قال بعد ذلك ﵀ (وَنُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ، وَبِجَمِيعِ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ) .
_________________
(١) (نُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ) اللوح والقلم تَعَلَّقَ بالقَدَرْ من جهة أنَّ القَدَرْ من مراتب الإيمان به الكتابة. والكتابة كانت بالقلم في اللوح، ولهذا لا يتم الإيمان بالكتابة إلا بالإيمان باللوح والقلم. والله - ﷿ - أقسم بالقلم فقال سبحانه ﴿ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] . ﴿وَالقَلَمِ﴾ هذا هو القلم الذي كُتِبَ به القضاء، كُتِبَ به القَدَرْ في أحد وجهي التفسير. واللوح ذكره الله - ﷿ - في كتابه في غير ما آية كقوله - ﷿ - ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١-٢٢]، وسماه سبحانه كتابًا مكنونًا فقال ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨-٧٩]، وسماه - ﷿ - أم الكتاب فقال سبحانه ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وسُمِيَ لوحًا لما فيه من البهاء والنور والإضاءة لأنه يَلُوحُ بمعنى أنه يظهر ويبين لما فيه من النور. فالإيمان باللوح والقلم من الإيمان بكتابة الله - ﷿ -. (وَبِجَمِيعِ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ) كل ما كتبه الله - ﷿ - نؤمن به، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما كتبه الله لابُدَّ أنَّهُ كائِنٌ. لهذا قال بعده (فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ) إلى آخر كلامه. إذا تبيّن هذا ففي مسألة اللوح والقلم عدة مسائل:
[ ٢٥٦ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ اللوح جاء وصْفُهُ في حديث حَسَّنَهُ طائفة من أهل العلم ويحتاج في بحث إسناده إلى مزيد نظر، فيه أنَّ اللوح كما جاء في الحديث «خلق الله اللوح من دُرَّةٍ بيضاء» (١) ووصفه بأنَّ حافتيه الدر والياقوت؛ يعني غطاء هذا اللوح أو دفتا هذا اللوح من دُرٍّ وياقوت، وصفحات هذا اللوح حمراء.
جعل الله - ﷿ - هذا اللوح كما وصفه بعض السلف على يمين العرش، وهو بين جبين إسرافيل لا يَنْظُرُ فيه.
وجاء أيضًا أنَّ الله خَلَقَ القلم وجعله من نور، وأنَّ طوله ما بين السماء والأرض، وأنَّ اللوح المحفوظ طوله ما بن السماء والأرض وعرضه كما بين المشرق والمغرب.
وهذا كما ذكرتُ لك يحتاج إلى مزيد بحث لكن يذكره العلماء من أهل السنة وتتابعوا عليه في حديث رواه -يعني في أصل وصف اللوح والقلم- رواه الطبراني وغيره وحُسِّنَ إسناده كما ذكرت لك، وقد ساقه أو ذكر الحديث شارح الطحاوية وغيره.
_________________
(١) المستدرك (٣٧٧١) / المعجم الكبير (١٠٦٠٥) / حلية الأولياء (١/٣٢٥)
[ ٢٥٧ ]
[المسألة الثانية]:
أنَّ القلم الذي كَتَبَ الله - ﷿ - به القَدَرْ كُتِبَ به ما يتعلق بهذا العالم.
يعني كُتِبَ به القَدَرْ إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن عمرو أنّ النبي ﷺ قال «قدر الله مقادير الخلائق -يعني كتب مقادير الخلائق- قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) فالقلم متعلقة كتابته في اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى قيام الساعة.
_________________
(١) راجع (٦١)
[ ٢٥٨ ]
[المسألة الثالثة]:
أنّ القلم لمَّا خَلَقَهُ الله - ﷿ - أمره أن يكتب، فجَرَى بما هو كائِنٌ إلى قيام الساعة، كما جاء ذلك في حديث عُبادة بن الصامت الذي رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد وجماعة بألفاظ متقاربة، وفيه أنَّ النبي ﷺ قال «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (١) .
