[المسألة الأولى: تفسير الكرسي وأنه موضع قدمي الله]
والكرسي
_________________
(١) & ثانيًا الكرسي: [المسألة الأولى]: الكرسي ذَكَرَهَُ الله - ﷿ - في آية واحدة في القرآن سُمِّيَتْ بآية الكرسي لقوله - ﷿ - فيها ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله، قال ﷺ لأبي «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، قال «ليهنك العلم» (١) لأنَّ هذا يعني أنه فَقِهَ معنى هذه الآية لأنَّهُ لا يدرك كون هذه الآية أعظم ما في القرآن إلا أنَّهُ عَلِمَ معانيها ولا شك أنَّ هذه تعني علمًا عظيمًا. وفي السنة جاء بيان حجم الكرسي بالنسبة للسموات بأنَّ (٢) السموات السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض والكرسي بالنسبة إلى العرش مثل ذلك. وجاء في أثر عن ابن عباس موقوف يصح عنه موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح مرفوعًا، وهو قوله ﵁ (الكرسي موضع القدمين لله - ﷿ -) (٣) وهذا يعني أنَّ الكرسي مخلوق من مخلوقات الله عظيم جدًا، جعله الله بهذا العِظَمْ، وأنه وسع السموات والأرض، وأكثر من ذلك السموات صغيرة بالنسبة لكرسي الرحمن - ﷻ -.
(٢) مسلم (١٩٢١)
(٣) انتهى الوجه الأول من الشريط العشرين.
(٤) المستدرك (٣١١٦)
[ ٢٧٢ ]
[المسألة الثانية]:
أنَّ كلمة كرسي من جهة اللغة مأخوذة من الكَرْسِ، والكَرْسِ هو الجمع في اللغة، ويقال للكرسي المعروف إنه كرسي لأجل أنَّ أعواده تُجمَعْ على هيئة ما.
فالكرسي يختلف عن المقعد الآخر بأنَّهُ أعواد مجموعة في اللغة، ومنه سُمِّيَ العلماء أيضًا كَرَاسِي لأجل أنهم جَمَعُوا العلم، لأجل معنى الجمع، وكذلك قيل للوَرَقْ المجموع على نحوٍ ما كُرَّاسة لأنها أوراق جُمِعَتْ.
فمادة الجمع مادة الكَرْسْ تعود إلى الجمع، ويقال تَكَرَّسَ فلان بالشيء إذا جَمَعَهُ أو تكرَّس فلان الشيء إذا جمعه إلى صدره أو جمعه إليه.
فإذًا مادة الكرسي مأخوذة من الجمع.
وهذا يدل على أنَّ كرسي الرحمن - ﷻ - وتقدست أسماؤه له من الصفات العظيمة ما يختلف به عن صفة العرش؛ لأنَّ الله - ﷿ - سَمَّى العرش عرشًا وهذه لها دلالتها في اللغة، وسَمَّى الكرسي كرسيًَّا وهذه لها دلالتها في اللغة.
[ ٢٧٣ ]
[المسألة الثالثة]:
الناس لهم في الكرسي أربعة أقوال، يعني غير أهل السنة:
١- القول الأول: وهو قول الحسن وهو أنَّ الكرسي هو العرش وهذا قول ضعيف، الآثار ترده كما قلت لك.
٢- القول الثاني: أنَّ الكرسي لمَّا ذُكِرْ في آيةٍ واحدة هي آية الكرسي في سورة البقرة، أَنَّهُ تمثيل وأنه ليس ثمَّ حقيقة للكرسي؛ ولكن هو تمثيل لتقريب عظمة الله - ﷿ -.
وهذا هو قول الذين ينفون كثير من الصفات التي تدل على عظمة الله وقدرته كقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، ونحو ذلك فيقولون: إنَّ هذا كله تخييل؛ بل قالوا: إنَّ كل نص جاء في الكتاب والسنة من هذا القبيل فإنه لأجل التخييل لا تُقْصَدُ حقائقه، وإنما المقصود تعظيم الناس لله - ﷿ - وإلا فهذه ليست على حقائقها.
