الله سبحانه وسع كل شيء علمًا، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء فضلًا، ويضل من يشاء عدلًا، وقد خالف هذا المعتقد القدرية والمعتزلة من جهة قولهم بأن العبد يخلق فعله، والجبرية حيث عطلوا الأمر والنهي احتجاجًا بالقدر.
[ ٤ / ١ ]
الكلام على قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال رحمه الله تعالى: [لا يحتاج إلى شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد.
لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.
آمنّا بذلك كله، وأيقنّا أن كلًا من عنده] .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) هذه آية من كتاب الله ﷿ جعلها المؤلف ﵀ ضمن ما قرره من عقيدة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية المنصورة، وقد تقدم الكلام على نفي المثلية عن الله جل وعلا في موضعين مما تقدم من كلام المؤلف ﵀ في قوله: (لا شيء مثله) وفي قوله: (ولا يشبه الأنام)، ثم قال: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) ولعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية بيان إثبات الصفات، أو لعل المؤلف ﵀ أراد بهذه الآية الرد على من ضل في باب الأسماء والصفات، وليس مقصوده تقرير نفي المثلية؛ لأن نفي المثلية تقدم في قوله: (لا شيء مثله)، (ولا يشبه الأنام)، لكنه ساق هذا ليرد على طائفتين ضالتين وفريقين منحرفين عن صراط الله المستقيم، وعن مذهب أهل السنة والجماعة وعقيدة الفرقة الناجية المنصورة؛ وهم أهل التعطيل وأهل التمثيل، فإن هذه الآية ردت على جميع البدع الواقعة في باب أسماء الله وصفاته، وعلى اختصار هذه الآية ووجازة لفظها وقلة كلماتها إلا أنها سدت أبواب الضلال فيما يتعلق بالأسماء والصفات، قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا رد على أهل التمثيل الذين يثبتون لله ﷿ مثيلًا ونظيرًا وسميًا وكفؤًا في أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو ما يجب له.
وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على أهل التعطيل الذين عطلوا صفات الله جل وعلا، فأهل التعطيل عطلوا الله عن صفاته وأخلوه منها إما على وجه الكلية، أو تعطيلًا جزئيًا.
والمقصود: أن هذه الآية ردت على هاتين الفرقتين.
ولو قلنا: ما هي أبواب الضلال في أسماء الله وصفاته؟ فإن الجواب على ذلك: إن جميع البدع في هذا الباب ترجع إلى بدعتين: بدعة أهل التمثيل، وبدعة أهل التعطيل، والممثلة والمعطلة يصلون إلى التمثيل والتعطيل من طريقين: أما الممثلة فيصلون إلى التمثيل عن طريق التكييف، فيطلبون كيفية ما أخبر الله ﷾ به عن صفاته؛ ولذلك كان من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، فنفي التمثيل هو نفي الغاية والمنتهى والمقصد، ونفي التكييف هو نفي للطريقة والواسطة التي يتوصل بها المبتدعة إلى التمثيل.
وكذلك من عقيدتهم: أنهم لا يعطلون الله جل وعلا عن صفاته بل يثبتون له ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير تعطيل، ومن لوازم نفي التعطيل نفي الطريق الموصل إليه، وهو التحريف الذي يسميه أهله تأويلًا؛ ولذلك كان من العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، فنفي التحريف هو نفي للطريق الموصل إلى التعطيل، ونفي التعطيل هو نفي للغاية والمقصد الذي ينتهي إليه طريق هؤلاء وهم القسم الثاني من أقسام المبتدعة في باب أسماء الله وصفاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
ولما كانت هذه الآية متضمنة لهذين المعنيين من إثبات كمال الصفات، ونفي مماثله المخلوقين؛ ضاقت بها صدور نفاة الصفات، حتى إن أحدهم اقترح على المأمون أن يبدل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] بقوله: (وهو العزيز الحكيم) فقال له: أزل من ستار الكعبة قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فاكتب: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) حتى ينفي إثبات هاتين الصفتين اللتين يظن أن إثباتهما يقتضي إثبات المماثلة للمخلوق، تعالى الله عما يقول علوًا كبيرًا، فالله جل وعلا كلامه حق: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، بل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه نفي المماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا فيه إثبات كمال الصفات للرب جل وعلا.
[ ٤ / ٢ ]
إثبات صفة العلم لله ﷿
بعد أن فرغ المؤلف ﵀ من تقرير ما يتعلق بصفات الرب ﷾ انتقل إلى تقرير أمر من أصول الدين، وهو من أصول الإيمان، وهو ما يتعلق بالقضاء والقدر فقال ﵀: [خلق الخلق بعلمه] .
