_________________
(١) شرع الطحاوي ﵀ في ذكر بعض صفات الرب - ﷿ - المتعلقة بقدره السابق، وبمشيئته العامة، وأنه سبحانه ذو العلم الكامل المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، وأنه سبحانه الذي أجرى كل شيء على وفق ما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهذه المسائل التي سمعتم والجمل متصلة ببحث القَدَرْ، والمؤلف الطحاوي لم يجمع الكلام في القَدَرْ في موضع واحد، بل فرقه في نحو ثلاثة مواضع. ولهذا كان من عيوب هذه الرسالة أنها جرت على وفق ما تيسر لمؤلفها، والترتيب ينفع المُتَلَقِّي لكن بالنسبة لنا سنجري على وفق ما جرى هو عليه، ونذكر ما يفيد إن شاء الله في كل موضع بحسبه. قال هنا (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) هو سبحانه خلق المخلوقات عالمًا بها غير جاهل بما هي عليه ومتى يؤول إليه أمرها. وأورد هذه الجملة الطحاوي مخالفًا أهل الاعتزال الذين لا يجعلون العلم مصاحبًا لصفات الله - ﷿ - ولأفعاله. وعِلْمُ الله ﷾ صفة ملازمة، هو ﷾ عالم بعلمٍ، وخالق بعلمٍ، وقادر بعلم، ورحيم بعلمٍ، يرحم من يشاء عن علمٍ، وهذا العلم صفته - ﷿ - الملازمة له لا تنفك عنه. وعلمه سبحانه أَوَّلْ، قبل خلق الخلق كان عالِمًَا، بما يصلح لهم وما تقتضيه حكمته فيهم. لهذا قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ففي هذا رد على المعتزلة من جهة الصفات، وفيه ردّ أيضا على القدرية - أعني بهم الذين ينفون علم الله السابق، القدرية الغلاة نفاة القدر - الذين يقولون إنَّ العلم حَدَثَ بعد وجود الأشياء فهو سبحانه عَلِمَ بعد وقوع الأشياء، فَخَلَقَ الخَلْقْ فَفَعَلَ الناس فَعَلِمَ - ﷿ - ذلك. واستدلوا على هذه النِّحلة بقوله - ﷿ - ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤]، وبقوله - ﷿ - في تحويل القبلة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليل بعض الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية وحصول الأشياء بأن يعلم الله - ﷿ - ذلك. قال - ﷿ - في هذه الآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ . فزعموا أنّ هذه الآيات وأشباه هذه الآيات تدلّ على أنه - ﷿ - لا يعلم الأشياء إلا بعد أن تقع. وأهل السنة مثبتون لعلم الله - ﷿ - الكُلِّي بالأشياء ولِعِلْمِ الله - ﷿ - التفصيلي بأجزاء الأشياء وحوادثها المفردات. وإذا عُلِّلَ شيء في القرآن أو في السنة لكي يعلم الله - ﷿ - ذلك الشيء فإن معناه عندهم - بما دلت عليه الأدلة - معناه حتى يَظْهَرَ عِلْمُ الله في الأشياء في هذه الأمور ليقع حسابُه وليقع تعذيبه أو تنعيمه أو نحو ذلك، يعني إظهار ما تنقطع به الحجة. فقوله سبحانه ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ يعني إلا ليظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه؛ لأنَّ الله - ﷿ - لو آخذ العباد، وآخذهم وحاسبهم على علمه السابق فيهم لكان لهم حجة. فهو سبحانه جعل هذه الأشياء مع علمه السابق بما سيفعله العباد لكي يظهر علمه فيهم. فجاء إذًا هنا (لكي) في قوله (لِنَعْلَمَ) حتى يظهر العِلْمُ فيكون ذلك حجة على الناس. وهذا ظاهر بَيِّنْ أنَّ علم الله ﷾ للأشياء قبل وقوعها، قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، هذا وفي الآية الأخرى ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٥٢]، وهذا يدلك على أنَّ الله ﷾ عَلِم قبل الكتابة، والكتابة متأخرة على العلم، وهذا الذي يجعلنا نقول أنّ علم الله - ﷿ - أول بالأشياء. وهنا يُقَيَّدُ ذلك بعلم الله - ﷿ - بما أراده ﷾. فإذا أراد الله - ﷿ - شيئًا علم تفصيلاته، وخلق المخلوقات وخلق الأشياء بعلمه؛ يعني على وَفق علمه ﷾ بها، وهو عالم بها غير جاهل