: [[الشريط الثامن عشر]]:
وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.
_________________
(١) هذه الجمل من كلام العلامة الطحاوي ﵀ فيها إشارة إلى القَدَرْ مع عدم ذِكْرِ معتقد أهل السنة والجماعة على وجه التفصيل فيه. وقد سبق أن ذكرنا بعض المسائل فيه؛ ولكن نعيد المسائل من أولها حتى يرتبط الموضوع لبُعْدِ العهد بما سبق. [قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)] يعني بقوله (أَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ) أنَّ القَدَرْ من الأسرار في كمال درجاته ومراتبه فإنّ الله ﷾ لم يكشف قَدَرَهُ على وجه التفصيل لأحَدْ؛ بل هذا عِلْمُهُ عند الله - ﷿ -. لهذا قال بعدها (لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) وإذا كان ملائكة الله المُقَرَّبُون لم يطَّلعوا على القَدَرْ على وجه التفصيل، وكذلك الأنبياء المرسلون الذين هم صفوة عباد الله لم يطَّلعوا على ذلك على وجه التفصيل فإنّ التعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان. وذريعة الخذلان يعني وسيلة من وسائل سلب التوفيق؛ لأنَّ الله منع العباد عن ذلك ولم يأمرهم بالبحث في هذا ولا بالتعمق فيه. وإذا كان الصفوة لم يُطْلَعُوا على ذلك ولم يَطَّلِعُوا عليه فإذًا الباب مغلق وإذًا لا تحاول كشفًا للقدر. ومعنى كشف القدر ما ذكره في جُمَلِهِ بأن يحذر المسلم من التفكير في تقدير الله - ﷿ - للأشياء نَظَرًَا في العلل وفِكْرًَا في الحِكَمْ ووسوسةً في لم فعل ذلك؟ ولم حصل؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ ولم وفق هذا. ولم خذل ذلك؟ ولم حصل كيت وكيت؟ فإنَّ الله سبحانه طوى علم القدر عن أنامه، ولذلك نهاهم عن تطلُّبه قال ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] . فإذًا إذا تبين ذلك فإيماننا بقدر الله - ﷿ - إيمانٌ بما جاء في النصوص من تفصيل ما يجب علينا أن نؤمن به. ثُمَّ إيمان إجمالي وهو ركن الإيمان؛ لأنّ كل شيء فإنه بتقدير الله - ﷿ -، لأنَّ من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره. يعني أن نؤمن بأنَّ ما حصل من الخير والشر بالنسبة إلينا فإنه بتقدير الله - ﷿ -. يعني لَمْ تَحْصُلْ الأشياء ابتداءً دون تقديرً من الله وعِلْمٍ وكِتَابَةٍ ومَشِيئَةٍ وخَلْقٍ لله - ﷿ -، بل الله الذي عَلِمَهَا وكَتَبَهَا وقَدَّرَهَا وشَاءَهَا، فلم يحصل شيء ولا يحصل شيء إلا بتقدير الله - ﷿ - وإذنه الكوني. إذا تبين ذلك فإنَّ الإيمان الإجمالي لما ذكرت هذا ركن الإيمان، ما يصح إيمان أحد حتى يؤمن بهذا القَدْرْ، وهو أنَّ كل شيء بِقَدَرْ وأَنَّ الأشياء يُقَدِّرُهَا الله - ﷿ - فيما سبق. ثُمَّ الإيمان التفصيلي بما عَلِمَ تَفْصِيلًَا من نصوص الكتاب والسّنة بما يدخل في بحث القَدَرْ. فإذا جاءه الدليل أنَّ مِنَ القدر عِلْمُ الله السابق فإنه يؤمن بذلك، وإذا جاءه الدليل أنَّ الله خالق كل شيء فيؤمن بهذا العموم؛ عموم خَلْقِ الله - ﷿ - للأشياء بما في ذلك طاعة المطيع ومعصية العاصي، إذا عَلِمَ عموم مشيئة الله - ﷿ - وأنَّ مشيئة العبد لا تستقل بإحداث الأشياء بل لابد من مشيئة الله - ﷿ - آمن بذلك على وجه التفصيل، فيكون ذلك من الإيمان الواجب لأنه عَلِمَ الدليل الذي يجب عليه الإيقان به. بحْثُ القَدَرْ بَحْثٌ طويل، وقد يحتاج الأمر لبسطه إلى مجالس عديدة ودروس متنوّعة، ولعلي أرتبه لك في مسائل فيها مزيد تفصيل عما سبق ذكره لك في الدروس السابقة مثل الواسطية والشروح الأُخَرْ ليحصل مزيد علم عمّا سبق إن شاء الله تعالى، فنقول:
[ ٢٣٧ ]
[المسألة الأولى]:
القَدْرْ في اللغة بمعنى ترتيب الشيء ليكون على وَجْهٍ ما، فيُقَال قَدَّرْت أو تقول قَدَّرْتُ أن يكون الأمر كذا وكذا، إذا رَتَّبْتَ أن يكون الأمر على هذا المنوال.
فإذًا القَدَرْ في معناه اللغوي يدخل فيه الفعل، ويدخل فيه الإرادة والمشيئة، ويدخل فيه العلم، ويدخل فيه أيضا الحكمة بحسب من قَدَّرْ.
وأما في الشريعة فالقَدَرْ يجمع أربعة أشياء:
- يجمع العلم السابق.
- والكتابة السابقة.
- وعموم مشيئة الله - ﷿.
- وعموم خلقه - ﷿ - للأشياء.
ولهذا عرَّفَ بعض أهل العلم القَدَرْ بأنَّ القَدَرْ: هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح المحفوظ وعموم مشيئته لما يقع وخلقه - ﷿ - للأشياء كلها.
وهذا في الواقع تعريفٌ من باب ليس حدًّا، يعني على صناعة الحدود ولكنه تعريف يشمل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة ولِيُدْخِلَ ذلك في تعريف القدر عند أهل السنة والجماعة.
[ ٢٣٨ ]
[المسألة الثانية]:
القَدَرْ مرّ بك تعريفه.
وأما القضاء فإنه في اللغة بمعنى إنهاء الشيء، وقد يكون الإنهاء إنهاء عمل وقد يكون إنهاء خبر، ولهذا جاء في القرآن تنوّع معنى القضاء إلى عدة معاني:
١ - المعنى الأول أنَّ القضاء يكون بمعنى الإنهاء كما قال سبحانه ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، وقال ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ:١٤] .
٢ - المعنى الثاني أنَّ القضاء بمعنى الوحي وذلك إذا عدي بـ (إلى)، قضينا إلى، قَضَى إلى، يكون إنهاء الخبر بالوحي كما قال - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤] يعني أوحينا إلى بني إسرائيل وأعلمناهم وأخبرناهم، وقال أيضا - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني أوحينا إليه وأنهينا إليه ذلك الخبر بالوحي.
٣ - المعنى الثالث أنَّ القضاء يكون بمعنى القَدَرْ كما قال - ﷿ - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]، يعني قَدَّرَ ذلك وخلقه وفعله، وكما في قوله أيضا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ [سبإ:١٤]، على أنَّهُ بمعنى القَدَرْ؛ لأنَّ الإنهاء يدخل في القَدَرْ.
ولهذا المعنى قال جمع من أهل العلم إنَّ القضاء والقَدَرْ بمعنى واحد؛ لأجل أنهم لحظوا أنَّ معنى القضاء داخل في معنى القَدَرْ، وأنَّ القدر والقضاء لا فرق بينهما.
ممن ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم ابن الجوزي وكثير من العلماء السابقين.
* وأما فيما دَلَّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة فإنَّ القَدَرْ غير القضاء، وهذه الغيرية بمعنى أنَّ القَدَرْ أعم من القضاء، والقضاء قد يكون بعض مراتب القَدَرْ من حيث الإطلاق.
ولهذا قال بعض أهل العلم في تبيين ذلك: إنَّ القضاء هو القَدَرْ إذا وقع، وقبل وقوع المقدر لا يسمى قضاء.
ذلك لأنَّ كلمة قضاء -كما رأيت في معناها في اللغة وفي استعمالات القرآن أنها بمعنى الإنهاء إنهاء الشيء إنهاء الخلق إلى آخره.
والقَدَرْ إذا وقع وانتهى صار قضاءً، قُضِيَ ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، يعني انتهى ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢]، يعني أحكم بما شئت وأنهى الأمر على أي وجه شئت.
فإذًا يكون القضاء هو إنهاء القَدَرْ، وهذا يتبيّن بأنَّ مراتب القَدَرْ الأربعة التي سيأتي بيانها منها مرتبتان سابقتان وهي مرتبة العلم والكتابة، ومنها مرتبتان -وهي عموم المشيئة وعموم الخلق لله - ﷿ -- هاتان المرتبتان مقارنتان لوقوع المقدر.