الخلق: هو الإيجاد والإبداع والإنشاء، خلق الخلق وهو الخالق جل وعلا لكل شيء، كما تقدم ذكر ذلك في كلام المؤلف ﵀ حيث قال: (خالق بلا حاجة)، فالله جل وعلا خالق بلا حاجة، خلق كل شيء جل وعلا، فكل شيء مخلوق للرب ﷾، وليس مراد المؤلف ﵀ في هذه العبارة إثبات الخلق، فإنه قد تقدم ذكره، إنما مراد المؤلف بهذه العبارة أن يقرر أنه ﷾ خلق الخلق وهو عالم بهم، ولاشك أنه لا يمكن أن تثبت صفة الخلق لله ﷿ إلا بالعلم؛ لأنه لا يمكن أن يكون خالقًا إلا من كان عالمًا، ولذلك قال ﵀: (خلق الخلق بعلمه) والباء هنا للملابسة والمصاحبة وهي التي تفيد المعية، يعني: خلق الخلق حال كونه عالمًا بهم ﷾، فالباء هنا للمصاحبة، ومعنى المصاحبة أنها تفيد المعية، يعني: خلق الخلق مع علمه بهم أو عالمًا بهم، فإما إن تقدر مع أو أن تقدر حالًا حتى يتبين معنى الملابسة والمصاحبة.
(خلق الخلق بعلمه)، ولا شك في ذلك، وقد قرر الله ﷾ علمه بكل شيء، فعلم الله جل وعلا متعلق بكل شيء، فهو بكل شيء عليم ﷾.
والعلم هو من أوسع الصفات تعلقًا، بل هو متعلق بكل شيء، فهو متعلق بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل؛ متعلق بالممكن، ومتعلق بالواجب، ومتعلق بالممتنع، فهو من أوسع الصفات تعلقًا؛ ولذلك لا تخصيص في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١٦]؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى إنه يتعلق بالمعدوم، ويتعلق بالممتنع أي: الذي لا يكون، ومثال تعلقه بالممتنع قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] هل يمكن أن يوجد آلهة حق غير الله؟
الجواب
لا، ومع ذلك قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فأخبر بما سيكون لو كان هناك آلهة، ومما يدل على تعلق العلم بالممتنع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] .
والرد بعد الموت هل هو ممكن أو ممتنع؟ ممتنع، وهل هو ممتنع لعدم القدرة عليه أو لحكمة رب العالمين؟ لحكمته جل وعلا، فإنه يمتنع أن يرد الناس بعد موتهم، ومع ذلك أخبر ﷾ بحال الناس لو ردوا بعد موتهم كيف يكونون.
فالمراد أن الله جل وعلا عالم بكل شيء، وعلمه من الصفات التي فتعلقت بكل شيء، تعلقت بذاته وبصفاته وبأفعاله وبخلقه، فكل شيء تتعلق به المشيئة، بل تعلقت بالممكن والواجب والممتنع.
[ ٤ / ٣ ]
من أدلة علم الله لخلقه
اعلم أن الله ﷾ استدل على علمه لخلقه بثلاث صفات من صفاته، قال ﷾: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فأثبت الله جل وعلا علمه بخلقه، فـ (من) هنا فيها وجهان: - فإما أن تكون في محل رفع فاعل.
- وإما أن تكون في محل نصب مفعول به.
المعنى الأول: ألا يعلم الذي خلق، يعني: كيف لا يعلم الذي خلق؟ فجعل من لوازم إثبات صفة الخلق، وأنه خالق؛ أنه عالم بكل شيء، وهذا المعنى صحيح ولا إشكال فيه.
المعنى الثاني: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: ألا يعلم مخلوقه، ولا إشكال في أن الله ﷾ عالم بمخلوقه.
فعلى المعنى الأول وأن (من) مرفوعة في محل رفع فاعل؛ يكون من دلائل علمه ﷾ وشواهد علمه بخلقه أنه خلقهم ﷾ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] يعني: كيف لا يعلم بخلقه وهو الخالق لهم؟ فاستدل على علمه بخلقه بهذه الصفة، وهي أنه خالق جل وعلا.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فجعل هاتين الصفتين دالتين على علمه بخلقه.
