الله ﷾ واحد لا شريك له في ملكه وألوهيته وأسمائه وصفاته، له الإرادة الكاملة بنوعيها فلا يعجزه شيء، ومهما تخيل الإنسان وأعمل فكره في الله فإنه لا يستطيع إدراك علمه وخلقه وذاته.
[ ٢ / ١ ]
اعتقاد أن الله لا مثيل له من مخلوقاته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: قال رحمه الله تعالى: [نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة] .
فتقدم معنا في أول هذه العقيدة ما ذكره المؤلف ﵀ في افتتاحها من ذكر توحيد الله جل وعلا في قوله: (إن الله واحد لا شريك له) وقلنا: إن هذا فيه إثبات جميع أنواع التوحيد لله رب العالمين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وبينا كل نوع من هذه الأنواع.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا شيء مثله) ولا ريب أن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، فإن الله جل وعلا الكامل في صفاته الذي دلت العقول والنصوص على أنه لا نظير له ﷾، لا مثيل له في ربوبيته لا مثيل له في إلهيته لا مثيل له في أسمائه وصفاته، ولذلك نفى الله جل وعلا عن نفسه النظير والمثيل في كتابه بألفاظ متنوعة، فقال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا نفي واضح للمثيل.
ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فنفى عن نفسه السمي وهو النظير والمثيل.
ونفى أيضًا الند فقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] .
ونفى أن يدرك بالأمثال فقال ﷾: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] .
ونفى العديل والكفء فقال ﷾: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] .
وكل هذا لتقرير هذا الأمر الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، ودل عليه الكتاب والسنة والعقل، وهو أن الله جل وعلا لا مثيل له، ومهما طلب العقل مثيلًا للرب فإنه ينحصر ويقف دون إدراك ذلك، بل هو ﷾ الذي لا نظير له ولا كفء، ولا سمي ولا ند له جل وعلا، وهذا ليس خاصًا في أسمائه وصفاته فقط، بل وفي ربوبيته وإلهيته ﷾، فلا مثيل له فيما يتعلق بالربوبية، ولا مثيل له فيما يتعلق بالأسماء والصفات، ولا مثيل له فيما يجب له من الحقوق، وهو ما يعرف بتوحيد الإلهية، فلا مثيل له في إلهيته ﷾.
[ ٢ / ٢ ]
أنواع النفي في صفات الله
ثم قال ﵀: (ولا شيء يعجزه) وهذا كالجملة السابقة في أن المؤلف ﵀ ذكر وصف الله ﷿ بالنفي المتقدم في قوله: (ولا شيء مثله) نفي مجمل قد دلت على مجيئه في صفات الله ﷿ النصوص من الكتاب والسنة، والنفي المجمل في كتاب الله ﷿ وفي سنة رسوله ﷺ ليس نفيًا وعدمًا محضًا، بل هو نفي لإثبات الكمال للرب ﷾، فإنه إذا قرأ قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] كان ذلك مفهمًا ومعلمًا أنه ﷾ الكامل في صفاته، الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه.
[ ٢ / ٣ ]
النفي المجمل في صفات الله
وكذلك النفي في بعض أنواعه -وهو النفي التفصيلي- يفيد إثبات الكمال للرب ﷾، فالنفي في صفات الله ﷿ يرد على أمرين: - يرد نفيًا مجملًا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وكقوله ﷾: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] وما أشبه ذلك من النفي المجمل.
[ ٢ / ٤ ]
النفي المفصل في صفات الله
- ويرد النفي عن أوصاف خاصة وهو ما يسمى بالنفي المفصل، وهذا النوع من النفي في صفات الله ﷿ قليل في الكتاب والسنة، ولا يرد إلا لفائدة: إما أن يكون لإثبات كمال الضد كما هو في قول المؤلف: (ولا شيء يعجزه) فإن نفي الإعجاز عن الرب ﷾ في مثل هذا إنما هو لإثبات كمال قدرة الله جل وعلا، فلما كملت قدرته ﷾ نفى جل وعلا النقص في هذه القدرة بنفي العجز، فلا يعجزه شيء ﷾.
