النبي ﷺ هو النبي المختار الذي أرسله الله تعالى للثقلين بالهدى ودين الحق، وهو خاتم الأنبياء فليس بعده نبي، اصطفاه الله ﷿ على جميع الخلق، فيجب أن نعرف حقه وقدره ﷺ من غير إفراط ولا تفريط، فنثبت له النبوة والاصطفاء على الخلق، كما نثبت له العبودية لله جل وعلا.
[ ٥ / ١ ]
قضاء الله ﷿ وقدره في خلقه
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله.
وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد.
لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.
آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًا من عنده.
وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء] الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فصلة ما تقدم من كلام المؤلف ﵀ في مسائل القدر قال ﵀: (وكلهم) أي: كل عباده وخلقه (يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله)، فالله جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا، بل الخلق لا يخرجون عن فضل الله جل وعلا، فإن قصروا عن الفضل فلا يخرجون عن العدل، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] فالله ﷾ لا يظلم الناس شيئًا، فمن هداه فبفضله، ومن وقع في الضلال فإنما يضل على نفسه، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] والله جل وعلا أعلم بالمهتدين، وهو ﷾ يعلم محال الفضل ومحال المن ومواضعه.
فلذلك لا يعترض على الله جل وعلا في هداية فلان وفي إضلال فلان، فهذا مما ينبغي أن يقر في قلب المؤمن، فإن الله جل وعلا حكم عدل، ليس في حكمه الكوني ولا في حكمه الشرعي نقص ولا ظلم، بل الظلم منتفٍ عن الرب، وهو مما حرمه الله جل وعلا على نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقال النبي ﷺ في الحديث الإلهي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) فنفي الظلم عن الله يدل على أنه ﷾ العدل الذي لا ظلم في شيء من أحكامه، وقد اعترض على ذلك بعض من بُلي في مسائل القدر، فلقي أحد العلماء فقال له: أرأيت إن منعني الهدى ثم أمرني به أيكون قد ظلمني؟ فقال له العالم الرباني العالم بربه جل وعلا: إن كان قد منعك شيئًا هو لك فقد ظلمك، والله جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا، بل الله جل وعلا لا ينفك عباده مسلمهم وكافرهم من خيره وفضله.
فلا أحد أصبر على أذىً من الله ﷾، فإنهم يشتمونه ويسبونه وينسبون إليه الولد وهو جل وعلا يعافيهم ويرزقهم ويمدهم ﷾ بما تقوم به حياتهم ويصلح به معاشهم، فكل العباد المسلم والكافر يتقلبون في مشيئته، يعني: فيما يقدره ويقضيه بفضله وعدله، ﷾.
ثم قال المؤلف ﵀: (وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد) .
الأضداد: جمع ضد، والضد: هو المناوئ المعارض المقابل، والله جل وعلا لا ضد له، فإنه لا يقوم شيء لإرادته ولا يقوم شيء أمامه ﷾، بل هو القوي العزيز الذي لا راد لقضائه جل وعلا.
وقول المؤلف ﵀: (متعالٍ عن الأضداد) يرد بذلك على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، وإن العبد يشاء ما لا يشاؤه الله، وإن العبد يخرج بأفعاله عن أقدار الرب جل وعلا، فهذا فيه الرد على هؤلاء.
وهذه الكلمة: (متعالٍ عن الأضداد) يستعملها أهل العلم ﵏ في كلامهم، فقد ذكرها ابن القيم ﵀ في افتتاح كتاب (إغاثة اللهفان) ومعناها كما ذكرنا: أنه لا أحد يقوم في مضادة الرب جل وعلا، فهو ﷾ لا يقوم له شيء.
وأما قوله: (والأنداد) فالأنداد: جمع ند، والند هو: المثيل والمكافئ والنظير، ويطلق أيضًا على المناوئ، لكن المراد به هنا: المثيل والنظير، فنزه المؤلف ﵀ الرب جل وعلا عمن يعارضه ويضاده ويخالف أمره، ونزهه ﷾ عن أن يكون له ند ونظير ومثيل، كما قال الله ﷾: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:٢٢]، وكما قال ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فهذا أمر واضح وقد تقدم تقريره.