واللطيف: هو من يدرك ما دق من الأشياء، والخبير: هو من يدرك ما خفي من الأشياء، فإذا كان يدرك الدقيق ويدرك الخفي فكيف لا يعلم بخلقه، فهو ﷾ اللطيف الخبير العالم بما دق وبما خفي، فإذا كان يعلم الدقيق والخفي؛ فهو جل وعلا عالم بخلقه لا إله غيره، هو بكل شيء عليم ﷾ وبحمده.
إذًا: قوله: (خلق الخلق بعلمه) يدل على إثبات علم الله المتقدم على خلق كل مخلوق ولا إشكال في ذلك، فإن الله ﷾ بكل شيء عليم، وهو جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقه، وسيأتي مزيد تقرير لهذا في كلام المؤلف ﵀ في مسألة القدر، والمؤلف ﵀ وغفر له فرق ما يتعلق بمبحث القدر، ولم يجمعه في موضوع واحد، بل أعاد وأبدع ورد وكرر في هذه المسألة؛ ولعل ذلك لأهميتها وشدة الحاجة إليها في وقته ﵀.
[ ٤ / ٤ ]
اعتقاد تقدير الله ﷿ لأقدار خلقه وآجالهم
ثم قال: [وقدر لهم أقدارًا] تقدم أن الله ﷾ عالم بخلقه، وأنه خلقهم بعلمه، فعلمه محيط بخلقه جل وعلا، فهو محيط بكل شيء، وعالم بكل شيء، ثم أتى هنا إلى تقرير أنه ما من شيء إلا بقدر فقال: (وقدر لهم أقدارًا) قدر لهذا الخلق الذي خلقه أقدارًا، فالله جل وعلا خلق كل شيء بقدر كما قال ﷾: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فما من شيء إلا وسبق به تقدير رب العالمين، فلا يخرج شيء مما يكون عن تقدير الله جل وعلا العليم القدير، فالعباد كلهم أحاطت بهم قدرة الله جل وعلا.
قال الله ﷾ في بيان إحاطة تقديره بخلقه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣]، وما إلى ذلك من الآيات التي لا تحصر في إثبات أن الله جل وعلا قدر لخلقه أقدارًا.
ثم قال ﵀: [وضرب لهم آجالًا]، (ضرب) أي: حدد (لهم آجالًا) أي: مددًا مضروبة، فكل عباده لا يتجاوزون ما قدره الله جل وعلا من الآجال، بل هي آجال محتومة، وآجال مقدرة، وقد دل على هذا كتاب الله جل وعلا، ودلت على ذلك السنة، دليل الكتاب قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨]، ومن السنة قول النبي صلى الله وعليه وسلم: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) .
فالله جل وعلا قدر لخلقه الأقدار، وبينها ووضحها وكتبها وأثبتها، فلا يخرج شيء عن قدره، ومن تمام تقديره أن ضرب لهم آجالًا.
[ ٤ / ٥ ]
الرد على خصماء الله في القدر من قدرية وجبرية
ثم قال ﵀: [ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم] هذا فيه تأكيد ما تقدم من أنه عالم بهم قبل الخلق، لم يخف عليه جل وعلا شيء قبل أن يخلقهم، بل هو المحيط بهم العالم بهم قبل خلقهم.
ثم قال: [وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم] هذا تأكيد لما تقدم من إثبات علم الله ﷿ بالخلق قبل أن يخلقهم، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل خلقهم.
لما قال المؤلف ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم)، فهل مراده من هذا الكلام مجرد تأكيد ما تقدم؟
الجواب
إنه أكد ما تقدم، وأجاب عن قول خصماء الله في القدر، فإن قوله ﵀: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا المقطع من كلام المؤلف ﵀ رد على خصماء الله في القدر.
وخصماء الله في القدر فريقان: الفريق الأول: هم الذين نفوا تقدير الله للأشياء قبل وجودها، فنفوا القضاء والقدر، وهم غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله لم يقدر شيئًا، وإن الأمر أنف، وهذه بدعة ظهرت في أواخر عهد الصحابة ﵃، وردها ابن عمر وغيره من صحابة رسول الله ﷺ، وأصل هذه البدعة كانت في الذين خاصموا النبي ﷺ من المشركين في القدر، كما جاء في حديث أبي هريرة: (أن المشركين جاءوا يخاصمون النبي ﷺ في القدر، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]) فإن هذا جواب على من خاصم النبي ﷺ في تقدير الله ﷿ للأشياء قبل وقوعها.
إذًاَ: الفريق الأول الذين خاصموا الله في القدر: هم غلاة القدرية الذين نفوا القضاء والقدر وعطلوه، وقالوا: إن الله جل وعلا لم يقدر شيئًا.