ولهذا إذا نُظِرَ لوقوع المُقَدَّرْ من جهة عموم الخلق وعموم المشيئة فإنَّهُ حينئذٍ يكون قضاءً لله - ﷿ - لهذا الشيء.
قضى الله - ﷿ - الأمر على كذا وكذا بمعنى خلقه وشاءه.
ولهذا نظر من نَظَرْ في أنَّ القضاء داخل في القَدَرْ فلذلك قالوا القضاء والقدر بمعنى واحد.
لكن على التحقيق ليس القضاء والقدر بمعنى واحد، وإنما القضاء هو وقوع المُقَدَّرْ، فإذا وقع القَدَرْ السابق وانتهى سُمِّيَ قَضَاءً، قُضِيَ وانتهى وهو المُقَدَّرْ، ولاشك أنَّ الذي يقع مقدر ويكون قضاء.
ولهذا نقول القضاء، والقَدَرْ بينهما فرق فإن:
- القَدَرْ أعم، والقضاء أخص.
- والقَدَرْ سابق، والقضاء لاحق.
- والقَدَرْ فيه عدة صفات لله - ﷿ -: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأما القضاء قضاء الله - ﷿ - للشيء في نفسه يدل على خلقه ﷾ للشيء ومشيئته له.
لهذا على الصحيح أنَّ القضاء والقَدَرْ ليسا بمعنى واحد ولا يتواردان، يعني ما يُسْتَعْمَل أحدهما بمعنى الآخر؛ بل القَدَرْ أعم.
[ ٢٣٩ ]
[المسألة الثالثة]:
الإيمان بالقدر يشمل أربع مراتب:
أما مرتبتان فسابقتان قبل خلق السموات والأرض قبل خلق الأشياء وهما:
١ - المرتبة الأولى: علم الله - ﷿ - السابق.
٢ - المرتبة الثانية: كتابه - ﷿ - للأشياء في اللوح المحفوظ.
@ وعلم الله السابق بالأشياء: علم أزلي والله ﷾ عِلْمُهُ صفة ذاتية له، فما شاء الله - ﷿ - أو أراد أن يُوقِعَهُ في ملكوته مُوَقَتًا بوقته مُقَدَّرًا بزمان وصفتة فإنه ﷾ عَلِمَ ذلك على وجه التفصيل لكمال علمه وأنه سبحانه بكل شيء عليم.
@ وأما كتابه - ﷿ - للأشياء: فإنَّ الله كَتَبَ مقادير الخلائق مؤخرًا؛ يعني قبل خَلْقِ السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) .
وقوله (قَدَّرَ الله) يعني كَتَبَ لأنَّ المرتبة السابقة للعلم هي قبل ذلك.
عِلْمُ الله - ﷿ - أول علم الله أزلي، يعني لم يَزَلْ.
فإذًا نقول إنَّ مرتبة الكتابة هي كتابة الله - ﷿ - للأشياء على وجه الإجمال والتفصيل في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقال - ﷿ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، ونحو ذلك من الأدلة.
والأدلة لهاتين المرتبتين كثيرة في القرآن والسنة.
٣ - أما المرتبة الثالثة فهي مرتبة عموم مشيئة الله - ﷿ -:
فإنه ما شاء الله كان وما لن يشأ لم يكن.
فطاعة المطيع وقعت بمشيئة الله، ومعصية العاصي وقعت بمشيئة الله، إحياء النفس وقع بمشيئة الله، وقتل النفس وإزهاق روحها ظُلْمًا وعدوانا وقع أيضا بمشيئة الله - ﷿ -.
فالله سبحانه شَاءَ كل ما وقع، فما وقع في ملكوته لا يمكن أن يوقعه العبد إلا إذا شاءه الله - ﷿ - بما في ذلك الأمور المحمودة عند الإنسان والأمور المذمومة عند الإنسان، الخير بالنسبة للإنسان والشر بالنسبة للإنسان كل ذلك وقع بمشيئة الله - ﷿ -، ولا يخرج أحد عن مشيئته، قال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، وقال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال سبحانه ﴿مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال سبحانه أيضا ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥] .
فإذًا ما يقع من الإضلال هو بمشيئة الله؛ لكن وقع بمشيئة الله لحكمةٍ لله - ﷿ - في وقوعها.
فإذًا الله سبحانه شَاءَ الخير وشاء الشر وأذِنَ بوقوع الخير، وأَذِنَ بوقوع الشر كَونًَا.
وأما من جهة الشرع، من جهة الدين فإنَّ الله سبحانه نهى عن الشر، نهى عن الكفر، نهى عن الكبائر، نهى عن المعصية، نهى عن الظلم وأمر بالإيمان وأمر بالعدل وأمر بالطاعة وأمر بالعبادة.
فإذًا ثَمَّ فرق بين الإرادة الكونية وبين الإرادة الدينية.
فالإرادة الكونية لا يُشْتَرَطُ لها وهي المشيئة أن يكون الشيء وقع والله ﷾ يُحِبُّهُ ويرضاه؛ بل قد يأذن الله - ﷿ - ويشاء بالشيء وهو لا يحبه ويرضاه، يأذن به كَونًَا ويشاؤه ويقع وهو لا يحبه ويرضاه من عباده، وهو لا يحبه ويرضاه أن يقع؛ لكن أَذِنَ به وشاءه لحكْمَةٍ له - ﷿ - في ابتلاء العباد؛ لكنه لم يرضه دينا، يعني ما أراده شريعةً، ما أرده دينًا، وهذا يحتِّمْ كما قال - ﷿ - ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] مع أنه ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾، ولكنه ﴿لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ .
فإذًا دَلَّتْ الأدلة على التفريق ما بين الإرادة الكونية والإرادة القدرية، والإرادة الكونية هي المشيئة.
لأنَّ الإرادة تنقسم إلى:
- إرادة كونية.
- وإرادة دينية
وأما المشيئة فلا تنقسم، المشيئة هي الكونية يعني هي الإرادة الكونية.
إذا تبين لك ذلك فمرتبة المشيئة هي المرتبة التي فيها الخلاف والضلال ما بين القدرية المتوسطة وبين أهل السنة والجماعة، هي في مسألة المشيئة.
والقدرية الذين ينفون القَدَرْ كالمعتزلة والرافضة وأشباه هؤلاء والزيدية كل هؤلاء يُنَزِّهُون ويقولون:
إنَّ المشيئة لا تدخل في معصية العاصي ولا في كفر الكافر، فإنَّ كفر الكافر ومعصية العاصي هذه لم يشأ الله - ﷿ - أن تقع وإنما شاءها العبد وهي مكروهة لله - ﷿ - استدلالًا بقوله ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ .
_________________
(١) سبق ذكره (٦١)
[ ٢٤٠ ]
والصواب في ذلك أنه ما من شيء يقع إلا بإذن الله، وإلا فيكون الله - ﷿ - يقع في ملكه ما لم يأذن به، وهذا وَصْفٌ لله - ﷿ - بالنقائص.
بل عموم قدرة الله - ﷿ - وقوته وملكوته وجبروته وقهره وملكه لهذا الملكوت أنَّهُ لا يحصل شيء إلا بعلمه سبحانه وبإذنه ومشيئته؛ لكن له حكمة في أَنْ يقع هذا الشيء.
فقتل القتيل ظلمًا وَقَعَ بمشيئة الله الكونية لكنه لم يأذن به شرعًا بل نهى عنه، اقتحام الكعبة والمسجد الحرام وإسالة الدم فيه لم يقع بإذن الله الشرعي ولكنه وقع بإذن الله الكوني.
فإذًا يجتمع في إذن الله الكوني الطاعات والمعاصي، المحمود والمذموم، الشر والخير.
وأما إذن الله الشرعي، إرادة الله الشرعية فهي ما أَمَرَ الله - ﷿ - به.
وأما ما نهى عنه فإنه لم يُرِدْهُ شَرْعًَا.
وهذا بيان مهم والمسألة معروفة لأكثر طلبة العلم في التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذه المسألة.
٤ - أما المرتبة الرابعة فهي مرتبة عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء:
وأما خلق الله للأشياء فجميع المنتسبين للإسلام بل وغير المسلمين يؤمنون بأنَّ الله خالق الأشياء.
لكن عموم خلق الله الأشياء بِضَابِطِ وقَيْدِ العموم هذا مما تميَّزَ به أهل السنة والجماعة إعمالًا وإيمانًَا بقول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] .
فإذًا الأشياء التي خَلَقَهَا الله - ﷿ - داخلة في قَدَرِ الله ﷾.
يدخل في عموم خلق الله - ﷿ - للأشياء الكُفْرْ، ويدخل في ذلك معصية العاصي، ويدخل في ذلك عمل الإنسان بجميع أنواعه من الخير والشر وذلك لقوله سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، يعني خلقكم والذي تعملونه.
- فتكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، يعني اسم موصول بمعنى الذي.