وهذا القول معروف من أقوال المعتزلة وطائفة من الأشاعرة، ومن المعاصرين قرَّرَهُ في تفسيره سيد قطب في ظلال القرآن وجعله قاعِدَةً كلية في آخر سورة الزّمر عند قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وفي الحقيقة إنَّ القول بأنَّ هذا كله على جهة التخييل إلغاء لكل الدلالات الشرعية للألفاظ وإلغاء لكل الغيبيات لأنه يكون المقصود في كل هذا التمثيل.
وهذا القول قَدَّمَهُ الزمخشري في الكشاف وكأنه يميل إليه، وعلى قاعدتهم في أنَّ كل النصوص من هذا الباب على وجه التوهم والتخييل.
وهذا القول كما ذكرت لك غلط عظيم؛ لأنَّ معناه نفي كل الأمور الغيبية هذه على هذه القاعدة، فما كان من الأمور الغيبية يدل على عظمة الله وكان فيها تمثيل بأشياء موجودة عند البشر فتُنْفَى ويكون المقصود التمثيل لا الحقيقة.
٣- القول الثالث: أنَّ الكرسي هو العلم، فكرسي الرحمن - ﷿ - هو عِلْمُهُ، وقوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني وسع علمه السموات والأرض.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ولكن الصحيح عن ابن عباس خلاف هذا القول.
ويُرَدْ على هذا القول بأمور:
١ - أنَّ مادة الكرسي للجمع، والعلم شيء آخر، هذا من جهة اللغة.
٢ - أنَّ الله - ﷿ - ذكر أنَّ الكرسي وسع السموات والأرض؛ ولكن علمه - ﷿ - وسع كل شيء، قال سبحانه ﴿ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، وقال - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعِلْمُ الله - ﷿ - يشمل علمه بذاته - ﷿ - وبأسمائه وصفاته وأفعاله وعلمه - ﷿ - الذي يسع السموات والأرض وعلمه - ﷿ - الذي يسع الجنة والنار وعلمه - ﷿ - بعد تغير السموات والأرض وقبل خلق السموات والأرض.
فإذًا تفسير الكرسي بأنه العلم هذا يضاد أنَّ العلم يسع كل شيء ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وأما كرسي الرحمن - ﷿ - فقال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .
٣ - أنَّ قولهم إنَّ الكرسي هو العلم وأنَّ مادة تَكَرَّسَ راجعة إلى العلم، والعلماء سُمُّوا كراسي لأجل العلم ونحو ذلك من الاحتجاجات واحتجاجهم بقول الشاعر يصف قنصه لفريسته:
فلما احتازها تكرَّسا
قالوا يعني علم.
فهذا من الجهة اللغوية فيه ضعف، وذلك أنَّ العلم ليس راجعًا إلى الجمع والعلماء صحيح أنهم جمعوا علومهم لكنَّ العلم من حيث هو يَحْصُلُ بتلقي المعلوم ثُمَّ العِلْمُ به والمعرفة به، فليس كل علم ناتجًا عن جمع بل يكون ناتجًا عن تصور الخَبَر، فيكون معلومًا له.
وهذا هو المقرر في اللغة وعند أهل نظرية المعرفة، فإن المرء يعلم بدون جمع، والله - ﷿ - وَصَفَ الصغير بقوله ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨]، فكُلَّمُا عَلِمَ المخلوق، كلما علم الصغير شيئا صار عالمًا به ولو لم يجمعه إلى غيره، فمادة الجمع غير مادة العلم، مادة الكَرْسْ غير مادة العلم والعلم ما صار علمًا للجمع، وإن كان العلماء سُمُّوا كراسي لأجل جمعهم العلم.