بها. ولهذا قرأتم أو قرأ بعضكم ما في مناظرات المعتزلة مع أهل السنة في أنَّ المعتزلة يقولون في أسماء الله - ﷿ - إنه سبحانه مثلًا عالم بغير علم، وخالق بغير خلق، وحي بغير حياة، وهكذا، يجعلون الصفات مخلوقات منفصلة. فعندهم العلم هو المعلومات. فتعلقت الصفات التي يثبتونها بالمعلوم فصار عالمًا، لا لعلم حدث فيه. وذلك فرارا منهم من مسألة حدوث مفردات العلم. لأنَّ العلم له مفردات وإذا حلت المفردات؛ - يعني عَلِمَ هذه - معناه أنه حل به عِلْمٌ بهذا الشيء الذي حصل، أو تعلق به خَلْقُ هذا الشيء، فكأنه - ﷿ - صارت له صفة لم تكن له من قبل. وهذا يستلزم والتركيب، والتركيب يستلزم الجسمية، والجسمية تنافي ألوهية الرب - ﷿ - كما هو مقرر في موضعه. المقصود أنَّ قوله (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ظاهر. معناه أنه خلق سبحانه المخلوقات وهو عالم بها، وهو - ﷿ - عَلِمَ قبل خلقها، وأيضا يعلمها بعد خلقها. ثم قال رحمه الله تعالى (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني قَدَّرَ للخلق أقدارًا، وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، ولقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال ﷾ أيضا ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١-٣]، والإيمان بِقَدَرِ الله - ﷿ - هذا ركن من أركان صحة الإيمان، فهو واجب لأنَّ التكذيب به باطل كما سيأتي مفصلًا في موضعه. فقول المؤلف (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني أنه جعل للمخلوقات أقدارًا، لا تُحَصِّل المخلوقات ما هي عليه بلا ترتيبٍ سابق، بلا تقدير سابق. وهذا يشمل أشياء -يعني تقدير الأقدار لهم- يشمل أشياء:
(٢) الأول: تقدير ما به تمام خلقهم، فإنَّ الله - ﷿ - قَدَّرَ لكل مخلوق خِلقَةْ يكون عليها، ووصوله إلى غاية هذه الخِلْقَة أيضا يحتاج إلى تقدير، فالجنين لا يخرج من بطن أمه إلا وقد سبقه تقدير تفصيلي لكل المراحل التي سيمر بها وما يَعرِضُ له من كمال أو نقص، كما قال - ﷿ - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] .
(٣) الثاني: أنَّ مقادير المخلوقات مُقَدَّرَة في الصفات التي تكون عليها المخلوقات من الغرائز والأحوال التي يسميها الآخرون الأعراض، فكل الأعراض التي تَعرِضُ على الذوات الله - ﷿ - قَدَّرَهَا، فَقَدَّرَ الألوان بتفصيلاتها، وقَدَّرَ الصفات من الحرارة واليبوسة، وقَدَّرَ الذكاء، وقَدَّرَ تفصيلات الحياة التي في المخلوق بجميع أحواله، سواء في ذلك المخلوقات التي حياتها بالروح، أو المخلوقات التي حياتها بالنماء، أو المخلوقات الجامدة عن الحركة الظاهرة.
(٤) الثالث: قَدَّرَ الله - ﷿ - على المكلَّفين من مخلوقاته ما هم عليه من الشقاوة ومن السّعادة ومن الهدى ومن الضلال، ولهذا قال ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢-٣]، فَرَتَّبَ الهداية بعد التقدير لأنه عنى بالتقدير هنا المرتبتين الأُوليين؛ لأنه جعلها بعد قوله ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ يعني جعل الخلق على نهايته يعني سَوَّاه، يعني جعله على نهايته المقدرة له، ثم قال ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ يعني لِمَا خلق من الأشياء الغريزية والخلقية فهدى للطريقين. إذا تبين لك ذلك فالله ﷾ قَدَّرَ للأشياء المقادير، وتعبير المؤلف بقوله (قَدَّرَ لهمْ) هذا مناسب من لو قال: قَدَّرَ عليهم أقدار لأنَّ التقدير لهم يشمل ما سيكونون عليه من خير أو شر. إذا تبين هذا ففى قوله (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) مسائل:
[ ٦٦ ]
[المسألة الأولى]:
القَدَرْ معناه في اللغة: تهيئة الشيء لما يصلح له، فإذا هيأت شيئًا لما يصلح له فقد قَدَّرْتَهُ.