- أو تكون ﴿مَا﴾ مصدرية يعني حرف مصدري تُقَدَّرْ مع الفعل بعدها بمصدر فيكون تقدير الآية (والله خلقكم وعملكم) . (١)
فما عَمِلَهُ الإنسان خَلَقَهُ الله - ﷿ - كما خَلَقَ ذات الإنسان خَلَقَ عمله، والله خلقكم وعملكم، أو والله خلقكم والذي تعلمونه.
وهذا ظاهر، ويأتي بيان شُبَهْ الفِرَقْ والرد عليها مزيد تفصيل لعموم خلق الله - ﷿ - للأشياء.
_________________
(١) راجع (٢٣١)
[ ٢٤١ ]
[المسألة الرابعة]:
منشأ الضلال في القدر، منشأ ضلال الفرق: الجبرية والقدرية يرجع إلى عدة أسباب: (١)
١- السبب الأول: قياس أفعال الله - ﷿ - وتصرفاته سبحانه بأفعال الخلق.
فيجعلون ما كان محمودًا في الخلق محمودًا في فِعْلِ الله - ﷿ -، وما كان مَذْمُومًَا في الخلق فيكون مَذْمُومًَا في فعل الله - ﷿ -.
فعندهم أنَّ العدل محمود والظلم مذموم، فيجعلون العدل بتفسيره في الخَلْقْ والظلم بتفسيره في الخَلْقْ في حق الله، فما اقتضى العدل في المخلوق جَعَلُوهُ لله وما اقتضى الظلم في المخلوق جعلوه منفِيًَّا عن الله - ﷿ -.
ولذلك نفوا عموم المشيئة ونَفَوا عموم الخلق، لأنهم جَعَلُوا أنَّ إِذْنَ الله - ﷿ - بالكفر يقتضي الظلم؛ لأنه معناه الإلزام.
وجعلوا خلق الله - ﷿ - لمعصية العاصي ولكُفْرِ الكافر جعلوا ذلك ظلمًا؛ لأنَّهُ في حق الإنسان إذا جَعل غيره يفعل ذلك الشيء فإنَّهُ قَهَرَهُ عليه وأَجْبَرَهُ عليه أو أنه أَذِنَ له به وهذا ظلم في حق الإنسان فيما بينهم.
فيقولون: إِذْنُ ما كان عدلًا في الإنسان فهو عدل في الله وما كان ظلمًا في الإنسان فهو ظلم في الله لأنَّ تعريف العدل والظلم فيما جاء في النصوص هو التعريف اللغوي وهو الذي يشمل الإنسان ويشمل الله - ﷿ -.
* وهذا في الحقيقة هو أعظم أسباب الضلال في هذه المسألة.
٢ - السبب الثاني: عدم التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.
فيجعلون الإرادة والمشيئة شيء واحد، فما نُفِيَ مما لم يُرِدْهُ الله - ﷿ - شرعا جعلوه مَنْفِيًَّا كونا.
فالله - ﷿ - لم يرد الكفر فجعلوه - ﷿ - لم يشأ الكفر؛ لأنَّ الإرادة عندهم قسم واحد، لم يرد المعصية فجعلوه لم يشأ المعصية، لم يرد الكبيرة جعلوه لم يشأ الكبيرة.
والإرادة كما ذكرنا منها إرادة شرعية ومنها إرادة كونية.
والإرادة الكونية هي المشيئة، وأما الإرادة الشرعية فهي التي تدخل فيها صفة المحبة والرضا لله - ﷿ -.
٣- السبب الثالث: دخول العقل في التحسين والتقبيح.
فيجعلون الأفعال التي تقع في ملكوت الله وتقدير الله - ﷿ - للأشياء يدخل فيه العقل مُحَسِّنًا ومُقَبِّحًا.
وذلك لأنَّ العقل عندهم أصل، فقالوا: العقل يُعْمَلُ في أفعال الله فما حَسَّنَهُ العقل في أفعال الله صار حسنًا وما قبَّحَهُ العقل في أفعال الله - ﷿ - وجب نفيه عن الله - ﷿ -.
وهذه هي المسألة المشهورة بالتحسين والتقبيح العقليين التي لها صلة بالأصول وبالفقه يعني بالتكليف ولها صلة أيضا بمبحث القضاء والقدر.
٤- السبب الرابع: الدخول في أفعال الله - ﷿ - وعدم التسليم لمراد الله - ﷿ -.
يعني الخوض في أفعال الله ﷾.
والخوض في أفعال الله - ﷿ - كما ذكر لك الطحاوي في ذلك (ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ) .
(ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ) يعني وسيلة لأن يُخْذَلْ العبد، لأنه معناه أنك تريد أن تصل إلى معرفة سر القَدَرْ وهذا لا يمكن.
(سُلَّمُ الْحِرْمَانِ) لا يمكن أيضًا أن تدخل في أفعال الله فَتُحْرَمْ؛ ولأنَّ هذا سُلَّمُهُ الحرمان فتصل إلى أن تكون محرومًا.
وكذلك أنَّه (دَرَجَةُ -من درجات- الطُّغْيَانِ) لأنَّ الإنسان رفع نفسه فوق ما لها، طَغَى وجاوز حَدَّهْ، فحَدَّهُ أن يتعبد الله - ﷿ - بالإيمان والتسليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
فإذًا السؤال بـ (لم؟) هذا من منشأ الضلال فيمن ضَلَّ في الجبرية وفي القدرية وفي المتحيرين المتشككين الذين أنكروا الشريعة وضَلُّوا وأَلْحَدُوا بسبب الدخول في القَدَرْ.
من المعلوم أنَّ القَدَرْ فيه العِلْمْ، والعلم يتفاوت فيه الناس.
والله - ﷿ - يعلم ما يوافق حكمته - ﷿ -.
الحكمة أين هي؟
ما يريده الله - ﷿ - من الابتلاء في خلقه.
الله ﷾ يعلم ذلك، فأَوْقَعَ في خلقه ما يوافق الحكمة له؛ يعني ما يوافق مراداته في خلقه وحصول الابتلاء في ذاته، والإنسان قد ينظر فيكون علمه قاصرًا فلا يصل إلى حقيقة الإدراك.
ولهذا قال بعض السلف وتُنْسَبْ إلى أبي بكر ﵁ (العجز عن الإدراك إدراك)
لم؟ (٢)
لأنَّ إدراكات الذكي غير إدراكات البليد فإذا اعْتَرَضَ البليد على الذكي بأنَّ هذا الشيء ليس كذلك لأنَّ هذا ما يُعْقَلْ وهذا ما يحصُلْ فيكون هذا اعتراض لا عن علم وإنما عن جهل فَيُرَدْ على صاحبه فيكون هو المحروم.
مثل جهل بعض الناس مثلًا ببعض الأجهزة.
الكفار من النصارى أوَّل ما اخترع المسلمون الساعة أنكروها وخافوا منها، ورَجَعَ الأمر إلى أنَّ في بعض المخترعات للكفار في العصر الحديث رفضه بعض المسلمين وخافوا منه؛ وذلك لأنَّ ذلك فيه عَجْزًَا عن إدراك حقيقته، فرفضوا لأنهم عجزوا عن إلادراك.
_________________
(١) راجع (٦٨)
(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن عشر.
[ ٢٤٢ ]
وهذا إذا كان في المخلوق فالله - ﷿ - له العلم الكامل وله العلم بكل شيء ﷾ يعلم الأشياء على تفاصيلها.
والإنسان علمه قاصر، فإذًا إذا خاض في القدر بعلمه القاصر فلاشك أنه سيعترض لأنه لا يعلم.
وإذا اعترض على الله - ﷿ - فإنه سَيُخْذَلْ ويُحْرَمْ ويَتِيه ويُخْذَلْ ويضل الطريق كما حصل أنَّ أناسًا كثيرين ضلُّوا بسبب خوضهم في أفعال القدر.
هذه وقد ذكرنا لكم كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته القدرية قال:
وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ
فإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
هذه بعض أسباب ومنشأ الضلال في باب القَدَرْ.
[ ٢٤٣ ]
[المسألة الخامسة]:
أنّ الناس في القَدَرْ الذين خالفوا أهل السنة والجماعة، لهم فِرَقْ كثيرة وهذه الفرق ترجع إلى فرقتين:
١ - الأولى القدرية.
٢ - الثانية الجبرية.
@ ويُعنى بالقدرية: الذين أنكروا القدر، إما أنكروا كل المراتب، أو أنكروا بعض مراتب القَدَرْ التي ذكرنا لك.
@ ويُعنى بالجبرية: الذين يزعمون أنَّ الإنسان لا اختيار له وأنه مجبور.
& أولًا: القدرية:
القدرية فرق يُلَخَّصْ اختلافهم في أنَّ:
١- الفرقة الأولى: هم الغلاة الذين كانوا يُنكرون عِلْمَ الله - ﷿ - السابق فيقولون: إنَّ الله - ﷿ - لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه والأمر أُنُفْ، كما كان يقول معبد الجُهَنِي وغيلان الدمشقي وجماعة من الأولين.
