من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، وأن الخير والشر مقدران على العباد، وأفعالهم خلق الله وكسب من العباد، ودلائل هذه المسائل ظاهر في الكتاب والسنة، وقد خالف فيها كثير من أهل البدع والأهواء.
[ ١٩ / ١ ]
الجنة والنار مخلوقتان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه] .
قول المؤلف ﵀ في بيان عقد أهل السنة والجماعة: (والجنة والنار مخلوقتان)، الجنة هي دار النعيم الكامل التي أعدها الله جل وعلا لعباده المتقين التي فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، والنار هي دار العذاب التي أعدها الله جل وعلا للكفار والمشركين، والعصاة من أهل التوحيد.
الجنة والنار مخلوقتان أي: أنهما مخلوقتان الآن، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في ذلك كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، كما أنه يدل على ذلك العقل، فإن في خلقهما وإعدادهما من الحكم ما تقتضيه العقول، وقد جرى على هذا أهل السنة والجماعة وأهل هذه الملة، حتى تكلم في ذلك أهل الاعتزال والقدرية الذين قالوا: إنه ليس من الحكمة خلق الجنة والنار؛ لأنه يجب على الله جل وعلا فعل الأصلح، وليس في خلقهما الآن -قبل الدخول وقبل مجيء الوقت الذي يصير فيه أهل كل دار إليها- حكمة بل هو عبث، تعالى الله عما يقولون، فأوجبوا عدم خلق الجنة والنار، ونفوا أنهما مخلوقتان، وخلق الجنة والنار أمر مستقر وظاهر لكل من قرأ الكتاب أو سمع قول النبي ﷺ، فالله ﷾ أعد الجنة للمتقين كما قال ﷾: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وأعد النار للكافرين كما قال جل وعلا: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، والإعداد يقتضي التهيئة والوجود، أما الأحاديث في السنة فهي مستفيضة ولا إشكال فيها، وإذا كان الأمر واضحًا ظاهرًا لا يحتاج الإنسان إلى الإسهاب أو التطويل في ذكر الدليل لظهور ذلك، ومما يدل في السنة على وجودهما أن النبي ﷺ دخل الجنة، ورأى النار صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورأى الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف مع أصحابه ﵃، ولا يمكن أن يرى ما لا وجود له، وما قيل: إنه رأى خيالًا ومثالًا ليس بصحيح؛ لأن الأصل فيما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حق على حقيقته لا مجاز فيه، المهم أن الجنة والنار مخلوقتان معدتان، ولا يلزم من كونهما مخلوقتين أنه قد تم خلقهما من كل وجه، فإن الله يحدث فيهما ما يشاء؛ ولذلك كان قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، غرس الجنة، فدل ذلك على أنها تهيأ وينشئ فيها الله جل وعلا ما يشاء، لكن من حيث الوجود هما موجودتان، ويكمل الله جل وعلا خلقهما على وجه الاستمرار إلى أن يقضي الله جل وعلا بدخول أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، لكنهما موجودتان قبل أن يخلق الله جل وعلا الإنس والجن، ويدل لذلك حديث عائشة في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لها: (إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم)، فدل ذلك على تقدم خلق الجنة والنار، ثم إن قول المعتزلة: إنه لا فائدة من خلق الجنة والنار، كذب؛ لأنه وإن كان دخول الأبدان وتنعم الأرواح على وجه الكمال لا يكون إلا في الدار الآخرة، وكذلك النار، إلا أن الأرواح تدخل الجنة، فإن أرواح المؤمنين في الجنة تسرح وتتنعم، وكذلك أرواح الكافرين في سجين، فقولهم لا معنى له، وهو من التحكم، والله جل وعلا هو الحكيم الخبير ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
[ ١٩ / ٢ ]
الجنة والنار لا تفنيان ولا تبيدان