الفريق الثاني: هم الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأمر والنهي، وهم الجبرية الذين قالوا: إنه ما من شيء إلا بقضاء الله وقدره، وعلى هذا لا يلام العاصي على معصيته، ولا يشكر المحسن على إحسانه؛ لأن إحسان المحسن بقدر الله، ومعصية العاصي بقدر الله، فعلى هذا جعلوا القدر حجة على تعطيل الشرع، وهذا قد ذكره الله جل وعلا عن الكفار في مواضع من كتابه، كقول الله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]، فاحتجوا على تعطيل الطاعة والتوحيد بالقدر.
ومن المواضع التي أبطل الله جل وعلا فيها الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧]، هناك كان الاحتجاج بالقدر على ترك التوحيد، وهنا الاحتجاج بالقدر على ترك الطاعة، وبقي الاحتجاج بالقدر على المعصية وهو في قول إبليس: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، فجعل فعله ومعصيته بسبب إغواء الله ﷿، فنسبها إلى الله جل وعلا، واحتج بها على استمراره في الغي والضلال.
فتبين أنه لا حجة في القدر على ترك التوحيد، ولا حجة في القدر على إتيان المعصية، ولا حجة في القدر على ترك الطاعة، بل لله الحجة البالغة على كل أحد، فإنه ما من أحد إلا وله الاختيار الكامل في فعل ما شاء وترك ما شاء، وهذه المشيئة لا تخرج عن مشيئة الله ﷿ كما سيأتي.
والمراد أن كلام المؤلف ﵀ في هذا الموضع فيه رد على فرقتين ضالتين في باب القضاء والقدر، وهما: غلاة القدرية والجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، والذين نفوا القدر وعطلوه، قال ﵀: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) هذا الرد على الفريق الثاني ممن خاصم الله في القدر.
[ ٤ / ٦ ]
اعتقاد أن كل شيء يجري بتقدير الله
ثم قال ﵀: [وكل شيء يجري بتقديره] .
كل شيء يشمل جميع الأشياء، فكل شيء في الكون، وكل موجود ومخلوق؛ هو بتقدير الله جل وعلا، لا نظر في ذلك إلى كونه محبوبًا لله أو غير محبوب، فإن الله جل وعلا شاء ما كان وما يكون؛ لحكمة بالغة، ولا تعلق لذلك بالمحبة، فلا يلزم أن يكون ما وقع محبوبًا لله جل وعلا، بل قد يكون مبغوضًا، بل إن كثيرًا مما يقع يكون مبغوضًا لله جل وعلا، فكل شيء يجري بتقديره، وإذا اعتقد المؤمن أن كل شيء يجري بتقدير الله ﷿ اطمأن قلبه فيما يتعلق بالمصائب ورضي بما قدره الله له، ولن يقع في قلبه معارضة لتقديره جل وعلا، ولا ضيق مما يجري عليه من الأقدار.
[ ٤ / ٧ ]
إثبات مشيئة الله ﷿
قال ﵀: [ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم] .
يبيّن المؤلف ﵀ في هذا المقطع: أن إثبات المشيئة والإرادة للمخلوق ليس ذلك على وجه الاستقلال والانفصال والانفكاك عن مشيئة الله ﷿، بل ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولذلك قال: [ومشيئته تنفذ] أي: مشيئة الرب جل وعلا تنفذ أي: تجوز، فهو جل وعلا ذو المشيئة النافذة، والقدرة النافذة، لا راد لما شاء، ولا مانع لما قدر وقضى، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، مشيئته تنفذ ولا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فإثبات المشيئة للعبد لا يعطل مشيئة الله ﷿، وليس ذلك خارجًا عن مشيئة الله، بل مشيئة الله ﷿ محيطة بمشيئة عبده، كما قال ﷾: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] .
فمشيئة الله سبحان وتعالى محيطة بمشيئة العبد، لا خروج للعبد عن مشيئة الله ﷿ [فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن] وهذه المشيئة المذكورة في قوله: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، يدخل في الإرادة الكونية، والإرادة الكونية هي معنى قول المؤلف ﵀ وقول المسلمين: (ما شاء الله كان) -أي: حصل ووجد، (وما لم يشأ لم يكن) أي: لا حدوث له ولا حصول.