يأتي النفي مفصلًا في صفات الله ﷿ لنفي ما اعتقده الجاهلون في رب العالمين، ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، وكقوله ﷾: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فهذا إثبات لنفي ما تقدم من كلام اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فهنا ليس فيه نفي محض لكنه نفي معنوي للمعنى السابق بصيغة الإثبات.
[ ٢ / ٥ ]
المراد من إيراد النفي في صفات الله
المراد أن النفي قد يرد في صفات الله ﷿، ويراد به نفي ما اعتقده الجاهلون في رب العالمين ﷾، وما وصفه به أهل الإلحاد والكفر وأهل الشرك، ونفي التنقص لرب العالمين.
والنفي يرد في صفات الله ﷿ ويقصد به نفي النقص فيها، والمراد به: إثبات كمال الصفة، مثال هذا ما ذكره الله جل وعلا في أعظم آية من كتابه ﷾: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأثبت الله ﷾ في هذه الآية الحياة والقيومية له ﷾، ثم نفى فقال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] والغرض من هذا النفي هو إثبات كمال الصفة، وأنه لا نقص فيها، فالذي لا تأخذه سنة ولا نوم إنما اتصف بهذا لكمال حياته وقيوميته جل وعلا.
فقول المؤلف ﵀: (ولا شيء مثله) من أي أنواع النفي؟ من النفي المجمل؛ لأنه نفي عام وليس نفيًا لصفة خاصة، فنفى المثيل له ﷾ في قوله: (ولا شيء يعجزه)؛ إنما هو لإثبات كمال قدرته ﷾.
[ ٢ / ٦ ]
اعتقاد تفرد الله ﷿ بالإلهية
ثم قال رحمه الله تعالى: (ولا إله غيره) معنى الإله: المعبود المألوه الذي تألهه القلوب محبة وتعظيمًا ورقة، والإله في أصل كلام العرب: اسم جنس لما قصد بشيء من العبادة، لكنه غلب على الله جل وعلا؛ لأنه مستحق للعبادة، فما سمي من الإله دون الله ﷾ إنما هو تسمية خالية من معناها، فإنه لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا هو جل وعلا، وهذه الكلمة هي أصل الإسلام وأساسه، ولا يقر الإيمان، ولا يستقيم الإسلام، ولا يصلح حال أحد إلا بهذه الكلمة، فبها صلاح الدنيا والآخرة، وهي أول مطلوب وآخر مطلوب، وكونه أول مطلوب لأنه لا يدخل أحد الدين إلا بلا إله إلا الله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) .
وآخر مطلوب: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) فكانت لا إله إلا الله هي أول المطالب وما يخاطب به الناس، وهي آخر ما يندب الناس إليه ويطلب منهم، وذلك لعظم هذه الكلمة التي من أجلها أوجد الله جل وعلا الجن والإنس، قال الله ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ولا تتحقق العبادة إلا بالإقرار بأنه لا إله إلا الله -لا إله غيره جل وعلا- والاستقامة على هذه الكلمة، والعمل بمقتضاها، فإن العبادة كلها مشمولة بهذه الكلمة داخلة فيها، ولذلك كان شأنها عظيمًا، فإذا قالها الإنسان صادقًا من قلبه حرمه الله على النار، وكان من أهل الجنة.
فقول المؤلف ﵀: (ولا إله غيره) فيه إثبات إلهية الرب ﷾، فمعنى الكلمة لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، لماذا احتجنا إلى تقدير (حق)؟ حتى نخرج المعبودات الباطلة، ولو قلنا: لا معبود إلا الله لوقعنا في الإشكال، وهو وجود من يعبد غير الله، ألم يعبدوا الشمس والقمر والأصنام والملائكة والأنبياء؟ فهؤلاء عبدوا من دون الله، فهذا القيد ضروري لإخراج كل من عبد من دون الله وهو باطل، أيضًا لابد من هذا القيد؛ لأن الكلام بدون هذا القيد يفهم منه معنى باطل، وهو أن كل ما عبد من دون الله فهو إله حق.