[ ٥ / ٢ ]
قضاء الله ﷿ الكوني نافذ لا يرد
ثم قال ﵀: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) جل وعلا، فقوله: (لا راد لقضائه) أي: لا أحد يقوم برد قضاء الله جل وعلا، بل كما قال عن نفسه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، فأمر الله جل وعلا وقضاؤه ماضٍ لا راد له.
والمراد بالقضاء هنا: القضاء الكوني الخلقي القدري، وأما القضاء الشرعي فإنه يُرد؛ لأنه ليس لازم الوقوع، فقوله: (لا راد لقضائه) أي: أنه لا يُرد ما قضاه ﷾ وقدره، فإذا قضى الله جل وعلا بالموت على أحد فلا يمكن لأحد أن يرده، وإذا قضى لأحد بالنجاح فلا يمكن لأحد أن يرده، وإذا قضى بالسعادة لأحد فلا يمكن أن يرده أحد، (لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع)، بل قضاؤه جل وعلا ماضٍ.
والقضاء هنا المراد به: القضاء الكوني، وأما القضاء الشرعي فيرد، ولذلك رد أهل الشرك قضاء الله ﷿ في عبادته، فإن الله ﷾ قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، فردوا هذا القضاء وعبدوا غير الله، فقول المؤلف: (لا راد لقضائه) أي: لا راد لقضائه الكوني القدري الخلقي.
قال ﵀: (ولا معقب لحكمه) أي: لا مؤخر لحكمه، فإذا قضى الله جل وعلا أمرًا فإنه لا يؤخر، كما قال ﷾: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فإذا قضى الله أجلًا معينًا في وقت معين فإنه لا يتأخر ولا يتقدم.
وهذا من معاني قوله: (لا معقب لحكمه) وقد وصف الله جل وعلا نفسه بذلك في قوله: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١] فإنه لا معقب لحكم الله جل وعلا.
وكذلك من معاني قوله: (لا معقب لحكمه) أي: لا متتبع لحكمه، بل حكمه نافذ لا يتتبعه أحد ولا ينظر فيه ويتأمل، ولا يرد البعض ويقبل البعض، بل حكمه جل وعلا الكوني نافذ ولا معقب له ولا راد له ولا متتبع له، بل هو جل وعلا الحكيم الخبير الذي إذا حكم وقضى فإنه لا يُرد قضاؤه ولا يُعقب حكمه ﷾.
ثم قال: (ولا غالب لأمره) بل الله جل وعلا غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] فالله جل وعلا يسوق المقادير إلى المقدورات أي: إلى مواضع القدر، فهو ﷾ يسوق عباده إلى ما قضاه وقدره، وكل ميسر لما خلق له.
قال ﵀: (لا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) ﷾، والحكم والقضاء والأمر هنا هو كله في القضاء والحكم والأمر الكوني.
وكذلك يمكن أن يقال: لا معقب لحكمه الشرعي من حيث أنه لا يبدل ولا يغير، ولكن من حيث الفعل فإنه قد يُرد وقد يعقب عليه وينتقد، لكن هذا لا يضر حكم الله جل وعلا بشيء.
والظاهر أن الجميع؛ القضاء، والحكم، والأمر، في هذه العبارات كلها تدور على معنى القضاء والحكم والأمر الكوني.
ثم قال ﵀: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًا من عنده) أي: آمنا بما تقدم مما تقرر في هذه العقيدة.
وقوله: (آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًا من عنده) أي: ما قضاه الله جل وعلا وقدره وشاءه فذلك كله بتقديره، فسعادة السعيد بتقديره، وشقاء الشقي بتقديره.
