وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ وَمَا دُونَهُ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ، وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ.
_________________
(١) قال ﵀ (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ.) قدَّمتُ لك معنى قوله (حَقٌّ) فيما سبق وأنَّ معنى ذلك أنّ العرش والكرسي يُؤْمَنُ به على ظاهره كما جاء في النصوص، وأنَّهُ ليس بالباطل؛ بل هو موجود كما وصف الله - ﷿ -، فهو حق ثابت لا مِرية فيه. قال هنا ﵀ (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وسبب إدخاله هذه المسألة في العقائد أنَّ أهل البدع خالفوا أهل السنة في تفسير العرش وفي تفسير الكرسي. فلما كانوا مخالفين لما دَلَّ عليه الدليل وكان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان، رضي الله عن الصحابة ومن تبعهم، فإنهم قد خالفوا في أمرٍ غيبي، ومن خالف في أمرٍ غيبي فقد خالف ما يجب معه عقد الإيمان. لأنَّ من سمة المؤمن بما أثنى الله - ﷿ - عليه أن يؤمن الغيب كما قال - ﷿ - في الثناء على خاصة عباده ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢-٣] . فوصف المتقين بأخص الصفات وهي الإيمان بالغيب، وهذه صفة أهل الإيمان. جَعَلَ الله - ﷿ - أهل الإيمان لا يرتابون في الكتاب وسبب ذلك أنهم يؤمنون بالغيب فمدارُهُ على التسليم. لذلك فإنَّ المخالفين للكتاب الذين عقدوا ألوية البدعة تَأَوَّلُوا وحَرَّفُوا أكثر الأمور الغيبية كما سيأتي بيانه. لذا كان لإدخال الإيمان بالعرش والكرسي في هذه العقيدة المختصرة مَأْخَذُهُ. ولا شكّ أنَّ الإيمان بالعرش والكرسي حقٌّ على ما جاء في ظاهر الأدلّة. دلّ قوله (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) على أنّ معتقد أهل السنة والجماعة أنَّ العرش غير الكرسي فالعرش شيء والكرسي شيء آخر وكلاهما حقٌ. إذا تبين هذا كتقريرٍ لهذه الجملة، فإنَّ بحثها يمكن أن يكون في هذه المسائل: & أولًا العرش
[ ٢٦٨ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ العرش حق لأنَّ الله - ﷿ - ذكره في كتابه في آيات كثيرة فقال - ﷿ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، ووَصَفَ العرش بأنه عظيم، فقال ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ (١) ووصف عرشه - ﷿ - بأنه مجيد، ووصف عرشه بأنه يُحْمَلْ فقال سبحانه ﴿الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧]، ووصف عرشه أيضا بأنَّهُ يستوي عليه - ﷿ -، وأنَّ عرشه - ﷻ - موصوف بصفات العظمة التي فاق بها سائر العروش.
فإذًا وُصِفَ بهذه الصفات، وجاء في السنة مزيد في وصفه بأنَّ العرش له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﵊ «يُصعق الناس فأكون أول من يُفيق، فإذا بموسى باطشٌ -أو قال آخذٌ- بقائمة من قوائم العرش» (٢) .
فالعرش إذًا مخلوق من مخلوقات الله - ﷿ - العظيمة، ومن عِظَمِهْ أنه قال فيه ﷺ «مثل السموات السبع للعرش كمثل حلقة ألقيت في فلاة ومثل الكرسي للعرش كذلك» (٣) يعني كحلقة ألقيت في فلاة وهذا الحديث صححه وقواه جمع من أهل العلم، وروي من طرق كما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ والبحث يقتضي ذلك.
وصْفُ العرش في النص جاء بأنه مجيد؛ يعني أنه ذو سَعَةْ، وأنه ذو جمال، وجاء بأنه عظيم؛ يعني أنه أعظم من غيره، وجاء في وصف العرش أنه كريم؛ يعني أنه فاق جنس العروش والمخلوقات في البهاء والحُسْنِ والعظمة؛ لأنَّ لفظ كريم في اللغة تعني أنه فاق غيره في الأوصاف التي يُحْمَدُ فيها، فقول العرب للإنسان الجواد الذي يبذل الندى ويبذل الطعام للأضياف أنه كريم داخلٌ في قاعدةٍ كبيرة في معنى كلمة كريم في لغة العرب.
ولهذا من فاق غيره في الأوصاف فإنه كريم، ومن أسماء الله - ﷿ - الكريم الذي بلغ المنتهى في علو صفاته وحُسْنِ أسمائه بحيث لا يشابهه ولا يماثله شيء فيما وُصِفَ به - ﷻ -، ووُصِفَ النبي ﷺ بأنه كريم لذلك؛ بل وُصِفَ في القرآن أنَّ النبات كريم لأجل ذلك، فقال سبحانه ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٧]، يعني الأزواج التي تفوق غيرها وجنسها في النضرة والبهاء وما خلقه الله - ﷿ -.