فإذًا راجِعٌ تفسير كلمة التكرس إلى كلمة الجمع، واحتجاجهم بقول الشاعر كما ساقه ابن جرير الطبري في تفسيره:
فلما احتازها تكرسا
يدل على أنَّ التكرس بمعنى الجمع لا بمعنى العلم لم؟
لأنه قال (فلما احتازها) يعني صارت في حوزته.
(تَكَرَّسَا) وهو عَلِمْ بأنه قَنَصَهَا لمَّا صارت في حوزته.
يكون تكرسه شيئًا جديدًا زائدًا على ما حَصَلَ له من الحيازة، فالحيازة بها عَلِمْ وزاد بعد الحيازة أن ضَمَّهَا وجمعها إليه.
فإذًا من حيث اللغة فإنَّ دلالة التَّكَرُّس على العلم دلالة ضعيفة؛ بل الصواب أنَّ التَّكَرُّس ومادة كَرَسَ راجعة إلى الجمع في اشتقاقاتها جميعا.
[ ٢٧٤ ]
٤- القول الرابع: أنَّ الكرسي عبارة عن المُلْكْ كما قالوا في العرش، وقالوا إنَّ الكرسي إذا قيل إنَّ كرسي الملك واسع فهذا يدل على سعة مُلْكِهِ وعلى عُلُوِّ شأنه وقُوَّتِهِ.
فيقولون: الله - ﷿ - قال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، يعني أنَّ سلطانه وملكه وسع السموات والأرض.
وهذا ليس بجيد أيضًا؛ لأنَّ:
١ - الكرسي من جهة دلالة اللغة غير دلالته على الملك.
٢ - أنَّ الكرسي موصوف في السنة وفي آثار السَّلف بأنه غير الملك، فدلَّ ذلك على أنَّ تفسيره بالملك تفسير حادث، والتفسير الحادث بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم لا يُصَارُ إليه في تفسير القرآن.
[ ٢٧٥ ]
[المسألة الرابعة]:
وهذه المسألة متصلة بالعرش والكرسي جميعًا، وهي راجعة إلى أثر الإيمان بالعرش والكرسي.
فالمؤمن إذا آمن بأنَّ عرش الله - ﷿ - حق، وأنَّ هذه التي ذُكرت هي صفة العرش، وأنَّ عرش الله عظيم جدًا وأنه مجيد وأنه كريم، وأنَّ النبي ﷺ حَدَّثَ عن أحد حملة العرش بأنَّ مسيرة ما بين عاتقه إلى شحمة أذنه مسيرة خمسمائة عام، وأنَّ السموات بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وأنَّ الكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، وأنَّ الكرسي موضع قدمي الرحمن - ﷿ -، فلا شك أنَّ هذا يَؤُولُ بالمؤمن الحق إلى اعتقاد عظمة الله - ﷿ -، وإلى أنَّ الله سبحانه تتناهى المخلوقات عنده في الصِّغَر، وأنه - ﷿ - كما وصف نفسه بقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وجاء في الأثر في تفسير ذلك أنه يرمي بها يوم القيامة كما يرمي الصغير بالكرة فيقول أنا الله الواحد أنا الملك إلى آخره.
فمعرفة صفة الكرسي وصفة العرش، ويبتدئ المرء من نفسه التي يُعَظِّمُهَا وكيف هو على هذه الأرض العظيمة جدًا وهو صغير جدًا جدًا، هذه الأرض، حتى إنَّ المدن الكبار إذا صعدت بالطائرة تراها صغيرة جدًا وهي تحوي ملايين الناس، فكيف بالفرد والأرض هذه بالنسبة للسماوات صغيرة، والسماوات السبع على سعتها وعِظم ما فيها من الأفلاك والنجوم والسيارات بالنسبة للكرسي صغيرة كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، والله - ﷿ - فوق العرش مستغن عن العرش، وكل شيء محتاج إليه، والله سبحانه محيط بكل شيء إحاطة سعة وقدرة وذات وشمول - ﷻ - وتقدست أسماؤه فإنَّ المرء ولاشك يصيبه بل يحصل له في قلبه نوع عظيم من الذل لله - ﷿ -، ونوع عظيم من احتقار النفس ومعرفة قدر الإنسان كيف هو، وأنه شُرِّفَ أعظم تشريف أَنْ جعله الله - ﷿ - عبدًا له سبحانه، ولهذا ينظر المرء إلى عِظَمْ المخلوقات هذه ويؤمن بها فيُعَظِّمْ الله - ﷿ -.
