وقوله: (والخير والشر مقدران على العباد).
هذا مضمونه تقدم (^١) في قوله: (القدرُ خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى) قال النبي ﷺ: (وتؤمن بالقدر خيره وشره) (^٢) قال تعالى: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» [النساء: ٧٨]، كل ما يجري على العباد من خير ديني أو دنيوي، أو شر ديني أو دنيوي، فهو جار بقدر، ولا خروج لشيء عن القدر، هذا موجب كمالِ مُلك اللهِ وكمالِ قدرته، وعموم مشيئته، فهو ﷾ الذي يعطي ويمنع، فكل ما لدى العباد من الخير بأنواعه فهو بمنه وبعطائه، وكل ما مُنِعوا فبعدله سبحانه، (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) (^٣) وتفصيل ذلك في مثل قوله: «مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [فاطر: ٢]، وقال النبي ﷺ: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) (^٤)، وقال ﷺ لابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله
_________________
(١) ص ٢٤٥.
(٢) تقدم في ص ٢٠١.
(٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) رواه مسلم (٨٦٧) من حديث جابر ﵁.
[ ٣٢٤ ]
عليك) (^١) لكن كل هذا لا ينافي الأخذ بالأسباب، ولهذا الناس بسبب الجهل، وعدم الاعتصام بهدى الله، اضطربوا؛ فمنهم:
من أنكر القدر، ونفى تعلق علم الرب وكتابه ومشيئته بأفعال العباد، وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها.
وآخرون أخرجوا أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه وقدرته.
وآخرون أثبتوا القدر وأنكروا الأسباب.
ومن عُوفي من هذه الضلالات فليحمد الله.
فالذين ينكرون الأسباب يقولون: إذا شربت ورويت؛ فالماء لا له أثر في الري، وأكلك لا له أثر في الشبع، ولكن حين شربتَ وأكلتَ خلقَ اللهُ لك الشبع!
والنار إذا أشعلتها في الحطب، فليست هي التي أحرقت الحطب؛ لكن لما جاءت النار عند الحطب خلق الله الإحراق فيها!
فيكون قولك: (أحرقتِ النارُ الحطبَ) مجازا لا حقيقة!
وإنكار الأسباب قول مشهور عن الأشاعرة (^٢).
_________________
(١) تقدم في ص ١٨٢.
(٢) مجموع الفتاوى ٨/ ١٢٨، والتدمرية ص ٤٩٣، وشفاء العليل ص ١٨٨.
[ ٣٢٥ ]