فإذًا يقتضي وصف العرش في النص بأنه كريم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] في الحديث، يقتضي ذلك أنَّ العرش من جنس العروش.
يعني أنَّ له صفة العروش.
يعني أنه عرش على ظاهره لكنه فاقها في جميع الصفات التي توصف بها العروش.
فإذًا هو عرش على الحقيقة ليس على المعنى، هو عرش على الحقيقة، وفاق جنس العروش، والله - ﷿ - في القرآن ذكر العرش، عرش المخلوقين وعرش الملوك في آيات كثيرة فقال مثلا في قصة يوسف ﵇ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَا﴾ [يوسف:١٠٠]، وقال سبحانه في وصف عرش بلقيس قال ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣]، وقال سبحانه ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] ونحو ذلك.
فإذًا العرش هذا معناه، فيما جاء في الأدلة، وهذا عرش الرحمن، ووُصِفَ في الأدلة في الكتاب والسنة بهذه الأوصاف، وأنَّ العرش يُحْمَلْ، وأنَّ له قوائم، وأنه يُدَار حوله من الملائكة، وأنه مُقَبَّب كالقبة فوق سمواته، كما جاء في الحديث الذي في السنن واعتمد ما دلَّ عليه في جهة العرش أهل العلم لما جاء عن الصحابة في تقوية ذلك بأنَّ عرشه على سمواته هكذا وأشار بيديه مثل القبة، فقال أهل العلم إن العرش مُقَبَبْ.
وكونه مُقَبَبْ لا يعني أنه أصغر كما يدل عليه النظر العقلي، مثل تقبيب سطح الأرض على مستوى النصف فيها فإنه مُقَبَب عليها وهو أعظم منها فكيف بالعرش.
_________________
(١) التوبة:١٢٩، النمل:٢٦.
(٢) سبق ذكره (١١٥)
(٣) ابن حبان (٣٦١)
[ ٢٦٩ ]
[المسألة الثانية]:
العرش في اللغة مأخوذ من الرفع والارتفاع كما قال - ﷿ - في ذكر فرعون ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]، يعني يَبْنُونَ ويرفعون من الأبنية، وقال - ﷿ - ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، المعروشات يعني التي جُعِلَ لها البناء الذي يسمى تعريش أو العريش.
ولأجل هذا الارتفاع والعلو سُمِّيَ العرش عرشًا.
فكلمة عرش والتعريش ونحو ذلك مأخوذة أو أصلها الإرتفاع، ولهذا حتى في أكل اللحم إذا أراد أن يأخذ اللحم إلى فِيْهِ ويأكله بفيه بدون أن يقتطع منه يقال عَرَشَهُ، عَرَشَ اللحم أو عَرَشَ اللحم على العظم ونحو ذلك لأنه يرفعه على هذا النحو.
فإذًا مادة العرش في اللغة ترجع إلى الارتفاع وهذا التحليل اللغوي المختصر يفيد في الرد على المخالفين في مسألة العرش.
[ ٢٧٠ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ العرش دَلَّتْ الأدلة على هذا الوصف، أما المخالفون فلهم في العرش أقوال:
١- القول الأول:
أنَّ العرش هو فَلَكٌ من الأفلاك، وهو نهاية الأفلاك مستديرٌ حولها.
وهذا هو قول أهل الكلام المدون في كتبهم، ويُسَمُّونَ الفلك التاسع عندهم الأطلس، يعني الذي ليس فيه خروق ولا نجوم، قالوا وهو المسمى في الشريعة العرش لأجل علوه وارتفاعه على سائر الأفلاك.
وهذا على أصلهم لأنهم جعلوا الأفلاك سبعة ثم الثامن ثم التاسع وهو الفلك الأطلس، ولأجل عُلُوِّهِ وارتفاعه جمعوا ما بين الشريعة والفلسفة فقالوا هو هذا الفلك التاسع الذي تسميه الفلاسفة وأهل الهيئة -وهم جزء من الفلاسفة- يسمونه الفلك التاسع أو الأطلس هو العرش.
وهذا القول يُرَدُّ عليه بردود واضحات وهي:
@ الرد الأول: أنَّ أهل الهيئة سَمَّوا فلكهم التاسع أطلس ولم يزعموا -يعني قبل الإسلام- أنَّهُ هو العرش، والعرش في النصوص له صفة أخرى غير صفة الفلكية، فوُصِفْ بأنَّ له قوائم وأنَّ الملائكة تحمله وأنه على السموات على هذه الصفة وأنه مُفَضَّلٌ على العروش إلى آخره، فدلَّ على أنه ليس بفلك، والفلك مسارٌ من المسارات وكرة من الكرات التي تكتنف الأفلاك الأخرى.
