عقيدة أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج أنه حصل للنبي ﷺ بروحه وبدنه يقظة، كما يثبتون له الحوض على ما أخبر به ﷺ، ويثبتون له الشفاعة العظمى التي يشاركهم في إثباتها المعتزلة والخوارج، كما يثبتون له الشفاعة في أهل المعاصي.
[ ٩ / ١ ]
ما ذكر عن الطحاوي من وصف الله بألفاظ محتملة وصحة نسبتها إليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: [فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] .
قوله ﵀: (تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) قال بعض الشراح: إنها مما أدخل على المؤلف، وليست من كلامه، وذلك أن الطحاوي ﵀ سائر في باب الأسماء والصفات على عقيدة أهل السنة والجماعة، فلم يقرر في هذه العقيدة شيئًا يخالف ما عليه سلف الأمة مما يتعلق بالأسماء والصفات.
وما ذكره في هذه الجملة ليس من منهج أهل السنة والجماعة، فإن أهل السنة والجماعة سائرون في هذا الباب على ما جاء في الكتاب والسنة، فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، كما أنهم لا ينفون عن الله إلا ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله، والمؤلف ﵀ في هذا المقطع نفى عن الله ﷿ الحدود والغايات والأركان والأعضاء.
وإذا طلبنا هذا في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ، وفي كلام السلف الصالح لم نجد له ذكرًا، فإن هذا مما أحدث بعد القرون المفضلة، ولم يكن عليه سلف الأمة، ولقائل أن يقول: لماذا تنكرون هذه الألفاظ مع أنها توحي للسامع التعظيم ويفهم منها تعظيم الرب جل وعلا؟ نقول: إن هذه الكلمات قد يظهر منها التعظيم إلا أن أهل الكلام الباطل المنحرفين عن طريق أهل السنة والجماعة يستعملونها في نفي ما دل عليه الكتاب والسنة، فقولهم: (تعالى عن الحدود) ينفون به الاستواء والعلو و(تعالى عن الغايات) ينفون به الحكمة، فيقولون: ليس لأفعال الله غاية ولا حكمة، ويقولون: الغاية إنما تكون للمحتاج، أما الله فهو الغني عن الغايات، وينفون بالأركان والأعضاء والأدوات ما أخبر الله به عن نفسه من أن له وجهًا جل وعلا كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ونحو ذلك من الآيات التي فيها إثبات الوجه.
وكذلك ينفون عنه بهذا الكلام ما أخبر به عن نفسه من أن له يدًا كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] وما أشبه ذلك.
فهم يأتون بهذه الألفاظ المجملة المبهمة التي تحتمل معنىً صحيحًا وتحتمل معنىً باطلًا، ويستعملونها في رد ما دلت عليه النصوص من إثبات صفات الكمال للرب جل وعلا.
وينفون بقولهم: (لا تحويه الجهات الست) العلو، ولذلك كان عقد أهل السنة والجماعة في هذا من أفضل ما يكون، حيث إنهم لا يثبتون هذه الألفاظ المجملة المبهمة ولا ينفونها، يعني: لا نثبت ولا ننفي؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، كما أن النفي يحتاج إلى دليل، لكننا نستفصل، ومعنى نستفصل: نطلب التفصيل من أصحاب هذه الأقوال، فنثبت المعنى الصحيح من أقوالهم، ونرد المعنى الفاسد، المنبني على الألفاظ المبتدعة، فلا نقول: تعالى عن الحدود والغايات وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يقولها هؤلاء؛ لأن نفيها نفي لما لم يأت في الكتاب والسنة نفيه، وإثباتها كذلك مشكل؛ لأنها محتملة مبهمة.
فإذًا: قاعدة أهل السنة والجماعة في الألفاظ المبهمة المجملة: أنهم يستفصلون، أي: يطلبون من المتكلم بهذه الكلمات التفصيل، فإذا استفصلوا نظروا في المعاني الصحيحة فأثبتوها، ونظروا في المعاني الباطلة فردوها، وهذا منهج يسلم به الإنسان من أن يتورط في ألفاظ ظاهرها التعظيم للرب جل وعلا، وباطنها نفي ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ.