والمؤلف ﵀ ختم هذا المقطع بهذه العبارة؛ لأنه سينتقل إلى تقرير عقد أو أصل جديد من أصول الاعتقاد وأصول الإيمان، فناسب أن يختم ما تقدم بهذه العبارة تأكيدًا وتقريرًا لما تضمنه قوله ﵀: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له.
إلخ) .
فيقول: (آمنا بذلك) يعني: بكل ما ذكرنا أننا نعتقده، (وأيقنا أن كلًا من عنده) أي: أن اعتقادنا ذلك إنما هو امتثال لله ﷿ وامتثال لما جاء في كتابه وما جاء في سنة رسوله ﷺ.
[ ٥ / ٣ ]
الإيمان بالنبي ﷺ
ثم بعد ذلك انتقل المؤلف ﵀ إلى تقرير الأصل الثاني الذي لا يصح الإيمان والإسلام إلا به، وهو شهادة أن محمدًا رسول الله فقال: [وأن محمدًا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى] هكذا عندي في هذه النسخة بفتح همز إن، والصحيح الكسر؛ لأنه معطوف على قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له وإن محمدًا عبده المصطفى ونبيه المجتبى) ومعلوم أن همز إن يكسر بعد القول وما في معناه: قال ﵀: (وإن محمدًا) محمد المذكور في هذه الجملة هو رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، وهو خاتم النبيين صلى الله عليهم وسلم، وسيأتي تفصيل ما يجب اعتقاده في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
المهم أن محمدًا هو نبينا ﷺ، وقد أتى به بعد ذكر ما يتعلق بالله؛ لأن الإيمان بالنبي ﷺ هو ثاني ما يطلب من المكلف، فإن المكلف مطالب بعبادة الله وحده، ومطالب بالإقرار برسالة النبي ﵌، وهو الأصل الثاني من الأصول التي يطلب من المكلفين الإقرار بها، فأولها: الإيمان بالله وثانيها: الإيمان برسله، فالإيمان بالرسل من أصول الإيمان التي لا يقر الإيمان ولا يستقيم إلا بها.
[ ٥ / ٤ ]
إثبات عبودية النبي ﷺ
قوله: (أن محمدًا عبده) أي: عبد الله جل وعلا فذكر الضمير هنا عائد إلى ما تقدم في قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين وإن محمدًا عبده المصطفى) ووصف النبي ﷺ بالعبودية من أعظم ما يوصف به صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلافًا لما يظنه كثير من الجهال من أن وصف النبي ﷺ بالعبودية نقص في حقه ونزول في رتبته، بل وصفه بالعبودية هو أكمل ما يكون.
ولذلك ورد وصف الله ﷿ لنبيه محمد ﷺ بالعبودية في أشرف مقامات النبي ﷺ، فوصفه بالعبودية في أشرف لياليه ﷺ في الإسراء حيث قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] .
ووصفه في مقام الدعوة وهو من أشرف مقامات النبي ﷺ حيث قال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] .
ووصفه بالعبودية في مقام المنافحة والمدافعة عنه في مقام التحدي حيث قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة:٢٣] .
ووصفه بالعبودية في مقام الإيحاء في ليلة المعراج فقال جل وعلا: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] وهذه أشرف مقامات النبي ﷺ، لم يصفه الله جل وعلا بوصف زائد على هذا، فدل ذلك على أنه من أعظم أوصافه ﷺ.
[ ٥ / ٥ ]
إثبات اصطفاء الله ﷿ للنبي ﷺ
وقول المؤلف ﵀: (المصطفى) هذا فيه بيان ما خص الله ﷿ به رسوله محمدًا ﷺ من الاصطفاء، فإن الله اصطفى نبيه محمدًا ﷺ، والاصطفاء: هو الاختيار، والاصطفاء: افتعال من الاختيار، وأصله اصتفى، لكن الصاد إذا جاءت بعده التاء فإنها تنقلب إلى طاء، وهذا مطرد، فحيثما جاء الصاد وجاءت بعده التاء فإن التاء تنقلب طاءً للمناسبة بينهما، فإن الصاد والطاء من حروف الاستعلاء، بخلاف التاء، فالاصطناع أصلها اصتنع، والاصطلام أصلها: اصتلم، وهلم جرًا.
