قال بعدها (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ.)
_________________
(١) يريد بذلك أيضًا الردَّ على الروافض والزيدية والخوارج ومن شابههم في عدم تَوَلِّيهِم لجميع الصحابة ولجميع أزواج النبي ﷺ، وإنَّ من علامات الإيمان محبة الصحابة وزوجات النبي ﷺ جميعًا، ومن علامات النفاق بُغْضْ بعض الصحابة وبغض بعض زوجات النبي ﷺ، أو الوقيعة في بعض زوجاته ﷺ. تَمَيَّزَ أهل السنة وفارقوا طوائف من أهلٍ الفرق الضالة بأنهم يُحْسِنُونَ القول في الصحابة وفي الزوجات الطاهرات وفي ذرية النبي ﷺ أعني ذرية الحسن والحسين وبقية أولاد علي - ﵃ - وأرضاهم. ويندرج الكلام في مسائل:
[ ٦٥١ ]
[المسألة الأولى]:
قوله (وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) يَعْنِي بإحسانْ القول هنا:
- ما يشملُ إحسان القول القلبي بما يُحَدِّثُ به المرء نفسه.
- وإحسان القول الكلامي، وهو ما يتكلم به المرء.
فمن لم يكن في نفسه شيءٌ على الصحابة والزَّوجات الطاهرات فقد بَرِئَ من النفاق.
ويُفْهَمُ من ذلك أنَّ من كان في نفسه شيء على بعض الصحابة أو لم يُحْسِنْ الظن أو لم يُحْسِنْ القول فيهم ظاهرًا أو باطنًا فإنه يُخْشَى عليه من النفاق بقدر ما فيه من الإساءة.
وهذا يدل على أنَّ الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اعتقادهم في صحابة رسول الله ﷺ أحسن الاعتقاد وأن يُثْنُوا عليهم بالجميل وأن يكِلُوا أمرهم إلى الله فيما اختلفوا فيه وأن يعلموا أنهم إنما اختلفوا في أمر لهم فيه اجتهاد وتأويل لأجل الدين.
[ ٦٥٢ ]
[المسألة الثانية]:
أزواج النبي ﷺ الطاهرات تسع، ووَصَفَهُمْ هنا بأَنَّهُنَّ طاهرات.
ويعني بطاهرات: ما وَعَدَ الله - ﷿ - به أو ما وصفهم الله - ﷿ - به في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] .
وتَطْهِيرْهنَّ وإِذْهَابْ الرجس يعني: أنَّهُنَّ مع بقية أهل البيت طاهرات مُطَهَّرات، فمن وَصَفَهُنَّ بغير الطهر وقذف بعض نساء النبي ﷺ فإنه منافق وربما يكفر بقذفه أو بعدم تطهيره لهنّ.
والله - ﷿ - يقول ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء﴾ [الأحزاب:٣٢]، وهذا في التفسير معناه أنَّهُنَّ ﵅ لَسْنَ مثل بقية نساء المؤمنين؛ لأنهن زوجات النبي ﷺ في الدنيا وزوجاته في الآخرة؛ ولأنهنَّ أيضًا أمهات المؤمنين وقال ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، وهذا يدلُّ على فضلِهِنَّ على كل مؤمن وعلى تطهيرهِنَّ كما في آية الأحزاب السابقة، وعلى أنَّ الواجب نحوهُنَّ الموالاة التامة وأنَّهُ لا يجوز أن يُعْتَقَدْ في واحدةٍ منهن بغير الكمال في أمر دينها بحسب ما وَسِعَه.
ومعنى أزواج النبي ﷺ ومعنى كون أزواج النبي ﷺ أُمَّهَات للمؤمنين أنَّهُنَّ بمنزلة الأمهات كما جاء في القراءة الأخرى أو في الحَرْفْ الآخَرْ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ﴾ يعني هو ﷺ، فَهُنَّ أمهات المؤمنين في المنزلة وفي واجِبْ المحبة والتقدير وفي واجب النُّصْرَة وما يجب من الموالاة ونحو ذلك.
أما في المَحْرَمِيَّة فليس أفراد المؤمنين محارم لزوجات النبي ﷺ؛ بل كان زوجات النبي ﷺ يَحْتَجِبْنَ عن بقية المؤمنين، فهن أمهات المؤممنين في المكانة والمنزلة والفضل وليسوا أمهات في المَحْرَمِيَّة؛ لأنَّ المَحْرَمِيَّة أقسام ثلاثة، هذا القسم أحدها.
[ ٦٥٣ ]
[المسألة الثالثة]:
في قوله (وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) يعني بكلمة (الْمُقَدَّسِينَ) المُطَهَّرِين لأنَّ التَّقْديس معناه التَّطهير، (الأرض المُقَدَّسة) يعني الأرض المُطَهَّرَة.
وهنا نَوَّعْ العبارة مع أنَّهُ لم يأت في الكتاب ولا في السنة وصف ذرية النبي ﷺ بالقُدْسِيَة أو أنَّهُم مُقَدَّسُون وإنما استعمل ذلك في المعنى لثبوت المعنى وهو التطهير في قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ .
لهذا قال بعدها (الْمُقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ) إلْماحًا للآية وأنَّهُ يريد بالتقديس هنا التطهير من كل رجسٍ الذي هو الإثم والعيب.
وذُرِّيَات النبي ﷺ:
- منهم من انقطع النَّسْلْ وهم أولاده ﷺ وأولاد بناته الذين انقَطَعَ نسلهم.
- ومنهم من بَقِيَ نسله إلى اليوم وهم الذين يُسَمَّونَ بآل البيت.
وآل البيت الموجود الآن في الغالب من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب، ومنهم القليل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب.
ومن ينتَسِبُ إلى الحسين أو إلى الحسن، فإنَّهُ في الغالب عندهم صكوك نسبة يَسْرِدُونَ فيها النِّسَبْ إلى الحسن أو الحسين، يعني إلى علي بن أبي طالب وإلى فاطمة الزهراء.
وهذه النِّسَبْ سواءٌ اطّلع عليها المسلم أو لم يَطَّلِعْ عليها فإنَّ اعتقاده في جنس الذرية الذين طَهَّرَهُمْ الله - ﷿ - من الرجس، ولا يُنْسَبُ لِمُعَيَّنٍ من الذرية بأنَّهُ مُطَهَّرٌ من كل رجس.
يعني أنَّ المسلم يُحْسِنُ القول في ذرية النبي ﷺ الذين شُهِدَ لهم بالتطهير من الأرجاس في الآية، وهذه شهادةٌ عامة وهي خاصَّةٌ بأهل ذاك الزمان، وما تَسَلْسَلَ الزمان ما بَقُوا على سنة النبي ﷺ، وإلا فإنَّ مِنَ المعلوم أنَّ القَرَابَة وحدها ليست بسببٍ كافٍ في نزع الآثام أو ثبوت التَّوَلِّي فقد يرتد القريب وقد يفْسُقْ وقد يكون كذا وكذا.
لكن من كان منهم صالحًا فله حق التقديم وله حق التبجيل وله حق الاحترام -يعني أعظم من غيره- لمكانِهِ من رسول الله ﷺ، ولا يُبْحَثُ في مثل هذه المسائل في الأنساب؛ لأنَّهُ كما قال الإمام مالك ﵀ (الناس مُؤْتَمَنُونَ على أنسابهم) (١) .
فلا يُبْحَثْ عن النَّسَبْ وإنَّمَا من كان صالحًِا فَيُصَدَّقُ بظاهره، ومعيار صِدْقِهِ المحافظة على سنة النبي ﷺ في أصل الأصول وهو التوحيد والعقيدة ثُمَّ في البراءة من البدع ونحو ذلك.
قد صَحَّ عنه ﷺ أيضًا أنَّهُ قال «ثنتان أمتي من أمر الجاهلية لا يدعونهن: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (٢) وهذا يحصل كثيرًا الحقيقة في اختلاط بمن يَنْتَسِبُ إلى آل البيت لأنَّهُ قد يأتي آتٍ ويطعن في النَّسَبْ.
وهذا لا يجوز شرعًا أن يُخَاضَ في مسألة النَّسَبْ إلَّا من شاعَ وانتَشَرْ وظَهَرْ أنَّهُ مقدوحٌ في نَسَبِهِ فهذا أمر آخر، لكن يُشَكَّكْ في النسب فهذا أمرٌ لا يعني.
المقصود الاستقامة والناس مؤتمنون على أنسابهم، ومن لم يكن مستقيمًا منهم فله الحق أن يُدْعَى له بالاستقامة والهداية ومغفرة الذّنب ونحو ذلك لأجل منزلته من رسول الله ﷺ.
_________________
(١) كشف الخفاء (٢٦٩٠)
(٢) البخاري (٣٨٥٠) / مسلم (٢٣٦)
[ ٦٥٤ ]
[المسألة الرابعة]:
قوله في آخر الجملة (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ) يعني به ما يشمل: النفاق العملي والنفاق الاعتقادي، لأنَّ ضد إحسان القول في الصحابة والزوجات والذرية هو الإساءة في القول ظاهرًا أو باطنًا، وهذه الإساءة قد تكون من النفاق العملي وقد تكون من النفاق الاعتقادي بحسب الحال.
ومن طَعَنْ مثلًا في عائشة ﵁ بما بَرَّأَهَا الله منه فإنَّ نفاقه حينئذٍ نفاق اعتقادي كما قال - ﷿ - في وصف المنافق ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] .
وقد يكون نفاقًا عمليًا بحسب إساءة الظن؛ لأنَّ آية الإيمان حُبْ الصحابة، وآية النفاق بُغْضْ الصحابة، وإذا كان النبي ﷺ قال في الأنصار «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» (١) فإنَّ المهاجرين أفضل من حيث الجنس من الأنصار، فلهم الحق أعظم، كذلك زوجات النبي ﷺ وعامة الصحابة لهم في ذلك المقام الأعظم.
لهذا نقول إنَّ النفاق العملي قد يدخل إلى القلب في الإساءة في القول أو في الظن في صحابة رسول الله ﷺ أو زوجاته أو ذرياته.
_________________
(١) سبق ذكره (٦٢٩)
[ ٦٥٥ ]