ولذلك نجد في تعليق شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ المكتوب والمسموع إنكار هذا الكلام، بل إنه في التسجيل الذي علق فيه على العقيدة الطحاوية ﵀ قال: إن هذا الكلام رديء، ولكنه محمول على معنىً صالح فيما ذكره المؤلف؛ لأن المؤلف ﵀ من أهل السنة والجماعة، وكلامه يفسر بعضه بعضًا، فما أجمله في هذا المكان يفسره في هذه العقيدة التي بين فيها إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات.
والمعاني الصحيحة التي تحتملها هذه الألفاظ مرادهم في قوله: (تعالى عن الحدود) أي: تعالى عن أن يحده عقل بشر، فهو ﷾ غير محدود، أي: لا تحيط به عقول عباده، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، والغايات أي: النهايات، فالله جل وعلا الكبير المتعال الذي لا تحيط به عقول عباده.
مما ينفى أيضًا من المعاني الصحيحة التي تنفى عن الله ﷿ بهذا اللفظ الغاية التي يحتاجها، فهو ﷾ الغني عن عباده كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦-٥٧] فنفى الله ﷾ عن نفسه الحاجة.
ونحن لا نريد أن نفصل في المعاني الصحيحة والمعاني الفاسدة التي تضمنتها هذه الجمل، لكن نقول: كل من تكلم بهذا الكلام ينظر إلى كلامه بالاستفصال؛ فما صح ثبت، وما لم يصح من المعاني رد، هذا من حيث المعاني، أما من حيث الألفاظ فإننا لا نثبت ولا ننفي بل نتوقف فيها؛ لأن الألفاظ موقوفة على النصوص من الكتاب والسنة، فما ثبت بها ثبت، وما لم يثبت يرد.
[ ٩ / ٢ ]
الاعتقاد في معراج النبي ﷺ
ثم قال ﵀: [والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ، وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] فصلى الله وسلم عليه في الآخرة والأولى] .
يقول ﵀ في بيان عقد أهل السنة والجماعة: (والمعراج حق) فالمعراج اسم آلة الصعود، هذا في الأصل، فالمعراج هو السلم الذي يصعد به إلى علو، وأصل المادة (عرج) يدور على معنى الذهاب في الصعود، ويعني: العلو والارتفاع، فهذا معنى المعراج في اللغة.
[ ٩ / ٣ ]
ثبوت معراج النبي ﷺ بالكتاب والسنة
وأما ما يشير إليه المؤلف ﵀ فهو ما أكرم الله ﷾ به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كونه عرج به إلى السماء أي: صعد به إلى السماء صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا الصعود جاء إثباته في كتاب الله ﷿، وفي سنة النبي ﷺ.
أما ثبوته في الكتاب فبما ذكره الله جل وعلا في سورة النجم، فإنه ذكر ما يدل على عروجه ﷾ بنبيه ﷺ إلى السماء، وذلك في قوله ﷾ في رؤية جبريل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣-١٤] ومعلوم أن سدرة المنتهى في السماء وليست في الأرض، فهذا دل على أن الله ﷾ عرج بنبيه ﷺ، وهذا دليل المعراج من القرآن.
أما دليله من السنة فقد ورد متواترًا بما لا شك فيه أن النبي ﷺ قد عرج الله به إلى السماء، ولم ينكر ذلك أحد من السلف.
[ ٩ / ٤ ]
عروج النبي ﷺ كان بشخصه يقظة
لم يختلف السلف في معراج النبي وثبوته، وإنما اختلفوا في مسألة هل عرج به ﷺ بروحه وشخصه، أم أنه عرج بروحه دون شخصه؟ يعني: دون بدنه، ولم يقل أحد منهم إنه عرج به منامًا، وهنا مسألة تلتبس على طلبة العلم فيظن أن قول عائشة ومعاوية ﵄ من أن العروج كان بروحه أنه كان منامًا، وهذا ليس بمراد لهم، إنما أرادوا أن الروح انفصلت عن البدن انفصالًا تامًا وعرج بها فلم يكن لها تعلق بالبدن.
والذي عليه أهل السنة والجماعة ودل عليه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃: أن العروج إلى السماء كان بروحه ﷺ وبدنه، ولا تعجب فهذه قدرة الله جل وعلا الذي أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، وليس المحل محل تنظير بالواقع حتى نقول: هذا لا يمكن، فإن ذلك على الله يسير.