فإذا قال قائل: لا معبود إلا الله.
تفهم منه أن كل من توجه إليه العبادة فهو إله ومعبود، وهذا المعنى هو ما كان يقوله أهل وحدة الوجود الذين جعلوا كل شيء معبودًا من دون الله، فالذي يعبد الصنم إنما يعبد الله، والذي يعبد الشمس إنما يعبد الله، والذي يعبد الملائكة إنما يعبد الله، والذي يعبد الكلاب والخنازير إنما يعبد الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ومنه قول شاعرهم: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الرب إلا عابد في كنيسة فجعل كل معبود من دون الله إنما هو في الحقيقة يعبد الله، وهذا المعنى باطل، لكن الذين قالوا: لا معبود إلا الله ولم يقدروا (بحق) يقين أنهم لا يقصدون هذا القول، لكن لما كان يترتب على عدم التقدير معنى باطل احتجنا إلى تقدير (حق) فكلمة (حق) ضرورية لإخراج المعبودات من دون الله ولنفي ما يعتقده أهل وحدة الوجود من أن كل معبود في الأرض هو الله جل وعلا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن كل شيء تعبده أو كل شيء عبد من دون لله فهو على حق ولا تنكر على عبدة الأصنام ولا على عبدة الفروج ولا على عبدة الأحجار لأن هؤلاء إنما يعبدون الله عندهم، وهذا كذب وضلال وتحريف لدين رب العالمين.
لكن ما الدليل من الكتاب على هذا التقرير، (لا إله حق)؟ الدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] وقوله تعالى ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] فكل هذا يدل على وجوب تقدير (حق)؛ لأن ما عبد من دونه فإنما يعبد من غير حق وبدون استحقاق.
[ ٢ / ٧ ]
اعتقاد أن الله قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء
ثم قال ﵀: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء] .
(قديم بلا ابتداء) أي: أنه جل وعلا لا بداية له، ولا أول له، فهو الأول الذي ليس قبله شيء.
(دائم بلا انتهاء): هذا فيه الخبر عن آخريته ﷾، وأنه ليس بعده شيء، وهذان الوصفان في كلام المؤلف ﵀ مأخوذان من قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣] وهذان الاسمان للرب جل وعلا اللذان يتضمنان إثبات وصف الأولية والآخرية، ويفيدان معنى واحدًا للرب جل وعلا، وهو الإحاطة الزمنية، فالله جل وعلا قد أحاط بكل شيء زمنًا، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء جل وعلا، ولا ينافي هذا أن أهل الجنة يقال لهم: (خلود بلا موت) فإن خلودهم إنما هو بإعطاء الله جل وعلا وهبته ومنته، فليس خلودهم ذاتيًا، بخلاف آخريته جل وعلا وبقائه، فإنه ﷾ وصف له ذاتي ليس مكتسبًا من شيء، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، وقد فسر النبي ﷺ ذلك حيث قال: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) .
ثم اعلم أن قوله: (قديم بلا ابتداء) علق عليه بعض الشراح فقالوا: إنه لا يصح تسمية الله بالقديم، وإن ذكر القديم إنما هو على وجه الوصف، والحقيقة أن الكلام على ظاهره ليس في أسماء الله ﷿ القديم، ولكن كلام المؤلف ليس فيه ما نحتاج بسببه إلى هذا التحليل؛ لأنه لم يقل القديم، وإنما قال: (قديم بلا ابتداء) على وجه الخبر والتفسير لقول النبي ﷺ: (الأول) وقول الله ﷿: ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ [الحديد:٣] فهو ترجمة وبيان لقوله ﷺ: (الأول الذي ليس قبلك شيء) .
وأما لفظ (القديم) فإنها عند أهل الكلام تقابل ما دل عليه من الكتاب والسنة من اسمه جل وعلا (الأول)، فإن القديم عندهم هو الأول، ولذلك عندهم القديم: الذي لا بداية له، ويسمونه القدم الأزلي.