وهؤلاء هم الذين أنكروا علم الله السابق، فقالوا: إنَّ الله لا يعلم الأشياء حتى تقع والأمر أنف؛ يعني مستأنف جديد غير معلوم وغير مُقَدَّر له قبل ذلك.
وهؤلاء هم الذين كفَّرَهُم السلف وكفَّرَهُم الصحابة كابن عمر وابن عباس وغير أولئك، وذلك لأنهم أنكروا مرتبة العلم، والله - ﷿ - ذكر عِلْمَهْ، فمعنى ذلك أنهم ردُّوا حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب فهو من الكافرين.
وهؤلاء هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِمُوا وإن جحدوه كفروا) .
وهذه الفرقة ذهبت ولا يُعْرَفْ أنها عقَّبَتْ وارثًا في الأعْصُرْ المتأخرة.
٢ - الفرقة الثانية: وهم القدرية المتوسطة: المعتزلة والشيعة الرافضة والزيدية ومن نحا نحو أولئك.
وهؤلاء لا يُنْكِرُونَ جميع المراتب؛ ولكن يُنْكِرُونَ بعض الأشياء في بعض المراتب.
فيقولون: إنَّ المشيئة ثابتة لكن ليست عامة.
ويقولون: إنَّ الخلق ثابت ولكن ليس عامًَّا.
وسُمُّوا بالقدرية لأنهم ينفون بعض مراتب القدر.
وهذه الفرقة باقية إلى الآن المعتزلة موجودة الآن، الزيدية والرافضة والفرق موجودة في أمصار كثيرة من بلاد المسلمين، وهؤلاء هم الذين يأتي إن شاء الله ذكر بعض شبههم والرّد عليها بإذنه تعالى.
& ثانيًا: الجبرية:
أما الجبرية فهم أيضا فِرَقْ منهم:
١- الفرقة الأولى: هم الغلاة، وهم الذين يقولون إنَّ الإنسان مجبور على كل شيء، وحركاته كحركة الريشة في مهب الهواء، وكحركة الخشبة في البحر فإنَّ الأمواج تتقاذفها وليس لها اختيار، وكذلك الريشة يُقَلِّبُهَا الهواء وليس لها اختيار.
العبد يقولون ليس له اختيار وإنما هو مفعول به في كل أحواله، سواء من ذلك الطاعات والمعاصي، فَصَلَّى مجبورًا، وصام مجبورًا، وسرق مجبورًا، وغشّ مجبورًا.
ويقولون: إنَّ أفعال الله - ﷿ - غير مُعَلَّلَة، فقد يُدْخِلْ الله - ﷿ - إبليس الجنة، وقد يُدْخِلْ آدم النار؛ يعني من لازِمِ مذهبهم، فإنه لا تعليل في أفعال الله، قد يُعَذّب المطيع الصالح، وقد يُعْطِي ويُنَعِّم الكافر الطاغوت.
لماذا؟
لأنَّهُ يقول هؤلاء فَعَلُوا بغير اختيارهم، فالله ﷾ هو الذي أَجْبَرَ هذا أَجْبَرَ هذا، فله أن يَقْلِبَ الأمور لأنَّ هذا ما فعل الذنب باختياره، نعوذ بالله من الأقوال الضالة.
وهؤلاء يمثّلهم -يعني الجبرية- يمثلهم طوائف من الصّلحاء في الزمن الأول ممن رأوا الفَنَاء في شهود الأمر الكوني.
وممن قال أيضًا بهذا القول جهم ومن اتَّبَعَهُ، وأيضًا قال به طوائف من غلاة الصوفية يرون أنهم ليس لهم فعل البتة، فأفعالهم الظاهرة كحركة أمعائهم لا اختيار لهم فيها.
٢- الفرقة الثانية: وهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم ممن غَلَوا في إثبات المشيئة، مشيئة الله - ﷿ - وخلقه، وقالوا إنَّ الإنسان ليس مجبورًا على كل حال؛ ولكن هو مجبور باطنًا لا ظاهرًا؛ يعني في الباطن مجبور ما يتحرك بإرادته ولكن في الظاهر تصرفاته بإرادته، فَيُحَاسَبُ على تصرفاته الظاهرة، وأما الذي دَفَعَهُ في الحقيقة فهو أمر باطن مُجْبَر عليه من الله - ﷿ -.
وهذا في الحقيقة قولٌ بالجَبْرْ، ومشهور أنَّ الأشاعرة جبرية.
ولهذا لما عُرِضْت هذا الاعتراضات، اعْتُرِضْ على الأشعري في الحساب والعقاب والثواب قال: إنَّ الأفعال يُحَاسَبْ عليها العبد ويُنَعَّمْ ويُعَذَّبْ لأنه كسبها، وكَسْبُهُ لها من فعله.
فإذًا يُعَاقَب ويُثَاب على ما كسب، والله - ﷿ - يقول ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] فأخذ من لفظ (كَسَبَ) في القرآن أنَّ الفعل الظاهر كَسَبَهُ العبد، يعني عمله فهو يحاسب على ما ظهر.
وهذا الكسب عنده في الواقع ابتدأه أبو الحسن الأشعري دون سابق في هذه الأمة، فلهذا نَظَرَ أصحابه في تعريف الكسب، إيش معنى الكسب هذا الذي أحدثه الأشعري لقاء قوله بالجبر الباطن؟
[ ٢٤٤ ]
يقول إنَّ الإنسان يُفعل به وهو يَفْعَلْ، والأمر يحصل عند حركة الإنسان، مثل قطع السكين للخبزة، أو تكسير العصا للحجر، فإذا ضَرَبَ الإنسانُ الحجر بالعصا، يقول: إنَّ الحجر تنكسر لا بالضرب؛ ولكن عند الضرب، يعني كَسَرَ الله الحجر لا بِضَرْبِ الإنسان ولكن عند ضربه.
يعني أنَّ الحجر ليس له خاصية الانكسار بضرب العصا، والعصا ليست لها خاصية الكَسْرْ -كسر الحجر-، والإنسان ليس فيه خاصية أنَّهُ يحمل العصا على الحقيقة ويكسر على الحقيقة.
ولهذا سماهم السلف نفاة التعليل ونفاة الأسباب، يعني ليس ثَمَّ شيء يُنْتِجُ شيئًا ليس ثم سَبَب يُنْتِجُ مُسَبَّبًَا
عندهم كل شيء يحصل بخلْقٍ له منعزل عن غيره، لا بأسباب غيره.
فالماء إذا نزل على الأرض نبت العشب لا بالماء، ولكن عند الإلتقاء.
وما جاء في القرآن من ذكر حرف الباء ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني لفظ ﴿بِهِ﴾ هذا يفسرونه بعنده هذا كثير في التفاسير فتنتبه لهم.
إذًا خلصوا إلى أنَّ الإنسان يكسب العمل.
وتفسير الكسب، كيف يَجْمَعْ ما بين الجبر الظاهر والجبر الباطن بالكسب اختلف فيه الأشاعرة على أقوال كثيرة وخلاصتها أنه لا مُحَصَّلَ لها وأنه مجبور لا مختار.
ولهذا قال القائل في البيت المعروف في بعض كتب العقائد المطولة قال:
مما يقال ولا حقيقة تحته معقولةً تدنو لذي الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام (١)
هذه ثلاثة أشياء لا حقيقة لها اخترعها أصحابها دون حقيقة.
إذا تبين لك ذلك فلفظ الكسب له عدة استعمالات، أو الكسب عند الناس له ثلاث استعمالات، أو الناس في الكسب لهم ثلاثة أقوال -يعني بما تراه-:
١- الأول: الكَسْبْ عند الأشاعرة هذا أوضحناه لك.
٢- الثاني: كَسْبٌ بمعنى العَمَل، ما يعمله الإنسان باختياره ورغبته يكون كَسْبًَا له لأنه حَصَّلَهُ.
مثل ما تقول: كسبتُ مثلا كذا من المال لأنَّه عمل شيئا فَحَصَّلْ هذا المال.
كذلك الأعمال الصّالحة كَسْبٌ له؛ لأنه بذل فيها وعمل فكسب.
وكذلك الأعمال السيئة عليه لأنه كسبها بجهده.
وهذا هو المعنى الذي جاء في الكتاب والسنة، فمن استعمل الكسب في هذا المعنى فهو صحيح؛ لأنه قد جاء في القرآن والسنة مثل ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولفظ الكسب في القرآن كثير.
فإذًا هذا المعنى واضح وصحيح.
ترجعون في تقسيم الكسب إلى الأقوال الثلاثة والحُجَجْ فيه؛ لأنه مهم إلى كتاب ابن القيم شفاء العليل.
طولنا عليكم نرجئ بقية المباحث إن شاء الله إلى الأسبوع القادم. نكتفي بهذا القدر لأجل عدم الإطالة وإن شاء الله نلتقي بكم على خير حال.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في رسالة له ضمن مجموع الفتاوي -أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل-ولهذا صار الناس يسخرون بمن قال هذا ويقولون: ثلاثة أشياء لا حقيقة لها طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري.