فإذًا من جهة دلالة النص تُبطِلُ هذه الدلالة.
@ الرد الثاني: أنَّ الدلالة العقلية أيضًا تُبْطِلْ ذلك ودليله أَنَّ أهل الهيئة والفلاسفة لم يُقَدِّموا باتفاقهم برهانًا قطعيًا على أنه ليس وراء الفلك التاسع كما سَمَّوهُ فلك، وإنما قالوا هذا نهاية ما رأينا بوضع الخسوفات، وتَقَدَّمَ هذا على هذا إلى آخره، فَرَتَّبُوهَا بحكم مشاهدة، ولم يقولوا إنه ليس وراء الفلك التاسع فلك؛ لكن على هذا رتبوا، ولهذا لم يقولوا -يعني بالبرهان القاطع- وإنما قالوا إنَّ الفلك التاسع هذا هو آخر الأفلاك بحكم ما شاهدنا؛ لكن قد يكون ثم شيء آخر وراءه.
وهذا يخالف ما فَهِمُوهُ من كلمة العرش لأنهم أرادوا أن يجعلوا صِلَة بين العرش وبين كلام الفلاسفة، والعرش هذا الذي ذُكِرَ في النصوص لا يوافق هذا المبدأ؛ لأنه آخر المخلوقات والعرش أعظم المخلوقات وما تحته صغيرٌ بالنسبة إليه وليس دائريًا كما ذكروا.
فإذًا كلامهم من الجهة العقلية لمَّا لم يأتِوا ببرهانٍ يدلُّ على أنه ليس وراء الفلك التاسع شيء ببرهانٍ قطعي عقلي وإنما قالوا هذا الذي يظهر من جهة النظر، فإنَّ هذا يدل على أنَّ تسمية الفلك التاسع بالعرش أنه ليس بصواب، وهذا واضح لكن لأنك قد تجده في بعض كتب التفسير فانتبه من ذلك.
٢- القول الثاني:
أنَّ العرش هو عبارة عن المُلْكْ ولكن عَبَّرَ عن الملك بالعرش لتلازمهما، فكما أنَّ لملوك الأرض عرشًا يجلسون عليه فإنَّ الله - ﷿ - جعل لنفسه عرشًا، وهذا العرش هو مُلْكُهُ، لكن من قبيل تعظيم الأمر.
وهذا القول أيضًا باطلُ ومردود؛ لأنَّ مُلْكُ الله - ﷿ - لا يوصف بتلك الصفات في الشريعة، فإنَّ المُلْكَ لا يُحْمَلْ، والمُلْكْ ليس له قوائم، والمُلْكْ ليس ثَمَّ ملائكة تدور حوله ونحو ذلك، والمُلْكْ لا يأتي يوم القيامة محمول ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، إلى آخره، أيضا المُلْكْ مرتفع معنىً والعرش مرتفع حِسًّا يعني من جهة دلالة اللغة وهذا فرق بَيِّنْ.
٣- القول الثالث:
أنَّ حقيقة العرش هي الكرسي، وأنَّ الكرسي والعرش شيء واحد، وأنَّ الكرسي الذي وَسِعَ السموات هو العرش، وهذا قولٌ هنا وقولٌ في أقوال الكرسي يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى، وهذا القول منسوب إلى الحسن البصري وهو قول ضعيف؛ لأنَّ:
- الله - ﷿ - وَصَفَ العرش بصفات ليست هي صفات الكرسي.
- ثم مادة العرش غير مادة الكرسي؛ يعني من جهة الاشتقاق.
- ثم الآثار عن السلف متضافرة في أنَّ العرش شيء والكرسي شيء آخر
ولهذا عطف الطحاوي الكرسي على العرش فقال (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ.) لأنَّ العطف بالواو يقتضي المغايرة، مغايرة الذوات بين الكرسي والعرش.
٤- أما بالنسبة مذهب الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فإنهم في العرش مضطربون، ليس لهم مذهب واضح:
- منهم من ينحو منحى أهل الكلام.
- ومنهم من يقول العرش مخلوق من مخلوقات الله لا نعرف حقيقة تكوينه، ولا معنى الاستواء عليه ونحو ذلك.
- ومنهم من يقول إنَّ العرش هو الملك.
- ومنهم من يقول العرش تمثيل، أصلًا ليس فيه عرش وليس ثّمَّ شيء وإنما هو تقريب، تمثيل للأفهام.
[ ٢٧١ ]