يقول ﵀: (لا تفنيان ولا تبيدان)، هذا أيضًا من عقد أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار لا تفنيان، بل هما باقيتان بقاءً أبديًا، ولا تبيدان أي: ولا تزولان، ولا تهلكان، ولا يجري عليهما زوال أو فناء، بل هما باقيتان بقاءً أبديًا سرمديًا، ولا خلاف في أن الجنة باقية، فإن هذا عقد أهل السنة والجماعة، ولا خلاف بينهم في ذلك، فإن الله جل وعلا ذكر تأبيد النعيم في آيات كثيرة، وأما النار فقد ذهب جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم إلى أن النار تفنى، ولكن الذي عليه جمهور السلف والأئمة على تعاقب العصور أن النار باقية لا تفنى، وما ورد مما ظاهره عدم تأبيد النار تقضي عليه النصوص التي ذكر فيها التأبيد، فإن الذين قالوا: إنها لا تبقى، بل تبيد وتفنى، استدلوا بأدلة من ذلك قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]، أي: مددًا طويلة، واستدلوا بمثل قوله تعالى لأهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، في حين أنه قال في أهل الجنة: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، أي: غير مقطوع، فهذا دل على استمرار وبقاء، لكن هذا وأمثاله لا يجب الاستدلال به، بل هو مفسر بالآيات التي فيها الإخبار بتأبيد النار، وأنها باقية بقاءً لا زوال له، وقد ذكر الله جل وعلا تأبيد تعذيب النار في ثلاثة مواضع من كتابه، في سورة النساء حيث قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩]، وذكر الله جل وعلا التأبيد أيضًا في سورة الأحزاب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥]، وذكر ذلك أيضًا في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]، فهذه ثلاث آيات في القرآن الحكيم تدل على أن النار مؤبدة، فهذا التوضيح والتبيين يقضي على ما يوهمه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾ [هود:١٠٨]، وعلى قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣]؛ ولذلك كان جمهور أهل السنة والجماعة على أن النار لا تفنى ولا تبيد، بل أهلها فيها إلى أبد الآباد، وأما الجهمية فقالوا: إن الله يفني الجنة ويفني النار، وهؤلاء كذبوا بما دلت عليه النصوص، ولم يوفقوا إلى خير، وهناك أقوال أخرى لا داعي للإسهاب في ذكرها، وقد ذكرها أهل العلم ﵏ في شرحهم وبيانهم لأقوال المختلفين المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذه المسألة، والذي استقر عليه الأمر بدلالة الكتاب والسنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا، ولا تبيدان.
[ ١٩ / ٣ ]
من أدخله الله الجنة فبفضله ومن أدخله النار فبعدله
ثم قال ﵀: (أن الله خلق الجنة والنار قبل الخلق) المراد: قبل خلق الإنس والجن، وليس الجنة والنار هي أول ما خلق الله ﷾، بل الذي دلت عليه النصوص أن الجنة والنار مخلوقتان قبل خلق الإنس والجن، يقول: (وخلق لهما أهلًا) أي: وخلق لهما أهلًا من الجن والإنس، وينشئ الله جل وعلا يوم القيامة خلقًا فيدخلهم الجنة أما النار فإنه لا يدخلها إلا من استحق ذلك، قال: (فمن شاء منهم) من شاء الله جل وعلا (منهم) أي: من الخلق (إلى الجنة فضلًا منه)، وهذا من أحسن ما ذكر المؤلف ﵀ في هذه المسألة، حيث بين أن دخول الجنة ليس بعمل الإنسان، بل هو فضل الله جل وعلا، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (واعلموا أنه لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنة)، فالعمل لا يستقل بدخول الجنة، إنما فضل الله السابق واللاحق هو الذي يؤهل الإنسان لدخول الجنة (ومن شاء منهم) أي: من الخلق (إلى النار عدلًا منه) فالنار لا يدخلها إلا من استحقها ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، والنصوص الدالة على نفي الظلم تدل على أنه لا يمكن أن يدخل النار أحد إلا ممن استحقها، ويرى أن الله جل وعلا لم يظلمه شيئًا، فهو إذا دخل النار يؤمن باستحقاقه لها، وأنه مستحق لأن يكون من أهل النار، ومستحق لهذا العقاب الذي هو فيه، وإنما يطلبون التخفيف والرحمة: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، وأيضًا يستجيرون بالملائكة ويسألونهم أن يشفعوا لهم إلى الله ﷿ فيقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، ولا يقولون: لسنا مستحقين، وظلمنا ربنا بدخولنا، بل يقولون: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يشهدون على أنفسهم باستحقاق الدخول، فلا يدخل أحد النار أبدًا إلا وهو أهل لها، نسأل الله ﷿ السلامة منها! ولذلك لا يهلك على الله إلا هالك.