وهذا لفظ أبو داوود وغيره.
وجاء أيضا بلفظ «أول ما خلق الله القلم قال له: أكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (٢) .
ولهذا اختلف العلماء هنا في هل هذا الحديث على ظاهره في أنَّ أول المخلوقات القلم أو أنَّ هذا الحديث له معنىً آخر؟ وجعلوا هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو من الأحاديث التي ينبغي الجمع بينها وهذا هو المسألة الرابعة وهو الجمع ما بين الحديثين.
_________________
(١) راجع (٨٧)
(٢) المسند (٢٢٧٥٩) / مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٩٢٢)
[ ٢٥٩ ]
[المسألة الرابعة]:
تلحَظُ أَنَّ حديث عبد الله بن عمرو فيه قال «قدر الله مقادير الخلائق» ولما قَدَّرْ -يعني كتب- كان عرشه على الماء.
وفي حديث عبادة قال «إن الله أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» فيقتضي حديث عبادة أنَّ الأمر بالكتابة كان مُرَتَّبًا على ابتداء خلق القلم.
وتقدير القَدَرْ كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة والعرش على الماء.
فدل حديث عبد الله بن عمرو على وجود تقدير وعلى وجود العرش -خلق العرش- وعلى خلق الماء.
ودلَّ حديث عبادة على أنَّ خَلْقْ القلم تَبِعَهُ قول الله - ﷿ - للقلم أكتب فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة.
وهذا الترتيب جاء في حرف الفاء الذي يدل في مثل هذا السياق على أنَّ هذا بعد هذا دون تراخٍ زمني.
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة في الجمع بين هذين الحديثين هل القلم هو أول المخلوقات أم العرش خُلِقَ قبله على قولين للسلف فمن بعدهم:
١- القول الأول: إنَّ العرش قبل القلم وكذلك الماء قبل القلم.
والقول الأول هو قول جمهور السلف كما نسب ذلك إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
٢- القول الثاني أنَّ القلم هو أول المخلوقات والعرش والماء بعد ذلك وهو قول طائفة من أهل العلم.
الترجيح ما بين هذين القولين هو أنَّ الأحاديث يجب الجمع بينها وعدم تعارضها.
وحديث عبادة بن الصامت في قوله ﷺ «إن أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» يقتضي أنَّ الكتابة كانت بعد خلقه.
وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي تقدم وجود العرش والماء على حصول الكتابة.
فدلّ هذان الحديثان على أنَّ العرش والماء موجودان قبل، وأنَّ خلق القلم تبعته الكتابة.
ولهذا نسبه شيخ الإسلام إلى جمهور السلف بأنَّ القلم موجود بعد العرش والماء.
وهذا تدل عليه رواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» يعني حين.
«أَوَلَ» بمعنى حين.
«أَوَّلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» حين خَلَقَهُ قال له أكتب.
وهذا هو معنى «إن أَوَلَ ما خلقه الله القلم فقال له أكتب» لأنَّ الجمع بين الروايات أولى من تعارضها.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه التِّبْيَان أنَّ قوله «إن أَوَلَ ما خلق الله القلم» ورواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم» إما أن تُجعل جملتين أو جملة واحدة.
وقد ذكر هذا النقل شارح الطحاوية فترجع إليه.
وخلاصة البحث هو ما ذكرت لك من التقدير، فإن قوله «إن أَوَلَ ما خلق اللهُ القلمُ» هنا برفع القلم يكون خبر (إنَّ) .
يعني: إنَّ أَوَلَ الذي خلق الله، إن أَوَلَ المخلوقات القلمُ فقال له أكتب.
وإذا كان أَوَّلْ المخلوقات فكيف يُفَسَّرْ مع حديث «وكان عرشه على الماء» الذي ذكرته لك.