[ ٢٤٥ ]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وآخر ما تكلمنا عليه تفسير الكَسْبْ عند الناس ونجعلها مسألة مستقلة أحسن فنقول:
[المسألة السادسة]:
لفظ الكَسْبْ جاء في القرآن في ذِكْرِ ما للمكلف وما عليه، فقال سبحانه ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (١) وقال - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ونحو ذلك من الآيات.
ولمَّا جاء لفظ الكسب في القرآن وفي السنة أيضًا جاء مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات كَسْبْ المرء وتفسير الكَسْبْ بما دلت عليه النصوص وهو أنَّ كَسْبَ المرء هو عمله.
فالكسب هو العمل والفعل، فقوله سبحانه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني لها ما عملت، فالعمل هو الكَسْبْ، ودلّ على ذلك أنه - ﷿ - قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل:١١١]، وفي الآية الأخرى ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فدلّ على أنَّ الكَسْبْ هو العمل.
والناس أعني المذاهب الثلاثة المشهورة في باب القَدَرْ وهي مذهب الجبرية والقدرية وطريقة أهل السنة والحديث كلٌّ فسر الكَسْبْ على حسب معتقده:
١- مذهب القَدَرِيَّةْ:
فسَّرَ القدرية -وهم نُفاة القدر الذين يقولون: إنَّ العبد يخلق فعل نفسه وأنَّ الله - ﷿ - لا يخلق فعل العبد من المعتزلة ومن شابههم- قالوا: إنَّ معنى الكَسْبْ في هذه الآيات هو إيجاد العبد للفعل، وشَبَّهُوهُ بكسب التجارة فإنَّ كسب التجارة فعل، كما قال - ﷿ - ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فما كَسَبَ الإنسان من التجارة أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فَذَكَرْ الكسب في معرض التجارة فقالوا كذلك هو في فعله يكسب العمل الصالح كما يجتهد في كَسْبْ التجارة.
فإذًا جعلوا الكَسْبْ هو إيجاد العبد الفعل على مذهبهم في خلق أفعال العباد.
وذلك أنَّ لفظ الكَسْبْ فيه شيء من الاحتمال، ولهذا فسرته كل طائفة على مذهبها.
٢- مذهب الجبرية:
والجبرية -كما ذكرنا لكم طرفًا من مذهبهم في قول الأشاعرة والجهمية- الجبرية فَسَّرُوا الكَسْبْ بأشياء كثيرة وبعبارات متنوعة لا حاصل معها على التحقيق، وذكرت لكم قول الشاعر أو قول أحد العلماء:
مما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو لذي الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام
فحين اخترع الأشعري مذهبه الذي هو جَبْرٌ باطن لا جَبْرًا ظاهرا، لما [] ووجد في لفظ الكَسْبْ في الكتاب والسنة مخرجًا له فقال الأعمال كسب.
كيف يتوافق هذا مع قوله في القَدَرْ؟
قال: الكَسْبْ عبارة عن تعلق القُدْرَةْ بالحال أو غير ذلك من التفاسير.
واختلف أصحابه في تفسير الكَسْبْ على هذا الاصطلاح الذي هو كسب الجبر.
كيف يكون للإنسان كسب وهو مجبور؟
اختلفوا في تفسير الكَسْبْ على أوجه كثيرة أكثر من عشرة أوجه، وكلها راجعة إلى نوع من التعلق ما بين القدرة والإرادة والعمل والتكليف، وهذا فيه صعوبة في الربط بينها.
ولذلك أهل العلم حتى الأشاعرة قال محققوهم: إنه لا حصيلة تحت هذه العبارة التي هي عبارة الكَسْبْ على خلاف معنى العمل.
٣ - مذهب أهل السنة والجماعة:
أما القول الثالث في الكَسْبْ فهو قول أهل العلم والسنة والحديث من الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم فإنهم قالوا إنَّ الكَسْبَ هو العمل وهو الفعل، والله - ﷿ - قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وفَرَّقَ ما بين الكَسْبْ والاكتساب مع أنَّ كثيرًا من أهل العلم يجعلون الكَسْبَ والاكتساب بمعنى واحد؛ لكن في الآية قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني في الخير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فجعل الاكتساب فيه زيادة في المَبْنَى؛ لأنّ فيه نوع كُلْفَة، فالخير موافق للفطرة فَيَكْسَبُهُ الإنسان لموافقته لفطرته مع أنَّه تكليف، وأمّا الشر والرَّدَى والضلال فإنه مخالف لفطرته.
لذلك إتيان المحرمات وإتيان الموبقات ونحو ذلك على ما في الإنسان ربما من الشهوة لبعض ذلك لكن يحتاج معه إلى أن يُعْمِلَ نفسه، يعني أن يُتْعِبَ نفسه ويخالف فطرته في أن يأتي تلك الموبقات.
لذلك زاد المبنى ليدل على أنها فيها نوع كَلَفَة ومشقّة في ما يعمله المرء من الشر، قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ يعني من الشر.
فجعل أهل السنة الكسب بمعنى العمل.
_________________
(١) البقرة:٢٨١، آل عمران:١٦١.
[ ٢٤٦ ]
[المسألة السابعة]:
وهذه المسألة متعلقة بمعنى خلق الله - ﷿ - لفعل العبد، وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك.
فقد قلنا: إنَّ الإنسان عَمَلُهُ من خير أو شر يضاف إليه حقيقة، فهو الذي عَمِلَ الخير حقيقة وهو الذي عَمِلَ الشر حقيقة.
ومع ذلك لا يقال: إنه خَلَقَ فعله، بل هو عَمِلَهُ ويُضَافُ إليه لأنه كَسَبَهُ وعَمِلَه.
وأما خَلْقُ الفِعْلِ فالله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ ﷾.
وبيان ذلك في الفَرْقْ ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مذهب القدرية والمعتزلة وأشباه هؤلاء:
أنَّ العبد كَسَبَ العمل وعَمِلَ العمل حقيقة؛ لأنَّ ذلك العمل نتج عن شيئين فيه من الصفات لا يمكن له أن يُحْدِثَ العَمَلْ إلا بوجود هاتين الصفتين:
فالصّفة الأولى: هي صفة القدرة التامة.
والصّفة الثانية: هي الإرادة الجازمة.
فإذا كان عند العبد قدرة تامة وإرادة جازمة حَصَلَ له الفعل.
تَوَجَّهَتْ قدرته التامة -يعني ليس بعاجز- وإرادته الجازمة -يعني ليس بمتردد- تَوَجَّهَتْ للشيء فعمله.
فيكون الفعل حدث: بقدرة العبد وبإرادته.
١ - بقدرته التامة.
٢ - وبإرادته الجازمة.
فالذي تكون قدرته ناقصة لا يُحْدِثْ الفعل.
والذي تكون إرادته مترددة لا يُحْدِثْ الفعل.
مثلًا الإتيان إلى المسجد للصلاة: شخص لا يستطيع أن يأتي إمَّا لمرض أو لغير ذلك فهذا ربما عنده إرادة لكن ليس عنده قدرة، ولذلك لا يحصل منه (الفعل-العمل-الكسب) وهو إتيان المسجد.
آخر عنده قدرة تامة ولكن ليس عنده إرادة البتة ليس عنده إرادة لإتيان المسجد فلا يمكن بالقدرة أن يُحْدِثْ الإتيان.
وقد يكون عنده إرادة لكن عنده تردد، ما جَزَمَ على الإتيان فلا تتحرك جوارحه وآلاته؛ لأنَّ إرادته ليست جازمة.
فإذًا العمل -فعل العبد- عند أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يحدث إلا بقدرة تامة وإرادة جازمة.
وقدرة العبد صفة من صفاته لم يُقْدِرْ هو نفسه باتفاق الناس.
وإرادة العبد صفة من صفاته لم يُحْدِثْ- إرادة نفسه ويختار الإرادة يعني أن يكون مريدا بنفسه-، وإنما الله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ فيه القدرة وآلات القدرة وخلق فيه الإرادة وله الإرادة ومقتضيات الإرادة.
فإذًا ما نَتَجَ عن خلق الله - ﷿ - في الأمرين فهو مخلوق لله - ﷿ -.
ففعل العبد نتج عن الإرادة والقدرة وهما مخلوقان.
فنتج شيء عن خلق الله - ﷿ -، فإذًا هو مخلوق لله - ﷿ - لأنَّ الله ﷾ جعل العمل نتيجة للقدرة والإرادة.
مثل النبات: أنزل الله - ﷿ - من السماء ماءً فأنْبَتَ به أزواجًا من نبات شتى.
الماء نَزَلْ، والأرض موجودة، فبِسَبَبِ الماء وبسبب الأرض خرج النبات.