[ ١٩ / ٤ ]
كل ميسر لما خلق له
قال ﵀: (وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له)، الخلق يعملون لما فرغ لهم، فهم يعملون وفق ما قدر لهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سئل: (ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فالله جل وعلا سبق علمه بأهل الجنة وبأهل النار على وجه الكمال، لا نقص ولا زيادة، والخلق كلهم ميسرون لما خلقوا له؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وقد ذكر الله جل وعلا تيسير الناس إلى ما قدر لهم في قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]، أي: مختلف متنوع ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠]، وهذا فيه حث الناس على العمل، وعدم الاتكال والاعتماد على القدر والكتابة والعلم، فإنه لا علم لأحد ما الذي كتب له؟ وهل هو من أهل الجنة أو من أهل النار؟ فلا حجة لأحد في سابق العلم والتقدير، إنما الحجة لله ﷿ على خلقه حيث أمرهم ونهاهم وسهل لهم ومكنهم من الاختيار والعمل، وهذا الكلام صلة ما تقدم فيما يتعلق بالجنة والنار، ومدخل لما سيبحثه في المباحث التالية من الكلام على بعض مسائل القدر.
[ ١٩ / ٥ ]
الخير والشر مقدران على العباد
يقول ﵀: [والخير والشر مقدران على العباد، والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب] .
قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يقول ﵀: (والخير والشر مقدران على العباد)، لاشك في هذا، وقد مرت الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فكل شيء في الكون مخلوق لله جل وعلا من خير أو شر، لا يخرج عن تقدير الله جل وعلا شيء من شئون الخلق، بل الجميع تحت قهره وقدرته وخلقه ﷾، وهذا الذي ذكره من تمام الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره)، والقدر لاشك أن فيه خيرًا وفيه شرًا، لكن اعلم أن الشر الذي في القدر ليس هو فعل الرب جل وعلا، بل فعل الله جل وعلا خير لا شر فيه، إنما هو في المقدور المقضي المخلوق، ثم إن الشر في المقدور المقضي المخلوق شر نسبي ليس شرًا محضًا.
[ ١٩ / ٦ ]
الاستطاعة في التكليف
يقول ﵀ مبينًا فرعًا من فروع ومسائل القدر، وهو الاستطاعة: [والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به؛ فهي مع الفعل -أي: فعل الله- وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات؛ فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب]، يشير المؤلف ﵀ إلى اختلاف الناس في الاستطاعة، والاختلاف هنا بين فريقين، بين المعتزلة القدرية وبين الجبرية الجهمية في تعريف الاستطاعة، وهذا له صلة بمسألة هل يكلف الله جل وعلا الخلق بما لا يطيقون أو لا؟ ننظر إلى الاستطاعة ماهي؟ يقول ﵀: (الاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل وأما الاستطاعة) ثم ذكر نوع الفعل من الاستطاعة، فالاستطاعة نوعان: استطاعة سابقة للفعل، واستطاعة مقارنة للفعل، الاستطاعة السابقة للفعل هي التي أناط الله جل وعلا بها التكليف، وتعريفها: هي ما يحصل به القدرة على الفعل دون ضرر راجح، هذا تعريف الاستطاعة: ما يحصل به القدرة على الفعل دون ضرر راجح كالقيام في الصلاة، والصيام الواجب، والاستطاعة هنا أن يقدر الإنسان على فعل هذا دون أن يلحقه ضرر راجح، فإن لحقه ضرر راجح فهو غير مستطيع، هذه الاستطاعة هل هي سابقة للفعل أو ليست سابقة له؟ سابقة للفعل بلا إشكال؛ ولذلك هذا النوع من الاستطاعة لولاه لما حصل التكليف، فهو مناط التكليف، وهو الذي أشار إليه المؤلف ﵀ في قوله: (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب)، يعني: بها يتعلق الأمر والنهي، والخطاب خطاب الشارع في الأمر والنهي، فهذا النوع به يتعلق أمر الله ونهيه، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)، فهذا النوع من الاستطاعة سابق للفعل، وبه يصح الأمر والنهي، وهو الذي يقر به القدرية، وينكره الجبريون، لماذا؟ لأنهم يقولون: لا قدرة للعبد على فعل شيء إلا ما أقدره الله عليه، فهم ينفون الاستطاعة؛ ولذلك فالجبرية وقعوا في الخلل في باب الأمر والنهي، فعطلوا الأمر والنهي، فعندهم لا قدرة للعبد ولا استطاعة، إنما الفعل كله لله، والعبد حركاته إنما هي كحركات المرتعش وكحركات الشجر وكنبض العروق لا اختيار له فيها ولا أثر، فهم أنكروا الاستطاعة السابقة للفعل.
