قوله: «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌّ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء».
هذا رد على ملاحدة الصوفية، ومنهم الاتحادية أصحاب وحدة الوجود الذين شيخهم الضال الملحد ابن عربي صاحب المقالات الكفرية في كتبه المشهورة المعروفة ك «الفتوحات المكية» و«فصوص الحِكم» (^١)، فإن من ضلالاته التي تضمنتها كتبه قوله: إن الولي أفضل من النبي، وعنده أن المراتب ترتب هكذا: الولاية أعلاها، ودونها النبوة ودونها الرسالة، وذكروا عنه بيتًا:
مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي (^٢)
إذًا؛ أدنى هذا المراتب بزعمه الرسالة، وأعلاها الولاية، ومن أقواله الباطلة: إن النبوة ختمت - وهذا حق - والولاية لم تختم!
_________________
(١) طبعا مرارًا حسبنا الله على من طبعها.
(٢) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٢١، ومنهاج السنة ٥/ ٣٣٦، وذكر محققه الدكتور محمد رشاد سالم أنه لم يجد هذا البيت في كتب ابن عربي ووجد في كتابه «لطائف الأسرار»: سماء النبوة في برزخ … دوين الولي وفوق الرسول
[ ٤٥٩ ]
صحيح أن الأولياء لا يزالون في هذه الأمة لكنه يزعم أنه هو خاتم الأولياء! وبناءً على ما تقدم من زعمه: أن الولي أفضل من النبي؛ فخاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء!
ما أعظمها من فرية! وما أجرأ هذا الملحد على الأقوال الباطلة المناقضة للشرع والعقل!
يزعم أن للأولياء خاتمًا، وليس للأولياء خاتم معين يقال: فلان هو خاتم الأولياء كما نقول: خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ﷺ، لكن خاتم الأولياء هو آخر من يخلقه الله من أوليائه، لكنه ليس معروفًا على وجه التعيين.
ويزعم أنه تابع في الشرع الظاهر للنبي ﷺ وغير تابع له في العلم الباطن؛ فإنه بزعمه يأخذ من المعدن الذي يأخذه منه المَلَك!
وهل هناك معدن يأخذ منه؟! فإن عنده الوجود كله شيء واحد وعين واحدة، فوجود كل موجود هو عين رب الوجود سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والملحدون علوًّا كبيرًا.
وذكر الشارح ابن أبي العز: «وقال ابن عربي في فصوصه: ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة فكان هو ﷺ موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية فيرى ما مثله النبي ﷺ ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين! ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين فيكمل الحائط! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي
[ ٤٦٠ ]
ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه المَلَك الذي يُوحى إليه إلى الرسول ﷺ قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه، فقد حصل لك العلم النافع!
فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسول المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]، وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟» (^١).
فلهذا يقول الطحاوي ﵀: «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نَبِيٌّ واحدٌ أفضل من جميع الأولياء».
والنبي والولي والرسول بين هذه المراتب الثلاث عموم وخصوص، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ وليٌّ، فالرسل هم أفضل الأنبياء، وهم جميعًا أفضل الأولياء، وليس كل ولي نبيًّا، والله تعالى قد قال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس]، فهذا هو تعريف الولي: كل مؤمن تقي؛ فهو ولي - وأما تعريف النبي والرسول فقد تقدم (^٢) -، وهذا وصف ينطبق على الأنبياء بما فيهم الرسل، وينطبق على الصديقين والشهداء والصالحين، وهذه الآية لا نقول: إنها في خصوص الولي الذي ليس بنبي، لا؛ بل هي عامة، ﴿أَلَا
_________________
(١) ص ٧٤٤.
(٢) ص ١٠١.
[ ٤٦١ ]
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢﴾ [يونس]، وأولى الناس بهذا الوصف هم النبيون والمرسلون.
فالنبوة والرسالة تستلزم الولاية، ومطلق الولاية لا يستلزم النبوة والرسالة؛ لأنه ليس كل من يكون وليًّا لله يكون نبيًّا، فإذا قلنا: الولي: كل مؤمن تقي؛ فإن ذلك يعم الأنبياء والمرسلين وغيرهم، لكن إذا قلنا: الرسول والنبي والولي؛ فإنا نريد بالولي: كل مؤمن تقي سوى النبيين والمرسلين.
إذًا؛ فالولي في عبارة الطحاوي: «ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء» من غير الأنبياء.
وتقدم (^١) أن أولياء الله طبقتان: مقتصدون وسابقون، أو نقول: مقربون وأصحاب يمين، كما ذكر الله ذلك في مواضع من القرآن: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١)﴾ [الواقعة]، وهكذا في أول السورة، وفي سورة «الإنسان»: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان]، وهكذا في سورة «المطففين» ذكر الله هذا التصنيف للأولياء: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ - إلى قوله -: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين] (^٢).
* * *
_________________
(١) ص ٢٨٠.
(٢) انظر: طريق الهجرتين ١/ ٤٢٠.
[ ٤٦٢ ]