والمراد: أن الاصطفاء معناه: الاختيار، والاختيار حق لله جل وعلا دون غيره، كما قال الله ﷾: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] فذكر الله جل وعلا فعلين من أفعاله: - الخلق، وهذا لا منازع له فيه.
- والاختيار، وهذا الذي وقعت فيه المنازعة من المشركين لرب العالمين.
فقال الله جل وعلا: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] والوقف على هذا تتم به الجملة، ثم قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] فنفى الخيرة عن غيره ممن نازعه جل وعلا الاختيار فقال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] فنزه نفسه عن الشركة في الاختيار؛ وذلك لأن الاختيار حق الله جل وعلا، فالله يخلق ما يشاء، ويختار من خلقه ما يشاء.
ولذلك اصطفى الله جل وعلا من خلقه ما شاء الله أن يختار، سواء كان زمانًا أو مكانًا أو شخصًا، فاختار الله من الأزمان على سبيل المثال الجمعة، واختار شهر رمضان، واختار أشهر الحج، واختار الأشهر الحرم.
واختار الله من الأماكن مكة، فاصطفاها وخصها بما خصها به من الأحكام.
وأما الأشخاص فاختار الله ﷿ من خلقه الرسل والأنبياء، وخصهم بخصائص دون غيرهم، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، فالاصطفاء واقع من الملائكة ومن الناس يصطفي الله جل وعلا منهم من يرسلهم.
فالله ﷿ اصطفى رسوله ﷺ وخصه بخصائص كثيرة، وسيأتي ذكر بعض هذه الخصائص في كلام المؤلف ﵀، لكن هل هذا الوصف أخص أوصاف النبي ﷺ؟
الجواب
لا.
ومن هذا نعلم أن الذين لا يذكرون النبي ﷺ إلا بقولهم: المصطفى، أو قال المصطفى، أو فعل المصطفى، يقصرون في حق النبي ﷺ عن رتبته التي أنزله الله إياها؛ لأن الاصطفاء ليس خاصًا بالنبي ﷺ، بل هو له ولكثير من خلقه كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] فالمصطفون من خلق الله كثر، لكن النبي صلى لله عليه وسلم له الغاية من الاصطفاء، وله أوفر حظ ونصيب من اصطفاء رب العالمين جل وعلا.
والذي اختص به ورضيه ﷺ هو أن يكون عبد الله ورسوله، ولذلك قال ﷺ: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) فهذا أفضل ما يوصف به النبي ﷺ، ولو أن المؤلف ﵀ ذكر هذا في مقدم أوصاف النبي صلى عليه وسلم لكان أوفق.
قال: (وأن محمدًا عبده المصطفى) فالله اصطفاه من بين الخلق، قال النبي ﷺ: (إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم) فهذا اصطفاء وراء اصطفاء فهو خيار من خيار ﷺ.
[ ٥ / ٦ ]
إثبات الاجتباء والارتضاء للنبي ﷺ والتفريق بين المعنيين
قال ﵀: [ونبيه المجتبى] المجتبى: من الاجتباء، والاجتباء معناه مطابق للاصطفاء، فالاجتباء والاصطفاء معناهما واحد.
قال ﵀: [ورسوله المرتضى] والمؤلف ﵀ تدرج في أوصاف النبي ﷺ تدرجًا مرتبًا، فبدأ بالعبودية، ثم انتقل إلى النبوة، ثم انتقل إلى الرسالة، والعبودية ليست خاصة به ﷺ، بل هي له ولغيره، والنبوة له ولكثير من الناس، وأخص وأرفع هذه الدرجات درجة الرسالة، فهي له ﷺ ولخاصة خلق الله ﷿ من البشر.