والذي أقر به القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، هو النوع الثاني من الاستطاعة، وهي الاستطاعة المقارنة للفعل، وهي بمعنى القدرة عليه، وهذا النوع يثبته الجبرية وتنفيه القدرية، فعندهم أن العبد لا يقدر، وعندهم أن هذه القدرة لا تدخل في تقدير الله جل وعلا، ولم يعلق الله بها شيء، أما الجبرية فإنهم يثبتون هذا النوع من الاستطاعة، والذي عليه جمهور السلف والخلف ممن تبع الكتاب والسنة إثبات النوعين من القدرة، إثبات القدرة السابقة للفعل، وهي المصححة للأمر والنهي، وهي التي يتعلق بها الخطاب أمرًا ونهيًا؛ والاستطاعة المقارنة للفعل، وبهذا تجتمع النصوص، ويبطل قول القدرية نفاة خلق الله لأفعال العباد، وقول الجبرية الذين قالوا: لا فعل للعبد ولا قدرة ولا مشيئة، وإنما هو كالشعرة والريشة في مهب الريح، لا اختيار له ولا قدرة، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١] .
فهذه الآية والتي قبلها نفى الله جل وعلا الاستطاعة، فما هي الاستطاعة المنفية؟ هل الاستطاعة المنفية هي التي بمعنى القدرة على الفعل السابقة لوجوده؟
الجواب
لا، وعلى قول من فسر القدرة بالسابقة، والقدرة المقارنة فتكون الاستطاعة المنفية هنا هي القدرة المقارنة للفعل ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]، والآية الأخرى ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، فالاستطاعة المنفية هي القدرة، يعني: ما كانوا يقدرون سمعًا وقت الاستماع، وما كانوا يستطيعون سمعًا وقت الاستماع، فنفى القدرة المقارنة لا القدرة التي يحصل بها التثبيت، هذا على قول من فصل في القدرة، وقول جمهور السلف وهو التفسير المشهور عند الأئمة: إن النفي في الآيتين ليس هو نفي القدرة التي يحصل بها التثبيت، ولا القدرة المقارنة، إنما فيه إثبات مشقة ذلك عليهم؛ لفساد قصودهم وإراداتهم وانحراف قلوبهم، فأصبحوا لما في نفوسهم من الفساد ولما في إراداتهم من الانحراف؛ لا يستطيعون سماع الحق، ولا إبصاره، ولا الأخذ به، وأما على قول من يقول بالقدرة المقارنة فإنه يفسرها بقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠] .
ثم اعلم -بارك الله فيك- أن الأدلة دلت على هذين النوعين من الاستطاعة، وأن الاستطاعة التي تسبق الفعل هي التي يقترن بها التثبيت.
يقول المؤلف: (والاستطاعة التي يتعلق بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به) يعني: أنها ليست منه، إنما هي من الله ﷿، فهو الذي وفقه إليه (فهي مع الفعل) يعني: مقارنة له، وهي المنفية في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، (وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع)، يعني: القدرة، (والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب)، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذا وهذا، ثم قال: [وهو كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]] أي: إلا ما تسعه وتقدره وتطيقه، فالتكليف المنفي هنا هو التكليف السابق للفعل وليس المقارن له.
[ ١٩ / ٧ ]
أفعال العباد مخلوقة
قال ﵀: [وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم] قال: (وأفعال العباد خلق الله) تقدمت أدلة هذا، وأن أفعال العباد خلق له جل وعلا لا يخرج عن خلقه شيء، ومع كونها خلقه ﷾ فهي كسب العباد، أي: مضافة إليهم، وقد أضاف الله جل وعلا الأفعال إلى فاعليها، قال سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٤]، وما إلى ذلك من الآيات الكثيرة في القرآن التي يضيف الله جل وعلا فيها الفعل للعبد، فالفعل خلق الله جل وعلا، وهو كسب للعبد، له عليه قدرة، وله مشيئة، فالعباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وهم وأفعالهم خلق الله جل وعلا، فالعبد ذاته، وفعله، وصفته؛ خلق لله جل وعلا، وأفعال العبد كسبه، فهو الذي فعلها، أي: هو الذي فعلها وباشرها بمشيئته، وإرادته تضاف إليه، وتنسب إليه حقيقة، فالعباد فاعلون لأفعالهم، وتضاف إليهم حقيقة لا على وجه المجاز كما يقوله من يقوله، وهي خلق الله جل وعلا، لا تخرج عن خلقه كما قال الله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩]، فأثبت في هذه الآية للعبد مشيئة وفعلًا فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]، فأثبت مشيئة للعبد، وفعلًا للعبد، ثم أخبر أن مشيئة العبد لا تخرج عن إرادة الله ﷿، بل مشيئته ﷾ محيطة بفعل العبد، لا خروج للعبد عن مشيئته ﷿ كما قال ﷾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] .