قال ﵀: (وقد أسري بالنبي ﷺ) هذا فيه إثبات الإسراء، وهو مقدمة المعراج، وقد جرى للنبي ﷺ في إسرائه ومعراجه آيات عظيمة، وأما الإسراء فقد ثبت في الكتاب في سورة الإسراء حيث قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] فلا إشكال في ثبوت الإسراء، حيث أسري به ﷺ إلى المسجد الأقصى، وصلى فيه بالأنبياء، ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم قال ﵀ في بيان المعراج: (وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء) ومعلوم أنه حين قال: (بشخصه) فالمراد الروح والبدن؛ لأن العروج بالبدن دون الروح لا فائدة منه، إنما العروج الذي أثبته بقوله: (وعرج بشخصه) أي: بروحه وبدنه ﷺ (في اليقظة) ليدفع قول من قال: إنه عرج به في المنام، (إلى السماء) إلى العلو، والسماء هنا: اسم جنس يشمل السماء الدنيا والعليا، فإن النبي ﷺ جاوز السبع الطباق، وبلغ مكانًا لم يبلغه أحد سمع فيه صريف الأقلام الله أكبر! صوت الأقلام التي تكتب ما شاء الله أن يقضي في عباده، كل يوم هو في شأن جل وعلا، وهذه منزلة لم يبلغها أحد قبل النبي ﷺ، ولن يبلغها أحد بعده صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٩ / ٥ ]
الاعتقاد في منتهى عروج النبي ﷺ
يقول ﵀: (ثم إلى حيث شاء الله من العلى) لم يذكر المؤلف ﵀ منتهى للعروج، بل قال: (حيث شاء الله من العلى) أي: العلو والارتفاع، وأكرمه الله تعالى بما شاء مما شاهد في ذلك الموقف العظيم، إذ شاهد آيات قال الله جل وعلا فيها: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] رأى آيات عظيمة، حيث رأى الجنة والنار، ورأى جبريل كما خلقه الله ﷾، ورأى سدرة المنتهى، وما غشيها من التغير الذي أذن الله ﷾ به لهذه السدرة العظيمة، حتى إنه قال ﷺ: (فاعتراها من أمر الله ﷿ ما لا يكاد يحيط به وصف) أو (ما لا يدرك بوصف) وذلك لعظيم ما رأى، مع أن النبي ﷺ لم يتزلزل فؤاده، ولم يضطرب قلبه لما رآه في ذلك الموقف العظيم، وقد زكاه الله جل وعلا في موضعين، في قوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وزكاه أيضًا في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] ومع هذا الثبات العظيم لقلبه وفؤاده في هذه المشاهد الكبرى العظيمة ما استطاع أن يصف ما اعترى الشجرة من تغير لما أذن الله جل وعلا أن يغشاها ما يغشى، كما قال تعالى في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٤-١٦] وأبهم ما غشيها تعظيمًا وتفخيمًا لشأنها، (وأوحى إليه) أي: أوحى الله جل وعلا إلى رسوله ﷺ في هذا الموقف العظيم (ما أوحى) يعني: الذي أوحى، والإبهام هنا كما مر معنا في التفسير إبهام تعظيم، فقد أوحى الله إليه أمر الصلاة وما شاء الله أن يوحيه إليه ﷺ.
قال ﵀: (قال الله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]) أي: ما رأى من تلك المواقف العظيمة والآيات الكبيرة.
[ ٩ / ٦ ]
أفضلية ليلة المعراج بالنسبة للنبي ﷺ، والقول في رؤية النبي لربه فيها
واعلم أن ليلة المعراج هي أفضل ليالي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي أفضل بالنسبة له من ليلة القدر، أما سائر الأمة فإن الفضل لها في ليلة القدر، وأما النبي ﷺ فإن الفضل الذي حصله وناله وجرى له في تلك الليلة أعظم مما يجري في ليلة القدر.
ثم المؤلف ﵀ طوى ذكر هل رأى النبي ﷺ في تلك الليلة ربه أو لا؟ لأنه لا دليل على أنه رأى ربه، ولعل المؤلف ﵀ أتى بالمعراج بعد ذكر الرؤية إشارة إلى الخلاف في رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج.