(ورسوله المرتضى) المرتضى: مأخوذ من الارتضاء، والارتضاء مأخوذ من الرضا، والرضا: هو معنىً يثبت به للمرضي الخير الكثير، والمرتضى هو الذي يكون ممتثلًا للأمر منتهيًا عن النهي مسارعًا إلى الخير، والنبي ﷺ مرضي من رب العالمين، ولذلك خصه ﷾ بما لم يخص به غيره.
وعلى كل حال الرضا فيه معنىً زائد على الاصطفاء والاجتباء؛ لأنه اصطفاء واجتباء وزيادة، فقول بعض الشراح: إن الاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقاربة في المعنى فيه نوع نظر، بل الارتضاء فيه زيادة عن معنى الاصطفاء والاجتباء؛ لأنه اصطفاء واجتباء وزيادة.
[ ٥ / ٧ ]
إثبات أن النبي ﷺ خاتم النبيين
ثم قال المؤلف ﵀: (وإنه خاتم الأنبياء) هذا وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو خاتم الأنبياء.
والخاتم هو: الذي لا يأتي بعده شيء، فالله ﷿ ختم النبوات بالنبي ﷺ، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فهو ﷺ خاتم النبيين، ختم الله به النبوات، فلا نبي بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد جاء تقرير ختم النبوة في سنة النبي ﷺ من وجوه عديدة: الوجه الأول: ضرب الأمثال، فإن النبي ﷺ ضرب مثلًا لنبوته فقال: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بناءً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية، فجعل الناس يطوفون في هذا البناء ويقولون: ما أجمله! إلا هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) وهذا ضرب مثل لختم النبوات به ﷺ، وهذا أحد الطرق التي قرر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ختم النبوة.
الوجه الثاني من الطرق التي ذكرها النبي ﷺ في سنته في ختم النبوة: أنه ﷺ أخبر بمجيء كذابين فقال: (سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي) فتكذيب النبي ﷺ لهؤلاء في دعوى النبوة دل ذلك على أنه خاتم النبيين.
الوجه الثالث مما يستدل به من السنة على ختم النبوة: أسمائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن من أسمائه: العاقب، وقد فسر النبي ﷺ هذا الاسم فقال: (العاقب الذي لا نبي بعده) فلا نبي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الوجه الرابع: ومما سلكه النبي ﷺ في تقرير ختم نبوته أن في جملة خصائصه ذكر ختم النبوة، ففي بعض روايات حديث: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وفي بعض رواياته: (أعطيت ستًا) وذكر آخرها فقال: (وختم بي الرسل) فختم الله ﷿ بالنبي ﷺ الرسل.
ولو قال قائل: إن ختم النبوة لا يستلزم ختم الرسالة فما الجواب؟
الجواب
هذا كذب؛ لأنه ما من رسول إلا ولابد أن يكون نبيًا، فالرسالة مرتبة أعلى من النبوة، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فإذا ختم الله بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النبوات دل ذلك على أنه خاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فختم النبوة يدل على ختم الرسالة، فما يدعيه الكذابون ممن يدعون الرسالة أن النبي ﷺ لم يخبر بختم الرسالات وإنما أخبر بختم النبوات حجتهم داحضة باطلة واضحة العوار.
[ ٥ / ٨ ]
إثبات أن الرسول ﷺ إمام الأتقياء
قال ﵀: [وإمام الأتقياء] لا ريب أن النبي ﷺ إمام الأتقياء، والإمام هو: المقدم، ودليل هذا أن النبي ﷺ قال: (والله! إني لاتقاكم لله وأخشاكم له) فاقسم النبي ﷺ أنه أتقى الأمة للرب جل وعلا، فإمام الأتقياء هو رسول الله صلى الله وعليه وسلم؛ لأنه مقدمهم، ولأنه محل الأسوة لهم، فبه يتأسون وبه يقتدون، وعن فعله يسيرون صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فجعله الله إمامًا لهم في العمل وفي الأسوة، فهو إمام الأتقياء ﷺ.
إذًا: قول المؤلف ﵀: (وإمام الأتقياء) يشمل معنيين: الأول: الإمامة، بمعنى: التقدم، ودليل ذلك قسم النبي ﷺ وإخباره بأنه أتقى الأمة.