وقوله ﵀: (وكسب من العباد) رد على الأشاعرة وعلى الجبرية، الأشاعرة يقولون قولًا عجيبًا في هذا الأمر! يقولون: الأفعال خلق للرب، كسب للعبد، وما معنى الكسب؟ قالوا: معنى الكسب أنها تضاف إليه مجازًا، وإلا فإن العبد لا قدرة له على فعله، فهم أثبتوا أنها كسب للعبد، ونفوا قدرة العبد على فعل نفسه، فأتوا بقول من أعجب الأقوال؛ ولذلك عد هذا القول من محالات الأقوال التي تحيلها العقول وهي ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظار، وأحوال أبي هاشم.
ثم قال ﵀: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون)، أي: لم يكلف الله جل وعلا الخلق إلا ما يطيقون ويستطيعون، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وكما قال: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام:١٥٢]، فأخبر الله جل وعلا بأنه لا يكلف الناس ما لا يطيقون، كما قال ﷾: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦]، قال الله جل وعلا: (قد فعلت)، كما في صحيح مسلم، فإن الله فعل ما دعا به المؤمنون: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦]، فدل ذلك أن الله جل وعلا لم يكلف عباده إلا ما يستطيعونه، ويطيقون حمله.
ثم قال: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) هذه الجملة فيها إشكال؛ لأن مفهومها أنهم لا يطيقون إلا ما جرى به التكليف، فالتكليف مساوي وموازي وقد بلغ المنتهى في الطاقة، وهذا ليس بصحيح، بل التكليف دون الطاقة، ويدل لذلك قول الله تعالى:: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، انظر في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فهو يفيد معنى السعة، وأنه ليس في التكليف ما يحصل به على الإنسان ضيق أو حرج، بل التكليف فيه سعة وانشراح، ولا يلحق المكلف به ضيق أو حرج؛ ولذلك نفى الله تعالى الحرج على المكلف في الدين فقال ﷾: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فنفى الله جل وعلا الحرج، بل أنفذ التخفيف كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، والأدلة في هذا كثيرة، بل من أصول الدين نفي الحرج، ولا يمكن مع هذا أن نقول: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، بمعنى: لو زاد قليلًا لخرج عن الطاقة، ثم إنه في الواقع أن الإنسان قد يكلف ما يطيقه، لكن يلحقه به مشقة، وهذا ليس في الشريعة منه شيء، فمثلًا لو قيل لك: احمل هذا الدولاب، وأنت تطيق أن تحمله، لكن فيه عليك مشقة وحرج، فهذا لا يخرج عن الطاقة، وتكاليف الشريعة في الجملة ليست من هذا، إنما تكاليف الشريعة في الجملة هي مما يطيقه الإنسان، ولا يلحقه بفعله حرج أو ضيق، وانتبه لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والوسع يقتضي السعة والراحة والانشراح، فهذه الجملة لعل المؤلف ﵀ أراد تأكيد معنى: ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، لكنه لم يحرر العبارة، فالعبارة فيها إشكال، على أن بعضهم فسر قوله: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) فسر الطاقة هنا بالقدرة المقارنة للفعل، لكن هذا فيه تكلف، وقد علق شيخنا الشيخ/ عبد العزيز ﵀ على هذه العبارة بأن فيها نظرًا، والنظر ما بيناه آنفًا.
[ ١٩ / ٨ ]
تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله
ثم قال ﵀: [وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله؛ ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله، والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى] .
قال ﵀: (وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله)، المشار إليه ما تقدم من تقرير مسائل القدر، ولا شك أن قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، من أعظم الأدلة على إثبات القدر، ومن أعظم الأدلة في الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه؛ لأن معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ما قاله المؤلف: لا حيلة لأحد، فالحول اسم للتحول، وهو الانتقال من حال إلى حال، وهذا يشمل كل الأحوال الظاهرة الباطنة، العامة الخاصة، لا تحول لأحد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك التحول إلا بالله العلي العظيم، فكل حركة وسكون، وكل انتقال وتغير، وكل تحول فإنه بمشيئة الله وقدرته، لا قدرة للعبد على ذلك مهما أوتي من القدرة والمكنة والاستطاعة إلا بتقدير الله جل وعلا.