والتعبير الذي في الكتاب والسنة أفضل، وما تكلم به الله جل وعلا وما جاء في السنة أكمل وأحسن فيما يتعلق بالخبر عنه، لكن من القواعد التي ينبغي لنا أن نفهمها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته: أن الأسماء توقيفية، والصفات كذلك توقيفية إلا أنها أوسع من الأسماء.
ثم بعد ذلك تأتي المرتبة الثالثة، وهي: ما يسمى بالإخبار عن الله ﷾، فالإخبار عنه جل وعلا أوسع من الصفات، فتخبر عنه فيما لم يأت ذكره في الكتاب والسنة، فتقول: يصنع الله كذا.
وهذا لا بأس به؛ لأن الأخبار أمرها واسع، فتقول: هو قديم جل وعلا.
وتقصد بالقديم: أنه المتقدم على غيره الذي ليس قبله شيء، لكن فيما يتعلق بالأسماء وبالصفات لابد من النص الدال على الاسم والصفات.
فقوله: (قديم بلا ابتداء) هذا معنى ما ذكره الله ﷿ في اسمه الأول، كذلك: (دائم بلا انتهاء) أي: أنه لا نهاية له فهو الآخر جل وعلا الذي ليس بعده شيء.
[ ٢ / ٨ ]
اعتقاد البقاء الدائم لله تعالى واختصاصه بهذه الصفة
ثم قال ﵀: [لا يفنى ولا يبيد] .
الفناء: هو الهلاك.
والبيد: هو الانقطاع والانتهاء.
وهو قريب من معنى الفناء، فنفى المؤلف ﵀ عن الله جل وعلا هذين الوصفين، ونفي هذين الوصفين دل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فأثبت لنفسه ﷾ الحياة، وهي البقاء الدائم، ثم قال: (الذي لا يموت) وهذه الصفة اختص الله جل وعلا بها دون غيره، فإن حياته حياة كاملة لا تنقضي ولا تنقطع، وأما ما عداه فإنه يهلك: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] وقد قال الله جل وعلا فيمن هم على الأرض: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] فبقاء الله جل وعلا دائم بلا انتهاء، فقوله: (لا يفنى ولا يبيد) تأكيد لمعنى قوله (دائم بلا انتهاء)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
ويدل عليه أيضًا التأكيد لهذين الوصفين في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
[ ٢ / ٩ ]
اعتقاد الإرادة المطلقة لله تعالى
ثم قال ﵀: [ولا يكون إلا ما يريد] هذا فيه إثبات الإرادة لله جل وعلا، والإرادة ثابتة له ﷾ بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، ولذلك فالإرادة من الصفات التي يثبتها من يعتمد العقل في إثبات الصفات، وهم مثبتة الصفات كالأشاعرة والماتريدية والكلابية، وعلى هذا فهي صفة ثابتة لله ﷾ في الكتاب والسنة والإجماع والعقل.
[ ٢ / ١٠ ]
الإرادة الشرعية
واعلم أن الإرادة الثابتة لله ﷾ تنقسم إلى قسمين: - إرادة دينية شرعية أمرية.
- وإرادة كونية خلقية قدرية.
يعني: تسمى إرادة أمرية وتسمى إرادة شرعية وتسمى إرادة دينية وهي شيء واحد، والمراد بالإرادة الدينية: كل ما أمر الله ﷾ به عباده من الطاعات الواجبة والمستحبة يعني: كل المأمورات التي أمر الله بها جل وعلا على وجه التعبد، وهذا النوع من الإرادة يتعلق بمحبته ورضاه جل وعلا، فلا يأمر جل وعلا شرعًا إلا بما يحب، ولا يأمر شرعًا إلا بما يرضى.
الوصف الثاني الذي تختص به هذه الإرادة: أنها فيما هو غير لازم للوقوع أي: قد يقع وقد لا يقع، فالإرادة الشرعية لا تستلزم الوقوع، فالله جل وعلا أراد من الخلق العبادة والدليل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهل هذا تحقق من جميع الخلق؟ لم يتحقق من جميعهم ولو كان المراد هنا مرادًا كونًا وقدرًا لكان لابد أن يتحقق لكنه مراد ومحبوب له ﷾ شرعًا فكان غير لازم الوقوع.