وتقول أُقَدِّر أن يكون كذا وكذا، يعني هَيَّأْتَ هذا الأمر على أن يكون كذا وكذا، فتكون داخلًا في هذا الأمر بتقدير، إذا دخلت فيه بتهيئة.
وهذا هو المعنى اللغوي العام كما قال سبحانه ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، والآيات في هذا كثيرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، ونحو ذلك.
أما في الشرع فالقَدَرْ: سرّ الله - ﷿ - الذي لم يُطْلِعْ عليه أحدًا، لم يُطْلِعْ عليه ملكًا مُقَرَّبًَا، ولم يُطْلِعْ عليه نبيًا مرسلًا، بل هو سر الله - ﷿ -، الذي لا يعلمه على وجه الكمال أحد.
وتعريف القَدَرْ اختلف فيه الناس، وحتى تعريفه عند المنتسبين للسنة مُخْتَلِفْ.
لكنه عُرِّفْ بتعريف أُخِذَ من مراتب القدر التي جاءت الأدلة على مفرداتها.
فقيل في تعريف القدر عند أهل السنة: إنه علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ - ﷿ - لكل ما قدَّر، أو خَلْقُهُ - ﷿ - لكل شيء.
وهذا يشمل المراتب جميعا وسيأتي ذكر مراتب القدر ودرجاته في موضعه فيما نستقبل من هذه الرسالة.
[ ٦٧ ]
[المسألة الثانية]:
أنّ القَدَرْ - لَمَّا كان هذا أول موضع فيه - يجب أن يُبْحَثْ من جهة النصوص فقط؛ لأنَّ النبي - ﷺ - صحّ عنه أنه قال (إذا ذُكر القدر فأمسكوا) (١) يعني فأمسكوا عن الخوض فيه بما لم يَدُلَّكُمْ عليه كلام الله - ﷿ - أو كلام نبيكم؟.
فإذا تكلمنا في القَدَرْ أو خاض المرء فيه بعقله وفهمه فيجب أن لا يَتَعَدَّى ما دلت عليه النصوص، وذلك لأن تجاوز ما دلت عليه النصوص في باب القَدَرْ بسببه ضَلَّ الناس.
وهذا الخوض يسبّب الضلال، إذا تَعَرَّضَ الناظر لأمور تسبب له الضلال في القدر -:
١ - الأمر الأول: الخوض في أفعال الله - ﷿ - بالتعليل.
إذا خاض في أفعال الله - ﷿ - بالتعليل الذي يظهر له دون حجة فإنه يضل، لأنّ أفعال الله - ﷿ - صفاته ﷾، وهي مرتبطة عندنا بعلل توافق حكمة الربّ - ﷿ -، والمخلوق لا يفهم من تعليل الأفعال إلا بما أدركه أو بما يصل إليه إدراكه.
بما أدركه يعني يرى مثيله، علَّلَ هذا بهذا لأنه مرّ عليه، أو أدْرَكَهُ بما شاهد، أو أنَّهُ يصل إليه إدراكه بالمعلومات المختلفة التي يُقَدُِّرَها.
وقد قدمنا لكم أنّ الأساس في صفات الله - ﷿ - أنه لا يُدرَكُ كيفية الاتصاف بالصفات، كما لا يُدرَكُ كمال معرفة حكمة الله ولا كمال التعليل. (٢)
ولهذا من خاض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ، فإنه لابد أن يخطئ إذا تجاوز ما دلَّ عليه الدليل.
والعلل قسمان: عِلَلْ كونية وعِلَلْ شرعية.
وأفعال الله مُعَلَّلَةْ لاشك: أفعال الله في ملكوته مُعَلَّلَةْ وأفعال الله - ﷿ - في شرعه - يعني أحكام الله - ﷿ - في الشرعية مُعَلَّلَةْ، يعني الشرعيات في الغالب مُعَلَّلَةْ -.