يقول: [نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد، ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله؛ ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله]، وهذا فيه كمال التفويض لله جل وعلا، وهذه الجملة من الجمل التي لا تخصيص لها، والعموم فيها على إطلاقه ولا مخصص له، وقد قال النبي ﷺ في فضلها: (إنها كنز من كنوز الجنة)، وذلك لما تتضمنه من تمام الإخلاص والتفويض والإيمان بالله جل وعلا، ولما فيها من الخير العظيم لمن اعتقد معناها، وقر في قلبه مقتضاها ومفادها، ومما يعين الإنسان على الانتقال من حال إلى حال استحضار هذا؛ ولذلك لها تأثير عجيب في تحمل المشاق، وفي ركوب الأهوال، وفي تحصيل المطالب، ومن لزمها وفق إلى خير كثير، ويكفي في فضلها أن النبي ﷺ سماها كنزًا فقال لـ أبي موسى: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟) والكنز اسم لنفيس المال الذي يخفى على الناس نفعه، وهذا هو المطابق لهذه الكلمة، فإن الكنز لا يطلق على المال الظاهر الذي يراه كل أحد، إنما ما خفي من المال وكان نفيسًا، فملازمة هذه الكلمة من أنفع ما يكون للعبد، والمقصود من سياق المؤلف ﵀ لهذه الكلمة في هذا الموضع هو بيان ما يدل على قوله ﵀: (وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد) فهي مقررة لإثبات القدر.
[ ١٩ / ٩ ]
قضاء الله وقدره ليس فيه ظلم
قال ﵀: [وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون] .
هذا فيه تقرير ما تقدم من الإيمان بالقدر، قال رحمه الله تعالى: (وكل شيء في الكون يجري بمشيئة الله تعالى وقضائه وقدره)، ولا يؤمن أحد بالقدر حتى يؤمن أن كل شيء بعلم الله وكتابته وخلقه ومشيئته، فلا شيء خارج عن هذا، (غلبت مشيئته المشيئات كلها)، قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فمشيئة الله محيطة بمشيئة الخلق، (وغلب قضاؤه الحيل كلها)، فإذا لم يقض الله جل وعلا الأمر فمهما احتال عليه المرء فإنه لا يحصله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يفعل ما يشاء ﷾، تقدست أسماؤه، وهو غير ظالم أبدًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا)، [تقدس] أي: تنزه وتطهر وتعالى جل وعلا عن كل سوء، أي: عن كل عيب وعن كل شر وحين، وهو بمعنى السوء والشر والعيب والظلم، فلا شيء مثله تقدست أسماؤه سبحانه وبحمده ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، بل من سأل الله: لم فعلت كذا؟ فقد اعترض على الرب جل وعلا ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وإذا اجتمع في قلب العبد هذه المعاني سلم من كل ما يمكن أن يعرض له في باب القدر.
وأحسن المؤلف ﵀ حيث ختم ما يتعلق بمسائل القدر في هذا المقطع بنفي الظن عن الرب جل وعلا، ونفي لحوق العيب والسوء والشين والحين له ﷾، ثم قال: (لا يسأل)، حتى يقطع اعتراض المعترضين ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وقد جاء رجل إلى أبي بن كعب ﵁ فقال: (في نفسي شيء من القدر فحدثني حديثًا يذهب به الله عني ذلك)، فقال ﵁ مقولة عظيمة تبين عظيم فقه الصحابة ﵃ قال له: (إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، واعلم أنه لو كان لك مثل أحد ذهبًا فأنفقته في سبيل الله؛ لم ينفعك حتى تؤمن بالقدر، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، قال الديلمي -وهو الذي سأل أبي بن كعب -: فسألت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت عن ذلك، وكلهم أجابني بمثل ما أجابني أبي، وهذا الأثر حسن كما قال شيخ الإسلام ﵀، وهو يدل على عظيم فقه الصحابة، وأنه لا سلامة للعبد مما يعلق في قلبه من وساوس الشيطان مما يتعلق بالقدر إلا باعتقاد كمال الله جل وعلا، وأنه ﷾ لا يظلم الناس شيئًا، ومع هذا يؤمن بالقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه جل وعلا ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، ويكفي في هذا ما قاله ﵀ في أول كلامه في القدر: (القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ١٩ / ١٠ ]