والعلماء في هذا لهم قولان: القول الأول: أنه لم ير ربه بعينيه التي في رأسه، وهذا قول جمهور العلماء، وعليه المتقدمون والمتأخرون أنه لم ير النبي ﷺ ربه رؤية معاينة؛ لأنه ﷾ لا يراه أحد قبل الموت، أي: في الآخرة، كما قال جل وعلا لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في قوله لموسى، وكما قال النبي ﷺ: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) .
وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بفؤاده، وهذه الرؤية ليست مقيدة بالمعراج؛ لأنهم يقولون: رآه بفؤاده مرتين، ورؤية الفؤاد هي رؤية القلب، وهي غير رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام لا إشكال في إثباتها.
ولكن لا يقال: كيف رآه بفؤاده؟ فإن هذا أمر لا يدرك، لكن رآه بفؤاده، هكذا قال الإمام أحمد وابن عباس، وورد عنهم إثبات الرؤية مطلقًا للنبي ﷺ يعني: دون تقييد، فما ورد عنهم مطلقًا يحمل على المقيد.
ثم قال ﵀: (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) حق أن يصلى عليه ﷺ لما ميزه الله به من الفضائل والمناقب، ومعنى الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الثناء عليه في الملأ الأعلى، هكذا قال أبو العالية في صحيح البخاري، وذهب شيخنا ﵀ إلى أنه لا يقال شيء في الصلاة على النبي، إنما يقال: هو ثناء ومرتبة وفضل يدعى به للنبي ﷺ دون أن يقيد بمعنىً خاص؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ونص، والذي عليه الأكثرون هو ما ذكره أبو العالية من أن الصلاة عليه ﷺ هو ثناء الله عليه في الملأ الأعلى.
قوله: (في الآخرة والأولى) يعني: في الدنيا والآخرة، وهو أحق من يصلى عليه ﷺ لعظيم ما من الله به علينا حيث أخرجنا به من الظلمات إلى النور صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٩ / ٧ ]
مسألة: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج؟
ثم المؤلف ﵀ طوى ذكر هل رأى النبي ﷺ في تلك الليلة ربه أو لا؟ لأنه لا دليل على أنه رأى ربه، ولعل المؤلف ﵀ أتى بالمعراج بعد ذكر الرؤية إشارة إلى الخلاف في هل النبي ﷺ رأى ربه في ليلة المعراج أو لا؟ والعلماء في هذا لهم قولان: القول الأول: أنه لم ير ربه بعينيه التي في رأسه، وهذا قول جمهور العلماء، وعليه المتقدمون والمتأخرون أنه لم ير النبي ﷺ ربه رؤية معاينة؛ لأنه ﷾ لا يراه أحد قبل الآخرة قبل الموت، كما قال جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] في قوله لموسى، وكما قال النبي ﷺ: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) .
وذهب بعض العلماء إلى أنه رآه بفؤاده، وهذه الرؤية ليست مقيده بالمعراج؛ لأنهم يقولون: رآه بفؤاده مرتين ورؤية الفؤاد هي رؤية القلب، وهي غير رؤية المنام؛ لأن رؤية المنام لا إشكال في إثباتها.
ولكن لا تقول كيف رآه بفؤاده فإن هذا أمر لا يدرك، لكن رآه بفؤاده هكذا قال الإمام أحمد وابن عباس، وورد عنهم إثبات الرؤية مطلقًا للنبي ﷺ يعني: دون تقييد، فما ورد عنهم مطلقًا يحمل على المقيد.
ثم قال ﵀: (فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى) حق أن يصلى عليه ﷺ لما ميزه الله به من الفضائل والمناقب، ومعنى الصلاة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الثناء عليه في الملأ الأعلى، هكذا قال أبو العالية في صحيح البخاري، وذهب شيخنا ﵀ إلى أنه لا يقال شيئ في الصلاة على النبي، إنما يقال: هو ثناء ومرتبة وفضل يدعى به للنبي ﷺ دون أن يقيد بمعنىً خاص؛ لأن هذا يحتاج إلى توقيف ونص، والذي عليه الأكثرون هو ما ذكره أبو العالية من أن الصلاة عليه ﷺ هو ثناء الله عليه في الملأ الأعلى.