فهل يقال: إنَّ النبات خلقه الماء والأرض؟
ليس كذلك باتفاق المسلمين، باتفاق الناس، لم؟
لأنَّه نتيجة لنزول الماء الذي هو مخلوق باتفاق القدرية وأهل السنة، ونتيجة لنزول الماء على الأرض والتراب، والتراب والأرض مخلوق باتفاق أهل السنة والجماعة والقدرية والناس جميعًا.
فإذا كان كذلك كان ما ينتج عنهما وهو النبات مخلوق؛ لأنه نتج عن شيئين اجتمعا (الماء والتراب) وما نتج عن مخلوقين فإذًا له نفس الحكم.
إذا تبين ذلك فإذًا نقول أهل السنة والجماعة في تقريرهم في خلق أفعال العباد استدلوا بالآية كما ذكرنا لكم من قبل ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وبقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، وأيضًا استدلوا بهذه القاعدة وهو أنَّ عمل العبد لا ينتج إلا عن هاتين الصفتين.
لهذا إذا لم يعط الله - ﷿ - العبد القدرة فإنه يرفع عنه التكليف «صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» (١) ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] .
وإذا لم يُعْطِهِ الإرادة كأن يكون مجنونًا لا يريد، أو كان صغيرًا إرادته لا تتوجه إلى شيءٍ بِجَزْمْ مع عقل فإنه أيضًا يكون التكليف مرفوعًا عنه لأنَّ الفعل لا يتوجه إليه.
الحقيقة إذًا أنَّ العبد ابْتُلِيَ بهذه الصفات التي فيه.
ابتلي بالصفات الجسمانية هذه كلها ومنها صفة القدرة وصفة الإرادة.
إذًا فَتَحَصَّلَ لك أَنَّ معنى خلق أفعال العباد والدليل عليها هو ما ذكرنا من الأدلة من القرآن.
ومن السنة قوله ﷺ «إن الله صانع كل صانع وصنعتِه» (٢) يعني صَنَعْ الناس وصَنَعَ أيضًا ما يصنعون.
ولهذا نقول إنَّ الدليل على خلق أفعال العباد واضح من الكتاب والسنة، وأيضًا مما قرّرنا لك من صفات الإنسان وما ينتج عن ذلك من الدليل العقلي.
وثَمَّ بسط كثير في الاستلال على هذه المسألة محله المطولات.
هذه ألفاظ ترد معك في مباحث القدر لا بد أن تعرفها بوضوح ثم بعد ذلك إذا قرأت ما شئت من الكتب في باب القدر ستكون واضحة إن شاء الله تعالى لك.
_________________
(١) البخاري (١١١٧) / أبو داود (٩٥٢) / الترمذي (٣٧٢) / ابن ماجه (١٢٢٣)
(٢) المستدرك (٨٥)
[ ٢٤٧ ]
[المسألة الثامنة]:
معنى الاستطاعة التي وَصَفَ الله - ﷿ - بها المكلف ونفاها عن بعض فقال في النفي ﴿وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَا﴾ [البقرة:٢٦٧]، والعبد مستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] .
فالعبد أُثْبِتَتْ له استطاعة ونُفِيَتْ عنه استطاعة.
والاستطاعة التي أثْبَتَها ربنا - ﷿ - للعبد غير الاستطاعة التي نفاها.
وهذه المسالة مسألة الاستطاعة فيها بحثٌ طويل مع القدرية والجبرية معًا، وسيأتي تفصيل الكلام عليها إن شاء الله تعالى في آخر شرح الطحاوية؛ لأنه تعرض لها الطحاوي في أواخر هذه العقيدة المختصرة.
[ ٢٤٨ ]
[المسألة التاسعة]:
في معنى إضلال الله - ﷿ - من أَضَلْ، وهدايته من هَدَى.
إذا كنا نقول إنَّ الإنسان غير مجبور على الضلال وغير مجبور على الهدى.
فما معنى قوله ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١) وهذا من احتجاجات الجبرية؟
ما معنى ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]؟
ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَد﴾ [الكهف:١٧]؟
ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدي﴾ [الأعراف:١٧٨]؟
ما معنى ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦]؟
ونحو ذلك من الآيات التي فيها لفظ الإضلال والاهتداء لله - ﷿ - وفق مشيئته ﷾ وإرادته.
هذه المسألة ضل فيها الناس ومن أجلها ضَلَّت الجبرية والقدرية.
وهي مرتبطة في بيانها بمسألة التوفيق والخذلان.
فالله - ﷿ - عَلَّقَ الإضلال بمشيئته وعلق الهداية بمشيئته.
ونعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله - ﷿ - خَلَقَهُ، الذي يشاؤه سبحانه وتعالىأن يكون فإنه يكون، والذي يشاء الله - ﷿ - ألا يكون فإنه لا يكون.
إذا كان كذلك فإنَّ حدوث الهداية وحدوث الضلال نتيجة لأشياء.
ولذلك جاء لفظ التوفيق والخذلان في النصوص.
جاء لفظ التوفيق في القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بْاللهِ﴾ [هود:٨٨]، ونحو ذلك فالله - ﷿ - يوفّق من يشاء ويخذل ﷾ من يشاء.
ما معنى وَفَّقَ وخَذَلَ؟ وما صلتها بـ (يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء)؟
إذا تبين لك معنى التوفيق والخذلان فإنه سيَتَبَيَّن لك بوضوح معنى أنَّ الله - ﷿ - يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﷾.
* التوفيق: عند أهل السنة والجماعة هو إمداد الله - ﷿ - بعونه، إمداد الله - ﷿ - العبد بعونه -يعني بإعانته- وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه.
فإذًا التوفيق فَضْلْ لأنَّهُ إعانة.
* وأما الخذلان: فهو سلب التوفيق، فهو سلب الإعانة.
يعني التوفيق إعطَاءٌ، مَنٌّ، كَرَمٌ.
وأما الخذلان فهو عَدْلٌ وسلبٌ.
لأنَّ العبد أعطاه الله - ﷿ - القُدَرْ، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يُحَصِّلُ الهدى، أعطاه الآلات، يَسَّرَ له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة.
لكِنَّ الله - ﷿ - يُنعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدِّدُهُم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير.
ويمنع من شاء ذلك فلا يُسَدِّدُهُ ولا يُعِينُهُ ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه.
وهذا معنى أنه - ﷿ - يخذل؛ يعني لا يُعِين، يترك العبد وشأنه ونفسه.
ومعلومٌ أنّ العبد عنده آلات يُحَصِّلُ بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده.
هناك أشياء لا يمكن له أن يُحَصِّلَهَا، فهذه بيد من؟
بيد الله - ﷿ -.
لأنَّ الإنسان مرتبط قَدَرُهْ بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير.
مثل مثلًا أن يكون ذا أصحابٍ أو أن يُيَسَّرَ له أصحاب يعينونه على الخير.
مثل أن لا يكون في طبعه الخَلْقِي مزيد شهوة، إما شهوة كِبِرْ من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خَلْقًا، خارجة عن اختياره وتصرفه.
فالله - ﷿ - يُوَفِّقْ بعض العباد بمعنى يعينهم على الأمر الذي يريدونه، إذا انفَتَحَ له بابُ خَيرٍ وأَرَادَهُ فَيُحِسُّ العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ ما من الخير يَسَّرَ الله - ﷿ - له أسبابًا تعينه فانفتح له طريق الخير.
وآخَرُ حَضَرَتْهُ الشياطين وغلبته على مُرَادِهِ وأَطَاعَهَا؛ لأنه لم يُزَوَّد بِوِقَايَة، بإعانة، بتوفيق يمنعه من ذلك.
فإذًا صار عندنا أنَّ مسألة إضلال الله - ﷿ - مَن يشاء هو بخذلان الله - ﷿ - العباد.
وهداية الله - ﷿ - من يشاء بتوفيق الله - ﷿ - بعض العباد، يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه.
كونه - ﷿ - أعان هذا هو بمشيئته.
فإذًا من يشأ الله يُضْلِلْهُ يعني: يَسْلُبُ عنه التوفيق فيَخْذُلُهُ فينتج من ذلك أنَّ الله - ﷿ - سَلَبَ عنه إعانته، سَلَبَ عنه تسديده، سَلَبَ عنه أسباب الخير، سَلَبَ عنه غَلْقْ أبواب الشر من الكفر وما دونه.
فإذًا يكون ضالًا، لاهٍ هو بفعل نفسه؛ لأنَّهُ وُكِلَ إلى نفسه، لأنَّ الله - ﷿ - لم يَمُنْ على هذا بمزيد توفيق.
فإذًا مسألة الإضلال في كلام أهل السنة والجماعة عدل، ومسألة الهداية فضْل.
ولهذا أعظم الفضل والنعمة والإحسان نعمة التوفيق، الذي هو في الحقيقة نعمة الهداية.
_________________
(١) النحل:٩٣، فاطر:٨.
