قال ﵀ بعدها (وَإِنَّ الْعَشَرَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ)
_________________
(١) هذا فيه تخصيص هؤلاء العشرة بالفضل وبالشهادة لهم بالجنة. ودخل هذا في العقائد مخالفةً للرافضة وبعض الخوارج الذين يتبرؤون من أكثر هؤلاء العشرة، ويرون أنَّ لفظ العشرة لفظٌ مشؤوم، وأنَّهُ لا يصح الشهادة لهؤلاء بالجنة، ولا أن يُتَوَلَّوا، فصار من عقيدة أهل السنة مع توليهم لجميع الصحابة أن يُشْهَدَ لهؤلاء العشرة بالجنة وأن يُتَوَلَّوا بخصوصهم لمزيد فضلهم وسابقتهم وحبهم لرسول الله ﷺ وجهادهم معه. فأُدْخِلَتْ في العقيدة لأجل خلاف الرافضة في هذه المسألة وتَبَرُّئِهِم من أكثر العشرة ومن لفظ العشرة. وفي هذه الجملة مسائل:
[ ٦٤٧ ]
[المسألة الأولى]
هؤلاء العشرة سمَّاهُم الطحاوي هنا: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵁، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف - ﵃ -.
وذكرت لكم مسألة قبل ذلك (١) وهي أنَّ هؤلاء العشرة قيل عنهم إنَّهُم المُبَشَّرُونَ بالجنة لا لأجل اختصاصهم بهذه الشهادة والبشارة بل النبي ﷺ بَشَّرَ عددًا كبيرًا من الصحابة بالجنة فبَشَّرَ بلال بالجنة، وبَشَّرَ خديجة بالجنة، وبَشَّرَ عائشة بالجنة، وبَشَّرَ عكاشة بن محصن بالجنة، وبَشَّرَ آخرين بالجنة، وإنما اخُتُصَّ هؤلاء لأنهم أفضل هذه الأمة؛ ولأنهم بُشِّرُوا بالجنة في مكانٍ واحد، في حديثٍ واحد، فقد صح عنه ﷺ أنه قال «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة» أو كما جاء عنه ﷺ، وجاء أيضًا في حديثٍ آخر أنَّهُ بَشَّرَهُم واحدًا تلوى الآخر في دخولهم عليه في بستان فقال «أَدْخِلْهُ وبَشِّرْهُ بالجنة» لمَّا أَدْخَلَ أبا بكر، ثُمَّ دَخَلَ عمر فقال «أدخله وبشره بالجنة»، ثُمَّ لما أتى عثمان قال «أدخله وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» (٢) ثُمَّ هكذا إلى آخره.
فالمقصود من ذلك أنَّ هؤلاء نُصَّ عليهم لمزيد فضلهم ولاختصاصهم بالنبي ﷺ وكلّهم من المهاجرين.
_________________
(١) انظر (٦٢٦)
(٢) البخاري (٣٦٩٣) / مسلم (٦٣٦٥)
[ ٦٤٨ ]
[المسألة الثانية]:
الرافضة -خذلهم الله- ومن شابههم يتبَرَؤُونَ مِنْ أفْضَلِ هذه الأمة وهم هؤلاء العشرة ما عدا بعض المذكورين، ويرون أنَّ لفظ العشرة من الألفاظ المنكرة التي ينبغي التبرُؤْ منها، فيكرهون لفظ العشرة لأجل وروده في العشرة المبشرين، ولأجل مقتل الحسين في اليوم العاشر من محرم ونحو ذلك مما يعتقدونه.
والواجب أنَّ المسلم يتولى من تَوَلَّاهُ النبي ﷺ، فإذا كان النبي ﷺ هو الذي تولى هؤلاء، وهو الذي أشار إلى فضلهم وهو الذي بَشَّرَهُم بالجنة، فأيُّ خيبةٍ بعد ذلك على من عاداهم ولم يتولهم، فبِحُبِّ رسول الله ﷺ ونُصْرَتِهِم له أحببناهم ونصرناهم ودافعنا عنهم.
فالذين يُبْغِضُونَ مَنْ أَحَبَّ النبي ﷺ ومن شَهِدَ له بالجنة هم الحقيقون بأن يُبْغَضُوا.
وأهل السنة لكمال عدهم وأنَّهُم هم الوسط الذين شُهِدَ لهم بذلك في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فأهل السنة هم الوسط فهم يتولون من توَلَّاهُ النبي ﷺ.
والفرق على اختلافها الخوارج والنّواصب والشيعة والرافضة يتولَّونَ بعضًا ويكرهون بعضًا؛ بل ربما كَفَّرُوا بعضًا وحكموا بالإيمان على بعض.