قوله: (في الآخرة والأولى) يعني: في الدنيا والآخرة، وهو أحق من يصلى عليه ﷺ لعظيم ما من الله به علينا حيث أخرجنا به من الظلمات إلى النور صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٩ / ٨ ]
حوض النبي ﷺ وثبوته في السنة
ثم قال: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق، والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما رؤي في الأخبار] .
ذكر المؤلف ﵀ في هاتين الجملتين أمرين من أمور الاعتقاد: الأمر الأول: الحوض، قال المؤلف ﵀: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق) أخبر النبي ﷺ بأن الله جعل له حوضًا في عرصات القيامة أي: في فناء القيامة في أرض المحشر، وهذا الحوض من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث السعة، وكثرة من يرد عليه، ولكنه جاء ما يدل على أن لكل نبي حوضًا، لكن الحوض الذي أختص به لا يشبهه حوض.
وقد ثبت ذلك بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإن الكوثر نهر في الجنة وهبه الله ﷿ لرسوله ﷺ يخرج منه ميزابان يصبان في الحوض الذي يكون في عرصات القيامة، فهذه الآية بها ما يثبت ما ذكره أهل السنة والجماعة من أن النبي ﷺ له حوض يرده أهل الإسلام في عرصات القيامة، وهذا الحوض وصفه رسول الله ﷺ من حيث كثرة من يرد عليه، ومن حيث كثرة آنيته، ومن حيث طوله وعرضه؛ كل ذلك جاء مبينًا في سنة النبي ﷺ.
واعلم أن الحوض الذي وعده الله ﷾ أهل الإسلام يكون قبل الصراط، بل هو أول ما يرد الناس في أرض المحشر؛ لأن الناس يخرجون يوم القيامة في هول عظيم، وكرب شديد، وتدنو منهم الشمس فيصيبهم عطش عظيم، كما قال الله جل وعلا في وصف المجرمين: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشًا بلغ بهم العطش منتهاه.
قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀: والظاهر أن هذا الوصف لا يخصهم؛ لأن الجميع يعطشون في أرض الموقف، لكن أهل الإيمان يرون الحوض فيطفأ ظمؤهم، فإنهم إذا شربوا من ذلك الماء لم يظمئوا بعده أبدًا.
بخلاف أهل الإجرام فإنهم يردون النار عطاشًا، إذ أنهم لا يسقون من حوضه ﷺ، ولا من حوض غيره من الأنبياء، فيردون النار على هذه الحال التي ذكرها الله جل وعلا (وردًا) أي: عطاشًا.
وما قيل في أن الحوض يكون بعد الصراط لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة في ذكر ما يكون في ذلك اليوم أن ورود الحوض يكون قبل الصراط، بل إن في السنة ما يدل على أنه لا يمكن أن يكون بعد الصراط؛ لأن النبي ﷺ يرى أقوامًا من أمته يذادون عن الحوض أي: يمنعون، فيقول ﷺ: (أصيحابي أصيحابي) فتقول الملائكة له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقًا سحقًا) وهؤلاء هم اللذين ارتدوا بعد النبي ﷺ، وهذا لا يمكن أن يكون بعد الصراط فإنه لا يجوز الصراط إلا مؤمن، نسأل الله أن نكون منهم.
المهم أن الحوض ثابت بالكتاب والسنة، وهو مما تواتر به الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقول المؤلف ﵀: (أكرمه الله تعالى به) أي: أكرم به محمدًا ﷺ (غياثًا لأمته) أي: يغيثهم من هول ذلك الموقف وشدة العطش والكرب فيه.
وقوله: (لأمته) يحتمل أن يكون تخصيصًا فلا يكون الحوض إلا للنبي ﷺ، ويحتمل أن الحوض الذي أكرم الله به نبيه ﷺ خاص بأمته، فلا يرده غير هذه الأمة، إذ أن كل أمة ترد حوض نبيها، فقوله: (لأمته) إما أنه تخصيص للنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء، وإما أن يكون تخصيص حوض النبي ﷺ لهذه الأمة، والمعنى الثاني أظهر؛ لأنه جاء في الحديث بأن لكل نبي حوضًا.
[ ٩ / ٩ ]
شفاعة النبي ﷺ العظمى
ثم قال ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار] .