[ ٢٤٩ ]
فإذًا نقول: إنّ ربنا - ﷿ - مَنَّ على عباده المؤمنين فوفّقهم، أَعَانَهُم، سَدَّدَهُم، هَيَّأَ لَهُمْ الأسباب التي توصلهم إلى الخير، حبَّبَ لهم العلم، حبّب لهم الجهاد، حبّب لهم الحكمة، حبّب لهم الأمر والنهي، حبّب لهم أهل الخير إلى آخره، حبّب لهم كتاب مثل ما جاء.
وهذا التوفيق درجات أيضًا ففي البداية يكون فتح باب:
- وبعض الناس إذا انْفَتَحَ له باب التوفيق نَفْسُهُ فيها قُبح فتنازعه للشر فيكون بين هذا وهذا.
- وآخر نَفْسُهُ فيها خير، فَمِنَ الخير الذي معه أنَّهُ ينتقل من توفيقٍ إلى توفيقٍ أعظم منه حتى يصل بسبب عمله أنَّ الله - ﷿ - يُنْعِمْ عليه بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه -يعني وُفِّقَ في سمعه- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» (١) هذا كله توفيق، مزيد إعانة في هذه الجوارح، الجوارح هذه هي التي عليها الحساب والتي يُحَاسب العبد على ما صنعت جوارحه.
إذًا فحقيقة إضلال الله - ﷿ - من شاء ليست جبرًا، وهداية الله - ﷿ - من شاء ﷾ ليست جبرًا.
وإنما العبد عنده آلات، خوطب بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبرًا لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثًا.
والله - ﷿ - منزّه عن العبث؛ لأنَّ العبث سلب الحكمة وشر والله - ﷿ - الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته - ﷿ - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٧-١٨] .
فالله ﷾ مُنَزَّهٌ عن العبث.
يُضلِ ْجبرًا ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يُحَاسبه ويُنْزِل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟
يكون كالغريق الذي يقال له: (٢) إياك أن تبتل بالماء.
: [[الشريط التاسع عشر]]:
وهذا العياذ بالله هو حقيقة قول الجبرية الذين قال قائلهم:
ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ****** إيّاكَ إيّاك أن تبتلّ بالماء
وهذا يُنَزَهُ عنه الحكيم الخبير - ﷻ -.
فمن عَرَفَ صفات الله - ﷿ - وعَلِمَ حكمته، فإنَّ القول بالجبر في حقيقة الأمر إبطال للتكاليف أو رجوع إلى أفعال الله - ﷿ - بأنها لعب ولا حكمة فيها ولا تُوافق غاياتٍ محمودة، والله - ﷿ - منزه عن ذلك.
_________________
(١) البخاري (٦٥٠٢)
(٢) انتهى الشريط الثامن عشر.
[ ٢٥٠ ]
[المسألة العاشرة]:
وهي في إثبات الأسباب، وأنَّ أفعال الله - ﷿ - مُعَلَّلَة، وأنَّ الله ﷾ يفعل الفعل لعِلَّة، ويأمر بالأمر لعلة.
وهذه العلة هي حكمته - ﷿ - لإيجاد ذلك الشّيء.
وهذا في الأمور الكونية وفي الأمور الشرعية.
فما أحْدَثَهٌ الله - ﷿ - في ملكوته أمْرًا فَحَدَثْ فَلَهُ حِكْمَة - ﷿ - من إيجاده.
وما أَمَرَ الله - ﷿ - به في الشرع من الأحكام التشريعية أو نهى عنه فهو لعلة.
فالله سبحانه يأمر في الشرع بما مصلحته راجحة أو تامة، وينهى في الشرع عن ما مفسدته تامة أو راجحة.
فإذًا أهل السنة والجماعة يُثبتون التعليل في أفعال الله - ﷿ -، وأنّ أفعال الله ﷾ الكونية وأوامره الكونية والشرعية كلّها مرتبطة بِحِكَمْ عظيمة كما قال سبحانه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] .
إذا تبين ذلك ففي القرآن إثبات أفعال الله - ﷿ - مُعَلَّلَة، وتنزيه الله - ﷿ - عن أن يفعل الفعل لا لعلة كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٦-١٨] .
وقال أيضًا - ﷿ - للسموات والأرض ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الدخان:٣٩]، وقال - ﷿ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، وفي الأشياء الشرعية -الأوامر والنواهي- الأدلة على التعليل كثيرة جدًّا جدًا.
المقصود من هذا أنَّ الله ﷾ إذا كانت أفعاله مُعَلَّلَة، فأفعاله - ﷿ - لم يفعلها في مخلوقاته مباشرة دون وسائط؛ بل جَعَلَ الله - ﷿ - إيصال الفعل إلى نهايته مَنُوطًَا بأسباب، وكلُّ سَبَبٍ يُحدِثُ مُسَبَّبًَا.
ولهذا قال أهل السنة بإثبات التعليل في أفعال الله - ﷿ - والأسباب.
وأما أهل البدع من الجبرية وغيرهم فإنهم ينفون العِلَلْ وبالتالي ينفون الأسباب.
ولذلك يقال للجبرية -الأشاعرة ومن نحا نحوهم- يقال لهم نُفَاة الأسباب.
وهم في الحقيقة نُفَاةُ التعليل، يقولون: أفعال الله - ﷿ - غير معللة.
فإذًا السبب لا يُنْتِجُ المُسَبَّبْ؛ ولكن يَحْدُثُ عنه المُسَبَّبْ عند الالتقاء.
وهذا القول -يعني في نفي الأسباب والتعليل- قول ابن حزم وجماعة من الذين ظاهرهم متابعة الحديث.
إذا تبين ذلك فإنَّ حقيقة السبب؛ بأنَّ الله - ﷿ - يخلق شيئًا ويأمر بشيء أمرًا كونيًا ويكون ذلك سببًا لأشياء كثيرة.
فمثلًا إنزال المطر من السماء، الله - ﷿ - أمَرَ بإنزاله، وفي إنزاله حِكْمَةٌ لله - ﷿ -.
وأمْرُهُ ﷾ بأن يُنزَلَ هذا الماء على الأرض مرتبط بعلة؛ لأنَّ الأرض حياتها بالماء، وأيضًا إنزال المطر على هذه الأرض المعينة مرتبط بعلة الله - ﷿ - يعلمها وكما قال في بعض حكمته ﴿وَلَقَدْ صَرَفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورَا﴾ [الفرقان:٥٠] .
إذا تبين ذلك فالماء ينتج عنه شيء آخر، الماء سَبَبْ، والله ﷾ بَيَّنَ أنه أَنْبَتَ النبات بالماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠]، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق:٩٠]، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾، إذًا صارت كلمة ﴿بِهِ﴾ هذه تدل على أنَّ الإخراج بالماء، وأنَّ الماء بسببه صار الإخراج؛ يعني الماء أنتج الإخراج.
أما غير أهل السنة فماذا يقولون؟
يقولون عند التقاء الماء بالأرض حَصَلَ النبات، فيُفَسِّرُونَ حرف (بِـ) بنحو كلمة (عند) مِنَ الكلمات.
فإذًا عندهم عِنْدِيَّةْ ولذلك ينفون السبب.
يقولون: الماء لم يُنْبِتْ إلا على المَجَازْ العقلي، كما تقولُ: أَنْبَتَ الماء البقلَ والمنبِتُ هو الله - ﷿ -.
ولذلك يذكرون هذه القاعدة في كتب العقائد وفي كتب البلاغة الذي يسمونه المجاز العقلي: أنبت الربيع البقل أو نحو ذلك.
فإذًا نقول: إنَّ الله - ﷿ - من حكمته أنه خلق الأشياء وجعلها أسبابًا لأشياء.
خَلَقَ ماء الرجل وجعله سببًا لحمل المرأة، خَلَقَ اللباس وجعله سببا للدفء، خَلَقَ السّرابيل لِعِلَّة، خَلَقَ الأشياء لعلة، وهكذا فما من شيء تراه إلا وله حكمة، حتى في المُؤْذِيَات، حتى الهوام، حتى الحشرات، حتى ما تتأذى منه وتظن أنَّهُ لا حكمة فيه، فإنَّ فيه حكمة بالغة لله - ﷻ - وتقدست أسماؤه، هذه كلها أسباب والأسباب تُحْدِثْ المسببات.
إذًا حقيقة قول نفاة الأسباب أنهم يقولون: إنَّ السبب يُحدِثْ المُسَبَبْ عند الالتقاء؛ لكن لا يُنْتِجُهُ بالإقتِضَاءْ، يعني لا ينتجه بما جعل الله - ﷿ - فيه من التأثير.
[ ٢٥١ ]
ويمثّلون لذلك بالسكين التي يحملها الحامل لقطع الخبز، فيقولون: هذه السّكين لمَّا أَمَرَّهَا الحامل على الخبز قَطَعَتْ الخبز.