وهذا كله من الاعتداء والحكم على ما ليس لهم الحكم فيه.
لهذا الواجب على كل مسلم في أي مكانٍ كان من الأرض أن يُعْلِنَ موالاته لهؤلاء العشرة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة، يعلن موالاته لهؤلاء لأنَّ موالاتهم من الدين.
ومن موالاتهم أيضًا الشهادة لهم بالجنة، ومن موالاتهم أن يُنْصَرُوا في موضعٍ يُنالْ منهم، ومن موالاتهم ومحبتهم أن يُجَاهِدَ المسلم في سبيل دفع الشُّبَه عنهم، الشُّبَه التي ربما يكون مَرَدُّهَا إلى الإثارات العلمية.
فطالب العلم يَحْسُنُ به؛ بل هذا من الجهاد أن يكون عالمًا بما أُثير على أبي بكر الصديق وكيف أجاب أهل العلم عن ذلك لأنه قد يحتاج، ثُمَّ على عمر، ثُمَّ على عثمان، ثُمَّ على البقية كأبي عبيدة بن الجراح الذي يزعم الرافضة أنه كان متفقًا مع أبي بكر وعمر أن يلي الأمر بعدهما ولكنه مات قبل ذلك، وهذه دعوى يكذبون بها.
فالواجب إذًا أن يكون مقتضى المحبة والوَلَايَة أن يكون المؤمن عالمًا بفضائلهم وأن يكون مدافعًا عنهم لأنَّ هؤلاء هم الصفوة، والله - ﷿ - يقول ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (١) وقال «المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يحقره» (٢)
يخذله متى؟
في موضعٍ يحتاج فيه إلى نُصْرَتِهِ، فإذا وقع الناس في عرض خير الناس بعد رسول الله ﷺ، أو في عرض عائشة الصديقة بنت الصديق، أو في عرض عمر أو في عثمان أو أبي عبيدة أو نحوهم، فإنَّ الواجب أن يُنْتَصَرَ لهم، والانتصار لهم من الانتصار للدين لأنه انتصار لمن شهد الله - ﷿ - له وشهد له رسول الله ﷺ.
_________________
(١) البخاري (٤٨١) / مسلم (٦٧٥٠)
(٢) مسلم (٦٧٠٦) / أبو داود (٤٨٨٢)
[ ٦٤٩ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ قوله (نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ) فيه إشارة إلى المسالة التي مَرَّتْ معنا سالفًا وهي أنَّنَا أهْلَ السنة والجماعة لا نشهد لمعينٍ من أهل القبلة لا بجنةٍ ولا بنار إلا من شهد له رسول الله ﷺ.
فنشهد لهم بالجنة لا لأجل أنَّ لهم الفضائل السائرة وأنَّ لهم المنزلة بل لأنَّ النبي ﷺ شَهِدَ لهم بالجنة، فنشهد لشهادة رسول الله ﷺ.
وقد ذكرت لكم (١) أنَّ أهل العلم في االشهادة بالجنة للمعين اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ذكرتها لكم سالفًا، ومنها:
أن يُشْهَدَ لمن استفاض عند الأمة الشهادة له بالخير والصلاح والتقوى؛ لأنَّ الله - ﷿ - وَعَدَ أهل الصلاح والخير والتقوى بالجنة، ووَعْدُهُ الحق، والأمة شُهُودُ الله - ﷿ - في الأرض كما جاء في الحديث الصحيح أنه لما مُرَّ بجنازة شَهِدُوا لها بالخير قال «وجبت» ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت»، قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال «تلك أثنيتم عليها خيرًا فوجبت لها الجنة، وهذه أثنيتم عليها شرًا فوجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض» (٢)، لهذا كان رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن تيمية وجماعة أنه بالاستفاضة يُشْهَدْ.
وهؤلاء العشرة مع شهادة رسول الله ﷺ لهم بالجنة فإنَّ الأمة أجمعت عليهم، فليس ثَمَّ في الأمة إلى وقْتِ خروج الخوارج إلَّا مَنْ يُحِبْ هؤلاء العشرة ويَتَوَلَّاهم ويَنْصُرُهُم؛ لأنهم الذين نصروا الدين.
فَكُلُّهُم ماتوا والأمة تشهد لهم بالخير والحق والصلاح ونُصْرَةْ النبي ﷺ والجهاد معه.
_________________
(١) انظر (٤٥٩)
(٢) سبق ذكره (٤٥٩)
[ ٦٥٠ ]