وقوله: «وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له وصائر إلى ما خُلِق له».
هذا دخول في مسائل متعلقة بالقدر، وقد فرَّق الشيخ الكلام في القدر، كما فرق المسائل المتعلقة بأصول الإيمان؛ فيذكر مسائل تتعلق بالإيمان بالله، أو الملائكة، أو الرسل، أو باليوم الآخر، وهذه المسائل الآتية متعلقة بالقدر، وبالمسألة التي تقدمت وهي: خلق الجنة والنار.
يقول: «وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق» هذا ظاهر، ولا يريد بالخلق جميع المخلوقات، الظاهر أنه يريد قبل خلق الناس؛ لأن الخلق تارة يطلق على جنس المخلوقات، وتارة يطلق على خصوص المكلفين، ولهذا قال: وخلق لهما أهلًا، أي: خلق الجنة والنار، ثم خلق لهما خلقًا من الجن والإنس، خلق آدم وحواء، ثم خلق ذريتهما إلى آخر من يشاء الله تعالى خلقه من هذا الجنس البشر، ومن الجن.
ويحتمل أن يكون مراده من قوله: «وخلق لهما أهلًا»، أي: قدَّر لهما أهلًا، ف «خلق» يأتي بمعنى «أوجد» وبمعنى «قدَّر»، والأول أظهر.
[ ٣٧٤ ]
وقوله: «فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه».
هذا شروعٌ في تقسيم الخلق، وأن الله ﷾ جعلهم فريقين: سعداء وأشقياء، فمن العباد من خلقه للجنة، وبعمل أهل الجنة يعمل، ومنهم من خلقه للنار، وبعمل أهل النار يعمل، نعوذ بالله من النار.
فمن شاء الله له منهم أن يكون من أهل الجنة كان كذلك فضلًا من الله ﷾، والله يؤتي فضله من يشاء، ومن شاء الله منهم إلى النار عدلًا، فحكمه في عباده دائر بين الفضل والعدل، وهذا المعنى ثناه المؤلف ﵀، فقد تقدم (^١) قوله: «يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا».
والله تعالى أعلم بعباده، ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾ [الإسراء]، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات]، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم]، هذا كله يرجع إلى الإيمان بالقدر: الإيمان بعلم الله السابق
_________________
(١) ص ٨٩.
[ ٣٧٥ ]
لكل شيء، والإيمان بكتابته لمقادير الأشياء في أم الكتاب، والإيمان بعموم مشيئة الله، وأنه لا خروج لشيء عن مشيئته، وأنه تعالى خالق كل شيء، فبفضله تعالى اهتدى المهتدون، وبعدله تعالى ضل الضالون: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، هذا دعاء حقيق بأن نعرف معناه وقدره وضرورتنا إلى مضمونه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس].
فيجب الإيمان بالقدر، والإيمان بالقدر يشمل الإيمان بأن الله قد علم أهل الجنة من أهل النار، وكتب ذلك، ولهذا لما أخبر الرسول ﷺ بأنه: «ما من نفس إلا وقد علم مكانها من الجنة ومكانها من النار»، قال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة» (^١)، وسئل النبي ﷺ: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس]» (^٢).
والنظر للقدر في أمر الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، من أعظم مداخل الشيطان؛ لأن الشيطان يوسوس ويقول: ما دام الأمر قد مضى
_________________
(١) تقدم في ص ١٩٣.
(٢) تقدم في ص ١٩٤.
[ ٣٧٦ ]
وسبق به القدر؛ فإن كنت من أهل الجنة فستكون من أهل الجنة! لا، لن تكون من أهل الجنة إلا إذا عملت بسبب دخول الجنة، فلن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، فمن سبق علم الله وكتابه بأنه من أهل الجنة، فلا بد أن يقوم به سبب دخولها، وإن لم يقم به سبب دخولها فوالله لا يدخلها، وكل مكلف لا بد أن يقوم بأحد السببين: سبب دخول الجنة أو سبب دخول النار، «والأعمال بالخواتيم».
وقوله: «وكلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له، وصائر إلى ما خُلِق له».
وكلٌّ من المكلفين يعمل لما قد فُرِغَ له منه، و«كُلٌّ» التنوين فيها عِوضٌ عن «أحد»، «يعمل لما قد فُرِغَ له» منه «وصائر إلى ما خُلِق له»، هذا شرح وتبسيط لما قبله، وهذا معنى قوله ﷺ: «فكلٌّ ميسر لما خلق له». «كلٌّ يعمل لما قد فُرِغَ له» منه «وصائر إلى ما خُلِق له» فمن خُلِق للجنة فصائر إلى الجنة، ومن خُلِق للنار فصائر إلى النار، ولكن بالأسباب التي جعلها الله لذلك، فالنار أعدها الله للكافرين، ولن يخلد فيها إلا الكافرون، والجنة أعدت للمتقين، ولن يدخلها إلا نفس مؤمنة.
والأخذ بالأسباب هو فطرة فطر الله عليها العباد؛ لكن هناك أشياء ما ينظر بعض الناس للقدر فيها:
طلب الرزق فهو من جنس ما سبق به القدر من أمر السعادة والشقاوة، أفيقول عاقل: أنا أجلس ولا أطلب الرزق؛ لأنه سيأتيني؟! لا؛ بل إذا أصبح الناس نهضوا وانتشروا يطلبون الرزق.
نعم! قد يقوله الكسول تبريرًا لكسله وخموله ودَعَتِه.
[ ٣٧٧ ]
وكما أنه موجَب العقل والفطرة، فهو أيضًا موجَب الشرع، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
فكيف يأتي هذا لأخطر الأشياء ويقول: إذا كنت من أهل الجنة فسأترك العمل! لا والله، من ترك الإيمان والطاعة اتكالًا على القدر، علمنا أنه إن مات على ذلك فهو من أهل النار، وكذا من نام عن صلاة الفجر وقال: إن كان كُتب لي أجر فسيجيئني بدون أن أقوم وأصلي! فهل سيكتب له أجر؟!
الله سبحانه رتب المسببات على الأسباب، فهناك مسببات لا تكون إلا بأسباب معينة، ولا يمكن تحصيلها إلا بهذا السبب المعين، كالولد، فلا يمكن لأحد أن يُولد له إلا بوطء؟!
أما الرزق فله أسباب متعددة، وطرق كسب كثيرة، بخلاف الولد؛ فلا يوجد إلا سبب واحد معين.
كذلك الجنة والنار، الجنة لا يمكن دخلوها إلا بالإيمان والعمل الصالح، فمن فقد هذا السبب فإلى الضد والنقيض. نعوذ بالله!
فهذه مقامات عظيمة على المسلم أن يلجأ إلى ربه، ويسأله الثبات والتوفيق والهداية، ويُلِحَّ بهذا الدعاء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، ويسأل الله حسن الخاتمة: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف].
* * *
[ ٣٧٨ ]