إذا تبين لك ذلك فإن الخوض في التعليلات، في الأفعال بالعِلَلْ هو سبب ضلال الفِرَقْ المختلفة في باب القَدَرْ، هو سبب ضلال القدرية المشركية، وهو سبب ضلال القدرية الغلاة النافية للعلم، وهو سبب ضلال القدرية المتوسطون أو المعتزلة؛ لأنَّ الفِرَقْ الرئيسية في القَدَرْ ثلاث كما سيأتي بيانه:
- قدرية مشركية: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] .
- وقدرية غلاة: نفاة العلم الذين قالوا إنَّ الأمر أُنُفْ ولا يَعْلَمُ الأشياء.
- وقدرية متوسطة: وهم المعتزلة في باب القَدَرْ الذين لم ينفوا كل مراتب القَدَرْ، لم ينفوا العلم السابق كما سيأتي تفصيله في موضعه.
وكل هذه الفرق خاضوا في مشيئة الله وإرادته والتعليلات بعقولهم، فَلَمَّا لم يفهموا التعليل ضلوا، كما قال شيخ الإسلام في تائيته القدرية:
وأصلُ ضلالِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ
فإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
فإذًا الأمر الأول من أسباب الضلال في هذا الباب الخوض في الأفعال.
لِمَ أغنى؟ ولِمَ أفقر؟ ولِم أصحّ؟ لِمَ خلَقَ هذا الشيء على هذا النحو؟ لِم أعطى؟ لِم شرع؟ لِم جعل هذه الأمة كذا وهذه الأمة كذا؟ لِم جعل الأرض كذا؟ لِم جعل الجنة كذا؟ لِم جعل مصير هذا كذا؟ إلى آخره، كل هذا إذا خاض فيه العبد فإنه باب ضلال لأنّ القَدَرْ سر الله - ﷿ -.
٢ - الأمر الثاني: قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال المخلوقين، أو جعل ميزان تقدير الله على وجه الكمال والصحة هو ميزان تقدير المخلوقين.
فإنَّ العباد إذا نظروا في فِعْلِ المخلوق وفي تقديره وتصرفاته فإنهم يجعلون الصواب والكمال في حق المخلوق على نحوٍ ما، فإذا نقلوا هذا الذي أدركوه في المخلوق إلى فِعْلِ الله - ﷿ - فإنه أتى بابٌ كبير من أبواب الضلال - يعني حصل باب كبير من أبواب الضلال -.
كما حصل للقدرية من المعتزلة وأشباههم، فإنهم قاسوا أفعال الله بأفعال خلقه، فأوجبوا على الله - ﷿ - فعل الأصلح بما عهدوه من فعل الإنسان، وأوجبوا على الله - ﷿ - العدل ونفوا عنه الظلم بما عهدوه من فعل الإنسان.
ولهذا قالوا إنَّ الله - ﷿ - يجب عليه فعل الأصلح، وأنه يَحسُنُ في فعل الله كذا، ويقبح كذا، فما حسَّنَتْهُ عقولهم بما رأوه في البشر حَسَّنُوهُ في فعل الله، وما قبَّحَتْهُ عقولهم من أفعال المخلوقين قَبَّحُوهُ في فعل الله، فنفوا أشياء عن الله - ﷿ - ثابتة له لأجل هذه المسائل الثلاثة التي ذكرتها لكم:
- مسألة التحسين والتقبيح.
- مسألة الصالح والأصلح.
- مسألة الظلم والعدل.
فهذه المسائل الثلاث هي أعظم أبواب ضلال القدرية، ولهذا يجب أن لا يَدْخُلَ فيها المكلف إلا بما دلت عليه النصوص.
والأصل في هذا أَنَّ الله سبحانه لا يُشَبَّهُ بِخَلْقِهِ في أفعاله ولا في صفاته، كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
_________________
(١) المعجم الكبير (٢/ ١٤٢٧)
(٢) راجع (٤٥)
[ ٦٨ ]
٣ - الأمر الثالث: مما ينبغي مراعاته في بحث القَدَرْ وإذا قرأت في هذا الباب، أنَّ العلماء الذين تكلموا في مسائل القَدَرْ من المتقدمين من علماء السلف، فصنفوا فيه كابن أبي داوود، بل قبله ابن المبارك، ومن كَتَبَ في ذلك في مصنفات مستقلة، أو ضمن كتب السنة الأخرى، أو من صَنَّفَ من المتأخرين في هذا الأمر يجب أن تَنْظُرَ إلى كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمرٍ عقلي لا دليل عليه.
إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه من كلام الله - ﷿ - أو كلام رسوله - ﷺ - فتوقف؛ لأننا وجدنا أَنَّ طائفة من الناس أخذوا كلام من وثقوا به من أهل العلم في مسائل القَدَرْ على أنه مُسَلَّمْ لَمَّا كان منتسبا إلى السنة؛ لكنه خاض باجتهاده في بعض المسائل من جهة العقل، فيأتي الناظر فلا يدرك كلامه على وجه التمام، أو يكون ذاك مخطئا فيتابعه هذا وينسبه إلى السنة.
والسنة في باب القَدَرْ هي ما دل عليه القرآن وحديث المصطفى - ﷺ - فحسب، وما زاد عنه فيجب الإمساك عنه.
قد يحتاج طالب العلم إلى التفصيل العقلي بما دلت عليه النصوص والالزامات، بما علم من النصوص في مقام الرد على المخالفين، لا في مقام التقرير.
فإذًا ينبغي أن يُفْهَمْ كلام أهل العلم على مرتبتين:
- المرتبة الأولى: مقام تقرير مسائل القَدَرْ. -هذا واحد-.
- والمرتبة الثانية: مقام الرد على الخصوم في القَدَرْ.
فإذا كان المقام مقام تقرير للاعتقاد الصحيح في القَدَرْ فلا يجوز أن يُتَجَاوَزَ القرآن والسنة، لا يجوز أن يُتَجَاوَزَ كلام الله - ﷿ - وحديث المصطفى ﷺ؛ لأن القدر سر الله - ﷿ -.
[ ٦٩ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ الفِرَقْ في باب القَدَرْ -قبل أن نخوض أو نبحث هذا الموضوع نعطيك تصور عام وسيأتي له تفصيل-، فالفِرَقْ في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فِرَقْ:
- الفرقة الأولى: القَدَرِيَّة.
- الفرقة الثانية: الجبرية.
- الفرقة الثالثة: أهل السنة والجماعة.
والقدرية طوائف كثيرة منهم الغلاة، ومنهم المتوسطون.
وقولنا عنهم قَدَرِيَّة، نعني به نفاة القَدَرْ، ننسبهم للقدر؛ لأنهم نفوه، قال أهل العلم عنهم قَدَرِيَّة لأنهم نفوا القَدَرْ:
- منهم من نفى العلم
- منهم من نفى عموم المشيئة.
- أو عموم خلق الله - ﷿ - لكل شيء
- ومنهم الجبرية الذين قالوا إنّ العبد مجبور.
* وهؤلاء الذين قالوا إنَّ العبد مجبور:
- منهم الغلاة كالجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون هو كالريشة في مهب الريح.
- ومنهم المتوسطون الذين قالوا هو مجبور في الباطن ومختار في الظاهر وهم الماتريدية والأشاعرة.
والمؤلف الطحاوي ينتمي في الجملة في المسائل المُشْكِلَة إلى الماتريدية، ولهذا ينبغي أن يُنتبه لكلامه في المواطن ذات الزلل كمسألة القَدَرْ، هل قرَّرَهَا على وجه الجبر أم على وجه كلام أهل السنة والجماعة كما سيأتي.
[ ٧٠ ]
[المسألة الرابعة]:
نختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أنَّ هناك ألفاظًا تستعملها الطوائف جميعا في مبحث القَدَرْ، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها.
مثال ذلك - ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى -.
مثال ذلك (مسألة الكَسْبْ)، فإنَّ الكسب عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى.
فَلَفْظٌ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه.
كذلك (نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة)، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة.
فالقدرية يعنون بذلك معنى - يعني المعتزلة ومن نفوا القَدَرْ - والجبرية يصرفونه لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص.
المقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بعامة؛ لأننا الأصل أنَّ الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة.
فتنتبه إلى أَنَّ الألفاظ في باب القَدَرْ متشابهة لكن المعاني مختلفة.
إذا قرأت كتابًا من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله - ﷿ -، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب "الكشّاف" للزمخشري إنه دسّ فيه مذهب المعتزلة في الصفات وفي القَدَرْ وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير.
هذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إن شاء الله تعالى في مواضعها.
[ ٧١ ]