الشفاعة: تقدم تعريفها، وأصلها من الشفع، وهو جعل الفرد زوجًا، هذا أصلها في اللغة، والمراد بها: التوسط في جلب الخير أو دفع الضر، وهي كذلك في الآخرة، فإن الشفاعة التي في الآخرة توسط ممن يمن الله عليه بالتوسط في جلب خير أو دفع ضر، لكنها تختلف عن شفاعة الدنيا؛ لأن شفاعة الآخرة لا تكون إلا بإذن من الرب جل وعلا، ولا تكون إلا برضاه عن المشفوع له، فلابد من هذين الشرطين: لابد من الإذن فلا يشفع أحد إلا بإذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
ولابد من الرضا كما قال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] .
فلابد من الإذن والرضا في كل موارد الشفاعة، وليس فقط في مورد واحد، يعني: في الشفاعة العظمى وما دونها، فإن الشفاعة العظمى لا تكون إلا بعد الاستئذان، ولذلك يذهب النبي ﷺ إلى ربه فيسجد، ولا يبدأ بالشفاعة أولًا بل يستأذن، فإذا أذن له شفع ﷺ، والشفاعة ثابتة للنبي ﷺ، وهي ثابتة يوم القيامة وهي على درجات: - منها ما حصل الاتفاق بين الأمة على ثبوتها.
- ومنها ما جرى فيه الخلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من أهل البدع.
أما ما اتفقوا على ثبوته فهو ما أشار إليه في قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار) وهي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها الرسول ﷺ عند ربه أن يأتي جل وعلا لفصل القضاء بين الناس، وهذه شفاعة عظمى؛ لأن المنتفع بها هم الخلق جميعًا، ولأن الجميع يتخلون عنها فلا يكون لها إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك سميت عظمى؛ لعظيم الانتفاع بها، ولكون الأنبياء بل آدم وأولو العزم من الرسل يتخلون عنها، فكل منهم يعتذر، فإن الناس إذا اشتد بهم الكرب يقول بعضهم لبعض كما في الصحيحين وغيرهما من قولهم لبعضهم: (ألا ترون ما قد حل بكم وبلغ بكم، فيذهبون إلى آدم ويعدون عليه ما خصه الله به فيعتذر، ويذهبون إلى نوح فيعتذر، ويذهبون إلى إبراهيم فيعتذر، ويذهبون إلى موسى فيعتذر، ويذهبون إلى عيسى فيعتذر، ويذهبون إلى النبي ﷺ) .
وهذه فائدة: الناس الذين يذهبون إلى الأنبياء هم أهل الإيمان فيما يظهر، وكما قال شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀؛ لأنهم يعددون على الأنبياء ما لا يقر به الكفار، فيقولون لنوح مثلًا: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ويقولون لآدم: أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، ويقولون لموسى: أنت رسول الله الذي كتب الله لك التوراة بيده وكلمك، وأيضًا يذكرون خصائص عيسى ﵇.
الشاهد: أنهم ذكروا لكل نبي ما لا يثبته له إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن الناس المذكورين في الأحاديث هم أهل الإيمان الذين يصدقون بهذا وهو القريب.
أما أهل الكفر فإنهم لا شأن لهم بذلك فهم مشغولون بأنفسهم والتكفير فيما سينالهم من حيث ما ينالهم من سخط الله وعذابه، فإنهم يحشرون يوم القيامة صاغرين، ومن كان صاغرًا ليس أهلًا للطلب، ولا أهلًا للسعي في نفع الخلق.
على كل حال: هذه الشفاعة يثبتها أهل السنة والجماعة وغيرهم من معتزلة وخوارج وغيرهم من الفرق، وهي خاصة بنبينا ﷺ، أما باقي الشفاعات فإن أهل السنة والجماعة أثبتوها وغيرهم من أهل البدعة نفوها، إلا فيما يتعلق بالشفاعة في رفع الدرجات في الجنة، فإنهم يثبتونها، لكن الشفاعة في أهل الكبائر وفي قوم استحقوا النار أن لا يدخلوها، والشفاعة في إخراج من دخل النار أن يخرج منها، هذه كلها ينكرها المعتزلة والخوارج، ويحملون ما ورد في الشفاعة على الشفاعة العظمى، وعلى الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة.
والله تعالى أعلم.
وبالله التوفيق.
[ ٩ / ١٠ ]