الثاني: والإمام، بمعنى محل القدوة والأسوة والاهتداء بهديه، وهذا أدلته كثيرة في الكتاب والسنة.
[ ٥ / ٩ ]
مبحث في إطلاق: (سيد المرسلين) على النبي ﷺ
ثم قال ﵀ في وصف النبي ﷺ: [وسيد المرسلين] ولا إشكال في أن النبي ﷺ سيد المرسلين، لكنه لم يرد -فيما أعلم- وصفه ﷺ بذلك في السنة، وإنما الذي ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) فأخبر ﷺ بأنه سيد ولد أدم يوم القيامة.
وورد ذلك مطلقًا حيث قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر في الدنيا والآخرة) وإنما خص العلماء سيادة النبي ﷺ للمرسلين لأن صفوة ولد آدم هم المرسلون، فإذا كان النبي صلى الله عليه سلم سيدهم فهو سيد ولد آدم جميعًا.
وعندي أن الأحسن أن يوصف صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما وصف به نفسه، فإن قول القائل: إن النبي ﷺ سيد ولد آدم أكمل من كونه سيدًا للمرسلين؛ لأنه أوسع معنىً وأوسع مدلولًا، فهو سيد ولد آدم المسلم والكافر، البر والفاجر، وهذا هو المعنى الذي يلمح من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنا سيد ولد أدم يوم القيامة) فإن تخصيص السيادة بيوم القيامة يظهر بها مكانه وفضله، حيث يتخلى الجميع ولا يجدون من يقوم بالشفاعة العظمى إلا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فينبغي أن يقتصر في الوصف على ما جاء عن النبي صلى عليه وسلم، فإنه مهما بالغ الإنسان في إيفاء النبي حقه فلن يبلغ ما جاءت به النصوص.
[ ٥ / ١٠ ]
الفرق بين الخلة والمحبة وبأيهما يوصف النبي ﷺ
ثم قال: [وحبيب رب العالمين] هذا فيه وصف النبي ﷺ بالمحبة، وأنه حبيب رب العالمين، أي: محبوب رب العالمين فحبيب فعيل بمعنى: مفعول، فهو محبوب رب العالمين جل وعلا، ولا شك في إثبات محبة الله لرسوله ﷺ، إلا أن في هذا التعبير قصور عما ينبغي أن يكون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ خليل رب العالمين، والخلة مرتبة أعلى من المحبة، فالخلة هي الغاية والمنتهى في مراتب المحبة، والخلة أخص من مطلق المحبة وتخصيصها -أي: الخلة- من وجهين: الوجه الأول: أن الخلة تكون محبة لذات الشيء، أي: محبة ليست لغرض وإنما لكون المحبوب مستحقًا للمحبة.
الوجه الثاني: أن الخلة تمنع الشركة، فلا شركة في الخلة، بخلاف المحبة فإنها تقبل الشركة.
وهذان الوجهان واضحان في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلًا) أي: صيرني خليلًا له جل وعلا، فهو خليل الرحمان، فتبرأ النبي صلى الله عليه سلم من كل خلة؛ لأن الخلة لا تقبل الشريك، ولأن المحبوب ﷾ محبوب لذاته، فهذا ما اختصت به الخلة.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الخلة تستلزم كمال العبودية، وهذا في الحقيقة ليس من لوازم الخلة في كل مكان؛ لأن الخلة تكون بين الناس ولا تستلزم أن يعبد الخليل خليله، لكن ما تختص به الخلة عن المحبة هما الوجهان السابقان.
وبعض العلماء يرى أن المحبة أعلى من الخلة، ويستدلون بحديث ضعيف: (إبراهيم خليل الله، وأنا حبيب الله ولا فخر) لكن الحديث لا يصح، وكل حديث في هذا المعنى لا يصح، بل الخلة أعلى درجة من المحبة، ولذلك قال النبي ﷺ: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) .
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٥ / ١١ ]