهو في محبسه الأخير، وعلَّمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له هذا الموضع يشكل عليه ولا يدري ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه.
(٣) كالحصني والسبكي، انظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ص ٦٠٨.
[ ٣١٧ ]
عن آي الكتاب» (^١).
وقد أجيب بأجوبة كثيرة عن قوله تعالى: «إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ» [الأنعام: ١٢٨] وأن المراد بهذا الاستثناء: مكثهم في القبور، أو لبثهم في الدنيا، أو في مواقف القيامة، هذه كلها أقوال ليست بالظاهرة؛ لأن المراد بيان خلودهم بعد ذلك: «خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ» [هود: ١٠٧] وأحسن ما قيل: إن المراد بيان أن بقاءهم إنما هو بمشيئة الله، كما أن بقاء أهل الجنة في الجنة إنما هو بمشيئة الله، فبقاء الرب تعالى ودوام وجوده ذاتي، أما بقاء أهل الجنة أبد الآباد فبإبقائه ﷾ ومشيئته.
_________________
(١) ص ١٣٣، وانظر: «مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» ص ٥١.
[ ٣١٨ ]