[ ٢ / ١١ ]
الإرادة الكونية
القسم الثاني من الإرادة: الإرادة الكونية الخلقية القدرية، وهذا هو الذي يصدر عنه كل ما يقع في الكون، فالإرادة القدرية الكونية هي مشيئة الله جل وعلا التي عنها يصدر كل شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وقول: (ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن) هذا هو الإرادة الكونية، فكل ما وقع في الكون من خير أو شر، من بر أو معصية، مما يحب الإنسان أو يكره، مما يحب الله ويكرهه، مما يرضاه ومما لا يرضاه، كالإيمان والكفر والطاعة والمعصية والاستقامة والغي كل هذا داخل في الإرادة الكونية.
عرفنا من هذا أن الإرادة الكونية تختلف عن الإرادة الشرعية في أنها لا تتعلق بالمحبة والرضا، الفرق الثاني: أن الإرادة الكونية لابد أن تقع، فما أراده الله كونًا لابد أن يقع ما فيه، لا محالة من وقوعه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ما شاء وجد وما لم يشأ لم يوجد، هذا الذي يميز الإرادة الكونية عن الإرادة الشرعية.
واعلم أن هذا التفريق اليسير الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة انطمس على كثير من أهل الكلام؛ فلم يميزوا بين نوعي الإرادة، بل الإرادة عندهم شيء واحد، فلا فرق عندهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهذا الانطماس في التفريق وعدم التمييز بين نوعي الإرادة أوقعهم في أنواع من الضلال فيما يتعلق بالقدر، وفيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأشياء كثيرة.
[ ٢ / ١٢ ]
الأمثلة على الإرادة الشرعية والكونية
ولنضرب مثالًا للإرادة الشرعية من كلام الله ﷿: فمن أمثلة الإرادة الشرعية قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] .
هل الإرادة هنا شرعية أو كونية؟ شرعية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] .
كل هذه إرادات شرعية غير لازمة الوقوع، قد لا يتوب الله ﷿ على بعض من عصى، إنما هو يريد التوبة إرادة شرعية يحبها ويرضاها، لكن قد لا تقع من العبد.
مثال النوع الثاني من الإرادة، وهي الإرادة الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] .
ومثاله أيضًا قول الله تعالى فيما ذكره عن نوح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] .
إرادة الإغواء هنا هل هي مما يحبه الله ويرضاه؟ لا.
إنما هي من مقتضى حكمته جل وعلا، فهي من الإرادة الكونية والذين لا يفرقون بين نوعي الإرادة يجعلون جميع الإرادة متعلقة بالمحبة، فكل ما أراده الله ﷾ فهو محبوب له، وكل ما وقع فهو محبوب له.
وعلى هذا فإن الزنا محبوب له أعوذ بالله! لماذا؟! لأنه أراده ووقع، ولو لم يرده ويحبه لما وقع، ولكنهم ضلوا لعدم التمييز بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وهؤلاء الذين يقولون: إن كل ما يقع محبوب له وهم الجبرية الجهمية، يقابلهم القدرية الذين يقولون: إن الله جل وعلا لم يرد الزنا من الجاهلين، فهو واقع من غير إرادته جل وعلا، وهؤلاء كذبوا على الله جل وعلا، فإنه لا يقع شيء في الكون إلا بإرادته، فما من حركة ولا سكون ولا ذهاب ولا إياب ولا قيام ولا قعود إلا بإرادة الله جل وعلا ولا معصية ولا طاعة إلا بإرادته جل وعلا، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] فكل ما في الكون هو بإرادته جل وعلا، لكن هؤلاء قالوا: إنه ليس مرادًا لله؛ لأنه ليس محبوبًا له، والله لا يريد إلا ما يحب، فأخرجوا المعاصي عن إرادة الله جل وعلا.