فقوله إنَّ أَوَّلَ المخلوقات أو أَوَّلَ ما خلق الله أو أَوَّلَ الذي خلقه الله، يُفهم على أنَّ القلم جرى بما هو كائن إلى قيام الساعة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
فالقلم متعلّق بما كُتِبَ في اللوح المحفوظ، مُتَعَلِّقًا بما يحدث في هذا العالم المخصوص لا في مطلق الأشياء، ولهذا عُلِّقْ بأنه إلى قيام الساعة.
فإذًا يُفهم لمَّا كان تعلق الكتابة بهذا العالم الذي جرى التقدير عليه إلى قيام الساعة، يُفهم أنَّ القلم لمَّا تَعَلَّقَ بهذا العالم كتابةً لِتَقْدِيرِهِ ولِقَدَرِهِ ولآجاله إلى آخره فإنه من هذا العالم؛ لأنّ العوالم أجناس والله - ﷿ - جعل لمخلوقاته أقدارا وأجناسا.
فإذًا يُفهم قوله «إن أَوَّلَ ما خلق الله القلم» يعني من هذا العالم.
فالقلم قبل السموات وقبل الأرض وقبل الدخان المتعلِّق الذي خُلِقَ منه السموات والأرض وكل ما يتصل بهذا العالم المرئي المُشاهَدْ، فالقلم هو أول المخلوقات أما العرش والماء فليسا مُتَعَلِّقَينِ بهذا العالم.
فإذًا إعمال الحديثين مع ما يتّفق مع عقيدة أهل السنة والجماعة واضح لا إشكال فيه، فيكون ذلك هو تقرير هذه المسألة.
وقد لخّص ابن القيم المسألة في نونيته وبحثها مفصلًا في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وفي غيره فقال في النونية ﵀:
والناس مختلفون في القلم الذي ****** كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو بعده ****** قولان عند أبى العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ****** عند الكتابة كان ذا أركان
وهذا القول كما ترى من تقريره مع دليله هو الصحيح، وهو الموافق لفقه النص وفقه خلق العالم وآثار فعل الله - ﷿ - في ملكوته، ومتّفق مع القول بأن الله - ﷿ - فعَّالٌ لما يريد، وأن قَبْلَ هذا العالم ثَمَّ عوالم أخرى، والله - ﷿ - يخلق ما يشاء ويختار، وأنّه ثَم أشياء أخرى بعد قيام الساعة، والقلم مُتَقَيِّدٌ بما خلقه الله - ﷿ - له، والله سبحانه له الأمر كله يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد ﷾.
[ ٢٦٠ ]
[المسألة الخامسة]:
جاء في حديث أنس الذي رواه البخاري وغيره في قصة الإسراء أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عروجه إلى الله - ﷿ - ليلة المعراج، ثم قال في وصف ارتفاعه ﷺ «ثم إني رُفِعْتُ لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام» (١) .
وهذه الأقلام غير القلم الذي كُتِبَ به القَدَرْ فإنَّ ذلك القلم من نور كُتِبَ به القَدَرْ في اللوح المحفوظ.
وأما هذه الأقلام فهي التي بأيدي الملائكة.
أقلامٌ يُكْتَبُ بها وحي الله - ﷿ - إلى ملائكته مما يُوَكَّلُونَ به من الأشياء.
فهم يكتبون أَمْرَ الله - ﷿ -، وله ﷾ كلمات لا تنقضي كما قال - ﷿ - ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] .
فالله - ﷿ - كلماته الكونية لا تنفذ يأمر وينهى ﷾ في ملكوته والملائكة تكتب، فهذه الأقلام نوع آخر.
ولك أن تقول هذا هو النوع الثاني وهي أقلام الوحي التي بأيدي الملائكة يكتبون ما يوحي الله - ﷿ - به في سَمَائه.
_________________
(١) البخاري (٣٤٩) / مسلم (٤٣٣)
[ ٢٦١ ]