[ ٤ / ٨ ]
اعتقاد أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء والرد على المعتزلة والقدرية في ذلك
ثم بعد أن أثبت عموم مشيئة الرب ﷾ لكل شيء، وأنه لا خروج لمشيئة العبد عن مشيئة الله ﷿؛ قال ﵀: [يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا] جل وعلا، وفي هذه العبارة الرد على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، فالهدى والضلال ليس من فعل الله ﷿ ولا من مشيئته ولا من إرادته، إنما هي من مشيئة العبد وإرادته وفعله المستقل عن الله جل وعلا.
فقوله: (يهدي من يشاء) يرد بذلك على المعتزلة والقدرية الذين قالوا: إن الله لا يخلق فعل العبد، بل أفعال العباد خارجة عن قدرته ومشيئته وإرادته ﷾، ثم كيف يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب؟ يفسرون الهداية المذكورة في الكتاب بأنها هداية البيان والإرشاد والدلالة، فيحملون كل آية أضاف الله فيها الهداية إليه على أنها هداية بيان وإرشاد ودلالة، وهذا لا إشكال أنه تحريف للكلم عن مواضعه، فإن الآيات التي فيها أن الله ﷾ يهدي من يشاء، تشمل هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وتشمل هداية التوفيق للعمل، فإنه إذا لم يوفق الله جل وعلا العبد للعمل فإنه لا إصابة في عمله، ولا توفيق له.
ومما يدل على أن الهداية المضافة إلى الله جل وعلا تشمل هداية التوفيق للعمل قول الله جل وعلا فيما ذكره في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فالهداية المنفية عن النبي ﷺ هي هداية التوفيق والعمل، وأما الهداية المثبتة لله ﷿ فهي هداية الإرشاد والدلالة والبيان وهداية التوفيق إلى العلم.
فقوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا) أي: أن الهداية منه ﷾ فضلًا ومنة على العبد، وهذا فيه الجواب عن
السؤال
كيف يهدي فلانًا ولا يهدي فلانًا؟ نقول: الهداية فضل الله ومنته ورحمته وهو جل وعلا أعلم بمحال الفضل من غيره، فإن الله سبحانه تعالى يمن على من يشاء من عباده لعلمه بأن الممتن عليه بالهداية المتفضل عليه بالاستقامة أهل لذلك، أي: أنه يستحق ذلك، وأنه صالح لهذا، قال الله ﷾ في جواب المعترضين على الرسل في أنهم خصوا بالرسالة: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، الله ﷾ جعل الفضل في محله، وجعله لفضل الرسالة في الرسل لعلمه بأنهم أهل لها.
قال ابن القيم ﵀: والله جل وعلا أعلم بمحال الفضل في الرسل وأتباعهم، فإن الله ﷾ أعلم بالمهتدين كما قال ﷾: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] أي: أعلم بمن يستحق الهداية فيوفقه إليها وأعلم بمن يستحق الاستقامة فيوفقه إليها، وهذا معنى قوله ﵀: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا) أي: الهداية إلى الصراط المستقيم توفيقًا وعملًا، ويعصم من المعاصي ويعافي من الذنوب والخطايا فضلًا منه ﷾.
قوله: (ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا) أي: عدلًا، فهو جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ما منعهم الله جل وعلا الفضل وهم أهل له، بل الأمر كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]، فإنهم لما استحقوا الزيغ أضلهم وخذلهم وخلى بينهم وبين أنفسهم؛ ولذلك اعلم أن كل معصية تقع فيها فإنها من خذلان الله جل وعلا؛ لأنه خلى بينك وبينها، ولو أن الله جل وعلا أكرمك لعافاك وعصمك، وهذا معنى قوله ﵀ في هذه العبارة: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا) .
[ ٤ / ٩ ]
الأسئلة
[ ٤ / ١٠ ]
تقسيم المشيئة إلى كونية وشرعية
السؤال
هل المشيئة نوعان: شرعية وكونية؟
الجواب
لا، المشيئة لا تنقسم إلى مشيئة شرعية وكونية، بل المشيئة واحدة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
[ ٤ / ١١ ]
تعريف التعطيل
السؤال
ما هو التعطيل؟
الجواب
التعطيل: عدم إثبات الصفات لله ﷿، إما كليًا أو جزئيًا.
[ ٤ / ١٢ ]
الفرق بين المشيئة والقدر
السؤال
ما الفرق بين المشيئة والقدر؟
الجواب
المشيئة: هي القدر، لكن هي من مراتب الإيمان بالقدر كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن القدر يتضمن العلم والخلق والمشيئة والكتابة، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
[ ٤ / ١٣ ]