ولذلك قال أحدهم كلمةً ظاهرها التعظيم لله ﷿ وباطنها التعطيل لصفة الإرادة فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فهذه كلمة جيدة، فلما فهمها العالم السلفي قال له: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء؛ لأن الأول مراده أن الزنا والسرقة وما يكون من المخالفات إنما هي واقعة من غير إرادة الله، ولذلك هو منزه عن إرادة الفحشاء، فرد عليه العالم السلفي فقال: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء.
فأيهما أبلغ تعظيمًا؟ اللفظ الثاني لا إشكال فيه؛ لأن فيه تمام الملك والتصرف من رب العالمين، وأنه لا يقع في ملكه إلا ما يشاء جل وعلا، وهو المطابق لقوله: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) .
المهم أن هذه القضية الواضحة التي دل عليها الكتاب والسنة من أجلى ما يكون لمن سلم من الشبهات والخيارات الفاسدة، والظنون الكاذبة هي ملتبسة على أصحاب الأهواء من أهل الكلام، حيث جعلوا الإرادة بنوعيها نوعًا واحدًا، ففسروا الإرادة بالمحبة، فما شاءه الله فهو محبوب له، وهذا يستوي فيه القدرية والجبرية، فالجبرية يوسعون ويقولون: كل ما وقع فهو محبوب له، ويقابلهم القدرية الذين يخرجون عن إرادة الله ﷿ المعاصي، فيقولون: المعاصي ليست مرادة له ﷾.
[ ٢ / ١٣ ]
اعتقاد عجز الأفهام والخيالات عن إدراكه ﷾
ثم قال ﵀: [لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام] (لا تبلغه) يعني: الأفكار والخيالات والظنون فمهما شد الإنسان ذهنه وأعمل فكره وأشغل عقله في التوصل لصفات الله ﷿ وما له من الكمال فإنه يعود منكسرًا حقيرًا لا يصل إلى شيء؛ لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، فإذا كان ليس كمثله شيء فمهما وقع في باله أو خطر في ذهنه أو دار في خاطره فليعلم أن الله ليس كذلك؛ لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، والعباد لا يمكن أن يحيطوا بصفة من صفاته فكيف به جل وعلا؟! قال الله جل وعلا في صفة العلم وهي من صفاته: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا في صفة من صفاته بجزء يسير من علمه فكيف به؟! فنفى جل وعلا الإحاطة به بصفة من صفاته، ونفى الإحاطة به فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] .
ثم اعلم أن الله جل وعلا لكماله وعظيم ما يتصف به لا يدركه الإنسان حتى لو نظر إليه، نسأل الله أن نكون من الناظرين إليه سبحانه، فإنه إذا نظر الإنسان إلى ربه يوم القيامة فهذا النظر لا يحصل به الإدراك، كما قال جل وعلا: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] بل إن هذه السماوات لو أراد الإنسان أن يحيط بها لما استطاع، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤] فلا يمكن أن يدرك عظم هذا الخلق العظيم، والبناء الكبير، وهو مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا فكيف به ﷾، فهو جل وعلا لا تبلغه الأوهام.
ولذلك ينبغي للمؤمن أن يقطع الوساوس، وأن يقطع الطريق على الشيطان، بأن يذكر قول الله جل وعلا إذا ورد عليه خاطر أو ما أشبه ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ليريح باله، ويهنئ فؤاده، ويطمئن قلبه، ويسلم من كثير مما يصطلي به أصحاب الوساوس والأفكار.
قال: (ولا تدركه الإفهام) أي: لا تحيط به الأفهام، وهذا مستفاد من الآيات التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] ومن قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ومن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
كيف نستدل بقول (لا تدركه الأبصار) على أنه لا تدركه الأفهام؟ نقول: إن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) يدل على صحة قوله (لا تدركه الأفهام)؛ لأنه إذا كان إدراك البصر مع سهولته ويسر حصول المطلوب من طريقه لا يحصل فيما يتعلق بالله ﷿ وصفاته، فكيف بما هو أصعب وهو إدراك الأفهام.
فإذا كان لا تدركه الأبصار مع سهولة إدراك البصر فإدراك الأفهام من باب أولى.
هذا وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٢ / ١٤ ]