حقيقةً الإيمان بأسماء الله - ﷿ - وصفاته يُثْمِرُ ثمراتٍ عملية في القلب من وَجَلِ القلوب، من إجلال الله - ﷿ - وحب القلوب لجمال الله - ﷿ - وأنواع ما يحدث في القلب من الإيمان ومدارج الإيمان التي تتصل بالإيمان بالأسماء والصفات، كذلك الإيمان بالجنة والنار، كذلك الإيمان بالعرش والكرسي لمن تأمله فإنه يجعل القلب خاضعا لربنا ويجعل القلب مُخْبِتًَا مُنِيبًَا لله - ﷿ - فإنْ غَفَلَ جاءه تعظيمه وإيمانه وعقيدته بالإنابة السريعة بالاستغفار الحق.
إذًا حين نبحث هذه المباحث في العقيدة ليست كما يبحثها أهل الكلام المذموم في كونها أشياء لا ثَمَرَةَ لها على الإيمان والعمل الصالح وتَعَبُّدْ المرء لله - ﷿ -، فإنَّ كل شيء وَصَفَهُ الله - ﷿ - لنا من الأمور الغيبية لم يُقْصَدْ إيماننا به واعتقادنا له من جهة الوجود دون جهة الإيمان وما يُثْمِرُ منه؛ بل قُصِدَ الإيمان به -يعني بوجوده وأثر الإيمان الذي يُحْدِثُهُ في النفس- لأنَّ المقصود إصلاح القلوب بالله - ﷿ -.
وأنت سمعت قول أولئك من المعتزلة وطوائف من المبتدعة إنَّ هذه الأشياء تمثيل لأجل إصلاح الناس وإيمانهم بعظمة الله - ﷿ -، والواقع أننا إذا قلنا بما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة فإنها في تحصيل الإيمان وفي إحداث الإيمان في النفوس وتقوية الإيمان أعظم من أن تكون للتمثيل؛ لأنَّ ذِكْرَهَا على الحقيقة وعلى هذه الصفات يجعل المرء على الحقيقة يتصور كيف هذه المخلوقات جميعًا والأرض هذه الكبيرة وما فيها ثُمَّ السموات ثم الكرسي بعد ذلك ثم العرش ثم الملائكة الحافين من حول العرش لاشك يُحْدِثْ له أنواع من الإيمان والوجل والخوف وحب الله - ﷿ - وتعظيمه والإنابة إليه، وهذا لاشك كله من المقاصد الشرعية.
فإذًا الإيمان بهذه يحتاج منك إلى تأمل وتدبر في أن تُعْمِلَ في قلبك هذه الأشياء وتتذكر عظمة الله - ﷿ -.
هذه بعض المباحث المتعلقة بقوله (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وثَمَّ مباحث زائدة يعني قد تدخل في مباحث الكلام المذموم، فالذي يهمنا هو تقرير ما دل عليه الكتاب والسنة وما يجب اعتقاده أنَّ العرش والكرسي حق، وأنَّ العرش موصوف بتلك الصفات والكرسي موصوف بتلك الصفات، وأنَّ الأقوال الباطلة في العرش والكرسي متعددة والجواب عليها، وأسأله - ﷿ - لي ولكم التوفيق والسداد.
وفي هذا القدر كفاية عسى الله - ﷿ - أن يرحمنا برحمته وأن يجعلنا من المنيبين إليه المتقين.
نكتفي بهذا القدر، لا تنسونا من صالح الدعاء. (١)
_________________
(١) انتهى الشريط العشرون.
[ ٢٧٦ ]