فإذًا الواقع السكين ما قَطَعَتْ الخبز عندهم حسب ما يُقَرِّرُونَ -والعياذ بالله-.
يقولون إنَّ الذي قَطَعَ في الواقع هو الحامل الذي حَمَلَ السكين، لكن صارت هذه لما التقت السكين بالخبز انقطع لأجل أنَّ الحامل أَمَرَّهَا.
فيقولون لما التقى الرجل بالمرأة، جامَعَ الرجل المرأة وأَذِنَ الله بالحمل حَمَلَتْ، سواء بماء أو بغير ماء، فالماء عنده حَصَلَ الحمل، لما نزل الماء على الأرض نبتت، فإذًا عندهم عندية.
وهؤلاء نفاة الأسباب وكثير من التفاسير مشحونة بهذا في مسائل القدر.
* وأنا يعني أردت بمزيد من هذه التفاصيل إلى أنَكَ تنتبه للتفاسير.
كثير من الناس يَحْذَرْ مسائل التأويل، ومعلوم أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة وما في النصوص ليست هي مسائل التأويل فقط، يعني المخالف خالف في التأويل.
لكن مسائل القدر أهم، مسائل القدر في التفاسير أهم ليس لأنها أعظم من مسائل الصفات ولكن لأجل خفائها على الناس فهي خفية.
الآيات: آيات الإضلال، الهداية، آيات الأسباب، آيات أفعال الله - ﷿ -، الصفات، كلها تجد في كتب التفاسير فيها خلطٌ وخبطٌ وخروجٌ عن طريقة أهل السنة والجماعة، رَفَعَ الله مراتبهم.
وأنتَ وبعد ذلك أقول تستفصل إن شاء الله وتزداد من هذه الأصول.
[ ٢٥٢ ]
[المسألة الحادية عشر]:
في أنواع التقدير.
ذكرنا لك أنَّ التقدير أربعة مراتب ومنها مرتبة الكتابة.
ومرتبة الكتابة جاء في الحديث أنها التقدير كما في قوله ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) يعني كَتَبْ، ولهذا نقول مراتب التقدير يعني مراتب الكتابة.
فالله - ﷿ - جعل كتابته للأشياء لها خمس أحوال:
١- الكتابة الأولى: وهي أوَّلُهَا وأقدمها وأعظمها كِتَابَةُ الله - ﷿ - مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه هي الكتابة التي كانت قبل الخلق، وهذه الكتابة لا تتبدل ولا تتغير، رُفعت الأقلام وجفَّتْ الصحف.
فيجد العبد ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ من خير أو شر.
وهذه مر معنا جُمَلْ الأدلة عليها وبعض التفصيل لها.
٢- الكتابة الثانية: كِتَابَةٌ لمقادير الخلق من حيث الشّقاوة والسعادة، ونعني بالخلق خاصةَ المكلفين.
وهذه التي تأتي فيها أحاديث الميثاق وأنَّ الله - ﷿ - استخرج ذرية آدم من صلبه فنثرهم أمامه كهيئة الذَّر وأخذ عليه أن لا يشركوا به شيئًا ﷾، وقَبَضَ قبضة إلى الجنة وقبضة إلى النار وكتب أهل الجنة وكتب أهل النار، ونحو ذلك مما جاء في السّنة من بيان ذلك.
هذا تقديرٌ بَعْدَ الأول، وهو قبل أن يُخْلَقَ جِنْسُ المكلفين أي من الإنسان.
لمَّا خلق الله - ﷿ - آدم حصل ذلك، حصل هذا التقدير العام لهم.
٣- الكتابة الثالثة: وهي التقدير العمري، والعُمري هو الذي يكون والإنسان في بطن أمه فإنَّ النطفة إذا صارت في الرحم وبلغت ثنتين وأربعين ليلة أتاها ملك، فأمره الله - ﷿ - بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.
وهذه أيضا جاءت في حديث ابن مسعود المشهور الذي فيه (أنَّ الملك يأتي بعد أربعين وأربعين وأربعين؛ يعني بعد عشرين ومائة، فيأتي فيكتب رزق الإنسان وأجله وعمله وشقي أو سعيد، يؤمر بِكَتْبِ هذه الكلمات الأربع) . (٢)
هذه الكتابة العُمرية هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ، لأنَّ الذي في اللوح المحفوظ شامل لكل المخلوقات، وهذا مُتعلِقٌ بهذا المخلوق المعين وحده.
لهذا قال العلماء: إنَّ هذه تفصيل، فذاكَ فيه الجميع، وهذا للإنسان المعين بخصوصه، قالوا تفصيل ولك أن تقول تخصيص.
٤- الكتابة الرابعة: الكتابة السنوية، والكتابة السنوية هي التي تكون في ليلة القدر قال - ﷿ - ﴿حم (١) وَالكِتَابِ المُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:١-٤] .
وهذه تُكْتَبْ فيها المقادير في تلك السَّنَةْ.
من السَّنَةْ إلى السَّنَةْ.
إيش معنى ذلك؟
معناها أنَّ الله - ﷿ - يوحي إلى ملائكته بأن يكتبوا أشياء مما في اللوح المحفوظ فتكون بأيديهم مما سيحصل للناس.
٥- الكتابة الخامسة: هي التقدير الأخير وهي التقدير اليومي.
واستدل له أهل العلم بقوله سبحانه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] .
إذا تَبَيَّنَتْ هذه المراتب فإنه قد ثبت في السنة أنَّ الله - ﷿ - يزيد في العُمُر، ينْسَأُ في الأَثَرْ، يبسط في الرزق، فقال ﷺ «من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (٣) يعني الرزق صار يتغير والأثر العمر صار يتغير، وقال أيضًا في الحديث الآخر «إنّ العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه» (٤) فمعناه فيه حرمان لبعض الرزق.
وهذا معنى قول الله - ﷿ - في آية سورة الرعد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] .
فنظر أهل العلم في ذلك فقالوا:
إنَّ المراتب الثلاث الأُوَلْ هذه لا تتغير ولا تتبدل؛ يعني:
- الأول السابق القديم الذي في اللوح المحفوظ.
- وهؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار.
- وكذلك كتب الملك الكلمات الأربع.
لهذا جاء في آخر الحديث مُؤَكِّدًَا ﷺ على أنها لا تتغير «وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥)، الثلاث الأُوَلْ هذه ما تتغير.
إيش الذي يَتَغَيَّرْ ويتبدل ويحدث فيه المَحْوُ والإثبات والزيادة إلى آخِرِهْ ويؤثر فيه الدعاء وتؤثر فيه الأعمال الصالحة؟
هذا التقدير السنوي.
والتقدير السنوي في الحقيقة هو من التقدير الأوّل.
هو مِنَ اللوح المحفوظ؛ لكنه في اللوح المحفوظ وُجِدَ مُعَلَّقًَا فصار بأيدي الملائكة مُعَلَّقًَا.
_________________
(١) سبق ذكره (٦١)
(٢) البخاري (٣٢٠٨) / مسلم (٦٨٩٣) / أبو داود (٤٧٠٨) / الترمذي (٢١٣٧) / ابن ماجه (٧٦)
(٣) البخاري (٥٩٨٥) / مسلم (٦٦٨٧) / أبو داود (١٦٩٣)
(٤) ابن ماجه (٤٠٢٢)
(٥) سبق ذكره (٢١١)
[ ٢٥٣ ]
وأما التقدير العمري فهو ما فيه النهاية؛ يعني ما كَتَبَهُ الله - ﷿ - بما فيه نهاية العبد وما فيه نتيجة أثر الدعاء وأثر الأعمال إلى آخره مما قد يكون مُتَغَيِّرًا.
إذًا فقوله - ﷿ - ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يعني مما في أيدي الملائكة من الصحف ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وكذلك من التقدير اليومي.
إذا كان كذلك فهذا به تَفْهَمُ الأحاديث التي فيها تغيير الرزق وتغيير العمر والنَّسْءْ في الأثر أو حرمان الرزق بالذنب ونحو ذلك، ومنه أيضا تفهم قول عمر ﵁ فيما جاء عنه (اللهم إن كنت كتبتني شقيا فاكتبني سعيدا؛ يعني بما يتعلق بتلك السنة من الإضلال والهداية) (١) .
هذه إحدى عشرة مسألة لعل فيها بيانًا لما تحتاج إليه في هذا الركن من أركان الإيمان.
لعل في هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
وأسأل الله سبحانه أن ينور قلبي وقلوبكم بعلم سلفنا الصالح، وأن يزيدنا من العلم النافع وأن يوفقنا لحسن الظن به - ﷿ - وحسن التوكل عليه وعِظَمْ العلم به وحسن العمل إنه سبحانه جواد كريم سميع قريب.
وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.
_________________
(١) لم أجد هذا الأثر عن عمر وقد ورد عن ابن مسعود أنَّه قال (اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني واثبتني في أهل السعادة) المعجم الكبير (٨٨٤٧)
[ ٢٥٤ ]