قال بعدها (وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ.)
_________________
(١) كلمة (الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) مأخوذة من حديث النبي ﷺ في وصفهم بالرّاشدين في قوله مثلًا في حديث العرباض بن سارية «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعظوا عليها بالنواجذ» (١) ووَصْفُ الخلافة ووَصْفُ الرُّشْدْ ليس مُخْتَصًَّا بهؤلاء، فقد يكون بعدهم من يكون خليفةً، ويكون بعدهم من يكون راشدًا. لكنهم اتَّصَفُوا بِوَصْفٍ زائدٍ على الخلافة الراشدة في أنَّهُم على خلافةٍ راشدة على منهاج النبوة كما صَحَّ عنه ﷺ أنه قال «الخلافة ثلاثون سنة على منهاج النبوة ثم يكون ملكًا» (٢) إلى آخره. فهم الخلفاء الأربعة الذين شَهِد لهم النبي ﷺ بالخلافة وبالرُّشْدْ. وهاهنا مسائل.
(٢) سبق ذكره (٥)
(٣) المسند (١٨٤٣٠) / المعجم الكبير (٣٦٨)
[ ٦٤٣ ]
[المسألة الأولى]:
أَنَّ وصف الخليفة استمر بعدهم في وُلاةٍ بني أمية؛ لكنَّهُ مع تغير الاسم إلى أمير المؤمنين.
وهذا ابتدأ من عهد عمر ﵁ لما قيل له: أنت (١)
: [[الشريط الخامس والأربعون]]:
(خليفة خليفة رسول الله ﷺ، فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم أو كما جاء عنه ﵁) (٢)
وإلا فَهُمْ خلفاء، فيَصِحُّ أن يُقَال الخليفة عمر، الخليفة عثمان، والخليفة الراشد علي وهكذا؛ لكنه اقْتُصِرْ على أمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان وأمير المؤمنين علي، ثمَّ بعده أمير المؤمنين معاوية إلى آخره.
وهؤلاء خلفاء لقول النبي «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثنتي عشر خليفة» (٣) وهذا يَدُلّ على دخول ملوك بني أمية مع اتِّصَافِهِم بالمُلْكْ باسم الخليفة؛ لأنَّ لفظ الخليفة ليس فيه مزيد فضل؛ ولكن معناه أنَّهُ الذي يخْلُفُ من قبله، وقد يكون يخلف بحسن، وقد يكون يخلف بغير ذلك.
لكن قال ﷺ «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثنتي عشر خليفة» وهذا يدل أيضًا على أنَّ ما بعد الاثني عشر خليفة يصح أن يُسَمَّوا خلفاء لكن لم يَخْتَصُّوا بهذا الاسم ولكن اخْتُصُّوا بألقاب أخرى، وربما أُطْلِقَ هذا اللقب.
_________________
(١) نهاية الشريط الرابع والأربعين.
(٢) تاريخ الطبري (٢/٥٦٩) / تاريخ الخلفاء (١/١٢٤)
(٣) مسلم (٤٨١٢)
[ ٦٤٤ ]
[المسألة الثانية]:
لو كان ثَمَّ خليفة خامس بعد الخلفاء الأربعة الذين اخْتُصُّوا باسم الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، لو كان ثَمَّ من يستحق الخليفة الخامس فالذي يستحقه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان ﵁.
وهذا هو الذي عليه أهل السنة بخلاف قول طائفة من أهل البدع في عمر بن عبد العزيز ﵀ إنَّهُ خامس الخلفاء الراشدين، أو الخليفة الخامس، أو الخليفة الراشد الخامس ونحو ذلك.
هذا ليس من أقوال أئمة أهل السنة؛ بل لو كان ثَمَّ خامس فالأحق به معاوية بن أبي سفيان فهو أفضل من عمر بن عبد العزيز بلا شك لأنَّهُ:
- اجتمع عليه الناس.
- وصار في مدته إغاظة للكافرين.
- ولأنه هو صاحب رسول الله ﷺ وكاتب الوحي، وقد قال ابن مسعود (لَمُقام أحدهم ساعة مع رسول الله ﷺ خير من عبادة أحدكم كذا وكذا سنة) (١) .
والنبي ﷺ قال «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢)، وقد قال - ﷿ - أيضًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] .
وعمر بن عبد العزيز لاشك أنَّهُ دون معاوية ولم يحصل له في ولايته الانتشار، وإنَّمَا أرادَ أشياء في نشر السنة، وفي الجهاد وفي إحقاق الحق والعدل بين الناس، وإزالة المظالم؛ لكن لم يستقم له الأمر فما عاش في ولايته إلا أقل من سنتين او نحو السنتين، ثم بعدها قُبِضْ.
لهذا فلا يُقَدَّمْ أحد من التابعين على أحد من الصحابة - ﵃ -.
_________________
(١) ابن ماجه (١٦٢)
(٢) سبق ذكره (٤١٤)
[ ٦٤٥ ]
[المسألة الثالثة]:
الحسن بن علي ﵁ ابن بنت رسول الله ﷺ وريحانة النبي ﷺ، لما قُتِلَ علي بايعوه بالخلافة، فما استقام الأمر له، فأراد ﵁ وأرضاه أن يحقن الدماء وأن يجمع كلمة المسلمين فتنازل بالخلافة والولاية إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁، وسُمِّيَ عام تنازله بعام الجماعة حيث اتفق المسلمون واجتمعوا، وهذا لشدّة ورعه وتقواه -أعني الحسن- فإنَّهُ هو الأحق بالأمر؛ لكن رأى أنَّ مصلحة العظمى للإسلام والمسلمين تقضي بأن يترك الأمر لمعاوية الصحابي.
وفي اختيار الحسن الخير والبركة وهكذا كان، فعاش المسلمون نحوًا من عشرين سنة وهم في أمن وأمان وقوة على الأعداء ومَكَنَةٍ في أمر دينهم وفي أمر دنياهم.
[ ٦٤٦ ]